النص المفهرس

صفحات 321-340

الموطأ
فليس هو كما ظَنُّوا، وجائزٌ لها عندَنا أن تَنكِحَ إذا دخَلتْ فى الحيْضةِ التمهيد
واستَيقَنتْ أنَّ دَمَها دَمُ حيضٍ، وقد قال هذا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ليحبى
ابنِ أكْثَمَ(١) حينَ أُدخَلَ عليه فى مناظَرَتِهِ إياه ما أدخَلَه محمدُ بنُ الحسنِ
على مُناظرِه(٢) عن أهلِ المدينَةِ فى ((كتابِهِ))، فقال له : أتحلُّ أمّ الولدِ
للأزواج إذا دخَلَتْ فى الدمِ مِن الحيضةِ ؟ فقال له إسماعيلُ : نعم تحلُّ
للأزواج؛ لأنَّ ◌ُهُورَ الدمٍ براءةٌ لرَحِمِها فى الأغلَبِ المعمول به .
قال أبو عمرَ : الأصلُ فى هذا البابِ والمُعتمَدُ عليه فيه حديثُ ابنِ
عمرَ عن النبيِِّ نَّ فى قولِه: ((فإذا طَهُرَتْ، إن شاء طَلَّقَ، وإن شاء
أَمْسَكَ)). لم يَخُصَّ أَوَّلَ الطهرِ مِن آخِرِهِ، ولو كان بينَهما فَرْقٌ لِبَيْنَه ؛ لأنَّه
المبَيِّنُ عن اللهِ مُرادَه، وقد بَلَّغَ ومَا كَتَمَ وَِّ .
قرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم ، قال :
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ السلامِ، قال: حدثنا محمدُ بنُ المثنّی ، قال : حدثنا
مُؤَمَّلُ بنُ إِسماعيلَ ، قال : حدثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن إبراهيمَ، عن
علقمةَ، أنَّ ابنَ عمرَ طَلَّقَ امرأتَه وهى حائضٌ، فسأل عمرُ النبيَّ وَله عن
القبس
(١) يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن أبو محمد التميمى المروزى، قاضى القضاة ولاه المأمون
قضاء بغداد ، وكان من أئمة الاجتهاد، واسع العلم بالفقه، كثير الأدب، حسن العارضة ، له
تصانيف كثيرة، منها ((التنبيه))، مات سنة اثنتين وأربعين ومائة. تهذيب الكمال ٢٠٧/٣١،
وسير أعلام النبلاء ٥/١٢.
(٢) فى الأصل، م: ((مناظرة))، وفى ن: ((مناظرته)).
٣٢١
( موسوعة شروح الموطأ ٢١/١٥ )

الموطأ
١٢٤٧ - مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزُّییرِ، عن
عائشةً أُمّ المؤمنينَ ، أنها انتقَلَت حفصةً بنتَ عبد الرحمن بن أبى بكرٍ
الصدِّيقِ حينَ دخَلتْ فى الدمِ من الخَيْضةِ الثالثةِ .
قال مالكٌ : قال ابنُ شهابٍ : فذُكِر ذلك لعَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ ،
فقالت : صدَق عروةُ ، وقد جادَلَها فى ذلك ناسٌ فقالوا: إن الله تبارك
وتعالَى يقولُ فى كتابِهِ: ﴿ثَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فقالت عائشةٌ:
صدَقتم، وتَدرُونَ ما الأقراءُ؟ إنما الأقراءُ الأطهارُ .
التمهيد ذلك فقال: ((مُرْه فلْيُراجِعْها حتى تَطهُرَ، ثم تحيضَ، ثم تَطْهُرَ، فإن شاء
طَلَّقَ، وإن شاء أَمسَكَ)) .
قال أبو عمرَ : لم يُذكَرْ فى هذا الحديثِ: قبلَ أن يَمَسَّ. وذكره مالكٌ
وغيرُه، وهو الذى لا بُدَّ منه، ذُكِر أو سُكِت عنه، وهذا أمرٌ مجتمَعٌ عليه
يُغنى عن الكلام فيه . وباللهِ العِصمَةُ والهدى والتوفيقُ .
الاستذكار
وأما اختلافُ العلماءِ فى معنى الأقراءِ؛ فذكَر مالكٌ فى هذا
البابِ، عن ابنٍ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنها انتقلت حفصةً
بنتَ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى بكرٍ، حينَ دخَلت فى الدَّمِ مِن الحيضةِ
الثالثةِ .
قال ابنُ شهابٍ : فذكرتُ ذلك لعَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، فقالت:
القبس
٣٢٢

