النص المفهرس

صفحات 261-280

الموطأ
الاستذكار
(١ امرأته، فليس عليه طلاقٌ. وقال الشافعىُّ فى امرأةِ الغائبِ أَيَّ غَيْبةٍ
كانت : لا تعتدُّ، ولا تَنكِحُ أبدًا حتى يأتيَها يقينُ وفاتِه. قال: ولو اعتدَّت
بأمرٍ حاكم بعدَ الأربع سنينَ أربعةً أشهرٍ وعشرًا، ونكَحت ودخَل بها
الزوجُ، كان حكمُ الزوجيّةِ بينَها وبينَ زوجِها الأوَّلِ(٢) بحالِهِ، غيرَ(٢) أنه
ممنوعٌ مِن فَرْجِها بوطءٍ شُئهةٍ ، ولا نفقةً لها مِن (٤حينَ نَكَحت٤) ، ولا فى
عِدَّتِها مِن الوطءِ الفاسدِ؛ لأنَّها(٥) مُخرِجةٌ نفسَها مِن يدِه . وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه: لا تتزوَّجُ امرأةُ المفقودِ(٦) حتى تَنْبُتَ وفاتُه، و(٧) المفقودُ
الرجلُ(٨) يخرُجُ فى وجهٍ فيُفقدُ فلا يُعرفُ موضعُه، ولا يستِينُ أمرُه، أو
يَأْسِرُه العدؤُّ فلا يستبِينُ موتُه. وهو قولُ الثورىِّ(٤) ، والحسنِ بنِ حىٍّ .
وقال عثمانُ البَتِّئُ(١٠) فى المفقودِ تتزوجُ امرأتُه، فيجِىءُ وهى متزوجةً : إنه
أحقُّ بها ، وتَؤُدُّ على الزوجِ الأخيرِ مهرَه ؛ لأنه إنما تزوَّج امرأةٌ لها زوجٌ() .
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ .
(٢) سقط من : الأصل، م . والمثبت من مختصر المزنى ص٢٢٥ .
(٣) فى الأصل، م: ((قال)). والمثبت من المصدر السابق.
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((حيث نكحها)). والمثبت من المصدر السابق.
(٥) فى الأصل، م: ((إنها)). والمثبت من المصدر السابق.
(٦) سقط من : الأصل، م. والمثبت مع مختصر اختلاف العلماء ٣٢٩/٢ .
(٧) فى الأصل، م: ((قال)). والمثبت من المصدر السابق.
(٨) سقط من : الأصل ، م . والمثبت من المصدر السابق .
(٩) بعده فى الأصل، م: ((وقول صالح)). والمثبت كما فى المصدر السابق.
(١٠) فى مختصر اختلاف العلماء: ((والثورى)).
٢٦١

الموطأ
الاستذكار
" قال أبو عمرَ : أَنَّفَق الثورىُّ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ، وأصحابُهم،
والحسنُ بنُ صالح، أن امرأةَ المفقودِ لا تنكِحُ أبدًا حتى تعلمَ وفاتَه أو
طلاقَه . وقد كان الشافعىُّ يقولُ فيها ببغدادَ بقولِ مالكِ علی ما رُوِى عن
عمر، ثم رجع عن ذلك إلى قولٍ علىّ ).
والمفقودُ عندَ مالكِ على أربعةِ أوجهٍ ؛ مفقودٌ بينَ الصَّفَّينِ فى أرضٍ
العدوِّ، وَيُعَمَّرُ مِن السبعينَ إلى الثمانين. والأسيرُ الذى تُعرفُ حياتُه وقتًا ثم
ينقطِعُ خبرُه ، فلا يُعرفُ له موتٌ ولا حياةٌ ، لا يُفَرَّقُ بينَه وبينَ امرأتِه ويُعَمَّرُ
أيضًا . ومفقودٌ يخرُجُ فى وجهٍ لتجارةٍ أو غيرِها، فلا يُعرفُ موضعُه، ولا
تُعلمُ حياتُه ولا موتُه، فذلك تتربصُ زوجتُه أربعَ سنينَ ثم تعتدُّ . ومفقودٌ فى
معركةِ الفتنةِ يُنعَى إلى زوجتِهِ يجتهِدُ فيه الإمامُ .
ولأصحابٍ مالكِ اختلافٌ كثيرٌ فى الذى يظهرُ فى صفِّ القتالِ ثم
يُفقدُ، قد ذكرتُه فى كتابٍ ((اختلافِ أقوالِ مالكٍ وأصحابِه)) . وروَى
أشهبُ وابنُّ نافع، عن مالكِ فى الذى يُرى فى صفِّ القتالِ ، ثم لا يُعلمُ
أقُتِل أم ما فعَل اللهُ به؟ ولا يُسمعُ له خبرٌ، قال مالكٌ: يُضربُ له أجلُ سنةٍ
مِن يومٍ يَنظُ فيه السلطانُ ، ثم تعتدُّ امرأتُه، وسواءٌ كان ذلك فى أرضٍ
الإِسلام أو فى أرضٍ الحربِ. وروَى عيسى ، عن ابنِ القاسم، عن مالكٍ،
أنه إذا فُقِد فى فتنِ المسلمين، ورُئِى فى المُعتَركِ أو لم يَُ، أَنه يُنتظَرُ يسيرًا
قدرَ ما يرجعُ الخارج والمنهزِمُ، ثم تعتدُّ امرأتُه ويُقسمُ مالُه. ذكَره
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ .
٢٦٢

