النص المفهرس
صفحات 101-120
١٢١٩- وحدَّثنى عن مالكِ، عن نافع، عن مولاةٍ لصفيَّةً بنتِ أبى الموطأ
عُبيدٍ ، أنها اختلَعتْ من زوجِها بكلِّ شىءٍ لها ، فلم يُنكِرْ ذلك عبدُ اللهِ
ابنُ عمرَ .
قال مالكٌ فى المُفتديةِ التى تَفتدِى من زوجِها ، أنه إذا عُلِم أن
زوجَها أضَرَّ بها وضيَّق عليها، وعُلِم أنه ظالمٌ لها، مضَى الطلاقُ، ورَدَّ
عليها مالَها .
قال : فهذا الذى كنتُ أسمَعُ ، والذى عليه أمرُ الناسِ عندَنا .
قال مالك : لا بأسَ بأن تَفتدِىَ المرأةُ من زوجِها بأكثرَ مما أعطاها .
مالك ، عن نافع، عن مولاةٍ لصفيَّةً بنتِ أبى عبيدٍ ، أنها اختلَعت مِن الاستذكار
زوجِها بكلِّ شىءٍ لها ، فلم يُنكِرْ ذلك عبدُ اللهِ بنُ عمرَ(١).
قال مالكٌ فى المُفْتَدِيةِ التى تفتدِى مِن زوجِها ، أنه إذا عُلِم أن زوجَها
أَضَرَّ بها وضَيَّق عليها، وعُلِم أنه ظالمٌ لها ، مضَى الطلاقُ، ورَدَّ عليها مالَها .
قال: فهذا الذى كنتُ أسمعُ، والذى عليه أمرُ الناسِ عندَنا .
قال مالكٌ : لا بأسَ أن تفتدِىَ المرأةُ مِن زوجِها بأكثرَ مِمّا أعطاها .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٦٢)، وبرواية يحيى بن بكير (١١/١٢ و - مخطوط )،
وبرواية أبى مصعب (١٦١١). وأخرجه الشافعى ٩٦/٢ (١٦٤)، والبيهقى ٣١٥/٧، ٣١٦ من
طریق مالك به .
١٠١
الموطأ
الاستذكار
هذا كلُّه قولُه فى ((الموطأُ))، وروى ابنُ القاسم عنه مثلَه، وزاد : قال :
ويحلُّ له ، وإن كان النشوزُ مِن قِبَلِه حلَّ له ما أعطَتْه على الخُلع إذا رَضِيت
بذلك، ولم يكنْ فى ذلك ضررٌ منه بها. وقال الليثُ : إذا اختلفا فى
العِشْرةِ، جاز الخُلعُ بالتُّقْصانِ مِن المهرِ والزيادةِ . وقال الثورىُّ : إذا جاء
الخُلْعُ مِن قِبَلِها ، فلا بأسَ أن يأخُذَ منها. ولم يَقُلْ أكثرَ مِن المهرِ ولا أقلَّ.
قال : وإن جاء مِن قِبَلِه، فلا يَحِلُّ له أن يأخُذَ منها شيئًا. وقال الأوزاعىُّ:
إذا كانت ناشِزًا جاز له أن يأخُذَ منها ما أعطاها ، وإن لم تكنْ ناشِزًا رَدَّ عليها
ما أخَذ منها ، وكان له عليها الرجعةُ . قال: ولو اختَلَعت منه وهى مريضةٌ
كان ذلك مِن ثُلُثِها. وقال الحسنُ بنُ حىٍّ: إذا كانت الإساءةُ مِن قِبَلِه،
فليس له أن يَخْلَعَها بقليلٍ ولا كثيرٍ، وإن كانت الإساءةُ مِن قِبَلِها،
والتَّعْطيلُ لحقُّه، كان له أن يخلَعَها على ما تَرَاضَيا عليه، وكذلك إن
أبغضَتْه. وكذلك قولُ عثمانَ البَتِّىّ. وقال الشافعىُّ: إذا كانت المرأةُ
المانعةَ ما يجِبُ عليها لزوجِها ، حَلَّتِ الفِدْيَةُ للزوج. قال: وإذا حلَّ له أن
يأْكُلَ ما طابَتْ به نفسُها على غيرِ فراقٍ ، حلِّ له أن يأكُلَ ما طابَتْ به نفسُها
على الفراقِ .
قال أبو عمرَ: أصلُ هذا البابِ قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].
القبس
١٠٢
الموطأ
الاستذكار
ولهذا قال أبو قِلابةً ومحمدُ بنُ سيرينَ: لا يَحِلَّ للرجلِ الخُلْعُ حتى
يَجِدَ على بطنِها رجلًاً(١) . وهذا عندى ليس بشىءٍ؛ لأن الفاحشةَ قد
تكونُ فى البَذَاءِ والجفاءِ. ومنه قيل للبَذِىءٍ: فاحشِّ ومُتفاحِشٌ. وعلى
أنه لو اطّلع منها على الفاحشةِ كان له لِعَانُها ، وإن شاء طَلَّقها، وأما أن
يُضَارَّ بها حتى تفتدِىَ منه بمالِها، فليس ذلك له. وما أعلَمُ أحدًا
قال : له أن يُضارَّها ويُسِىءَ إليها حتى تختلعَ منه إذا وجَدها تَزْنِى. غيرَ
أبى قِلابةَ . واللهُ أعلمُ .
وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ . يعنى فى حُسْنٍ
العِشْرةِ، والقيامِ بحقٌ الزوج ، وقِيامِه بحقِّها، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْئَدَتْ
بِهِ﴾
[البقرة: ٢٢٩]. وقال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ
هَنِيْئًا تَّيْئًا﴾ [النساء: ٤]. فهذه الآياتُ أصلُ هذا البابِ، ومنها قامَتْ
مذاهبُ العلماءِ فيه . وباللهِ التوفيقُ .
والخُلْعُ، والصلحُ، والفِديةُ، كلُّ ذلك شراءُ(٢) العِصْمةِ مِن الزوجِ بما
يأخُذُه منها صلحًا على ذلك، وافتِداءً، واختِلاعًا منه، وهى أسماءٍ مختلفةٌ
ومعانٍ مُتَّفِقةٌ(٢)، إلا أن منهم مَن يُوقِعُ الخلعَ على أخذِ الكلِّ، والصلحَ على
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٩٦.
(٢) فى م: ((سواء)).
(٣) فى ح، هـ: ((متسقة)).
.
١٠٣
الموطأ
طلاقُ الختلعةِ
١٢٢٠ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن نافع، أن رُبَيّعَ بنتَ مُعَوِّذِ ابنِ
عَفْراءَ جاءَت هى وعمُها إلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، فأخبرته أنها اختَلعتْ
من زوجِها فى زمانٍ عثمانَ بنِ عفَّانَ ، فبلغ ذلك عثمانَ بنَ عفَّانَ ، فلم
يُنكره . وقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ : عِدَّتُها عدَّةُ المُطلَّقةِ.
الاستذكار البعض، والفِدْيةَ على الأكثرِ والأقلِّ، وقد ذكّرنا أصولَ مذاهبهم.
والحمدُ للهِ ، وبالله التوفيقُ .
بابُ طلاق المختلِعةِ
مالكٌ، عن نافع، أن رُبَيِّعَ بنتَ مُعَوِّذِ ابنِ عَفْرَاءَ جاءت هى وعَتُها(١)
إلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فأخبَرَتْه أنها اختلَعت مِن زوجِها فى زمنٍ عثمانَ بنِ
عَقَّنَ، فبَغْ ذلك عثمانَ ، فلم يُتْكِرْهِ، وقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: عِدَّتُها عِدَّةُ
بدر (٢)
المُطَلَّقَةِ(٢).
القبس
(١) فى ك ١، ح، هـ، ورواية أبى مصعب: ((عمتها)). والمثبت موافق لما فى الموطأ، ورواية
يحيى بن بكير، وسنن البيهقى، وسيأتى التصريح باسمه الصفحة القادمة، وينظر أيضًا سنن
البيهقى ٤٥٠/٧، ٤٥١.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١١/١٢و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦١٤).
وأخرجه البيهقى ٣١٥/٧، ٣١٦ من طريق مالك به، وأخرجه أيضًا البيهقى ٤٥٠/٧ من طريق
مالك به، مقتصرًا على قول ابن عمر فقط .
١٠٤
الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : روَى هذا الحديثَ عن نافع جماعةٌ ؛ منهم عبيدُ اللهِ بنُ
عمرَ، وأيوبُ ، والليثُ بنُ سعدٍ ، فذكروا فيه أحكامًا لم يذكُرْها مالكٌ .
ففى حديثٍ عبيدٍ (١) اللهِ بنِ عمرَ، "عن نافع، عن ابنِ عمر٢١َ ، أنه لا نفقةً
للمختلعةِ(٢). وهذا صحيح؛ لأنه لا نَفَقةَ إلا لمَن له عليها رجعةٌ.
ورواه الليثُ بنُ سعدٍ، عن نافع، أنه سمِع الرُّبِّعَ بنتَ مُعَوِّدٍ
ابنِ عَفْرَاءَ تُخبِرُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ أنها اختلَعت مِن زوجِها فى زمنٍ
عثمانَ، فجاء معها عتُّها معاذُ ابنُ عَفْراءَ إلى عثمانَ، فقال: إن
ابنةَ مُعَوِّذٍ اختلَعت مِن زوجِها، أفتنتقِلُ ؟ فقال عثمانُ: تنتقِلُ ، ولا
ميراثَ بينَهما، ولا عِدَّةَ عليها، ولكن لا يَحِلَّ لها أن تَنكحَ حتى
تَحِيضَ حَيْضةٌ؛ خشيةَ أن يكونَ بها حَمْلٌ. فقال ابنُ عمرَ: عثمانُ
خيرُنا(٤) وأعلَمُنا(٣).
قال أبو عمرَ: جمهورُ العلماءِ على أن الخُلْعَ طلاقٌ . وخالَف ابنُ
عباسٍ ، فقال : الخلعُ فسحٌ وليس بطلاقٍ .
القبس
(١) فى ك ١، م: ((عبد)).
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ، م.
(٣) تقدم تخريجه ص ٩٤ ، ٩٥.
(٤) فى م: ((أخبرنا)).
١٠٥
الموطأ
الاستذكار
روَی ابنُّ عیینةً، عن عمرو بنِ دینارٍ ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ،
أن إبراهيمَ بنَ سعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ سأله فقال: رجلٌ طَلَّق امرأته
تطليقتَيْن ، ثُمّ اختلَعت منه، أيتزوّجها ؟ قال: نعم، لِینکِخها ، ليس
الخلعُ بطلاقٍ ، ذكَر اللهُ الطلاقَ فى أولِ الآيةِ وآخرِها ، والخلعَ فيما بينَ
ذلك، فليس الخلعُ بشىءٍ. ثم قرأ: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
تَسْرِيجُ بِإِحْسَانٍ﴾. وقرأ: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا
(١
قال أبو عمرَ : خالَفه عثمانُ وجماعةُ الصحابةِ ، فقالوا : الخلعُ تطليقةٌ
واحدةٌ ، إلا أن يريدَ به أكثرَ، فيكونَ ما أراد وسمَّى .