١٢٤٨ - مالك، عن ابن شهابٍ، أنه قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ الموطأ
عبدِ الرحمنِ يقولُ: ما أدرَكتُ أحدًا من فقهائِنا إلا وهو يقولُ هذا .
يُرِيدُ قولَ عائشةَ .
١٢٤٩ - مالكٌ ، عن نافع وزيدِ بنِ أسلمَ ، عن سُليمانَ بنِ یسارٍ ،
أن الأحوصَ هلَك بالشام حينَ دخَلت امرأتُه فى الدم من الخَيضةِ الثالثةِ
وقد كان طلَّقها، فكتب معاويةُ بنُ أبى سُفيانَ إلى زيدِ بنِ ثابتٍ يسألُه
صدَق عروةُ، وقد جادَلها فى ذلك ناسٌ، فقالوا : إن اللهَ تعالى يقولَ فى الاستذكار
كتابِهِ: ﴿ثَثَةَ قُّرُوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فقالت عائشةُ: صدَقتُم، وتَدْرُون ما
الأقراءُ؟ إنما الأُقراءُ الأطهارُ(١) .
مالكٌ ، عن ابنِ شهابٍ ، أنه قال : سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عبد الرحمنِ
يقولُ: ما أدركتُ أحدًا مِن فقهائنا إلا وهو يقولُ ذلك. يريدُ قولَ
=(٢)
عائشة(٢).
مالكٌ ، عن نافعٍ وزيدِ بنِ أسلمَ ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ ، أن الأحوصَ
هلَك بالشامِ حينَ دخَلت امرأتُه فى الدمِ مِن الحيضةِ الثالثةِ ، وقد كان
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٠٣)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/١٢و - مخطوط) ،
وبرواية أبى مصعب (١٦٥٦). وأخرجه الشافعى ٢٠٩/٥، والطحاوى فى شرح المعانى ٣/ ٦١،
والبيهقى ٤١٥/٧ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٠٤)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/١٢و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٦٥٧). وأخرجه الشافعى ٢٠٩/٥ ، والطحاوى فى شرح المعانى ٣/ ٦١،
والبيهقى ٤١٥/٧ من طريق مالك به .
٣٢٣
٠٠٠٠١

الموطأ.
عن ذلك، فكتب إليه زيدٌ : إنها إذا دخلت فى الدم من الحيضةِ الثالثةِ ،
فقد بَرِثَتْ منه وبَرِئ منها ، ولا تَرِثُه ولا يَرِثُها .
١٢٥٠ - مالكٌ، أنه بلغه عن القاسم بنِ محمدٍ، وسالمِ بنِ
عبدِ اللهِ، وأبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، وسُليمانَ بنِ يسارٍ، وابنٍ
الاستذكار طلَّقها، فكتَب معاويةُ إلى زيدِ بنِ ثابتٍ يسألُه عن ذلك، فكتب إليه زيدٌ :
إنها إذا دخَلت فى الدم مِن الحيضةِ الثالثةِ فقد برِئت منه وبرِئ منها ، ولا
ترِثُه ولا يرِثُها (١) .
قال أبو عمرَ: ذكَّر هذا الحديثَ أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً(٢)، قال:
حدَّثنى ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ ، أن
الأحوصَ - رجلًا مِن أهلِ الشام - طلَّق امرأتَه تطليقةٌ أو تطليقتين، فمات
وهى فى الدمٍ من الحيضةِ الثالثةِ ، فَرُفِعَ ذلك إلى معاويةَ ، فسأل عنها فَضالةً
ابنَ عبيدٍ ومَن هناك مِن أصحابِ النبيِّ بَلَّ، فلم يوجدْ عندَهم فيها علمٌ،
فبعَث فيها راكبًا إلى زيدِ بنِ ثابتٍ ، فقال: لا ترِثُه، ولو ماتَتْ لم يرِثْها .
قال : وكانَ ابنُ عمرَ یری ذلك .
٠٧
وفى هذا البابِ : مالك، أنه بلَغه عن القاسم بن محمدٍ ، وسالمٍ بنٍ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٠٥)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/١٢و- مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٦٥٨). وأخرجه الشافعى ١٠٩/٢ (١٩٤)، والبيهقى ٤١٥/٧ من
طريق مالك به .
(٢) ابن أبى شيبة ٢١٠/٥.
٣٢٤

شهابٍ ، أنهم كانوا يقولون : إذا دخَلتِ المُطلّقةُ فى الدم من الخَيضةِ الموطأ
الثالثةِ ، فقد بانتْ من زوجِها ، ولا ميراثَ بينَهما ، ولا رَجعةً له عليها .
١٢٥١ - مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أنه كان يقولُ:
إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه ، فدخَلت فى الدم من الحَيضةِ الثالثةِ ، فقد بَرِقَتْ
منه وبَرِئ منها .
قال مالكٌ: وهو الأمرُ عندَنا .
١٢٥٢ - مالك، عن الفضيل بن أبى عبدِ اللهِ مولَى المَهْرِىِّ، أن
عبدِ اللهِ ، وأبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، وسليمانَ بنِ يسارٍ ، وابنٍ شهابٍ، الاستذكار
أنهم كانوا يقولون : إذا دخَلت المُطلَّقةُ فى الدم مِن الحيضةِ الثالثةِ ، فقد
بأنَتْ مِن زوجِها ، ولا ميراثَ بينَهما، ولا رجعةً له عليها(١).
مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه كان يقولُ : إذا طلَّق
الرجلُ امرأتَه ، فدخلت فى الدم مِن الحيضةِ الثالثةِ ، فقد برئت منه وبرِئ
مِنها(٢) . قال مالكٌ: وهو الأمرُ عندَنا .
⑈
مالكٌ، عن الفضيلِ بنِ أبى عبدِ اللهِ مولى المَهْرِىِّ، أن القاسمَ بنَ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/١٢ و، ١٣ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب
(١٦٥٩). وأخرجه الشافعى ٥/ ٢١٠، والبيهقى ٤١٥/٧، ٤١٦ من طريق مالك به.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٠٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/١٢ ظ - مخطوط)، =..
٣٢٥