١٢٤٥ - قال مالك: وبلَغنى أن عمرَ بنَ الخطابِ قال فى المرأةِ الموطأ
يُطلِّقُها زوجُها وهو غائبٌ عنها، ثمَّ يُراجِعُها ، فلا تَبلُغُها رجعتُه، وقد
بلَغها طلاقُه إياها فتزوَّجتْ: إنه إن دخَل بها زوجها الآخَرُ أو لم يَدخُلْ
بها، فلا سبيلَ لزوجِها الأولِ الذى كان طلَّقها إليها .
قال مالكٌ: وهذا أحبُّ ما سَمِعتُ إلىَّ فى هذا وفى المفقودِ .
الاستذكار
العُثْبِىُ (١) . قال: وقال شُحنونٌ: أُراه بمنزلةِ المفقودِ فى جميع أحوالِهِ .
وفى هذا البابِ قال مالكٌ: وبلَغنى أن عمرَ بنَ الخطابِ قال فى المرأةِ
يُطلّقُها زوجها وهو غائبٌ عنها ثم يُراجِعُها ، فلا تبلُغُها رجعتُه، وقد بلَغها
طلاقُهُ إِيَّاها فتزوَّجت: إنه إن دخَل بها زوجها الآخر أو لم يدخُلْ بها ، فلا
سبيلَ لزوجها الأول الذى كان طلَّقها إليها(٢)
قال مالكٌ : وهذا أحبُّ ما سمِعتُ إلىَّ فى هذا وفى المفقودِ (٥) .
قال أبو عمرَ : بلاُ مالكِ هذا على أحدٍ(٤) قولَيه؛ لأنه قد رُوِى معنى
قولِه الثانى فى هذا الخبرِ عن عمرَ، نذكُرُها إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ .
وقولُه فى ((موطئِه)): وهذا أحَبُّ ما سمِعتُ إلىَّ. دليلٌ على أنه سمِع
القبس
(١) فى ح، هـ: ((القعنبى)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/١٢ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦٥٣، ١٦٥٤).
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ .
(*) من هنا سقط من المخطوط ح ، هـ ، وينتهى ص ٢٦٦.
(٤) فى الأصل، م: ((آحاد)). والمثبت يقتضيه السياق.
٢٦٣

الموطأ
الاستذكار فيه الاختلافَ عن عمرَ ، وقولُه هذا فى ((موطئِهِ)) عندَ جميع الرواةٍ، وقد
شهد يحيى موتَه، وهو مِن آخرِ أصحابِه عرضًا ((للموطاً)) عليه. وروَى
سُحنونٌ ، عن ابنِ القاسم فى هذه المسألةِ وفى مسألةِ المفقودٍ ، أن مالكًا
رجَع قبلَ موتِه بعام فقال : الأُولُ أحقُّ بها ما لم يدخلِ الثانى . وبه يقولُ ابنُ
القاسم وأشهبُ . وقال المدنيُّون مِن أصحابِه بما فى ((الموطأُ)) فى مسألةٍ
المرتجع ومسألةِ المفقودِ: إنه إذا عقَد الثانى ، فلا سبيلَ إلى الأُولِ إليها ،
دخل الثانى بها أو لم يدخلْ .
وقولُ الشافعيّ والكوفتّين فى هذه المسألةِ، كقولِهم فى مسألةِ المفقودِ .
ذكَر أبو بكرٍ (١)، قال: حدَّثنى أبو معاويةً، عن الشيبانيّ، عن
الشعبىِّ، قال: سُئِل عمرُ عن رجلٍ غابَ عن امرأتِه، فبلَغها أنه مات ،
فتزوَّجَت(٢) ثم جاء الزوجُ الأولُ، فقال عمرُ: يُخَيَّرُ الزوجُ بينَ الصداقِ
وامرأتِه ، فإن اختار الصداقَ ترَكها مع الآخرِ ، وإن شاء اختارَ امرأته . قال :
وقال عليٍّ : لها الصداقُ مِن الآخرِ بما استحلَّ مِن فَرْجِها، ويُفَدَّقُ بينَه
وبينَها ، ثم تعتدُّ ثلاثَ حِيَضٍ(٢)، ثم تُرَدُّ على الأولِ.
وأما بلاغُ مالكِ عن عمرَ فى الذى طَلَّق فأعلَمها ، فارتجعَ ولم يُعْلِمْها
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٤ /٢٣٨.
(٢) ليس فى : الأصل ، م . والمثبت من مصدر التخريج .
(٣) فى الأصل، م: ((حياض)). والمثبت من مصدر التخريج.
٢٦٤

الموطأ
حتى (١) نكَحت. فهو غيرُ مشهورٍ عن عمرَ مِن روايةِ أهلِ الحجازِ وأهلِ
العراقِ .
الاستذكار
ذكَر عبدُ الرزاقِ (٢) ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن عبدِ الكريم الجَزَرىِّ،
عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، ومعمرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ، أن أبا كنفٍ
طَلَّق امرأتَه ثم خرَج مسافرًا، وأَشهَد على رجعتِها قبلَ انقضاءِ عِدَّتِها ، ولا
عِلمَ لها بذلك حتى تزوَّجتْ ، فسأل عن ذلك عمرَ بنَ الخطابِ فقال : إن
دخَل بها فهى امرأتُه، وإلا فهى امرأتُك إن أدرَكتها قبلَ أن يدخُلَ بها .
قال(٣): وأخبرناه الثورىُّ، عن حمادٍ ، ومنصورٍ ، والأعمشِ، عن
إبراهيمَ ، قال: طَلَق أبو كنفٍ - رجلٌ مِن (٤)عبدِ القيسِ) - امرأتَه واحدةً ،
أو اثنتين، ثم أشهد على الرجعةِ، فلم يَتْلُغْها حتى انقضَت عِدَّتُها ، ثم
تزوَّجت، فجاء إلى عمرَ بنِ الخطابِ، فكتَب له إلى أميرٍ مصرٍ: إن كان
دخَل بها الآخر فهى امرأَتُه، وإلا فهى امرأةُ الأُولِ. وقال علىٍّ: هى
للأولِ ، دخَل بها الآخر أو لم يَدْخُلْ بِها .
وروَى وكيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن الحكم ، أن أبا كنفٍ
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((رجعت)).
(٢) عبد الرزاق (١٠٩٧٨).
(٣) عبد الرزاق (١٠٩٧٩).
(٤ - ٤) فى م: ((نجد)).
٢٦٥