روَى مالكٌ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن مجمْهانَ مولی
الأسلميّين، عن أمّ بكرةَ الأسلميَّةِ ، أنها اختلَعت مِن زوجِها عبدِ اللهِ بنِ
أَسِيدٍ ، فأتَيًا عثمانَ بنَ عفانَ فى ذلك، فقال: هى تطليقةٌ إلا أن تكونَ
سَمَّيْتَ شيئًا، فهو ما سَمَّيْتَ(٢).
قال أبو عمرَ : لیس خبرُ مجمهان هذا عندَ یحیی فی ( الموطاً))، وهو
عندَ جماعةٍ مِن رواةِ ((الموطأُ)) .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٩١.
(٢) تقدم تخريجه ص ٩١، ٩٢.
١٠٦
الموطأ
الاستذ کار
قال أبو عمرَ: هذا يدُلَّ على أن المُختلِعَ فى هذا الحديثِ لم يُسَمِّ
طلاقًا ولا نوَاه ، واللهُ أعلمُ، ولو سَمَّاه أَو نَوَاه ما احتاجَ أن يقال له : الخلعُ
تطليقةٌ .
واختلف العلماءُ فى الخُلع، هل هو طلاقٌ إذا لم يُسَمِّ طلاقًا أم لا؟
فقال مالكٌ: هو طلاقٌ بائنٌ، إلا أن يكونَ أراد أكثرَ، فيكونَ على ما أراد .
وزُوی ذلك عن عمرَ، وعلیٍّ ، وابنٍ مسعودٍ (١) .
واختُلِف فيه عن عثمانَ، والأصحُ عنه أن الخلعَ طلاقٌ(٢). وبه قال
الثورىُّ، وعثمانُ البَّىُّ، والأوزاعىُ، وأبو حنيفةً وأصحابُه. وهو
أحدُ قولَي الشافعىِّ، ورُوِى عنه أن الخلعَ لا يَقَعُ به طلاقٌ إلا أن
ينوِيَه أو يسمِّيَه. وقال المُزنيُ: قد قَطَّع فى بابِ الكلامِ الذى يَقَعُ
به الطلاقُ أن الخلعَ طلاقٌ بائنٌ، فلا يَقَعُ إلا بما يَقَعُ به الطلاقُ أو
ما يُشْبِهُهُ مِن إرادةِ الطلاقِ، فإن سَمَّى عددًا أو نوَى فهو عددُ ما
سَمَّی أو نوَى .
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٧٥٣، ١١٧٥٥)، وسنن سعيد بن منصور (٤٢٣، ١٤٥٠
- ١٤٥٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ١١١/٥، والمحلى ٥٨٩/١١.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٧٥٧، ١١٧٦٠، ١١٧٦١)، وسنن سعيد بن منصور
(١٤٤٦، ١٤٤٧)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٠٩/٥، ١١٠، ١١٢، وسنن البيهقى
٣١٦/٧.
١٠٧
الموطأ
قال الشافعىُّ : فإن قيل: فإذا جعَلتَه طلاقًا، فاجعَلْ له فيه الرجعةَ .
الاستذكار
قيل : لمَّا أَخَذ مِن المُطلَّقةِ عِوَضًا، وكان مَن ملَك ◌ِوَضَ شىءٍ خرَج مِن
مِلْكِه، لم تكنْ له رجعةٌ فيما ملك عليه، فكذلك المُختلِعةُ .
وروَى أبو يوسفَ، عن أبى حنيفةً: خُلْعُ الزوجةِ مِن زوجِها تطليقةٌ
بائنةٌ ، فإن نوَى الطلاقَ ولم تكنْ له نيةٌ فى عددٍ منه، فكذلك أيضًا هى
واحدةٌ بائنةٌ ، وإن نوی ثلاثًا فھی ثلاثٌ ، وإن نوَی اثنتينِ فھی واحدةٌ بائنةٌ ؛
لأنها كلمةٌ واحدةٌ ولا تكونُ اثنتين . وقال الأوزاعىُّ: الخلعُ تطليقةٌ بائنةٌ ،
ولا میراثَ بينَهما .
فهؤلاء كلُّهم يقولون : إن الخلعَ تطليقةٌ بائنةٌ .
وقال به مِن الصحابةِ مَن قدَّمنا ذكرَه، سوى (١) ابنِ عباسٍ. وهو قولُ
سعيدِ بنِ المسيَّبِ، والحسنِ، وعطاءٍ، وشريحٍ، والشعبىِّ ، وإبراهيمَ،
وجابر بن زيد ، وسعيد بن جبيرٍ، وقبيصةَ بنِ ذژیپ ، ومجاهدٍ ، وأبی
سلمةَ، ومكحولٍ ، والزهرىِّ(٢) .
وأما قولُ ابنِ عباسٍ بأن الخلعَ فسخٌ وليس بطلاقٍ ؛ فرُوِى عن عثمانَ
مثلُه . وهو قولُ طاوسٍ وعكرمةَ(٢) . وبه قال أحمدُ بنُّ حنبلٍ ، وإسحاقُ بنُ
القبس
(١) فى ح، هـ: (عن)).
