النص المفهرس

صفحات 101-120

الموطأ
التمهيد
القبس
قام الدليلُ مِن القرآنِ والخبرِ المذكورِ على أن النهىَ فيه جازمٌ ، والمعنى فيه مفهومٌ ،
وقولُ زيدِ بنِ ثابتٍ: كالحشُورةِ لهم . ظنٍّ منه وتأويلٌ ، وإذا استقام فى الروايةِ الدليلُ
لم يَقْدَع فيه ما يظُنُّه الراوى مِن التأويلِ .
جوابٌ آخرُ: وذلك أن قولَه: كالمشورةِ لهم. يعنى به: كالمشورةِ الموبِّخةِ
لا کالمشورة المخيّرةِ ، وقد مهَّدْنا ذلك فى شرح الحديث .
وأما: ((مَن ابتاع طعامًا فلا تَبِغْه حتى يستوفيه)) (١) . فليس فيه تعليلٌ، وإنما
هو شرعٌ محضّ، وتعبَّدٌ صِرْفٌ، واختلَف العلماءُ فيه على أربعةِ أقوالٍ ؛ فمنهم
من قال : إنه جارٍ فی کلِ شىءٍ. وهو الشافعى ، وتعلَّق فى ذلك بما روى عن النبىّ
وَلِّ أنه نهَى عن بيعٍ مالم يُقْبَضُْ " وربحِ ما لم يُضمَّنْ(). ورُوِى أنه لما ولَّى عتَّبَ
ابنَ أَسيدٍ على مكةً قال: ((انْهَهُمْ عن بيعِ مالم يَقْبضوا، وعن ربحٍ ما لم يَضْمَنُوا)).
وهذان الحديثان خرّجهما الدار قطنى وغيرُهُ ، وليسا بصحيحين. ومنهم مَن
قال : يُحمَلُ كلُّ شىءٍ على الطعامِ الذى ورَد فيه الحديثُ ؛ بقياسٍ أنه مَبِيعٌ لم يُقْبَضْ
فلم يَجُزْ بيعُه كالطعامِ . وهذا معنى قولِ ابنِ عباسٍٍ: وأحسَبُ كلَّ شىءٍ مثلَه. وهذا
فاسدٌ ؛ لأَنَّا قد يتِنَّا أنه شرع محضّ، وتعبَّدٌ صِرْفٌ لا يُفهَمُ المعنى منه، ولا تُعْقَلُ
(١) فى ج، وحاشية د: ((المخبرة)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٣٦٥) .
(٣) فى م: ((يقبضوا)).
(٤) فى م: ((يضمنوا)).
(٥) الحديث الأول أخرجه الدارقطنى ٧٤/٣ ، وأما الحديث الثانى فلم نجده عند الدارقطنى وهو
عند الطبرانى فى الأوسط (٩٠٠٧)، والبيهقى ٣٣٩/٥.
١٠١

الموطأ
التمهيد
القبس عِلَّه، وإنما يكونُ الإلحاقُ عندَ فهم العلَّةِ، وعقلِ المعنى، فيُرَكَّبُ عليه مثلُه .
الثانى: قال أبو حنيفةَ: هذا عام فى كلِّ شىءٍ، إلا فى العقارِ؛ لأن العقارَ
ليس فيه قَبْضٌ، إِذْ لا يُثْقَلُ ولا يُحَوَّلُ. ولذلك أحال أيضًا غصْبَه فقال: إن العقار
لا يُضْمَنُ بالغَصْبِ؛ لأنه لا يُنْقَلُ ولا يحوَّلُ. وقد بيَّا فى ((مسائل الخلافِ)) أن
هذا تخيُلٌ فاسدٌ ، فإنه لولا تصوَّرُ القبضِ فى الغصبِ ما صحَّ أن يكونَ لأحدٍ به
اختصاصٌ ولا له عليه يدٌ ، لكنَّ القبضَ فى كلِّ شيءٍ على قَدْرٍ صفتِه (١) ؛ فالمنقولُ
قبضُه إتيانُه إليك، والعقارُ قبضُه مَشْيُك إليه .
الثالثُ : قال ابنُ الماجشونِ وجماعةٌ معه: يُحمَلُ على الطعامِ كلَّ مکیلٍ ؛
لأنه فى معناه ولفظه، ويُحمَلُ علیه الموزونُ ؛ لأنه فی معناه الخاص به . ولیس
هذا من بابِ القياسٍ ، وإنما هو مِن بابٍ كونِ الشىءٍ فى معنى الشىء الذى يُغْرَفُ
قبلَ التفطُّنِ لوجْهِ النظرِ، وقيل فى الحجّةِ له: إنه لمَّا كانَ الطعامُ منه ما يُكَالُ،
ومنه ما يُوزَنُ، وانقسمتِ الحالُ فيه، محيل عليه ما كان مثلَه. وقد بينًا أنَّ ذلك
شرعٌ غيرُ معلَّلٍ، فلا " يصِحُ الإلحاقُ" ، بما يُغْنِى عن الإعادةِ.
الرابع : قول مالك : إنه مخصوصٌ بما ورد فى الحدیثِ دونَ إلحاقٍ ولا
تعليلٍ. قال النبيُّ ◌َ له: ((مَن ابتاع طعامًا فلا تَيغه حتى يستوفِيَه)) . فلذلك جوَّز
بيعَه فى الهبةِ قبلَ قبضِه، وأما الشبهةُ ، فهى فى ألسنةِ الفقهاءِ عبارةٌ عن كلِّ فعل
أشبه الحرامَ فلم يكنْ منه، ولا بَعُد عنه، ويسمِّيها علماؤنا الذرائعَ، ومعناه كلَّ
(١) فى م: ((سعته)).
(٢ - ٢) فى د: ((يصلح إلحاق)).
١٠٢