الموطأ
الاستذكار طَلَّق امرأتَه ولم يُعْلِمْها، وأشهَد على رجعتِها(١) ، فقال له عمر: إِن أدركتَها
قبلَ أن تتزوَّجَ، فأنت أحَقُّ بها(٢).
هكذا قال: قبل(٢) أن تتزوجَ. المحفوظُ فى هذا الحديثِ: إِلا أن
يدخُلَ. وأما قولُه : طَلَّق امرأته ولم يُغْلِمْها. فخطأ مِن الكاتبِ، واللهُ
أعلمُ. وإنما هو: طَلَّق وأعلَمها، وأشهد على رجعتِها ولم يُعْلِمْها .
وكيع، عن شعبةَ، عن الحكم، قال: قال عليٍّ: إذا طلَّقها ثم أُشهَد
على رجعتِها، فهى امرأتُه، أعلَمها أو لم يُغْلِمْها (٤) .
وقال أبو بكرِ (٥) : حدَّثَنَاه عَبْدةٌ ، عن سعيدٍ ، عن عمرَ بنِ عامٍ ، عن
حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن علىٍّ، كان يقولُ: هو أحقُّ بها، دخَل أو لم
يدخلْ بها .
قال(٥) أبو عمرَ : قال بقولٍ عمرَ فى هذه المسألةِ ؛ شريح، والحسنُ ،
القبس
(١) فى الأصل، م: ((عدتها فلم يعلمها)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٩٤/٥ عن وكيع به .
(٣) سقط من : الأصل ، م ، والمثبت يقتضيه السياق .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٩٤/٥ عن وكيع به .
(٥) ابن أبى شيبة ١٩٥/٥.
* إلى هنا ينتهى السقط من المخطوط ح، هـ، والمشار إليه ص ٢٦٣.
٢٦٦

الموطأ
هـ (١) الاستذكار
وسعيدُ بنُّ المسيَّبِ ، وعطاءٌ ، وابنُ شهابٍ ، وجابرُ بنُ زيدٍ ، وغیرُهم (١) .
وبه قال مالكٌ، والأوزاعىُ، والليثُ ، وطائفةٌ من أهلِ المدينةِ .
ومِن محگتھم ما رواه ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن
سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنَّ السُّنَّةَ مضَت فى الذى يُطَلِّقُ امرأته ثم يُراجِعُها ،
فَيَكْتُمُها رجعتَها حتى تَحِلَّ فتنكِحَ زوجًا غيرَه، أنه ليس له مِن أمرِها شىءٌ ،
ولكنها مِن زوجِها الآخرِ (٢) .
وهذا الخبرُ إنما يُروى عن ابنِ شهابٍ، أنه قال: مضَت الشُّنَّةُ . لا
يذكر فيه(٣) سعيدًا .
وپرویه ابن شهاب وغیرُه عن سعیدِ بنِ المسئَّب ، عن عمرَ ، أنه قضَی
بذلك ، لا ذکر فیه للشُنّةِ ، ولا یصِحُ فیه ذکرُ الشُّنَّةِ، وهو عن عمرَ من
وجوهٍ كثيرةٍ . وقد خالفه على فى ذلك . وقد روی قتادةُ ، عن خِلاسٍ ، عن
علىٌّ فى هذه المسألةِ، أنه عَزَّر الشهودَ الذين شهدوا فى الرجعةِ
واستُكتِموا، واتَّهمَهم ، فجلَدهم وأجاز الطلاقَ، ولم يَرُدَّها إلى زوجها
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٠٩٧٦، ١٠٩٨٢)، وسنن سعيد بن منصور (١٣١٨،
١٣١٩، ١٣٢١، ١٣٢٧)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٩٤/٥ - ١٩٦.
(٢) ذكره ابن حزم ٦١٨/١١ من طريق ابن وهب به .
(٣) فى النسخ: ((فيها)). والمثبت يقتضيه السياق .
٢٦٧