(٢) ينظر الآثار لمحمد بن الحسن (٤٩١)، ومصنف عبد الرزاق (١١٧٤٧، ١١٧٤٩، ١١٧٥٠،
١١٧٥٤،١١٧٥٢)، وسنن سعيد بن منصور (١٤٤٨، ١٤٤٩)، ومصنف ابن أبى شيبة ١١٩/٥، ١٢٠.
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٧٦٦، ١١٧٦٨)، وسنن سعيد بن منصور (١٤٥٤)، وسنن
البيهقى ٣١٦/٧.
١٠٨
الموطأ
الاستذكار
راهُويه ، وأبو ثورٍ ، وداودُ .
وقد رُوِى عن عثمانَ أنه قال : الخلعُ مع تطليقةٍ تطليقتان(١).
وقد اختلف العلماءُ فى المختلِعةِ ، هل يلحَقُها طلاقٌ أم لا ما دامَتْ فى
عِدَّتِها ؟
فقال مالكٌ : إِن طلَّقها عَقِيبَ الخلع مِن غيرِ سكوتٍ طَلَقت ، وإن
كان بينَهما سكوتٌ لم تَطْلُقْ. وهذا يشبهُ ما رُوِى عن عثمانَ.
وقال الشافعىُّ: لا يلحَقُها طلاقٌ وإن كانت فى العِدَّةِ . وهو قولُ ابنٍ
عباسٍ وابنِ الزبيرِ . وبه قال عكرمةُ ، والحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ (١) ، وأحمدُ ،
وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه، والثورىُّ، والأوزاعىُ: يلحَقُها الطلاقُ ما
دامَتْ فى العِدَّةِ. وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، وشريحٍ، وطاوسٍ،
وإبراهيمَ ، والزُّهرىِّ، والحكم، وحمادٍ (١) .
القبس
(١) أخرجه سحنون فى المدونة ٣٣٦/٢.
(٢) ينظر الأم ١١٥/٥، ومصنف عبد الرزاق (١١٧٧٢، ١١٧٧٤، ١١٧٧٦، ١١٧٧٧)،
ومصنف ابن أبى شيبة ١١٩/٥، ١٢٠، وسنن البيهقى ٣١٧/٧.
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٧٧٣، ١١٧٧٨ - ١١٧٨١)، ومصنف ابن أبى شيبة
١١٨/٥، ٠١١٩
١٠٩
الموطأ
الاستذكار
ورُوِى ذلك عن ابن مسعودٍ وأبى الدرداءِ مِن طريقَيْن منقطعين ليسا
(١)
بثابتین
قال أبو عمرَ: لم يختلِفوا أن الخلعَ طلاقٌ بائنٌ لا ميراثَ بينَهما فيه .
ومعنى البينونةِ انقطاعُ العِضْمةِ إلا بنكاح جديدٍ ، فَكأنها رجعِيَّةٌ بانَتْ
بانقضاءِ عِدَّتِها .
وقد ذكرنا قولَ ابنِ عباسٍ بأنه فسخٌ لا طلاقٌ(٢).
واختلفوا فى مُراجعةِ المُختلِعةِ فى العِدَّةِ ؛ فقال جمهورُ أهلِ العلم : لا
سبيلَ له إليها إلا برضًا منها، ونكاح جديدٍ ، وصداقٍ معلومٍ. وهو قولُ
عامَّةِ التابعين بالحجازِ والعراقِ . وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ ، وأبو حنيفةً ،
وأصحابُهم، والثورىُّ، والأوزاعىُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ .
ورُوِى عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ وابنٍ شهابٍ ، أنهما قالا: إِن رَدَّ إليها ما
أَخَذ منها فى العِدَّةِ، أشهد على رجعتِها، وصحَّت له الرجعةُ(٢) .
روَى ابنُ أبي ذئبٍ ، عن ابنِ شهابٍ ، قال: لا يَتزوَّجها بأقلَّ مما أخَذ
(٤)
منها(٤).
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٧٨٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ١١٧/٥، ١١٨.
(٢) تقدم تخريجه ص ٩١ .
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٧٩٧).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢٢/٥ من طريق ابن أبى ذئب به .
١١٠
الموطأ
١٢٢١- وحدثنى عن مالكٍ، أنه بلَغه أن سعيدَ بنَ المسيَّبِ،
وسُليمانَ بنَ يسارٍ ، وابنَ شهابٍ، كانوا يقولون: عِدَّةُ المُختلِعةِ مثلُ
عِدَّةِ المُطلَّقةِ ؛ ثلاثةُ قُروءٍ .
وقال أبو ثورٍ: إن كان لم يُسَمّ فى الخُلع طلاقًا فالخُلعُ فُرقةٌ (١) لا يملِكُ الاستذكار
فيها رجعةً ، وإن سَمَّى طلاقًا فهو أَملَكُ برجعتِها ما دامَتْ فى العِدَّةِ . وبه
قال داود .
ورُوِى مِثْلُ قولِ أبى ثورٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى أوفَى ومَاهَانَ
(٢)
الحنفيّ (١).
واتَّفقوا على أنه جائزٌ للمُختلعِ أن يتزوَّجَها فى عِدَّتِها .
وقالت طائفةٌ مِن المتأخرين: لا يَتَزَّبجها هو ولا غيرُه فى العِدَّةِ .
فشَذُّوا عن الجماعةِ والجمهورِ .