الموطأ
التمهيد
فعلٍ يمكنُ أن يُتَذْرَّعَ أو (١) يُتَوَصَّلَ به إلى ما لا يجوزُ، وهى مسألةٌ انفرد بها مالكٌّ القبس
دونَ سائرِ العلماءِ، وقد مهَّدنا القولَ عليها فى ((مسائلِ الخلافِ)) قرآنًا، وسنةً ،
وإجماعًا من الأُمةِ، وعبرةً، ولو لم يكنْ فى ذلك إلا الاتعاظُ ببنى إسرائيلَ، فإنه
حرَّم عليهم الصيدَ فى يومٍ السبتِ ، فكان الحوتُ يجرِى فى النهرِ أكثرَ مِن الماءِ،
وأُبِیح فی سائر الأيام، فكانوا لا يجدون فیه حوتًا ، فتذرّعوا إلی صیدِ الحوتِ فى
الأيامِ المباحةِ بأن سدُّوا (١) منافسَ الحوتِ ومنافذَه عندَ رجوعِه، فلما أراد أن يَرجع
ضُرِبتْ فى وجههِ الأسدادُ ، فأصبح الماءُ كلُّه حوتًا ، وأصبحوا هم قردة وخنازيرَ .
وأجمَعتِ الأمةُ على أنه لا تجوزُ شهادةُ الأَبِ لابنه وإن كان عَدْلًا .
وأما المقاصدُ والمصالحُ فهى أيضًا مما انفرَد بها مالكٌ دونَ سائرِ العلماءِ،
ولا بدَّ منها؛ لِما يعودُ من الضررِ فى مخالفتِها، ويدخُلُ مِن الجهالةِ فى العدولِ
عنها ، وقد مهّدنا ذلك فى أصول الفقه ، وقد رأيتم من ذلك نظائر، وسترون باقيَها
فى أثناءِ الإملاءِ إن شاء اللهُ .
وإذا انتهينا إلى هذا المقامِ فلا بدَّ من تأسيسٍ قواعدَ عشرٍ نَبْنى عليها معنى
الكتابِ ، ويَرْجِعُ الناظرُ إليها فى أثناءِ الأبوابِ :
القاعدةُ الأولى : تحقيقُ الربا : سمِعتُ القاضىّ الزَّنجانىَّ ببيتِ المقدسِ،
(١) فى ج، م: ((به أى)).
(٢) فى د: (( شدوا)).
(٣) فى ج: ((الريحانى)). وينظر تفسير القرطبى ٣٥٢/٢، ٣٥٣، والديباج المذهب ٢٥٢/٢، ٢٥٣.
١٠٣

ب
الموطأ
التمهید
القبس والأئمةَ؛ حسينَ(١) الصاغانىَّ، وإبراهيمَ الدِّهِشتائَّ(١)، والتُشتىَّ(٢)، والقاضىَ
أبا اليُمْنِ، وكلُّهم حنفيُّون(٤)، ومعظمُه لحسينٍ وإبراهيمَ: قال اللهُ تعالى:
ج
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الِيَوْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وهذه الآيةُ منتظمةٌ لكلِّ بيع
صحيحٍ، وبيعٍ فاسدٍ ؛ أما البيعُ الصحيحُ فقد أشَرْنا إليه، ولكنَّ حدَّه عندَهم:
كلَّ بِيعٍ سَلِمَ من الربا والجهالةِ . فإِن البيعَ إنما هو مقابلةُ المالِ بالمالِ ، فلابدَّ
أن يكونَ المالان من الجهتين مقدَّرَيْن، والتقديرُ على قسمينٍ؛ تقديرٌ تولَّاه
الشرح، وهو فى الأموال الربوية، وتقديرٌ يتولاه المتعاقدان باختيارِهما،
وذلك فى سائرِ الأموالِ .
القاعدةُ الثانيةُ : الفسادُ ترجئُ إلی البیع مِن ثلاثة أشیاءً ؛ إما مِن الربا ، وإما من
الغَررِ والجهالةِ، وإما مِن أكلِ المالِ بالباطلِ، وحدُّه أن يدْخُلا فى العقدِ على
العِوضيةِ، فيكونَ فيه ما لا يقابِلُه ◌ِوَضٌ .
القاعدةُ الثالثةُ : قال لنا فخرُ الإسلامِ أبو بكرٍ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ الحسينِ
الشاشى، بمدينة السلام فى الدرس) : الصفقةُ إذا جمَعتْ مالَى ربًا مِن الجهتين
(١) فى د: ((حسن)). وكتبت الكلمة هكذا، وحقها أن ترسم بألف منونة، وهذا يفعله المحدثون
كثيرًا فيكتبون سمعت أنس بغير ألف ويقرءونه بالنصب. صحيح مسلم بشرح النووى ٢٢٧/٢.
(٢) فى د: ((الدهشانى)). والمثبت كما فى نسخة على حاشية : د.
(٣) فى د: ((التبتى)). والمثبت كما فى نسخة على حاشية: د.
(٤) فى حاشية د: ((حنبليون)).
(٥) فى د: ((لحسن)).
(٦) فى د: ((المدرسة)). والمثبت كما فى نسخة على حاشية: د.
٠١٠٤

الموطأ
التمهيد
القبس
ومعهما أو مع أحدِهما ما يخالِفُه فى القيمةِ ، سواءٌ كان مِن جنسِه أو مِن غيرِ
جنسِه ، فإن ذلك لا يجوزُ؛ مثالُه: أن يبيعَ رجلٌ مُدًّا من قمح ودرهمًا مِن آخرَ بمُدِّ
من قمچ ودرهم .
القاعدةُ الرابعةُ: قال النبىُ وَ لّهِ: (( لا تَبيعوا الذهب بالذهبِ، ولا الفضةً
بالفضةِ، ولا البُوَّ بالبُرِّ، ولا الشعيرَ بالشعيرِ)) الحديث إلى قولِه فيه: ((إلا سواءً
بسواءٍ، عينًا بعينٍ، يدًا بيدٍ)). فقال العلماءُ: الجهلُ بالتماثلِ فى فسادِ البيعِ
كالعلمِ بالتفاضلٍ؛ لأن النبيَّ وَِّ شرّط السواءَ فى الكيلِ، والمِثلَ فى القذْرِ.
واتفَق عليه جميعُهم ، إلا أن مالكًا قال: إن العلم بالتماثلِ يجوزُ أن يُدْرَك بالتحرِّى
فى الأموالِ الربويةِ . ونصَّ على ذلك فى البيضِ بالبيضٍ ، والخبزِ بالخبزِ، واللحمِ
باللحمِ، والحالومِ(١) اليابسِ(٢) بالرّطِبِ، والزيتونِ الغضِّ بالمالحِ، والقَدِيدِ
باللحمِ، واختلَف علماؤنا فى نقلِ ذلك عنه؛ فتارةً جعَلوه عامًّا ، وتارةً جعَلوه
خاصًّا فيما ذَكَوْنا ، والصحيحُ عمومُه؛ لأن مالكًا جعَل الحزْرَ والتخمينَ طريقًا مِن
المعرفةِ بالظاهرِ مِن التماثلِ، إِذُ(١) الكيلُ لا يُوصَلُ به إلى حقيقةِ التماثلِ ، إِذْ يجوزُ
أن يتفاضلَ الكيلان واليدانِ فى وضعٍ القمح فيهما . فالذى أُخِذَ على المكلَّفِ
القصدُ إلى التماثلِ فعلًا، والقصدُ إلى اجتنابِ التفاضلِ بمعيارٍ شرعىٍّ، والحزْرُ
(١) فى ج: ((الحاكوم)). والحالوم: لبن يغلُظ فيصير شبيها بالجبن الرطب وليس به. اللسان
(ح ل م).
(٢) سقط من : د .
(٣) فى د، ج: ((إذا)).
١٠٥
...