الموطأ
الاستذكار الأولِ(١).
وهى روايةٌ مُنكَرَةٌ ، ولو قبِل شهادتَهم فى الرجعةِ ما جلَدهم، ولا
يصِحُ جلدُ الشهودِ عنه، ولا فى شىءٍ مِن الأصولِ. والمعروفُ عن علىِّ
ما رواه إبراهيمُ والحكمُ عنه(٢) . وأجمعوا أن مراسيلَ إبراهيمَ صِحَاحٌ .
وهو قولُ إبراهيمَ وفقهاءِ الكوفيّين؛ أبى حنيفةً وأصحابِه، والثورىِّ ،
والحسنِ بنِ حىٍّ. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وداودُ، كلَّهم يقولُ فى
ذلك بقولٍ علىّ: الأولُ أحقُّ بها، دخَل الثانى أم لا . وأجمَع العلماءُ أن
الأولَ أحقُّ بها، لو جاء قبلَ أن تتزوجَ، كانت امرأتَه؛ لرجعتِهِ إِيَّاها .
وهذا يدُلُّ على صحةِ الرجعةِ مع جهلِ المرأةِ بها. وإذا صحَّت
الرجعةُ كانتِ امرأةً الأُولِ، وفُسخ نكامح الآخرِ وأمر بفراقِها،
ورُدَّت إلى الأُولِ بعدَ العِدَّةِ مِن الآخرِ لوطءِ الشُّبْهةِ، واستحقَّت
مهرَها منه إن كان دخَل بها . والحُجَّةُ فى ذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ :
﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُ بِرَِّنَ فِى ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقد فعَل. وهذا القولُ
أقيسُ. وقولُ مالكٍ مِن طريقِ الاتِّباع أظهرُ، واللهُ المُوفِّقُ لا شريكَ
له. وبالله التوفيقُ .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢١١/٥ من طريق قتادة به.
(٢) تقدم تخريجهما ص٢٦٦ .
٢٦٨

الموطأ
ما جاء فى الأقراءِ وعدَّةِ الطلاقِ وطلاقِ الحائضِ
التمهيد
القبس
بابُ ما جاء فى الأقْراءِ
ذكَر مالكٌ عن عائشةَ، أن الأَقْراءَ الأطهارُ(١) ، واختلف الناسُ فيها مِن
الفقهاءِ وأهلِ اللغةِ اختلافًا كثيرًا، ولا شكَّ فى أن زمانَ الحيضِ يُسمَّى
قُرْءًا، كما يُسمَّى به زمانُ الطُّهْرِ، لكن نوضِّحُ أن المرادَ به فى قولِه عزَّ
[البقرة: ٢٢٨]. زمانُ الطُّهْرِ،
وجلَّ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ﴾
لثلاثةِ أوجهٍ :
أحدُها : أن حقيقةَ القُرْءِ الاجتماُ، والدمُ إنما يجتمِعُ فى مدَّةِ الطُّهْرِ،
والحيضُ(٢) هو سَيَلانُ ما اجتمع.
والثانى: أن اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ فى كتابه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ﴾
[الطلاق: ١]. وبيَّن النبيُّ وَلِّ أن الطلاقَ فى الطَّهْرِ لا فى الحيضِ.
الثالثُ : أن الأحكامَ ترتبطُ بأسبابِها وتتبعُها، وسببُ العدةِ الطلاقُ ،
فيجبُ أن تكونَ مُقْترِنةً به . وليس لأهلِ العراقِ ولا لغيرِهم مِن المُخالفِين بعدَ
هذا فى الاعتراضٍ عليه شىءٌ ينفعُ(١)، ولذلك أُمَر النبيُّ وَ لّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
(١) سيأتى فى الموطأ (١٢٤٧).
(٢) بعده فى ج، م: ((إنما)).
(٣) فى م: ((يقنع)).
٢٦٩

الموطأ
التمهيد
القبس حينَ طلَّق امرأته وهى حائضّ بالرجعةِ ؛ لئلّا تَطُولَ عليها العِدَّةُ، فإن زمانَ
الحيضِ الذى وقَع الطلاقُ فيه (١) لا يُخْتَسَبُ لها فيه، فيمضِى عليه الطلاقُ
الذى ألزَمه نفسَه، ويُجْبَرُ على الرجعةِ لدفعٍ(٢ الضَّرَرِ عن المرأةِ، فتجتمعُ
الفائدتان .
والمُعْتَدَّاتُ على ثمانية أقسامٍ :
الأُولُ: مُعتادَةٌ(١) ، فهذه عِدَّتُها ثلاثةُ قروءٍ كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ، أو وَضْغُ
الحملِ كما أخبر عنه (٤) .
الثانى: مَن تأخّر خَيْضُها لمَرَضِ، فَتَبْقَى تسعةً أشهرٍ .
الثالثُ: مَن تأخّر حَيْضُها لرَضَاعٍ(٥)، فأما مَن تأخّر حيضُها لمرضٍ، فتُقِيمُ()
تسعةً أشهرٍ، ثم تأتى بثلاثة أشهرٍ عندَ الكلِّ مِن علمائِنا. وقال أشهَبُ : إنما تَغْتَدُّ
بعدَ السنةِ. كما فى قصةِ حَكَّانَ الذى روَى مالكٌ فى ((الموطأُ))(٧)، والمريضةُ
والمُرْضِعُ سواءٌ. والصحيح هو الأولُ .
(١) بعده فى ج: (( و)).
(٢) فى م: ((لرفع)).
(٣) فى د: ((مبتدأة)).
(٤) يعنى الآية ٧ من سورة ((الطلاق)).
(٥) فى ج: ((برضاع))، وفى م: ((بالرضاع)).
(٦) فى ج: (( فيتم)) .
(٧) الموطأ (١٢٣٢).
٢٧٠