وأما روايةُ مالكِ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أن المُختلِعةَ عِدَّتُها عِدَّةٌ
المُطَلَّقةِ .
ومالكٌ، أنه بلغه أن سعيدَ بنَ المسيَّبِ ، وسليمانَ بنَ يسارٍ ، وابنَ
شهابٍ، كانوا يقولون: عِدَّةُ المُختلِعةِ مِثْلُ عِدَّةِ المُطلَّقةِ؛ ثلاثةُ قروءٍ(١).
القبس
(١) فى ح، هـ، م: ((طلقة)). وقد تقدم ص ٩١.
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٢١/٥.
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١١/١٢ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦١٥،
١٦٦٢).
١١١
الموطأ
الاستذكار
فقد اختلف السلف والخلفُ فى ذلك ؛ فژوِی عن عثمانَ وابنِ عباسٍ ،
قالا: عِدَّةُ المُختلِعةِ حَيْضةٌ (١). ورُوِى ذلك عن ابنِ عمرَ أيضًا (٢) خلافَ
روايةِ مالكِ ، وقد رُوِى عن عثمانَ أنه لا عِدَّةَ عليها . وقد تقدَّم تفسير ذلك
بأنها تَشْتبرِئُ رحِمَها بحَيْضةٍ مخافةً الحملِ ، فليس ذلك باختلاف عنه(١) .
وبه قال عكرمةُ وأبانُ بنُ عثمانَ . وإليه ذهَب إسحاقُ ؛ وحُجَّتُهم ما رواه
سعيدُ بنُ أبى عَروبَةً، عن أبى الطَّفَيلِ ("سعيدِ بنِ حَمَلِ)، عن عكرمةً،
قال: عِدَّةُ المختلعةِ خَيْضةٌ، قضاها رسولُ اللهِ نَّهِ فِى جميلةَ بنتٍ أَبيِّ
(٥)
ابنِ سلولَ(٥) .
قال أبو عمرَ() : رُوِى مِن وُجُوهٍ أن جميلةَ ابنةً أُبيِّ ابٍ سلولَ كانت
تحت ثابتِ بنِ قیسٍ بنِ شَمَّاس ، فاختلعت منه(١). کما ژُوِی ذلك فی
حبيبةً بنتِ سهلٍ (١) .
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٨٥٩)، ومصنف ابن أبى شيبة ١١٤/٥، وتقدم عن ابن عباس
ص ٩٧.
(٢) تقدم تخريجه ص ٩٤ ، ٩٥.
(٣) تقدم ص ٩٤ ، ٩٥ .
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، وفى ح، هـ: ((سعيد بن حنبل))، وفى م: ((عن سعيد بن حمل)).
وينظر الإكمال ١٢٣/٢.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١١٤/٥، ١٦٣/١٠ من طريق سعيد بن أبى عروبة به.
(*) من هنا سقط من المخطوط ح ، هـ ينتهى ص ١١٦ .
(٦) ينظر صحيح البخارى (٥٢٧٧)، وسنن ابن ماجه (٢٠٥٦)، والمعجم الكبير للطبرانى
(١١٨٣٤)، ٢١١/٢٤ (٥٤١، ٥٤٢)، وسنن البيهقى ٣١٣/٧.
(٧) تقدم فى الموطأ (١٢١٨).
١١٢
الموطأ
وروَى هشامُ بنُ يوسفَ، عن معمرٍ، عن عمرو بنِ مسلم، عن الاستذكار
عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ ، أن ثابتَ بنَ قيسٍ اختلَعت منه امرأتُه، فجعَل
رسولُ اللهِ وَِّ عِدَّتَها حيضةٌ .
ورواه عبد الرزاقٍ، عن معمرٍ، عن عمرو بنِ مسلم، عن عكرمةً
مرسلاً.
ورواه ابنُ لهيعةً، عن أبى الأسودِ، عن أبى سلمةً ومحمدِ بنِ
عبد الرحمنِ بنِ ثوبانَ، عن رُبَيِّع بنتٍ مُعَوِّذٍ، قالت : سمِعتُ رسولَ اللهِ
وَلَّه يَأْمُرُ امرأةً ثابتِ بنِ قيسٍ حينَ اختلَعت منه أن تعتدَّ خَيْضةٌ .
وليست هذه الآثارُ بالقويَّةِ، وقد ذكرتُ أسانيدَها فى ((التمهيدِ))(١).
وأما الحديثُ بذلك، عن ابنِ عباسٍ وابنٍ عمرَ ؛ فذكر أبو بكرٍ بنُ أبی
شيبةَ(٢) ، قال: حدَّثنى يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ،
أن الرُّعَ اختلَعت مِن زوجِها، فأتَى عُّها عثمانَ ، فقال: تَعْتَدُّ بحَيْضةٍ .
وكان ابنُ عمرَ يقولُ: تَعْتَدُّ ثلاثَ حِيَضٍ. حتى قال هذا عثمانُ ، فكان ابنُ
عمرَ يُفْتِى به، ويقولُ: عثمانُ خيرُنا وأعلَمُنا .
القبس
(١) تقدم ص ٩٣ ، ٩٤.
(٢) ابن أبى شيبة ١١٤/٥.
١١٣
( موسوعة شروح الموطأ ٨/١٥)
الموطأ
قال(١) : وحدَّثنی عَبْدةُ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ
الاستذكار
عمرَ، قال : عِدَّةُ المُختلعةِ حيضةٌ .