الموطأ
التمهيد
القبس والتخمينُ معيارٌ فى الشرع كما أن الكيلَ معيارٌ فى الشرع أيضًا ، ويحتملُ أن
يكونَ مالِكٌ أَجْرَى ذلك فى اليسيرٍ، وحيثُ لا يَحْضُرُ(١) الكيلُ، واللهُ أعلمُ.
القاعدةُ الخامسةُ : القولُ بالعُزْفِ: قال لنا أبو القاسم أحمدُ بنُ حبيبٍ:
قال لنا الفقيهُ عبدُ الخالقِ السيُورىُّ(١) : قلتُ للفقيهِ أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ
الخولانيّ(١): إن الله تعالى قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
فهذه مُحُجَّةٌ فى القضاءِ بالعُرفِ. قال: ليس المرادُ ههنا بالعرفِ العادةَ، وإنَّما
المرادُ به المعروفُ الذى هو ضدُّ المنكرِ. قلتُ له: فقد قال اللهُ تعالى فى قصةٍ
يوسفَ: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾، ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قَُّّ
مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ [يوسف: ٢٦، ٢٧]. قال: ذلك شرعٌ لمَن قبلَنا وليس شرعًا لنا .
فسكَتُّ، وهذا مما لم يقَعْ فيه الإنصافُ ؛ لأنه ليس فى مذهبٍ مالكِ خلافٌ فى
أن شرعَ مَن قبلنا شرع لنا ، وأَوَّلُ مَن تفطّن لهذا من فقهاءِ الأمصارِ مالكٌ ، وعليه
عوَّل فى كلِّ مسألةٍ .
وقد اتفق العلماءُ على حكم ؛ وهو إذا باع الرجلُ سلعته بدینارٍ فإنه يُقْضَی له
بغالبِ نقدِ البلدِ ولا يُنظَرُّ إلى سائرِ النقودِ المختلفةِ ، فيحكمُ بفسادِ البيعِ حتى يعيِّنَ
منها واحدًا ، ومن أعظم مسائلِ العرف والعادةِ مسألةُ العُهْدةِ ، وقد انفرد بها مالكٌ
دونَ سائرِ الفقهاءِ، وقد روَى فى ذلك ابنُ وهبٍ حديثًا، أن النبيَّ وَِّ قضَى فى
(١) سقط من : م .
(٢) فى م: ((يحصر)).
(٣) سقط من : ج، م .
١٫٠٦٠

الموطأ
التمهيد
العهدةِ بثلاثةِ أيامٍ أو أربعةٍ ) ، وهى أن تكونَ السلعةُ بعدَ قبض المشترى فى ضمانِ القبس
البائعِ حتى تمضىَ ثلاثةُ أيامٍ مِن وقتِ البيعِ ، فى كلِّ آفةٍ تطرّأُ على المبيعِ، ما عدا
الجنونَ ، والجذامَ، والبَرَصَ ؛ فإنه يُقْضَى فيها بعهدةِ السنةِ ، وعوَّل علماؤنا رحمةٌ
الله عليهم على أن هاتين العهدتَيْن إنما يُقْضَى بهما لمن يشرطُهما، أو حيثُ
تكونُ العادةُ جاريةً بها (٢) ، وقد قال قوم: إنها إنما كانت فى المدينة لكثرةٍ
حُمَّاها، والحُمَّى لا تنكشِفُ إلا فى الرابع (١) . وهذا غلَطْ بَيِّنٌ، فإن البارئَ تعالى
قد نقَل الحُمَّى عن المدينةِ ببركةِ الصادقِ بَ له إلى الجُخفةِ، حتى لم يَثْقَ لها أثر
إلى يومنا هذا، مع أنها تحُلُّ بينَ حرََّيْن، وهى إحدى معجزاتِهِ وَ ".
القاعدةُ السادسةُ: الغِشُّ؛ وهُوَ كَتْمُ حالِ المبيعِ عن المبتاعِ ، نعم وعن
البائعِ إذا جَهِله وقد عَلِمه المبتائحُ، وذلك ممنوعٌ عادةً ممنوعٌ شرعًا، فإن جِبِلَّةً
الجنسيةِ تَقْتَضِى بحُكم الاعتيادِ ألَّ يَوْضَى أحدٌ لجنسِه إلا بما يَرْضَى به لنفسِه،
والشريعةُ قد منَعت منه تحقيقًا لهذا الغرضِ .
مرَّ النبىُّ وَّةِ على رجلٍ يبيعُ طعامًا مُصْبَرًا، فَأُدْخَل يدَه فى الصُّبْرةِ() فرأى فيها
بَلَلًا قد أصابَتْه السماءُ، فَأُخرَجه إلى ظاهرِ الصُّبْرةِ وقال: ((مَن غشَّنا فليس منَّا))(١).
(١) أخرجه سحنون فى المدونة ٣٤٨/٤ من طريق ابن وهب به .
(٢) فى م: ((بهما)).
(٣) فى د: ((أربع )).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٧١٢).
(٥) الصبرة : الطعام المجتمع كالكومة، وجمعها صبر. النهاية ٣/ ٩.
(٦) سيأتى تخريجه ص٥٤٩، ٥٥٠ .
١٠٧