الموطأ
التمهید
الرابعُ: مَن تأخّر حَيْضُها لغيرِ شىءٍ، فإنها تَتربَّصُ سنةً ما لم تَوْتَبْ ، فإذا القبس
ارتابَت فتقيمُ (١) عامَين فى قول عائشةَ وأهلِ العراقِ، وأربعٌ فى قولٍ، وفى
قولِ علمائِنا إلى خمسٍ وسبعٍ، فإن تمادَت الرّيةُ، فلا تَحِلُّ أبدًا حتى
تنقطع١َ ، عندَ أشهبَ، والشافعىِّ، وأبى حنيفةً، وقد وقَعت رواية لمالكٍ،
والصحيحُ أن الزيادةَ على مدةِ الحملِ لا اعتبارَ بها، إلا أن مدةَ الحملِ لا
تُعْلَمُ بدليلٍ من الشريعةِ، وإنما تُعْلَمُ بِمُسْتَمِرٌ مِن العادةِ، وقد زعموا أنهم
وجّدوا الولادةَ بعدَ سبعة أعوامٍ مِن الوطءِ، وربُّك أعلمُ بما تُكِنُّ البطونُ، وقد
سمِعتُ مَن يقولُ : إن أقصى مدةِ الحملِ تسعةُ أشهرٍ. وهى نكتةٌ فلسفيةٌ،
وإعراضٌ عن الديانةِ، قَصِيَّةٌ(١) ، وخِلَافٌ لإجماع الأمةِ، فلا ينبغى أن يُلْتَفَتَ
إليها .
٠
الخامسُ: المُسْتحاضَةُ ، قال ابنُ القاسم وسعيدُ بنُ المُسيَّبِ: تُقِيمُ سنةً(٤)
وقال غيرُهما : تُقِيمُ حتى تزولَ الرِّيةُ .
السادسُ: صغيرةٌ، عِدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ، سواءٌ كانت حرةً أو أمةً، وقال
(١) فى م: ((تقيم)).
(٢) فى م: ((ينقطع)).
(٣) فى م: ((قضية)).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٢٦٥).
٢٧١

١٢٤٦ - مالكٌ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ طلَّق امرأته
الموطأ
وهى حائضٌ، على عهدِ رسولِ اللهِ وَلَ، فسأل عمرُ بنُ الخطابِ
رسولَ اللهِ وَ له عن ذلك، فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((مُرْه فلْيُراجِعْها،
ثُمَّ يُمسِكْها حتى تَطْهُرَ، ثمَّ تَحِيضَ، ثمَّ تَطهُرَ، ثمّ إن شاءَ
أمسَكَ بعدُ، وإن شاء طلَّق قبلَ أن يَمَسَّ ، فتلكَ العِدَّةُ التى أمَر اللهُ أن
التمهيد
مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أَنَّه طلّق امرأته وهی حائضٌ ،
على عهدِ رسولِ اللهِ وَلِّ، فسأل عمرُ رسولَ اللهِ وَلّهِ عن ذلك، فقال
رسولُ اللهِ مَاله : «مُزه فليُراجعها ، ثم يُمسِكْها حتى تَطُرَ، ثم تحيضَ،
ثم تَطهُرَ ، ثم إن شاءَ أمسَكَ ، وإن شاء طلَّق قبلَ أن يَمَسَّ ، فتلك العِدَّةُ التى
القبس عبدُ الملكِ " في الأَمَةِ: شهرٌ ونصفٌ. وقال غيرُه: شهران. وقد اتَّفَقوا على أن
عِدَّتها فى(٢) الوفاة شهران وخمسُ ليالٍ .
السابعُ: اليائسةُ، وهى مِثْلُها، وقد نصَّ اللهُ عزَّ وجلَّ عليها فى مُحْكُم كتابِهِ،
فقال: ﴿وَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَابِكُمْ﴾ الآية [الطلاق: ٤].
الثامنُ : المُشْكِلةُ، وهى التى قارَبت مِن الصغيرةِ سنَّ الحيضِ ، وقارَبت مِن
الكبيرةِ سِنَّ انقطاع الدمٍ ، فتَبْنِى على الأشهرِ باتفاقٍ مِن علمائنا إلَّ إن ارتابَت ، فإن
ارتابَت فتَحْصُلُ فى القسمِ الرابعِ وهى المُرْتابةُ .
(١ - ١) ليس فى : د.
(٢) فى ج، م: ((من)).
٢٧٢

يُطلَّقَ لها النساءُ)).
الموطأ
أمَر اللهُ أن يُطلَّقَ لها النساءُ)) (١).
التمهید
هذا حديثٌ مجتمَعٌ على صَّتِهِ مِن جهةِ النَّقلِ، ولم يُختلَفْ
أيضًا فى ألفاظِه عن نافعٍ، وقد رواه عنه جماعةُ أصحابِه كما روَاه
مالكٌ سواءً، قالُوا فيه: ((حتى تَطهُرَ، ثم تحيضَ، ثم تَطْهُرَ، ثم
إن شاءَ طلَّقَ قبلَ أن يُجامِعَ، وإن شاء أمسَك، فتلك العِدَّةُ التى
أمرَ اللهُ بها(٢) أن يُطلَّقَ لها النساءُ)). وممَّن قال ذلك؛ أيوبُ(٣)،
وعبيدُ اللهِ بنُ عمرَ(4)، وابنُ مجريجٍ(*)، والليثُ بنُ سعدٍ (٦)، ومحمدُ
ابنُ إسحاقَ(٧)، ويحيى بنُ سعيدٍ(٤)، كلُّهم عن نافعٍ، عن ابنٍ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٥٤)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/١٢ و - مخطوط) ، وبرواية
أبى مصعب (١٦٥٥). وأخرجه أحمد ٢٢١/٩ (٥٢٩٩)، والدارمى (٢٣٠٨)، والبخارى
(٢٥٥١)، ومسلم (١/١٤٧١)، وأبو داود (٢١٧٩)، والنسائى (٣٣٩٠) من طريق مالك به .
(٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه أحمد ٩٠/٨ (٤٥٠٠)، ومسلم (٣/١٤٧١) من طريق أيوب به .
(٤) سيأتي تخريجه ص ٢٨٦ .
(٥) أخرجه ابن النجاد فى مسند عمر (١٦) من طريق ابن جريج به، وليس فيه: (( ثم تحيض ثم
تطهر» .
(٦) سيأتى تخريجه ص ٢٨٥.
(٧) أخرجه النسائى (٣٥٥٨) من طريق ابن إسحاق به .
٢٧٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٨/١٥) . .