قال(٢): وحدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ محمدِ المُحاربىُّ ، عن ليثٍ ، عن
طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: عِدَّتُها خَيْضةٌ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ، وأصحابُهم: عِدَّةُ المُختلعةِ
كعِدَّةِ المُطَلَّقةِ؛ إن كانت مِمَّن تحيضُ فثلاثةٌ (١)، وإن كانت ممن لا
تَحِيضُ فثلاثةُ أُشهرٍ .
وروِى مِثْلُ ذلك عن عمرَ وعلىٍّ ، وعن ابنِ عمرَ على اختلافٍ عنه (٤).
والحديثُ عن عمرَ وعلىٍّ مِن قولِهم لَيس بالقوىِّ، ولكنَّ جمهورَ
العلماءِ على القول بأن عِدَّةَ المُختلعةِ عِدَّةُ المطلقةِ .
وممن قال بذلك ؛ سعيدُ بنُّ المسيّبِ ، وسليمانُ بنُ يسارٍ ، وعروةُ بنُ
الزبيرِ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وأبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن بن عوفٍ ،
وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وابنُّ شهابِ الزُّهرىُّ، والحسنُ البصرىُّ، وعامرٌ
الشعبىُّ، وإبراهيمُ النخَعِىُّ، ومحمدُ بنُ عِياضٍ، وخِلاسُ بنُ عمرٍو،.
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٤٩٤/٦ (طبعة الرشد) .
(٢) ابن أبى شيبة ٤٩٥/٦ (طبعة الرشد) .
(٣) يعنى : فثلاثة قروء.
(٤) تقدم ص٩٢، ٩٣.
١١٤
الموطأ
وقتادةٌ (١) . وبه قال سفيانُ الثورىُّ، والأُوزاعىُ، والليثُ بنُ سعدٍ، وأحمدُ الاستذكار
ابنُ حنبلٍ ، وأبو عبيدٍ ، وروايةٌ عن إسحاقَ .
قال أبو عمرَ: فى حديثٍ عثمانَ إنما أمَر الرّيَّعَ بنتَ مُعَوِّذٍ حينَ
اختلَعت مِن زوجِها تنتقِلُ مِن بيتها ، وهذا لا يقولُ به أحدٌ مِن الفقهاءِ الذين
كانت تدورُ عليهم بالأمصارِ الفَتْوَى؛ أبو حنيفةً، والشافعىُّ،
وأصحابُهم، ولو اشتَرط عليها زوجها فى حينِ الخُلْع أن لا سُكّنى
لها، كان الشرطُ (٢ باطلًا؛ لأن لها الشّكنَى(٢) عبادةً للهِ عليها) كالعِدَّةِ،
فلا يؤثر فيها الشرطُ ، و كأنه لم يُذكر.
وقال أبو ثورٍ ، وأحمدُ ، وإسحاقُ، وداودُ: لا شُكْنى لها ولا نفقةً.
وكذلك يقولون فى المُطَلَّقةِ المبتوتةِ ، وهى أصلُ هذه المسألةِ،
وستأتى أقوالُهم فيها فى موضعِها إن شاء اللهُ تعالى .
وأجمَع الجمهورُ أن الخُلعَ جائزٌ عندَ غيرِ السلطانِ ، إلا الحسنَ وابنَ
سيرينَ ؛ فإنهما يقولان: لا يكونُ الخُلْعُ إلا عندَ السلطانِ .
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٣٣/٥، وما تقدم ص ٩٧، ٩٨.
(٢ - ٢) فى م: ((لاغ ولها السكنى)).
(٣) ليس فى : الأصل . والمثبت يقتضيه السياق .
١١٥
قال مالكٌ فى المُفتديةِ : إنها لا تَرجِعُ إلى زوجِها إلا بنكاح جدیدٍ ،
الموطأ
فإِن هو نكَحها ، ففارَقها قبلَ أن يَمَشَّها ، لم يكنْ له عليها عِدَّةٌ من
الطلاقِ الآخَرِ ، وتَبْنِى على عِدَّتِها الأُولى .
قال مالكٌ : وهذا أحسنُ ما سمِعتُ إلىّ فى ذلك .
وقال قتادةُ : إنما أُخَذه الحسنُ عن زیادٍ (١) .
الاستذكار
قال أبو عمرَ: قد أجمعوا أن النكاح والطلاقَ يجوزُ دونَ السطانِ ،
فكذلك الخُلْعُ، وليس كاللُّعَانِ الذى لا يجوزُ إلا عندَ السلطانِ .
قال مالكٌ فى المُفتديةِ : إنها لا ترجِعُ إلى زوجِها إلا بنكاح جديدٍ ، فإن
هو نِكَحها، ففارَقها قبلَ أن يَمَسَّها، لم يكنْ له عليها عِدَّةٌ مِن الطلاقِ
الآخرِ ، وتَبْنِى على عِدَّتِها الأولى . قال مالكٌ: وهذا أحسنُ ما سمِعتُ فى
ذلك .
قال أبو عمرَ(٥) : قد تقدَّم القولُ فى هذه المسألةِ وما للعلماءِ فيها .
وأمَّا قولُه: فإن هو نكَحها. إلى آخرِ قولِه، وأنه أحسنُ ما سمِعَ فى
ذلك، فعليه أكثرُ العلماءِ؛ لأنها مُطَلَّقَةٌ قبلَ الدخولِ بها ، فلا عِدَّةَ عليها ،
وتُتِمُّ بَقِيَّةَ عِدَّتِها .