الموطأ
التمهید
القبس ويَدْخُلُ فيه بيعُ الصُّبْرةِ يعلمُ البائعُ كيلها ولا يعلَمُه المشترى، فلا يجوزُ حتى
يَعْلَماها جميعًا أو يَجْهَلاها جميعًا، وهى مسألةٌ يُحاجَى بها على الطلبةِ فيقالُ
لهم: هل يجوزُ بيعُ المجازفةِ ؟ فيقولون: لا . وذلك جائزٌ، فإنهما إذا جَهِلاها
جميعًا، أو عَلِماها جميعًا، جاز كما قدَّمْنا ، وإنما يمتنعُ ذلك من الجهةِ الواحدةِ،
ومِن ذلك أن يَدْخُلَ الرجلُ السوقَ بفصِّ يظُنُّه زجاجًا ، فإذا رآه المشترى تحقَّق أنه
فصّ ياقوتٍ، فهذا غِشِّ، إن انعقَد البيعُ عليه لم يَجُزْ، وكان البائعُ بالخيارِ ،
ونظائرُه كثيرةٌ .
القاعدةُ السابعةُ : اعتبارُ الحاجةِ فى تجويزِ الممنوعِ، كاعتبارِ الضرورة فى
تحليل المحرَّمِ، ومن ذلك استثناءُ القرضِ مِن تحريم بيع الذهب بالذهبِ إِلى
أجلٍ ، وهو شىءٌ انفَرد به مالكٌ لم يجوِّزْه أحدٌ مِن العلماءِ سواه، لكنَّ الناسَ كلَّهم
اتفقوا على جوازِ التأخيرِ فيه مِن غيرِ شرطٍ بأجلٍ، وإذا جاز التفوّقُ قبلَ التقابضِ
بإجماع فضَرْبُ الأجلِ أتم للمعروف وأبقى للمودَّةِ . وعۇَّل فى ذلك علماُنا على
قول النبى التر: ((إن رجلا كان فيمن كان قبلكم استشلَف مِن رجلٍ ألف دينارٍ
إلى أجلٍ، فلما حلُّ الأجلُ طلَب مَوْكبًا يخرجُ فيه إليه فلم يجِدْه ، فأخذ قِطاسًا
وكتب فيه إليه، ونقَر خشبةً فجعَل فيها القِرْطاسَ والألفَ دينارٍ ورمَى بها فى
البحرِ ، وقال : اللَّهم إنه قد قال لى حينَ دفَعها إلىَّ: أشْهِدْ لى. قلتُ: كفى باللهِ
شهيدًا. وقال: اثْنِنى بكفيل. قلتُ: كفَى باللهِ كفيلًا. اللَّهم أنت الكفيلُ
بإبلاغِها . فخرَج صاحبُ الألفِ إلى ساحلِ البحرِ يحتطِبُ فدفَع البحرُ له العُودَ
١٠٨
٠٠

التمهيد
القبس
فأخَذه، فلما فلَقه وجَد المالَ والقِرْطاسَ، ثم إن ذلك الرجلَ وجَد مَرْ كبًا فأخَذ
المالَ ورَكِب فيه وحمَل إليه المالَ، فلما عرضه عليه قال له: قد أدَّى اللهُ
أمانتَك)) (١). فإن قيل: هذا شرحُ مَن قبلَنا. قلنا: كلَّ ما ذكّر النبىُ،وَ لِّ لنا مما
كان عملاً لمَن قبلَنا فى مَغْرِضِ المدحِ فإنه شرحٌ لنا، وقد مهَّدنا ذلك فى
الأصولِ، ومن ذلك حديثُ العرايا، وبيعُ التمرِ فيها على رؤُوسِ النخلِ بالتمرٍ
الموضوعِ على الأرضِ (٢) ، وفيه من الربا ثلاثةُ أوجهٍ: بيعُ الرُّطَبِ باليابسِ ، والعملُ
بالحَزْرِ والتخمينِ فى تقديرِ المالَين الربويِّين ، وتأخيرُ التقابضِ ، إن قلنا : إنه يعطيها.
له إذا حضَر جِدَادُ التمرِ. ومن ذلك استثناءُ نخلةٍ من النخلاتِ أو آصُعِ من جملةٍ
تمرٍ ، وذلك جائزٌ فى القليلِ دونَ الكثيرِ، وبناه علماؤنا وكثيرًا من مسائلِ البيوعِ
على أن المستثنى، هل هو مبيعٌ(٢) مردودٌ بالاستثناءِ أو مُبْقَى على أصلِ المِلكِ؟
وهذه جهالةٌ عظيمةٌ ، وخلطُ النسخ بالاستثناءِ، فإنه لا خلافَ بينَ العقلاءِ ولا بينَ
العلماءِ فى أن النسخَ رَفْعٌ بالخطابِ الثانى لما تضمَّنه الخطابُ الأوَّلُ، وأن
الاستثناءَ بيانٌ بالخطابِ الثانى لما احتمَله الخطابُ الأُوَّلُ من عمومٍ أو خصوصٍ .
ولو أن أحدًا مِن العلماءِ يقولُ: إذا قال الرجلُ لزوجته: أنت طالقٌ ثلاثًا إلا واحدةً .
أنه يلزَمُه الثلاثُ ؛ لأنها قد دخلت فى الثلاثِ ويريدُ أن يُخْرِجَها بعدَ إدخالِها .
لكان خارقًا لإجماع الأمةِ. وكذلك لو قال رجلٌ لزوجته: أنت طالقٌ إلا أن يشاءَ
(١) أحمد ٢٤٦/١٤ (٨٥٨٧)، والبخارى (١٤٩٨) معلقًا .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٣٣٧، ١٣٣٨).
(٣) فى م: ((جذاذ)). والجدُّ، بالفتح: صرام النخل، كالجداد بالكسر، والجَداد بالفتح. وأجدًّ
النخلُ : حان له أن يُجَدَّ. التاج (ج د د).
(٤) فى ج، م: ((بيع).
١٠٩

الموطأ
التمهید
القبس فلانٌ . فإِنه لم يَقُلْ أحدٌ مِن الأُمةِ: إن الطلاقَ قد وقَع، والاستثناءَ بعدَ ذلك رفعٌ
له . وإنما هو شرطٌ موقوفٌ عليه ، فلا تعوِّلوا على هذه المسألةِ فى شىءٍ مِن الفروعِ
فإنه أصلّ باطلٌ .
القاعدةُ الثامنةُ : الجهالةُ ، وقد اتفقتِ الأمةُ على أنه لا يجوزُ إِلا بِيعُ معلومٍ
بمعلومٍ من معلومٍ بأىِّ طريقٍ مِن طرقِ العلمِ وقَع، وإنما اختلف العلماءُ فى تفاصيلٍ
طرقِ العلمِ، فمنها(١) ما قاله مالكٌ وأبو حنيفةَ، أن البيعَ على الصفةِ() يجوزُ.
وخصَّصه مالكٌ فى بيع البَرْنامَج (١) ، وقال الشافعىُّ: لا يجوزُ فى ذلك البيعُ على
الصفةِ، ليس لأنَّ الصفةَ ليست طريقًا إلى العلم، ولكن لأن الصفةَ بدلٌ عن
المعاينةِ ، والأخذُ بالبدلِ لا يجوزُ إلا مع عَدَمِ ) القدرةِ على المبدَلِ، وهلهنا تُمكِنُ
الرؤيةُ لما فى البرنامج بحَلِّه. قلنا: وفى حَلِّه مشقةٌ، فَلْيُعَوَّلْ على خبرِ الواحدِ،
ويجوزُ العملُ على خبرِه إجماعًا فى سلامةِ السلعةِ وعينها ، وفى طيبٍ النقدِ وزَیفِه .
وكذلك يجوزُ (٥) العملُ فى صفةِ المبيع وحِلْبتِه، والصفةُ طريقٌ إلى العلمِ بلا
خلافٍ ، فوجب أن يصارَ إليه عند الحاجة ، وكذلك يجوزُ المصير إلى البدلِ عندَ
الحاجةِ فى العباداتِ ، فكيفَ فى المعاملاتِ ؟!
(١) فى ج، م: ((ففيها)).
(٢) بعده فى النسخ: ((لا)). ومقتضى مذهب مالك وأبى حنيفة أنها زائدة فحذفناها ، وينظر تفصيل
ابن عبد البر لهذه المسألة فى شرح الأثر (١٤٠٣) من الموطأ .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٠٣).
(٤) سقط من : ج ، م .
(٥) بعده فى د: (( له )).
١١٠