الموطأ
التمهيد عمرَ .
وكذلك رواه الزهرىُّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، لم يختلِفُوا أيضًا
عليه فيه ، مثلَ روايةٍ نافع سواءً: (( حتى تَطهُرَ، ثم تحيضَ، ثم تَطْهُرَ)).
الحديثَ(١) .
وكذلك رواه عطاءٌ الخراسانىُّ ، عن الحسنِ، عن ابنِ عمرَ، سواءً
مثلَ روايةِ نافعٍ والزهرىٌّ. قاله أبو داودَ(٢).
ورواه يونسُ بنُ مجبيٍ(٣) ، وعبدُ الرحمنِ بنُ أيمنَ(٤)، وأنسُ بنُ
سيرينَ، وسعيدُ بنُ مجبيرٍ(١)، وزيدُ بنُ أسلمَ(٧)، وأبو الزُّبيرِ(٤) ، كلُّهم
عن ابنِ عمرَ بمَعنّى واحدٍ، أنَّ النبيَّ وَ لَهِ أَمَره أن يُراجِعَها حتى تَطُرَ ،
ثم إن شاء طلَّق، وإن شاء أمسَكَ. لم يَذْكُروا: ((ثم تَحِيضَ، ثم
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٢٧٩، ٢٨٠.
(٢) أبو داود عقب الحديث (٢١٨٥).
وبعده فى م: ((قال أبو عمر: وكذلك رواه علقمة، عن ابن عمر)). وسيأتى ص ٣٢١، ٣٢٢.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٨٢، ٢٨٣.
(٤) سيأتى تخريجه ص ٢٨٧، ٢٨٨.
(٥) سيأتى تخريجه ص ٢٨٣، ٢٨٤.
(٦) أخرجه النسائي (٣٣٩٨) من طريق سعيد بن جبير به .
(٧) ذكره أبو داود عقب الحديث (٢١٨٥).
٢٧٤

الموطأ
التمهيد
تَطھُرَ)). قال أبو داود(١) : وكذلك رواه منصور(٢) ، عن أبى وائلٍ، عن
ابنِ عمرَ، وكذلك أيضًا روَاه محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن سالم، عن
ابنِ عمرَ. إلّا أنَّه زاد ذِكرَ الحاملِ. وذهَبَ إلى هذا طائفةٌ مِن أهلِ
العلمِ؛ منهم أبو حنيفةً، وبه قال المُزنىُ، قالوا: إنَّما أُمِرِ المُطلِّقُ فى
الحيضِ بالمراجَعةِ لأَنَّه كان طلاقًا خطأ، فأُمِرِ أن يُراجِعَها ليُخرِجَها مِن
أسباب الطلاقِ الخطأ، ثم يتركَها حتى تَطهُرَ من تلك الحيضةِ، ثم
يُطلِّقَها طلاقًا صوابًا إن شاء طلاقَها. ولم يَرَوْا للحيضةِ الأخرى بعدَ
ذلك معنًى، على ظاهرِ ما روَى هؤلاءِ.
قال أبو عمرَ : للحيضةِ الثانيةِ والظُهرِ الثانى وجوةٌ عندَ أهلِ العلمِ ؛
منها أنَّ المراجَعةَ لا تكادُ تُعلَمُ صِحتُها إلَّا بالوَطِ؛ لأَنَّه المُبتَغَى من
النكاح فى الأغلبِ ، فكان ذلك الطُّهرُ مَوضِعًا للوَطِ الذى تُستيقَنُ به
المراجَعةُ ، فإذا مَسَّها لم يكنْ(٢) سبيلٌ إلى طلاقِها فى طُهْرٍ قد مَسَّها
فيه؛ لقولٍ رسولِ اللَّهِ وَله: ((وإن شاء طلَّقَ قبلَ أن يمَسَّ)).
القبس
(١) أبو داود عقب الحديث (٢١٨٥).
(٢) سقط من: م.
(٣) بعده فى م: (له)).
٢٧٥