الموطأ القاسمَ بنَ محمدٍ وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ كانا يقولانِ: إذا طُلِّقَتِ المرأةُ
فدخَلت فى الدَّم من الحيضَةِ الثالثةِ فقد بانَت منه وحَلَّت .
الاستذكار محمدٍ وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ كانا يقولان : إذا طُلَّقَت المرأةُ ، فدخلت فى الدم
مِن الحيضةِ الثالثةِ فقد بانَتْ منه وحَلَّت(١) .
قال أبو عمرَ: يعنى للأزواج. وهذا كلُّه قولُ مَن قال: الأقراءُ
الأطهارُ. لأنه إذا طلَّقها فى طُهْرٍ لم يَمَشَّها فيه فهى تعتدُّ به قُرْءًا، سواءٌ
طلَّقها فى أولِه أو فى آخرِهِ؛ لأن خُرُوجَها مِن ذلك الطُّهْرِ ودُخُولَها فى دمِ
الحيض بعدَه قُرْءٌ، ثم إذا طهُرت منه ودخَلت فى الحيضةِ الثانيةِ كان قُزْءًا
ثانيًا (١) ، فإِذا طهُرت مِن الحيضةِ الثانيةِ وانقضَى طُهْرُها، ودخَلت فى
الحيضةِ الثالثةِ ، فقد كَمَل لها ثلاثةُ قُرُوءٍ، وانقَضت عِدَّتُها ، وبانَتْ مِن
زوجها، وحلَّت للأزواجِ .
وهذا کلُّه قول مالك ، والشافعى ، وأصحابهما®) ، وابی ثورٍ ، وداودَ،
وتقدَّمهم إلى القولِ بذلك(٢) مِن الصحابةِ ابنُ عمرَ، وزيدُ بنُّ ثابتٍ ،
م
القبس
= وبرواية أبى مصعب (١٦٦٠). وأخرجه الشافعى ٢١٠/٥، والطحاوى فى شرح المعانى ٣/ ٦١،
والبيهقى ٤١٥/٧ من طريق مالك به .
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/١٢ظ- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦٦١).
وأخرجه الشافعى ٢١٠/٥، والبيهقى ٤١٥/٧ من طريق مالك به.
(٢) فى الأصل، م: ((ثابتًا))، وفى هـ: ((باقيًا)) .
(٥) من هنا سقط من المخطوط ح، هـ، وينتهى ص ٣٢٩ .
(٣) سقط من: م، وفى الأصل: ((وذلك)). والمثبت يقتضيه السياق.
٣٢٦

الموطأ
وعائشةُ. إلا أنه قد روى عن ابنِ عمرَ وزيدٍ أنهما قالا: عِدَّةُ الأمَةِ الاستذكار
حَيْضتانِ، وعِدَّةُ الحرةِ ثلاثُ حِيَضٍ (١). وزعَم العراقيون أن قولَهما
مُخالِفٌ لِما روِى عنهما فى (٢) الأقراءِ(٣) ، وليس عندَ أهلِ المدينةِ كذلك .
ومِن التابعين القاسمُ ، وسالمٌ، وسلیمانُ بنُ یسارٍ ، وأبو بكرٍ بنُ عبدِ
الرحمنِ ، وأبانُ بنُ عثمانَ ، وابنُ شهابٍ ، وكلُّهم يقولُ : إذا دخلت فى
الدمِ مِن الحيضةِ الثالثةِ، فقد انقَضت عِدَّتُها وحلَّت للأزواجِ(٤) .
ولا أعلمُ أحدًا ممن قال: الأقراءُ الأطهارُ. يقولُ غيرَ هذا إلا ابنَ
شهابٍ الزهرىَّ، فإنه قال: تُلْغِى الطُّهْرَ الذى طُلِّقت فيه، ثم تعتدُّ بعدَه
(٥)
بثلاثة أطهارٍ؛ لأن الله تعالى يقولُ: ﴿ثَلَثَةَ قُرُو
[البقرة: ٢٢٨] .
واختلف فى الأقراء(١) قولُ أحمدَ بن حنبلٍ؛ فقال مرةً: والأقراءُ
الحِيَضُ. (" وقال مرةً) : الأطهارُ، والأسانيدُ عمن رُوِى عنه أن الأقراءَ
الأطهارُ أصحُ. ورُوِى عنه أيضًا أنه رجَع إلى قولٍ عمرَ وعلىٍّ ، فى أنها
الچیضُ. وژُوِی عنه أنه وقَف فيها .
القبس
(١) أثر ابن عمر تقدم فى الموطأ (١٢٤١)، وأثر زيد بن ثابت سيأتى تخريجه ص ٣٣١.
(٢) سقط من: م، وفى الأصل: ((فى)). والمثبت يقتضيه السياق .
(٣) سقط من : م .
(٤) تقدم تخريجه ص ٣١٣، وينظر ما سيأتى فى الموطأ (١٢٤٧ - ١٢٥٤).
(٥) تقدم ص ٣١٣، ٣١٤.
(٦) فى الأصل، م: ((الآخر)). والمثبت يقتضيه السياق .
(٧ - ٧) فى الأصل، م: ((قال)). والمثبت يقتضيه السياق.
٣٢٧