وهذا أصلُ مالكٍ فى الأَمَةِ تَعْتِقُ فى عِدَّتِها مِن وفاةٍ أو طلاقٍ ، أنها لا
القبس
(١) تقدم ص٩٦، ٩٧.
(*) إلى هنا ينتهى السقط فى المخطوط ح ، هـ ، والمشار إليه ص ١١٢ .
١١٦
قال مالكٌ : إذا افتدَت المرأةُ من زوجِها بشىءٍ على أن يُطلِّقَها ، الموطأ
فطلَّقها طلاقًا مُتَابِعًا نَسَقًا ، فذلك ثابتٌ عليه ، فإن كان بينَ ذلك
صُمَاتٌ ، فما أَتَبَعَه بعدَ ذلك الصُّماتِ فليس بشىءٍ .
تتغيَّرُ عِدَّتُها، ولا تنتقِلُ(١) فى الطلاقِ الرجعىّ، ولا فى البائنِ، كالحدِّ الاستذكار
يجِبُ على العبدِ ، ولا يتغيَّرُ بالعتقِ .
وستأتى هذه المسألةُ فى بابِها (٢)، إن شاء اللهُ تعالى.
وروِى عن طائفةٍ؛ منهم الشعبىُّ، وإبراهيمُ النخَعُّ، فى المُختلعةِ
يتزوَّمجها زوجها فى عِدَّتِها بنكاح جديدٍ ، ثم يُطَلِّقُها قبلَ الدخولِ بها ، أن
عليها عِدَّةً كاملةً(١) ، كأنها عندَهم فى حكم المدخولِ بها ؛ لأنها تعتدُّ من
مائِهِ(٤)، وهذا ليس بشىءٍ؛ لظاهرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ
الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَقْتُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةِ
تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
قال أبو عمرَ : ليس لها إلا نصفُ الصداقِ عندَهم . ومَن قال بقولٍ
الشعبيّ والنخعيّ ، أوجَبَ لها الصداقَ كاملًا.
قال مالكٌ : إذا افتدتِ المرأةُ مِن زوجِها بشىءٍ على أن يُطَلِّقَها ،
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((إلا)). وينظر ما سيأتى فى الموطأ (١٢٦٢).
(٢) سيأتى ص ٤٠٧ - ٤١٠.
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٢٦/٥.
(٤) فى م: ((العدة)).
١١٧
الموطأ
الاستذكار فطَلَّقَها طلاقًا مُتَتَابِعًا نَسَقًا، فذلك ثابتٌ عليه؛ فإن كان بينَ ذلك
صُمَاتٌ، فما أَتْبَعَه بعدَ الصُّمَاتِ فليس بشىءٍ .
وهذه المسألةُ قد تقدَّمَتْ فى هذا البابِ ، ومضَى القولُ فيها . واللهُ
المُوفِّقُ للصوابِ .
القبس
مسائلُ مِن كتابِ الطلاقِ جَرَى ذِكرُها فيما سبق، فرأينا أن نَعْطِفَ عليها
عِنانَ البيانِ .
المسألةُ الأولى: إذا قال الرجلُ لامرأته : أنت علىَّ حرام . اختلف الناسُ فيه
على نحوٍ مِن أحدَ عشَرَ قولًا؛ فقال على (١): إنها ثلاثٌ. وقد قال ابنُ عباسٍ: فيها
كفَّارةُ يمينٍ، و﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
يعنى حينَ حرَّم ماريةً ، ثم كفَّر كفارة اليمينِ، قالوا: وفى ذلك نزَلت: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ
لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَ اللَّهُ لَكَ﴾ الآياتِ [التحريم: ١-٥]. وقد بسطناها فى ((الإنصافٍ))
وغيرِه ، وقد قال مالكٌ رحمةُ اللهِ عليه: إن الرجعيََّ مُحَرَّمةُ الوَطْءِ. فإذا قال: أنتِ علىَّ
حرامٌ . فإن ألزَمْناه فيها طلقةٌ واحدةً ، كنَّاقد وَفَينا اللفظَ حقَّه، إلا أن مالگاعلى أصلهیری
أن يربِطَ الحكمَ بجميع معانى الأسماءِ، وخصوصًا فى الحُزْمةِ التى تَتَعلَّقُ بالفروجِ؛ الغَلَبةِ
التحريم فيها للحِلِّ، ولذلك قال عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَ تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَةٌ﴾
[البقرة: ٢٣٠]. فإذا قال لامرأته: أنتِ علىَّ حرامٌ. مُمِل على صفتِه فى القرآنِ .
(١) فى ج: ((العلماء فيه)).
والأثر تقدم فى الموطأ (١١٨٩) .
(٢) البخارى (٤٩١١)، ومسلم (١٤٧٣). وينظر ما تقدم فى ٥١٨/١٤، ٥١٩ .
١١٨
.