الموطأ
التمهيد ولإجماعِهم على أنَّ المُطلِّقَ فى طُهْرِ قد مَسَّ فيه ليس بمُطلِّقٍ للعِدَّةِ
كما أمَر اللهُ سبحانه، فقيل له: دعْها حتى تحيضَ أخرَى ثم تَطهُرَ،
ثم طَلِّقْ إن شِئتَ قبلَ أن تَمسَّ. وقد جاء هذا المعنَى مَنصوصًا فى
هذا الحديثِ .
حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ الرحيم، قال: حدثنا مُعلَّى بنُ عبدِ الرحمنِ
الواسطئُ ، قال: حدثنا عبدُ الحمیدِ بنُ جعفر ، قال: حدَّثنی نافة ومحمدُ
ابنُ قيسٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّه طلَّقَ امرأتَه وهى فى دَمِها حائضٌ ،
فأمره رسولُ اللهِ وَّهِ أَن يُراجِعَها، فإذا طَهُرتْ مَسَّها، حتى إذا طَهُرتْ
أُخرَى، فإن شاء طلَّقَها، وإن شاء أمسكها .
وقد قال بعضُ أصحابنا: إنَّ الذى يَمَسُّ فى الطهرِ إنَّما نُهِى عن
الطَّلاقِ فيه لأنَّها لا تَدرِى أَعِدَّةَ حاملِ تَعتَدُّ أم عِدَّةَ حائلٍ ؟
قال أبو عمرَ : قد جاء فى هذا خبرٌ كَفانا انتِحالَ التعليلِ والنظرِ، ذكره
عبد الرزاق(١)، عن عَمِّه وهپٍ بن نافعٍ، قال : حدّثنی عكرمةُ ، عن ابنٍ
عباسٍ، أَنَّه سمِعه يقولُ: الطلاقُ الحَلالُ، أن يُطلِّقَها طاهِرًا من غيرِ
القبس
(١) عبد الرزاق (١٠٩٣٠).
٢٧٦

الموطأ
جِماع، أو يُطلِقَها حامِلًا مُستبينًا (١) حَملُها، وأمّا الطلاقُ الحرامُ، فأنْ التمهيد
يُطلِّقَهَا حائضًا، أو يُطلِّقَها حينَ يُجامِعُها، فلا يَدرِى أَيَشتمِلُ الرحِمُ على
وَلَدٍ أم لا ؟
وأمَّا الطلاقُ (٢ فى الحيض٢ِ)، فقد قيل فيه ما ذكَرنا. وقيل: إنَّ
المُطلِّقَ فى الحيضِ إِنَّمَا أُمِرِ بالمراجَعةِ ليَستفتِحَ(٢) بالرجعةِ طلاقَ السُّنَّةِ،
فإذا لم يُحَقِّقِ الرَّجعةَ بالوطءِ لم يكنْ لها معنًى. وقيل: إنَّما نُهِى عن
الطلاقِ فى الحيضِ لِئِلَّ تطولَ عِدَّةُ المرأةِ، وأَمِر بمراجَعتِها لوقُوع طلاقِه
فاسدًا، ثم لم يَجُزْ أن يُباعَ له طلاقُها فى الطهرِ الذى يلى تلك الحيضةً؛
لأَنَّه لو أَبِيعَ له أن يُطلِّقَها إذا طهرتْ من تلك الحيضةِ، كانت فى معنى
المطلّقةِ قبلَ الدخولِ ، وكانت تَبَنِى على عِدَّتِها الأولَى، فأرادَ اللهُ أن
ينقِطِعَ حُكمُ الطلاقِ الأولِ بالوطءِ، فإذا وَطِئَها فى الطُّهْرِ لم يَتهيّأْ له أن
يطلِّقَها فيه حتى تحيضَ ثم تَطهُرَ ، فإذا طلَّقها بعدَ ذلك استأنَفتْ عِدَّتَها من
ذلك الوقتِ ولم تَبْنِ. وقيل: إنَّه لما طلَّقَ فى وقتٍ لم يكنْ له أن يُطلِّقَ
فيه ، أَدِّبَ بأن مُنِعَ الطلاقَ فى وقتٍ كان له أن يُوقِعَه فيه . وقد قيل : إِنَّ
الطهرَ الثانىَ تجعِل للإصلاح الذى قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿ وَيُعُولَنْهُنَّ أَحَقُّ بَِدِهِنَ
القبس
(١) فى النسخ: ((مستبين)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، ن، م.
(٣) فى م: ((ليستباح)).
٢٧٧

الموطأ
[البقرة: ٢٢٨]. لأنَّ حقَّ المرتجع ألَّا يَرْتجعَ
التمهيد فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوَاْ إِصْلَحًا﴾
رَجعَةَ ضِرارٍ ؛ لقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة: ٢٣١]. قالوا: فالطهرُ
الأولُ مُجعِل للإصلاح، وهو الوطءُ، ثم لم يَجُزْ أن يُطلِّقَ فى طُهْرٍ وَطِئَ فيه ؛
لما ذكرنا . وقد قيل: إنَّه لو أَبيح له أن يُطلِّقَها بعدَ الطهرِ مِن تلك الحيضةِ
كان كأنَّه قد أُمِرِ بأنْ يُراجِعَها ليُطلِّقَها ، فأشبه النكاح إلى أجلٍ ونكاع
المتعةِ، فلم يُجعَلْ له ذلك حتى يَطأُ (١) . وفى هذه المسألةِ وُجوةٌ كثيرةٌ
واعتلالاتٌ للمُخالِفِين يطولُ ذكرُها .
واستدلَّ قومٌ على أنَّ الطلاقَ للعِدَّةِ والسنةِ يكونُ ثلاثًا مفترقاتٍ ، بهذا
الحديثِ، وقالوا: طلاقُ السنةِ أن يكونَ بينَ كلِّ تَطليقتَيْنِ حيضةٌ ؛
لقوله: ((ثم تحيضَ، ثم تَطُرَ، ثم إن شاء طلَّقَ)) . وكانوا يستحِبُّون أن
يُطلِّقَ الرجلُ امرأته فى كلِّ طُهْرٍ تَطليقةً. وسنذكُرُ ما للعلماءِ فى كيفيةِ
الطلاقِ للشُنَّةِ، وما أجمَعوا عليه من ذلك وما اختلفوا فيه منه، فى هذا
الباب إن شاء اللهُ .
وفى هذا الحديثِ من الفقهِ أنَّ الطَّلَاقَ مباح؛ لأنَّ رسولَ اللَّهِ بِ إِنَّمَا
كَرِه له ذلك الطَّلاقَ؛ لأنَّه(٢) طلَّقَ امرأته فى الحيض، فأمَرَه بمُراجعتها من
القبس
(١) بعده فى م: ((هذا كله مذهب الحجازيين الذين يذهبون إلى أن الأقراء الأطهار)).
(٢) فى الأصل، ق: ((أنه)).
٢٧٨
۴۴.