الموطأ
التمهيد
القبس
القاعدةُ التاسعةُ: ثبت عن النبيِّ وَّرِ فى المبيعاتِ أنه نهى عن سبعِ
وثلاثين ؛ منها الغَررُ، الملامسةُ ، المنابذةُ ، حَبَلُ الحبلة ، الملاقیخُ، المضامينُ ،
بيئُ الحصی ، بيئُ الُّنيا ) ، بيئُ الُزبانِ ، شرطانِ فی بیعِ ، بِئُ ما ليس عندك ، بيغُ
الثمرةٍ قبلَ بُدُوِّ صلاحِها، المزابنةُ، المحاقلةُ، المخابرةُ، المُعاوَمةُ(١) ، الُطَبُ
بالتمرِ، الكَوْمُ بالزبيبٍ ، بيعُ الطعامِ قبلَ أن يُستَؤْفِى، بيعٌ وسلفٌ، لا تُصَرُّوا الإبلَ
والغنمَ . نھی عن ثمن الكلب ، نھی عن ثمنِ السّنّورِ() ، نھی عن حلوانِ الکاهنِ،
حاضرٌ لبادٍ ، النَّجَشُ، بيعُ الرجلِ على بيع أخيه، ربحُ ما لم يَضْمَنْ، التفرقةُ بينَ
الأُمّ وولدِها، ◌ِراءُ الأرضِ ، عَسيبُ الفحلِ ، بيعُ نَفْعِ الماءِ، بيعُ الخمرِ ، والميتةِ،
والدمٍ، والأصنامِ، ونهَى اللهُ تعالى عن البيعِ يومَ الجمعةِ، فهذه سبعةٌ وثلاثون
مبيعًا ورَد النهى عنها، قبّضَتْها يدُ الإسلام؛ البخارىُّ، ومسلم، والترمذىّ،
وأبو داودَ، والنسائىُّ، فاطْلُبوها(٦) فيها .
فأما الغَرَرُ فهو كلُّ أُمرٍ خَفِيت عاقبتُهُ(٢) وَانْطَوى أمرُه . وقَف رؤبةٌ(" على رجلٍ
(١) بعده فى ج: ((بيع)).
(٢) فى ج: ((الثنى)).
(٣) فى ج: ((المقاومة)).
(٤) السنور: الهِرُّ، وجمعه السنانير، من رتبة اللواحم، وخير مآكله الفأر، ومنه أهلىّ وبرىّ.
قال الدميرى : حيوان ألوف خلقه الله لدفع الفأر. اللسان والوسيط (س ن ر)، وحياة الحيوان
الكبرى ٥٧٦/١ .
(٥) قبّض الشىءَ: جمعه وزواه. التاج (ق ب ض) .
(٦) فى ج، م: ((ما طلبوه)).
(٧) فى ج، م: ((علانيته)).
(٨) فى ج: (روية)).
١١١

الموطأ
التمهيد
القبس فساومہ ثوبًا فقلبه فلم يُغچئه، فقال له : أُعِدْه على غرّه(١) . ذكّره مسلم من طريق
أبى هريرةً(٢)، ولم يَذْكُرْه البخارىُّ؛ لأن راويًا واحدًا مزَجه مع الملامسةِ
والمنابذةِ ، وسائرُ رواةِ الحديثِ لم يُدْخِلوه، فتوقَّع البخارىُّ أن يكونَ تفسیرًا
للمنابذةِ والملامسةِ ، إذْ هو فى الدرجةِ الثانيةِ مِن الحديثِ فقد زهَق عن الأولى .
فلو قال النبيُّ وَله: لا تَبَايَعوا غَرَرًا. لكان فى الدرجة الأولى. ولو قال: لا تَباتَعوا
هكذا. وأشار إلى قصةٍ فيها غَرَرٌ، لعلَّلْنا وعدَّيْناها إلى نظائرِها .
وأما الملامسةُ والمنابذةُ فھو بیت کان أهلُ الجاهلية يتبايعونه ، فی تفسيرها
خلافٌ ، كلُّه يَرْجِعُ إلى المخاطَرةِ والجهالةِ؛ منه أن يقولَ : إذا لَمَسْتَ الثوبَ فقد
وجَب البيعُ. أو: إذا نبَذْتُ هذه الحصاةَ التى فى يدى. فهو بيعُ الحصاةِ أيضًا ،
أو : إذا جعَلْتُ الحصاةَ على هذا الثوبِ .
وأما حَبَلُ الحَبَلةِ(٢) فقيل: هو بيعُ النتاجِ الثانى ، وبيعُ الموجودِ المجهولِ لا
يجوزُ، فكيف المعدومُ ؟! وقيل: كانوا يَجْعَلونه أجلًا. فلا يجوزُ إن كان
مجهولًا ، وإن كان ميقاتًا معلومًا كما قال مالكٌ فى الجَدادِ (*) والعطاءِ فذلك
جائزٌ. وأما الملاقيخُ فهى ما فى ظهورِ الفحولِ. والمضامينُ ما فى بطونٍ
(١) فى ج، م: ((عزة)).
(٢) مسلم (١٥١١)، وسيأتى فى الموطأ (١٤٠١، ١٧٧٠).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٣٨٧، ١٣٨٨).
(٤) فى ج: ((الجذاد))، وفى م: ((الجذاذ)).
(٥) فى ج: ((بطون)).
١١٢