الموطأ
الاستذكار
المسألةُ الثانيةُ: الإكراهُ فى اللغةِ والشريعةِ عبارةٌ عن تَصْرِيفِ الرجل لفعلِه القبس
بغيرِ اختيارِهِ، وقد نصَّ اللهُ عزَّ وجلَّ على أن الإكراهَ يُلْغِى الفعلَ شرعًا، ويجعَلُ
وجودَه وعَدَمَه سواءً، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ, مُطْمَيِنٌّ
بِلْإِيمَنِ﴾ [النحل: ١٠٦]. واتَّفق الناسُ فى الإيمانِ، واختلفوا فى الطلاقِ؛ فقال
أهلُ العراقِ : إن الإكراه على الطلاقِ لا يُشْقِطُ حكمَه. وهى مسألةٌ عَسِرَةٌ جدًّا،
وللخَصْمِ فيها قوةٌ ، فإن المُكْرَه على الطلاقِ قد قصَد إلى إيقاع الطلاقِ لتَخْليصِ
نفسِه ، ولم يَبِقَ إلا أنه لم يكنْ ذلك القَصْدُ إلى رِضاه، وعدمُ الرِّضا لا يؤثِّرُ فى إلغاءٍ
الطلاق ، کما لو هزَل فطلَّق ، فإنما يلزمُه الطلاقُ بما قصد إلیه وإن لم یکنْ راضيًا
به، وتُمدتُنا نحن قولُ النبيِّ وَّهِ: ((إنما الأعمالُ بالنياتِ))(١). والمُكْرَهُ لم يَنْوِ
الطلاقَ ، فصار لفظًا دونَ نيةٍ ، فكان بمنزلةٍ ما لو أراد أن يقولَ لزوجته : اسْقِنى
ماءً. فقال لها : أنتِ طالقٌ . فإنه لا يقَعُ عليها الطلاقُ إجماعًا؛ لأنه وُجِد لفظٌّ مِن
غيرِ نيةٍ ، فأما الهازلُ ، فإنه راضٍ بالطلاقِ، مُصَرِّفٌ لقولِه بالهَزْلِ باختيارِه، فأُخِذ
بذلك .
المسألةُ الثالثةُ: لا فرقَ بينَ أن يقولَ الرجلُ لزوجتِه: بَرِثْتُ منك. أو : بَرِثْتِ
منى . أو: أنت طالقٌ . أو : أنا منك طالقٌ . فى أنه يقعُ الطلاقُ عليها فى الوجهين .
وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةً : إذا قال لها : أنا منك طالقٌ . لم يَقَعِ الطلاقُ؛
لأن الزوجَ غيرُ محبوسٍ بالنكاحِ ، وإنما المحبوسُ بالنكاحِ الزوجةُ ، فإذا طلَّق نفسَه
فكأنه أطلَق مَن لم يُقَيِّدْ. وهذا لا يَصِحُ مِن طريقين؛ أحدُهما : أن الزوج محبوسٌ
(١) تقدم تخريجه فى ٣٢/٥، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٢) من الموطأ .
١١٩
الموطأ
الاستذكار
القبس أيضًا بالنكاح عن أختِ الزوجةِ وعمَّتِها وخالتها، وعما زاد على الأربع، فقد
تحقَّق الحبشُ فى حقِّه . هذه طريقةُ العراقيين . والثانيةُ : طريقةُ خراسانَ ، قالوا :
الزوجُ يقَعُ كنايةً عن الزوجةِ ؛ لأنه قرينُها ولَزِيمُها ، وكما يُشْتعملُ فى الطلاقِ غيرُ
لفظه کنایةً عنه، كذلك يُستعملُ فی غیرٍ شَخْصِہ کنایةً عن شخصِه، و کما تَكْنِى
العربُ بالألفاظِ عن الألفاظِ ، كذلك تَكْنِى بالأشخاصِ عن الأشخاصِ ، وذلك
مشهورٌ فى لغتِها، معلومٌ فى أساليبٍ كلامِها .
المسألةُ الرابعةُ : مسألةُ الشكِّ فى الطلاقِ ، اتَّفَقَت الأمةُ على أنه مَن شكَّ
هل طلَّق أم لا؟ أنه لا يلزَمُه طلاقٌ، وليس أحدٌ مِن العلماءِ يَقْضِى بالشكُ فى
شىءٍ، فإن الشريعةً قد ألغَتْه وما اعتبرته ، ثبت فى الحديثِ الصحيحِ عن النبىِّ
وَّ أنه سُئِل عن الرجلِ يُخَيَّلُ إليه فى الصلاةِ أنه خرَج منه رِيحٌ ونَحْؤُه، فقال
وَلَّه: ((لا يَنْصَرِفنَّ أحدُكم حتى يَسْمَعَ صَوْتًا أو يَجِدَ رِيحًا)) . فإن قيل: فلو
شَكَّ هل طلَّق زوجته واحدةً أو ثلاثًا؟ فقد قال علماؤنا : إنه تَخْرُ علیه حتى تنکخ
زوجًا غيرَه. وهذا قضاءٌ بالثلاثِ(٢) التى شَكَّ فيها، وتغليبُ الشكُّ على اليقينِ.
قلنا : ليس كما ظَنَنْتُم ، ما قضَى هلهنا مالكٌ بالثلاثِ المَشْكوكِ فيها ، وإنما قضَى
بالواحدةِ المُتَيقَّةِ ، والمطلَّقةُ طلقةً واحدةً مُحَرَّمةُ الوَطْءِ عندَ علمائِنا، وقد حُرِّم
عليه الوَطْءُ بالطلقةِ الواحدةِ يقينًا، والرجعةُ مشكوكٌ فيها؛ لأن الطلاقَ إِن كان
واحدًا جازَ له أن يَوْتَجِعَ، وإن كان ثلاثًا لم يَجُزْ له أن يرتجِعَ، فصار التحريم
مُتَقَّنًا، والرجعةُ مشكوكٌ فيها ، فثبت اليقينُ وسقَط الشكُّ.
(١) تقدم تخريجه فى ٥١٣/٤.
(٢) فى ج ، م: ((بالشك فى الثلاث)).
١٢٠