الموطأ
الاستذ کار
وحكَى الأثرمُ عنه أنه قال: الأكابِرُ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وَل
يقولون : الأقراءُ الحِيَضُ .
وقال أبو حنيفةً ، والثورىُّ وأصحابُه، والأوزاعىُّ، والحسنُ بنُ حىٍّ،
وابنُ أبى ليلى، وابنُ شُبْرُمةً، وإسحاقُ بنُ راهُويَه، وأبو عبيدٍ: الأقراءُ
الحِيَضُ . وهو قولُ عمرَ بنِ الخطابِ ، وعلىٌّ بنِ أبى طالبٍ ، وابنٍ مسعودٍ ،
وأبى موسى الأشعرىِّ(١).
وروی و کیثُ بنُ الجراح، قال: حدَّثنی عیسی بنُ أبی عیسی ، عن
الشعبىِّ، قال: أحدَ عشرَ أو اثنا عشرَ من أصحابِ رسولِ اللهِ وَلّره؛ منهم
أبو بكرٍ ، وعمرُ، وعلىٍّ، وابنُ مسعودٍ ، وابنُ عباسٍ ، قالوا: إذا طلَّق الرجلُ
امرأةٌ تطليقةً أو تطليقتين، فله عليها الرجعةُ ما لم تغتسِلْ مِن الحيضةِ
.(٢)
الثالثةِ(٢) .
وروَى هذا الخبرَ خالدُ بنُ إسماعيلَ، عن عيسى بنِ أبي عيسى ، عن
الشعبيّ، فقال فيه: أحدَ عشرَ من(٢) أصحابٍ رسولِ اللهِ وَلَو؛ أبو بكرٍ،
وعمرُ، وعثمانُ، وعلىٍّ، ومعاذٌ ، وابنُ مسعودٍ ، وابنُ عباسٍ ، وعُبادةُ بنُ
الصامتِ، وأبو الدرداءِ، وأبو موسى، وأنسُ بنُ مالك .
القبس
(١) تقدم ص ٣١١، ٣١٢.
(٢) ذكره ابن حزم ٦٢٧/١١ عن وكيع به .
(٣) فى الأصل، م: ((و)). والمثبت مما تقدم فى الأثر قبله.
٣٢٨

الموطأ
قال أبو عمرَ : رَوَى مثلَ ذلك من التابعين - غيرَ سعيدِ بنِ المسيَّبِ - الاستذكار
مكحولٌ، وربيعةُ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، والشعبىُّ، والحسنُ، وقتادةُ ،
والضحاكُ بنُ مُزاحمٍ، وجَمْعٌ(١).
و(٥) قال الأوزاعى: جماعةٌ (٢) مِن أهلِ العلمِ على أن الأقراءَ الحِيَضُ.
واختلف هؤلاء - مع إجماعِهم على أن الأقراءَ الحِيَضُ - فى وقتٍ
انقضاءِ عِدَّةِ المُعتدَّةِ بالحيضِ ؛ فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا تنقضِى العِدَّةُ
إذا كان أيامُها دونَ العشرِ حتى تَغْتسِلَ مِن الحيضةِ الثالثةِ ، أو يذهبَ وقتُ
صلاةٍ. وهو قولُ الحسنِ البصرىِّ وحميد الطويلِ(١) . وبه قال الحسنُ بنُ
حىّ ، إلا أنه قال : النصرانيةُ واليهوديةُ فى ذلك مثلُ المسلمةِ .
قال الطحاوىُّ(٤): وهذا لم يَقُلْه أحدٌ ممن جعَل الأَقراءَ الحِيَضَ غيرُ
الحسن بنِ حیٍّ .
وقال الثورىُّ وزُفَرُ: هو أَحَقُّ بها وإن انقطَع الدمُ، ما لم تغتسِلْ مِن
الحيضةِ الثالثةِ . وهو قولُ عمرَ، وعلىٍّ، وعبدِ اللهِ . وبه قال إسحاقُ وأبو
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٠٩٨٦، ١٠٩٩١، ١٠٩٩٨، ١١٠٠١)، ومصنف ابن أبى
شيبة ١٩٣/٥، والمحلى ٦٢٧/١١.
(*) إلى هنا ينتهى السقط من المخطوط ح، هـ، والمشار إليه ص ٣٢٦.
(٢) فى ح، هـ: ((الجماعة)).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٠٩٩٨)، والمحلى ١١/ ٦٢٧.
(٤) مختصر اختلاف العلماء ٣٨٥/٢ .
٣٢٩

الموطأ
الاستذكار عبيدٍ . وروی ذلك عن أبی بکرٍ وعثمان، ولیسَ بالقوىِّ عنهما ، وژُوِی
مثلُ ذلك عن أبى موسى، وعُبادةَ، وأبى الدرداءِ، ومعاذٍ بنٍ جبلٍ، وهو
الأشهر عن ابنِ عباسٍ(١).
وقال ابنُ شُبْرُمةً: إذا انقطَع الدمُ مِن الحيضةِ الثالثةِ فقد بانَتْ،
وبطَلت الرجعةُ. ولم يَعتبرِ الغُسلَ. وهو قولُ طاوسٍ، وسعيدِ بنِ
جبيرٍ، والأوزاعىّ(٢).
ورُوِى عن شريكِ قولٌ شاذٌّ ، أنها لو فرَّطت فى الغُسْلِ عشرَ سنينَ لكان
زوجها أحقَّ بها(١) ما لم تغتسِلْ.
ورُوِى عن إسحاقَ بنِ راهُويَه، أنه قال: إذا طعَنت المطلقةُ فى
الحيضةِ الثالثةِ بانَتْ ، وانقطَعت الرجعةُ للزوجِ، (٢)إلا أنه) لا يَحِلُّ لها أن
تتزوجٌ حتى تغتسلَ مِن حيضتِها . وروِى نحوُه عن ابنِ عباسٍ . وهو قولٌ
ضعيفٌ بدليلِ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ
فِيمَا فَعَلْنَ فِىّ أَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وبلوغُ الأجلِ هنا انقضاءُ العِدَّةِ
بدخولها فى الدم مِن الحيضةِ الثالثةِ، فإذا انقضَت عِدَّتُها حلّت للأزواج،
ولا جناحَ عليها فيما فعَلت مِن ذلك .
القبس
(١) تقدم ص ٣١١، ٣١٢.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٠٠١)، وسنن سعيد بن منصور (١٢٢٤)، وتفسير ابن جرير ٤ /٩٣.
(٣) فى الأصل، م: ((برجعتها) .
(٤ - ٤) فى ح، هـ: ((لأنه)).
٣٣٠