الموطأ
التمهيد
القبس
الإناثِ ، وذلك مجهولٌ معدومٌ. وقد قال جميعُ أهلِ اللغةِ: إن الملاقيخ ما فى
بطونِ الإناثِ ) . وأطالوا فى ذلك الكلامَ ، واستَشْهدوا فى ذلك بالأشعارِ ، ونحنُ
لا نحتاج إلى ذلك؛ لأنه لا يجوزُ کیفما كان التفسیرُ. ولم أُجِدِ النھیَ عن
الملاقيحِ والمضامينِ مستَدًا، إلا أنه ورَد فى ((الموطأ))(٢) مِن قولِ سعيدِ بنِ
المسئَّبِ أنه نُهِى عن المضامين والملاقيحِ، وفشرها كما قلنا . أما إنه ورَد مسنَدًا
عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ عن ابنِ عمرَ، أن النبىَّ نَّهِ نهىَ عن بيع المَجْرِ (١)، قال أبو
تُبيدٍ(٤): قال أبو زيدٍ: المَجْرُ(١) أن يُباعَ البعيرُ أو غيرُه بما فى بطنِ الناقةِ. يقالُ:
أَمْجَر. إذا فعَل ذلك. وقال أبو عمرٍو : هو أن يباعَ البعيرُ أو غيرُه بما يَضْرِبُ
هذا الفحلُ فى عامِه .
وأما الثُّنْيا فهى فى اللغةِ عبارةٌ عن الرجوع إلى ما مضَى أو عمّا مضَى،
ويتصرّفُ فى البيع على وجوهٍ كثيرةٍ؛ منها: إِن جِثْتَنَى بالثمنِ إلى وقتٍ كذا
رددتُ علیك ، وإن لم تأتِنی إلی وقتٍ کذا فلا بیعَ بینی وبینك . وفى ذلك تفصيلٌ
بينَ علمائِنا، منه جائزٌ، ومنه ممنوعٌ، يأتى إن شاء اللهُ.
وأما بيعُ العُزبانِ فقد فشّره مالكٌ، وتفسيرُه يرجعُ إلى قاعدةِ أكلِ المالِ
(١ - ١) سقط من : د .
(٢) الموطأ (١٣٨٨).
(٣) فى د: ((البحر)).
والحديث أخرجه البيهقى ٣٤١/٥ .
(٤) غريب الحديث ٢٠٦/١، ٢٠٧.
(٥) فى ج، م: ((عمر)). والمثبت من غريب الحديث.
١١٣
( موسوعة شروح الموطأ ٨/١٦)

الموطأ
التمهید
القبس بالباطل؛ لأنه قال : إن تمَّ البيعُ فالعُزْبانُ مِن الثمنِ ، وإن لم يَتمَّ البيعُ فالعُزبانُ لك.
وإذا كان لم يَتمَّ ففى مقابلةِ مَن يكونُ! رواه مالكٌ عن صحيفةِ عمرو بنٍ
شعيبٍ ()، وهى صحيحةٌ(١) صحَّحها البخارىُّ فى حديثِ الرُّباعياتِ،
وصحّحها الدارقطنُ ، فإذا وجدتم الطريقَ إلیھا صحيحًا فخُذُوا بها ، وإنما ترَ كها
أكثرهم لعدمٍ الثقةِ فى طريقها لا لعدمٍ فى ذاتها . وقد اعترَض عليها بعضُهم بأن
قال : إِنما ردُّها لاحتمالِها؛ لأنه عمرُو بنُّ شعيبٍ بنِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بن عمرو ،
فإذا قال: عن جدِّه. احتمل أن يكونَ الأقربَ، فيكونَ مرسلًا، واحتمل أن
يكونَ" جدَّه الأعلى، فسقَط بالاحتمالِ(٤). وليس هذا بلازمٍ، فإن عبدَ اللهِ بنَ
عمرٍو كتَبها عن النبيِّ وَله، وصارت متوارَثةً فى أولادِه متداولةً فی عَقِیه، فإن
أراد عن جدِّه الأقربِ وهو محمدٌ، فمحمدٌ إنما أُخَذ الصحيفةً عن عبدِ اللهِ بنِ
عمرٍو، فلو أن مالكًا يَقِفُ عليها مثلًا لجاز له أن يقول: قال رسولُ اللهِ وَتِ .
وهكذا نحنُ إلی الیومِ .
وقد كان عندَ أولادٍ تميم الدارىِّ بحَبْرُونَ(٥) - قرية إبراهيم - كتابُ النبيِّ
وَ* فى قطعةٍ من أديم: ((بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا ما أقطَع محمدٌ
(١) سيأتى فى الموطأ (١٣٢٤).
(٢) فى ج، م: ((صحيفة)).
(٣ - ٣) سقط من : ج .
(٤) فى م: ((الاحتمال)).
(٥) فى د: ((يجيرون))، وفى ج: ((يحيرون)). وحبرون: اسم القرية التى فيها قبر إبراهيم
الخليل عليه السلام بالبيت المقدس وقد غلب على اسمها الخليل، ويقال لها أيضًا : حبرى.
معجم البلدان ٢/ ١٩٤، ١٩٥.
١١٤

الموطأ
التمهيد
القبس
رسولُ اللهِ تميمًا الدارىَّ؛ أَقْطَعه(١) قریتی حَبْرُونَ وعَيْنُونَ(١) - قریتی إبراهيمَ
الخليلِ- ليسيرَ فيهما بسيرتِه)). وكتب علىُّ بنُ أبى طالبٍ: شَهِد فلانٌ،
وفلانٌ () . فبقیتا فی یدِه یسیژ فيهما بسیرتِه، ویشاهدُ الناسُ كتابه إلى أن دخلتٍ
الرومُ سنةً ثنتين وتسعينَ ، ولقد اعترضَه فيها بعضُ الولاةِ ليأخُذَها مِن يدِه إِبَّنَ كونى
بالشامٍ ، فحضَر مجلسَه القاضى حامدٌ الهروىُّ وكان حنفِيًّا فى الظاهرِ ومعتزِليًّا ،
وفى الباطنِ مُلْحِدًا شِيعًا، وكان الوالى (* سُكْمانَ بنَ أريدنك). فاستظْهَر أولادُ
تميمٍ بكتابِ النبيِّ وَّهِ، فقال القاضى حامدٌ: هذا الكتابُ لا يَلْزَمُ؛ لأن النبيِّ وَهـ
أقطع ما لا يملكُ . فاستفْتی الفقهاء؛ فقال الطومسئُ و کان بها حينئذٍ : هذا كافرٌ،
والنبىُ ◌ّلټ كان يُقطعُ الجنةً، ويقولُ: قصر عمر، قصر فلانٍ . فکیف لا يُقطُ
الدنيا. وقد قال النبيُ وَ له: ((زُوِيت لىَ الأرضُ)) الحديث(٥). فوغدُه صدقٌ
و کتابُه حقٌّ. فخَزِی القاضی والوالی ، وبَقِی أولادُ تَمیم یکتابهِم فی قریتهم .
وأما شرطانٍ فى بيعٍ فيأتى إن شاء اللهُ تعالى .
وأما بيعُ ما ليس عندَك فهو شىءٌ اتفَقت عليه الأمةُ، وهو من بابِ الغَرَرِ ، إليه
يعودُ ، إلا أنی رأيتُ لمالك جوازه فى ((الُنبية))، وقد تكلّمنا علی ذلك فی کتبٍ
(١) فى م: ((قطعة)).
(٢) قيل: هى من قرى بيت المقدس. وقيل: قرية من وراء البقنيّة من دون القلزم فى طرف
الشام. معجم البلدان ٣/ ٧٦٥.
(٣) بعده فى ج، م: ((وفلان)). وينظر الأموال لأبى عبيد ص ٣٤٩.
(٤ - ٤) فى د: ((يسكمان بن أتوبك))، وفى م: ((يكمان بن أرتيدنك)).
(٥) تقدم تخريجه فى ٢٩٧/٧ .
١١٥