الموطأ
أجل(١) ذلك، والمُطلِقُ فى الحيضِ مطلِّقٌ لغيرِ العِدَّةِ، واللهُ عزَّ وجلَّ التمهيد
يقولُ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وقُرِئٍ:
(فطلِّقوهن لِقُبُلِ عدتِهنَّ). وكذلك كان يقرَأُ ابنُ عمرَ وغيرُه(١٢) . ولو طلّقَها
لعدَّتِها فى طُهْرٍ لم يَمسَّها فيه، لم يُكْرَه له ذلك ، أَلَا تَرَى إلى قولِه فى هذا
الحديثِ: ((ثم إن شاء طلَّق، وإن شاء أمسَكَ)). وهذا غايةٌ فى الإباحةِ ،
والقرآنُ وَرَد بإباحةِ الطلاقِ، وطلَّقَ رسولُ اللَّهِ وَهُ بعضَ نسائِهُ(١، وهو
أُمرّ لا خلافَ فيه .
وفيه أنَّ الطلاقَ فى الحيضِ مكروهٌ ، وفاعلُه عاصٍ للهِ عزَّ وجلَّ إذا كان
عالمًا بالنهي عنه ، والدليلُ على أنَّه مكروة - وإن كان شيئًا لا خلافَ فيه
أيضًا والحمدُ للهِ - تغيُّظُ رسولِ اللهِ وَلَّ على ابنِ عمرَ حينَ طلَّقَ امرأتَه
حائضًا .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، حدثنا أبو داودَ ،
حدثنا أحمدُ بنُ صالح، حدثنا عَنْتُسَةُ ، حدثنا يُونسُ، عن ابنِ شهابٍ ،
قال : أخبرنى سالمُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن أبيه ، أنه طلَّق امرأتَه وهى حائضٌ،
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ق .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٢٧٤).
(٣) أخرجه البخارى (٥٢٥٤)، والنسائى (٣٤١٧)، وابن ماجه (٢٠٥٠) من حديث
عائشة .
٢٧٩

الموطأ
٠
التمهيد فذكر ذلك عمرُ لرسولِ اللهِ وَله، فَتَغْيَّظَ رسولُ اللهِ وَله، ثم قال: ((مُؤْه
فلْيُراجِعْها، ثم لْيُمسِكْها حتى تَطهُرَ، ثم تحيضَ، فتطهُرَ، ثم إن شاء
طلَّقها طاهرًا قبل أن يمسَّها، فذلك الطلاقُ للعِدَّةِ كما أمَرَ (١) اللهُ))(٢).
وفيه أن الطلاقَ فى الحیضِ لازِمٌ لمن أوقَعه ، وإن كان فاعلُه قد فعل ما
كُرِه له ، إذ ترَكَ وجهَ الطلاقِ وسُنَّتَه. والدليلُ على أنَّ الطلاقَ لازِمٌ فى
الحيضِ، أمرُ رسولِ اللهِ وَلَّ ابنَ عمرَ بمراجَعةِ امرأتِه إذ طلَّقَها حائضًا ،
والمراجَعةُ لا تكونُ إلَّا بعدَ لُزُومِ الطلاقِ، ولو لم يكنِ الطلاقُ فى الحيضِ
واقعًا ولا لازِمًا، ما قال له: راجِعْها؛ لأنَّ مَن لم تُطلَّقْ ولم يقَعْ عليها
طلاقٌ ، لا يُقالُ فيه: راجِعْها. لأَنَّه مُحالٌ أن يقالَ لرجلِ امرأتُه فى
عصْمَتِّه لم يُفَارِقْها: راجِعْها. أَلَا تَرَى إلى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ فى
المطلَّقَاتِ: ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَّهِنَ فِ ذَلِكَ﴾؟ [البقرة : ٢٢٨] ولم يقلْ هذا فى
الزوجاتِ اللَّتِى لم يلحَقْهنَّ طلاقٌ . وعلى هذا جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ ،
وجمهورُ علماءِ المسلمين، وإن كان الطلاقُ عندَ جميعِهم فى الحیضِ
بدعةٌ غيرَ سُنَّةٍ ، فهو لازِمٌ عندَ جميعِهم. ولا مُخالِفَ فى ذلك إِلَّ أهلُ
البِدَعِ والضلالِ والجهلِ، فإِنَّهم يقولون: إن الطلاقَ لغيرِ السنةِ غيرُ واقعٍ
القبس
(١) فى الأصل، ن، م: ((أمره)).
(٢) أبو داود (٢١٨٢). وأخرجه البخارى (٧١٦٠)، والدارقطنى ٦/٤ من طريق يونس به،
وأخرجه أحمد ٢٨٩/١٠ (٦١٤١)، والبخارى (٤٩٠٨)، ومسلم (٤/١٤٧١)، والنسائى
(٣٣٩١) من طريق الزهرى به .
٢٨٠