الموطأ
والحديثُ عن ابنِ عباسٍ بذلك حدَّثَنَاه عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنى الاستذكار
قاسمٌ ، قال : حدَّثنی محمدُ بنُ شَاذَانَ ، قال : حدَّثنی مُعَلَّى ، قال : أخبرنا
عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، أن ثورَ بنَ زيدِ الدِّيليَّ أخبره عن عكرمةً ، عن ابنِ
عباسٍٍ ، قال: إذا حاضَت المطلقةُ الحيضةَ الثالثةَ فقد بانَتْ مِن زوجِها ، إلا
أنها لا تتزوج حتى تطهُرَ(١).
- :
وهذا لو صَحَّ احتَمل أن يكونَ منه على الاستحبابٍ(٢).
وزعَم الكوفيون أن ابنَ عمرَ وزيدَ بنَ ثابتٍ قالا: الأقراءُ الحِيَضُ .
لأنهما رُوِى عنهما: عِدَّةُ الحرةِ ثلاثُ حِيَضٍ، وعِدَّةُ الأَمَةِ حيضتانٍ ،
وعِدَّةٌ أمّ الولدِ مِن وفاةِ سَيِّدِها حيضةٌ .
وروى ذلك مِن حديث مالكِ وغيرِه عن نافع، عن ابنِ عمرَ (١) .
ومِن حديثٍ ابنٍ شهابٍ ، عن قَبِيصةَ بنِ ذؤيبٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ ،
قال : عِدَّةُ الأَمَةِ خَيْضتانِ، وعِدَّةُ الحرةِ ثلاثُ حِيَضٍ(٤) .
وهذا ليس بشىءٍ ؛ لأن مذهبهما الذى قدَّمنا صحيحٌ معروفٌ عنهما،
أن المطلقةَ إذا طعنت فى الدم مِن الحيضةِ الثالثةِ، فقد برئت منه وبرِئ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣١٨ .
(٢) فى الأصل، م: ((وجه الاستحسان)).
(٣) تقدم فى الموطأ (١٢٤١).
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٦٢/٣ من طريق ابن شهاب به.
٣٣١

الموطأ
الاستذكار منها ، ولا ترِثُه ولا يَرِثُها .
وقولُهما هذا فى عِدَّةِ الأَمَةِ والحرةِ تقريبٌ على السائلِ فى
العبارة؛ لأن الطُّهْرَ لا يُعرفُ إلا (١) بتقدُّمِ الحيضِ قبلَه. واللهُ
أعلمُ .
واحتجُوا فى أن الأقراءَ الحِيَضُ بأن المخالفَ لهم يقولُ: عِدَّةُ أُمّ
الولدِ حيضةٌ، لابدَّ أن تأتىَ بها. واحتجُوا بأن الله تعالى يقولُ:
﴿ثَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فلابدَّ أن تكونَ كاملةً، والمطلقةُ فى
طُهْرٍ قد مضَى بَعْضُه لم تأتِ بثلاثةِ قروءٍ إذا انقضَتِ عِدَّتُها بدخولها
فى الدمِ مِن الحيضةِ الثالثةِ. واحتُوا بقولِهِ وَّ للمستحاضةِ:
((دعِى الصلاةَ أيامَ أَقرائِكِ))(٢). وقولِه لفاطمةَ: ((وصلِّى ما بينَ القُرْءِ
إلى القُرْءِ))(٢) . وبأشياءَ يطولُ ذكرُها.
فأما قولُهم فى أمّ الولدِ بأنها لا تنكِحُ عندَنا حتى تطهُرَ مِن حيضتِها ،
وأن ذلك دليلٌ على أن القُرْءَ الحيضةُ، فقد أجاز إسماعيلُ وغيرُه مِن
أصحابِنا لأمّ الولدِ أن تتزوجَ إذا دخَلت فى الحيضةِ؛ لأن ظهورَ الدم براءةٌ
للرحمِ فى الأغلبِ.
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣١٩ .
(٣) تقدم تخريجه فى ٥٤٤/٣ .
٣٣٢