الموطأ
التمهید
القبس المسائلِ وبيِّنًّا كيفيةً خروج مسألةٍ مالكِ على الأصلِ الجائزِ، وقلنا فى بعضٍ
تأويلاتِها : إنما جعَله رسولًا وواسطةً ولم يَجْعَلْه بائعًا ولا مُتَتَاعًا .
وأما بيعُ الثمرةِ قبلَ أن يبدوَ صلاحها فيأتى إن شاء اللهُ، وكذلك المزابنةُ
والمحاقلةُ والمخابرةُ والمعاومَةُ ، والرُّطَبُ بالتمرِ، والكَوْمُ بالزبيبِ ، وبيعُ الطعامِ
قبلَ أن يُشْتوفَى(١) .
وأما بيعٌ وسلَفٌ(٢) فإنما نهى عنه لتضادُّ العقْدَينِ ، فإن البيعَ مبنىٌّ على
المشاحَّةِ والمغابنةِ ، والسلفَ مبنىٌّ على المعروفِ والمكارمةِ. وكلُّ عقدين
يتضادّن وصفًا لا يجوزُ أن يجتمعا شرعًا، فانَّخِذُوا هذا أصلاً .
وأمَّا التَّصْرِيةُ() فاختلف العلماءُ فيها ؛ فمنهمٍ مَن جعلها عيبًا ، فيكونُ مِن أكلِ
المالِ بالباطلِ، ومنهم مَن جعَلها غِشًّا، وقد بيّنَّ ذلك فى ((مسائلِ الخلافِ)).
وأما ثمنُ الكلبٍ(*) فلا يَخْلو أن يكونَ مأذونًا فى اتخاذِه، أو غيرَ مأذونٍ ،
والحديثُ محمولٌ على ما حَرُمِ اتخاذُه . فأما ما يجوزُ اتخاذُه فبيعُه جائزٌ، وقد
اختلف فى ذلك علماؤنا، ومَن قال منهم: لا يجوزُ بيعُه . قال: تَلْزَمُ القيمةُ لمن
أتلفه. فبعیدٌ عن الصواب ، والصحیح جوازُ البيعِ فیه من غیرٍ كلامٍ، وقد قرَّرْنا
(١) سيأتى فى الموطأ (١٣٣٣ ١٣٤٦ - ١٣٤٩، ١٣٦٥)، وص٣٧٤ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٣٩٤).
(٣) فى م: ((الهدفين)).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٤٢١).
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٣٩٣).
.
١١٦

الموطأ
التمهید
القبس
ذلك فى ((مسائل الخلافِ)) فى فصلِ الإنصافِ) .
وأمَّا السُّنَّوْرُ فانفرَد مسلمٌ بروايةِ النهي عن بيعِه ، فإن سَلِم عن العلةِ التى
ذكَوْناها فى ((شرح الصحيحِ)) فإن ذلك محمولٌ على المصلحةِ؛ فإن النبيّ
وَ﴿ أراد أن تكونَ السنانيرُ مسترسَلةً على المنازلِ تحميها من الفأرِ من غيرِ
اختصاص .
وأما حُلْوانُ الكاهنِ فمن أكلِ المالِ بالباطلِ ؛ لأنه شراءُ() الكذبِ والضلالِ،
فيكونُ كشراءِ المحرَّمِ مِن الميتةِ والأصنامِ، وما أشبههما .
وأما ربحُ ما لم يَضْمَنْ فإنما لم يَجُزْ لأن بيعَه لا يجوزُ؛ لأن ما لم يَضْمَنْ إِما
لأنه لم يملِكْه، فيكونُ مِن بيع ما ليس عندَك ، وإما لأنه غيرُ مقدورٍ على تسلیمِه،
فيكونُ من بابِ الغَرَرِ والمخاطرةِ(٤).
وأما حاضرٌ لبادٍ ، والنَّجَشُ، وبين الرجلِ على بيع أخيه، فيأتى إن شاء اللهُ.
وأما التفرقةُ بين الأمّ وولدِها(٥) فاختلف العلماءُ فى ذلك على ثلاثةِ
أقوالٍ ؛ فمنهم مَن قال: إن ذلك لحقُّ الأمّ فى التوليهِ. وقد ورَد فى
(١ - ١) فى د: ((وفى كتاب فصل الاتصاف)).
(٢) مسلم (١٥٦٩).
(٣) فى م: ((شر)).
(٤) فى د: ((المخابرة)).
(٥) الدارقطنى ٦٨/٣، والحاكم ٢/ ٥٥ .
١١٧