الموطأ
وأما قولُهم: إن اللهَ تعالى قال: ﴿ثَثَةَ قُرُوَّةٍ﴾. ومَن طَلّق وقد مضَى الاستذكار
مِن الطهرِ بعضُه، لم يَكمُلْ لها ثلاثةُ قروءٍ بدخولِها فى الدمِ مِن الحيضةِ
الثالثةِ ، بل هى قُرْءَانٍ وبعضُ الثالثِ . فالجوابُ أن المُبتَغَى من الأقراءِ براءةُ
الرحم، وهو خروجُ المرأةِ مِن الطّهرِ إلى الدم، فذلك الوقتُ هو المُبتَغَى
وهو المُراعى، وقد حصَل منه ثلاثةُ أوقاتٍ كاملةٍ لدخولِها فى الدمٍ من
الحيضةِ الثالثةِ .
وأما احتجاجهم بقولِه عليه السلامُ للمستحاضةِ: ((دعِى الصلاةَ أيامَ
أقرائِك)). فإنه أراد القُرْءَ الذى هو الحيضُ، وتُتركُ له الصلاةُ، ولم يُرِدِ
القُرْءَ الذى تعتدُّ به المُطلقةُ وهو الطهرُ؛ بدليلٍ حديثِ ابنِ عمرَ
المذكورِ(١) . وقد أوضحنا أن الحيضَ يُسمَّى قُرْءًا، كما أن الطَّهرَ يُسمَّى
قُرْءًا، إلا أن القُرْءَ الذى هو الدمُ ليس هو المُرادَ مِن قولِه تعالى: ﴿ثَلَثَةَ
قُرُوَةٌ﴾. بل المرادُ مِن ذلك الأطهارُ - واللهُ أعلمُ - بدليلِ الإجماعِ على
أن الطلاقَ للعِدَّةِ أن يطلِّقَها طاهرًا مِن غيرِ جماع ولا حيضٍ، فتبتدئُ
عِدَّتَها مِن ساعةِ طلاقِه لها. وهو معنى قوله تعالى: (فَطَلْقُوهُنَّ لقُبُلِ
عِدَّتِهِنَّ) (١) . أى: لاستقبالِ عِدَّتِهن. وأجمَعوا فى كلِّ امرأةٍ علِمت بطلاقٍ
زوجها لها فى حينَ طلَّقها، أن الشُّنةَ أن تبتدئَّ عِدَّتَها مِن ساعةِ وقوعِ
طلاقِها . وذلك دليلٌ على أن الأقراءَ الأطهارُ؛ لأن السُّنةَ المُجتمعَ عليها أن
القبس
(١) فى النسخ: ((المتكرر)). والحديث تقدم فى الموطأ (١٢٤٦)
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٢٧٤).
٣٣٣

الموطأ
الاستذكار يُطلِقَها فى طُهْرٍ لم تُمَسَّ فيه لتعتدَّ مِن ساعتِها .
ومَن قال: إن الأقراءَ الحِيَضُ. يقولُ: إنها لا تعتدُّ بالحيضةِ التى
◌ُلِّقت فيها، ولا تعتدُّ إلا بحيضةٍ تستأنفُها بعدَ طُهْرِها مِن تلك
الحيضةِ، فيلزمُهم أن يقولوا: إنها قبلَ الحيضةِ الثانيةِ فى غيرِ عِدَّةٍ .
وحَسْبُك بهذا خَلْفًا مِن القولِ (١)، وخلافًا لظاهرِ قولِ اللهِ تعالى:
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. ولقولِ النبى عليه السلامُ: ((فتلك
العِدَّةُ التى أمَر اللهُ أن تُطَلَّقَ لها النساءُ)) (٢). هذا كلُّه معنى قولٍ
الشافعىِّ. وهو مذهبُ مالكٍ وأصحابِه .
وللكوفيِّين حُجَجْ ومُعارضاتٌ ذكروها فى كتبهم ؛ منها قولُ اللهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿وَأَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْبَبْتُمُّ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ
أَشْهُرِ﴾ [الطلاق: ٤]. فجعَل الأَشُرَ لمَن يَكِسْنَ مِن المحيضِ، فدلَّ على
أنه هو العِدَّةُ ، حتی تیئسَ منه فتعتدَّ بالشهورِ .
قالوا : والطُّهْرُ جائزٌ أن تُطلَّقَ فيه إلى آخرِهِ، فلا يحصلُ لها إلَّ قُزْءانٍ ،
والله تعالى يقولُ: ﴿ثَثَةَ قُرُوَةٍ﴾. وإذا ذكَر عددَ الشهورِ أو الأيامِ لم يَجُزْ
[البقرة: ٢٣٤].
بعضُ ذلك العددِ ؛ كقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾
القبس
(١) الخلف من القول : الردىء الفاسد . اللسان (خ ل ف).
(٢) تقدم فى الموطأ (١٢٤٦).
٣٣٤

١٢٥٣ - مالكٌ، أنه بلغه عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ ، وابنٍ شهابٍ ، الموطأ
وسُليمانَ بنِ يسارٍ، أنهم كانوا يقولون: عِدَّةُ المُختلِعةِ ثلاثةُ قروءٍ .
١٢٥٤ - مالكٌ، أنه سمِع ابنَ شهابٍ يقولُ: عِدَّةُ المُطلَّقةِ الأقراءُ
وإن تباعدَتْ .
و: ﴿﴿ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي لَلْتَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وليس الاستذكار
كذلك "فى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ لأنه لم یذ کر
عددًا . وبأشياءَ فيها تشعيبٌ لم أرَ لذكرِها وجهًا . وباللهِ التوفيقُ.
وأما ما ذكره مالكٌ فى هذا البابِ ، أنه بلغه عن سعيدِ بنِ المسيّبِ ، وسليمانَ
ابنِ يسارٍ، وابنٍ شهابٍ، أنهم كانوا يقولون: عِدَّةُ المُختلعةِ ثلاثةُ قروءٍ(١).
فقد ذكره فى بابٍ طلاقِ المُختلعةِ على حسَبٍ ما ذكره همهنا . وذكَر أيضًا
هناك عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: عِدَّةُ المُختلعةِ عدةُ المطلَّقةِ(٣) . وقد ذكرنا
هنالك ما للعلماءِ مِن التنازع والاختلافِ فى طلاقِ المختلعةِ. والحمدُ للهِ .
مالكٌ ، أنه سمِع ابنَ شهابٍ يقولُ: عِدَّةُ المُطلقةِ الأقراءُ وإن تباعَدت (٤).
فهذا إجماعٌ من العلماءِ، إن كانت مِن ذواتِ الأُقراءِ ولم تكنْ مُرتابةً
القبس
(١ - ١) فى النسخ: ((فالحج)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/١٢ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦٦٢)، وتقدم
فى الموطأ (١٢٢١).
(٣) تقدم فى الموطأ (١٢٢٠) .
(٤) الموطأ برواية أبى مصعب (١٦٦٣). وأخرجه الشافعى ٢١٢/٥، والبيهقى فى معرفة السنن
والآثار (٤٦٢٥) من طريق مالك به .
٣٣٥