الموطأ
التمهيد
القبس الحديث: ((لا تُوَلَّهُ(١) والدةً على ولدها))(١). وقيل: لحقُّ الطفلِ. وقيل:
لحقُ اللهِ. فالبيعُ فاسدٌ فى ذلك إلا على القولِ بأنه حقِّ للأمّ فيقِفُ على
إجازتها. وأما كِراءُ الأرضِ فسيأتى إن شاء الله.
وأما عَشْبُ الفحلِ(٢) فجمهورُ علماءِ الأمصار على أنه لا يجوزُ، وحمَله
مالكٌ على أن يكونَ يُقصَدُ به الإلقامح، فأما لو كانت نزواتٍ معلومةً جاز، وهو
الصحيح؛ لأنه أمرٌ مأذونٌ فيه شرعًا، محتاج إليه عادةً، معلومٌ بالتقديرِ ) ، فلا
وجْهَ لردِّه إلا مِن طريقِ الجهالةِ التى أشَرْنا إليها فى اشتراطِ الإلقاح، أو فى المُضىِّ
على العادة فيه .
وأما بيعُ(٥) الماءِ فرُوِى فى الأثرِ نهىُ النبىِّ بَلِّ عن بيعِ ( نفعِ البشرٍ(١). ورُوِى:
تَقْعِ () البئرِ. بالقافِ والفاءِ، ورُوِى: ((لا تَمْتَعوا فضلَ الماءِ لتَمنَعوا به الكلأَ))(٨).
واختلف علماؤنا فى الأرضِ يملِكُها الرجلُ فتنبتُ نباتًا سماويًّا؛ هل يَخْتَصُ
(١) فى ج: ((تولد)). ولا توله: أى لا يفرق بينها وبين ولدها فى البيع. وكل أنثى فارقت
ولدها فهى والهة. والوَلهُ: ذهاب العقل والتحيز من شدة الوجد. ينظر النهاية ٢٢٧/٥.
(٢) أخرجه البيهقى ٥/٨ .
(٣) مسلم (١٥٦٥) .
(٤) فى ج، م: (( بالتعديد )).
(٥) بعده فى ج، م: ((نقع)).
(٦ - ٦) فى ج، م: ((نقع الماء)).
(٧) فى م: ((نفق)). وهو حديث الموطأ (١٤٩٥).
(٨) سيأتى فى الموطأ (١٤٩٤).
١١٨

الموطأ
التمهید
المالكُ بالنباتِ كاختصاصِه بالأرضِ ، أم هو لجميع الناس يحتَشُّونه ويَحْتَطِيونه؟ القبس
وكذلك أيضًا اختلف العلماءُ إذا فطر ) بئرًا ففاضتْ على حاجتِه ؛ هل يختصُّ
بالفضلِ دونَ سائرِ الخلقِ أم ليس له إلا قدرُ ما يحتاج إليه والباقى مَشائعٌ بين الناسٍ ؟
والصحيحُ أن ذلك كلَّهُ(١) مَشائعٌ إذا لم يَحْتَجْ إليه، ولكن الحاجةً عندى على
قسمين ؛ إما أن يَحتاجُ الماءَ إلى سَفْي زرعِه وثمرتِه، أو يَحتاجَ النباتَ لسَرْحِه ، أو
يحتاج الحطب لاصطلائِه وبنائه ، فإذا كان كذلك فلا خلاف أنه أُحُّ به مِن
غيرِه. وإن كان يحتاجه لقُوتِه وكسوتِه فمثلُه، وما فضَل عن ١ هاتين الحاجتين
فهو الذی تناول الحدیثُ النھی عنه .
وأما النهىُ عن البيع وقتَ النداءِ (" يومَ الجمعةِ" فذلك لحقُّ اللهِ تعالى،
وأغرَبُ ما فيه ما تفطّن له بعضُ أصحابِنا ، فإنهم اتفقوا على نقضِه وإن فاتَ ، قالوا
كلُّهم : يُضْمَنُ بالقيمةِ. إلا هذا الغوَّاصَ ، فإنه قال: يُضْمَنُ بالثمنِ . لنكتةِ بديعةٍ ،
وهی أن القیمة لا سبیلَ إلی معرفتها أبدًا ؛ لأن ذلك لیس بوقتٍ بیع لأحدٍ ، فرجعْنا
إلى الثمنٍ، ضرورةً، الذى قرّره) على نفسِه ورَضِى ذلك الآخر به .
القاعدةُ العاشرةُ: فى بسطِ المقاصدِ والمصالحِ التى أشَرْنا إليها قبلَ هذا،
(١) فى ج، م: ((حفر)). وهما بمعنى.
(٢) سقط من : ج ، م .
(٣) بعده فى ج: ((غير)).
(٤ - ٤) سقط من : د .
(٥) فى ج، م: ((قدره)).
١١٩
٠

الموطأ
التمهيد
القبس وقد اتفقتِ الأمةُ على اعتبارِها فى الجملةِ؛ ولأجلِها وضَع اللهُ الحدودَ والزواجرَ
فى الأرضِ استصلاحًا للخلقِ، حتى تعدَّى ذلك إلى البهائم؛ فتُضْرَبُ البهيمةُ
استصلاحًا ، وإن لم تُكلَّفْ؛ تسيُّبًا إلى تحصيلٍ قصدِ المكلّفِ، وأقربُ مِن ذلك
مِن غرضنا أن الطفلَ يُضْرَبُ على التمگنِ علی العباداتِ لا ضرب تكلیفٍ ولكن
ضربَ تأنيسٍ وتدريبٍ ؛ حتى يأتيَه التكليفُ على عادةٍ فتخِفَّ عليه المشقةُ فى
العبادة .
ولقد انتهتِ الحالُ بالشيخ المعظّم أبى بكرِ الشاشىِّ القفَّالِ إلى أن يَطرُدَ ذلك
حتى فى العباداتِ، وصنَّف فى ذلك كتابًا كبيرًا أسماه ((محاسنَ الشريعةِ)) ،
والدليلُ على صحة ما صار إليه مالكٌ مِن انفرادِه فى تعويله عليها واختصاصِه بها
دونَ سائرِ العلماءِ - اتفاقُ أربابِ الحَلِّ والعقدِ على أن الجماعةَ يُقْتلون بالواحدِ
قِصاصًا؛ استبقاءً للباقين واستصلاحًا لحالهم، وقد قتَل عمرُ نفرًا بواحدٍ قتلوه
غِيلةً ، ولم يَلتِفِتْ عمرُ إلى الغِيلةِ، بل قال: لو تمالاً عليه أهلُ صنعاءَ لقتلتُهم (١).
فإن ألفًا(" يُقْتَلون باغتيالِ حمارٍ ، فكيف باغتيالِ إنسانٍ؟! فدلَّ على أن المعتبرَ إنما
كان بالتمالُؤُ الذى هو متشوَّفُ(٢) الأعداءِ، ومَظِنَّةُ الحُسّادِ .
وكذلك اتفقوا على أن حِرمانَ القاتلِ الميراثَ() رعيًا للمصلحةِ وسدًّا
(١) سيأتى فى الموطأ (١٦٨٦).
(٢) فى م: ((القلة)).
(٣) فى م: ((متشوق)).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٦٨٢).
١٢٠