١٢٥٥ - مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن رجل من الأنصارِ ، أن
الموطأ
امرأته سألَتْه الطَّلاقَ، فقال: إذا حِضْتٍ فَآذِنِينى. فلمَّا حاضتْ آذَنَتْه ،
فقال : إذا طهُرْتٍ فَآَذِنينى . فلمَّا طهُرتْ آذنَتْه، فطلَّقها .
قال مالكٌ: وهذا أحسنُ ما سمِعتُ فى ذلك .
الاستذكار ولا مُستحاضةً ، فإن كانت مُرتابةً أو مستحاضةً فیأتی القول فى ذلك فى
بابٍ جامعٍ عدة الطلاقِ إن شاء اللهُ تعالى .
مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ ، أن امرأتَه سألته
الطلاقَ ، فقال: إذا حِضَتِ فَآَذِنينى. فلما حاضَتْ آذنَتْه، فقال: إذا
طَهُرتِ فَآَذِنينى. فلما طهُرتْ آذنَتْه، فطلَّقُها (١) . قال مالك: وهذا أحسنُ
ما سمِعتُ .
قال أبو عمرَ: هذا هو الطلاقُ للعدةِ الذى يُسميه العلماءُ طلاقَ
السُنَّةِ ، لم يختلِفوا فيه إذا طلَّقها واحدةً .
قال مالكٌ وأصحابُه : طلاقُ السُّنةِ أن يطلقَها فى طهرٍ لم يَمَسَّها فيه
تطليقةً واحدةً . وكذلك قال عبدُ العزيزِ بنُ أبى سلمةً ، والليثُ بنُ سعدٍ ،
وابنُّ حىٍّ، والأوزاعىُ ، إلا أن بعضَهم يقولُ: طلاقُ السنةِ . وبعضُهم
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/١٢ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦٦٤).
٣٣٦

الموطأ
يقولُ : الطلاقُ للعدةِ. وقولُ مالكِ ومَن تابَعه فى ذلك إجمائٌ مِن الاستذكار
العلماءِ؛ (( لأن من خالَفهم فى وجوهِ طلاقِ السنَّةِ حالَفهم فى ذلك(١) .
وقال الشافعىُ : طلاقُ السنةِ الذى أمَر اللهُ به للعدةِ هو أن يطلقَها طاهرًا
لم يَمَسَّها فى ذلك الطهرِ ، ولا حائضًا ولا نُفساءَ، وسواءٌ طلَّقها واحدةً أو
اثنتين أو ثلاثًا ، فإذا طلَّقها فى طُهْرٍ لم يَمَسَّها فيه، فهو مُطلِّقٌ للسنةِ .
قال المُزنىُ عنه: مَن قال لامرأته : أنتِ طالقٌ ثلاثًا للسنةِ. وهى طاهرٌ
مِن غيرِ جماع، طَلَقت ثلاثًا معًا للسنةِ .
قال(٢): وإن كانت مُجامَعةً، أو حائضًا، أو نُفساءَ وقال لها : أنتِ
طالقٌ للسنةِ . وقَع الطلاقُ عليها حينَ تطهُرُ مِن الحيضِ أو النفاسِ ، وحينَ
تطهُرُ مِن المجامعةِ مِن أُولِ حيضٍ (١٢) بعدَ قولِه.
ومِن حُجّة الشافعى أن الطلاقَ مباخ ، وأن من له أن يُوقِعَ واحدةً كان له
أن يُوقِعَ ثلاثًا .
وقد مضَى القولُ عليه وله فى أولِ كتابِ الطلاقِ مِن هذا الكتابِ(٤).
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ: ((لأن مخالفهم فى طلاق السنة جامعهم فى هذا الوجه))، وفى م: ((لأن
من خالفهم فى وجوه طلاق السنة جامعهم فى ذلك)).
(٢) بعده فى الأصل، م: (مالك)).
(٣) فى الأصل، م: ((الحيض))، وفى الأم: ((حيضة تحيضها)).
(٤) ينظر ما تقدم ص ٢٩١ - ٢٩٩.
٣٣٧
(موسوعة شروح الموطأ ٢٢/١٥)

الموطأ
· الاستذكار
وقد احتجَّ بعضُ أصحابِه(١) بما رواه الثورىُّ، عن أبى إسحاقَ ، عن
أبى الأحوصِ، عن ابن مسعودٍ ، قال : طلاقُ السُّنةِ أن يطلقَها طاهرًا من
غيرِ جماعٍ(٢) . ولم يَقُلْ واحدةٌ ولا أكثرَ.
وهذا الحديثُ قد رواه شعبةُ ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ،
عن عبدِ اللهِ، فقال فيه: أو يراجِعَها إن شاء(٢) . فدلَّ على أن ذلك طلاقٌ
يَملِكُ فيه الرجعةَ .
وهذا يحتمِلُ أن يكونَ أراد : ومَن طلَّق دونَ الثلاثِ ، فله الرجعةُ .
والثورىُّ عندَهم أحفظُ مِن شعبةَ، وقد قال : الطلاقُ للسنةِ أن يطلقَها
طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ.
ولم يشترِطْ واحدةً ولا أكثرَ ؛ جماعةٌ مِن أهلِ العلم ؛ منهم الحسنُ،
وابنُ سيرينَ، وجابرُ بنُ زيدٍ ، وعكرمةُ، ومجاهدٌ، وإبراهيمُ(٤).
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : أحسنُ الطلاقِ أن يطلقَها إذا طهَرت قبلَ
الجماع طلقةً واحدةً ، ثم يتركَها حتى تنقضىَ عدتُها ، وإن أراد أن يطلقَها
ثلاثًا طلقَّها عندَ كلٌّ طُهرٍ واحدةٌ قبلَ الجماعِ . وهو قولُ الثورىِّ.
القبس
(١) فى م: ((أصحابنا)).
(٢) تقدم تخريجه ص٢٩٩ .
(٣) تقدم ص٢٩٥، ٢٩٦.
(٤) ينظر الآثار لمحمد بن الحسن (٢٦٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢/٥، ٣، وسنن سعيد بن
منصور (١٠٦٠، ١٠٦١)، وتفسير ابن جرير ٢٥/٢٣، ٢٦.
٣٣٨

الموطأ
قال أبو عمرَ : كلا هذين الوجهين عندَ أبى حنيفةً وأصحابِه والثورىِّ الاستذكار
طلاقُ سُنةٍ ، إلا أن الأولَ أحسنُ عندَهم .
وقال أشهبُ فى ذلك كقولِهم، قال: مَن طلَّق امرأته فى طهرٍ لم
يَمَسَّها فيه طلقةً واحدةً ، ثم إذا حاضَتْ وطهَرت طلَّقها أخرى ، ثم إذا
حاضت وطهَرت طلَّقها ثالثةً ، فهو مُطلِّقٌ للشنةِ.
قال أبو عمرَ: ليس هو عندَ مالكٍ وسائرٍ أصحابِهِ مُطلِّقًا للسنةِ ،
وكيف يكونُ مُطلِّقًا للسنةِ والطلقةُ الثانيةُ لا يُعتدُّ منها إلا بِقُرْءَين، والطلقةُ
الثالثةُ لا يُعتدُّ منها إلا بقُرْءٍ واحدٍ ؟ وهذا خلافُ السنةِ فى العِدَّةِ.
ومَن طَلَّق للسنةِ ، كما قال مالكٌ ومَن تابَعه، شهِد له الجميعُ بأنَّهُ(١)
طَلَّق للسنةِ .
وقال أبو حنيفةً: بلَغنا (٢) عن إبراهيمَ، عن أصحابٍ رسولِ اللهِ وَه،
أنهم كانوا يَسْتحِبُون ألَّا يَزيدوا فى الطلاقِ على واحدةٍ حتى تنقضِىَ
العِدَّةُ، وأن هذا هو الأفضلُ عندَهم مِن أن يُطَلِّقَها ثلاثًا عندَ كلِّ طُهْرٍ
واحدةً(٣).
وكذلك قال الحسنُّ بنُ حىٍّ: لأَن يُطَلِّقَها واحدةً ويتركَها أَحَبُ إلىَّ
القبس
(١ - ١) فى النسخ: ((لأنه)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٢) فى الأصل، م: ((وأصحابه)).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٠٩٢٦).
٣٣٩
سے

الموطأ
۔۔
الاستذكار مِن أن يُطَلِّقَها ثلاثًا فى ثلاثةِ أطهارٍ.
وقال أحمدُ بنُ حنبل : طلاقُ السنةِ أن يُطَلِّقَها طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ واحدةً،
ويَدَعَها حتى تنقضِىَ عِدَّتُها . وهذا قولُ مالكِ .
قال: ولو طَلَّقها ثلاثً فى طهرٍ لم يَمَسَّها فيه، كان أيضًا مُطَلِّقًا للسنةِ وإن
٠٠
کان تار کًا للاختیارِ . وهذا نحۇ قول الشافعی . وبه قال أبو ثورٍ وداودُ بنُ علیٍّ .
واتَّفَق الشافعىُّ، وأحمدُ ، وأبو ثورٍ ، وداودُ ، أنه ليس فى عددِ الطلاقِ سُنَّةٌ
ولا بدعةٌ ، وإنما السنةُ فى وقتِ الطلاقٍ وموضعِه ؛ فمَن طَلَّق امرأته فى طهرٍ لم
يُصِبْها فيه ما شاء مِن الطلاقِ، فهو مُطَلِّقٌ للسنةِ .
قال أبو عمرَ : روَى الأعمشُ، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى الأحوصِ،
عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، أنه قال : طلاقُ السنةِ أن يُطَلِّقَها تطليقةً وهى طاهرٌ
مِن غيرٍ جماع، فإذا حاضَتْ وطَهَرت طَلَّقها أخرى، فإذا حاضَتْ
وطَهَرت طَلَّقها أخرى، ثم تعتدُّ بعد ذلك بحيضةٍ واحدةٍ(١). قال
الأعمشُ : وقال إبراهيمُ مثلَ ذلك .
روَى هذا الحديثَ الأعمشُ عن (٢أبى إسحاق٢َ) ، وخالَفه جماعةٌ مِن
أصحابٍ أبى إسحاقَ؛ منهم شعبةُ ، والثورىُّ، وزهيرُ بنُ معاويةً ، فروَوه
عن أبى إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ فى قولِه تعالى :
القبس
(١) أخرجه النسائى (٣٣٩٤)، وابن ماجه (٢٠٢١)، والطبرانى (٩٦١١)، والدار قطنى ٥/٤،
وابن حزم ٦٣٣/١١ من طريق الأعمش به .
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((على)).
٣٤٠