النص المفهرس

صفحات 21-40

الموطأ
جاءَه بنُو معمرٍ يُخاصِمُونه فى ولاءٍ أُختِهم إلى عمرَ بنِ الخطابِ ، فقال التمهيد
عمرُ: أقضِى بينَكم بما سمِعتُهُ مِن رسولِ اللهِ وَلَه؛ ١ سمِعتُ رسولَ اللهِ
وَلَه(١) يقولُ: ((مَا أَحرَزَ الولدُ ("أو الوالد٢ُ)، فهو لعَصَبتِه مَن كان)).
فقضَى لنا ، وكتب بذلك كتابًا فيه شهادةُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ وزيدِ بنِ
ثابتٍ وآخرَ، حتى إذا استُخْلِفَ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ تُوِّى مولّى لها،
وترَك ألفَىْ (٣) دينارٍ ، وبلَغِنِى أنَّ ذلك القضاءَ قد غُيِّرَ، فخاصَموه إلى هشامِ
ابنِ إسماعيلَ ، فرفَعه إلى عبدِ الملكِ بنِ مروانَ، فأتَيناه بكتابٍ عمرَ ،
فقال : إنْ كنتُ لأَرَى أنَّ هذا مِن القضاءِ الذى لا يُشَكُّ فيه، وما كنتُ
أَرَى أمرًا بالمدينةِ بلَغ هذا؛ أن يَشكّوا فى القضاءِ به. فقضَى لنا به ، فلم
م (٤)
نُنَازَعْ فيه بعدُ(٤) .
وهذا صحيحٌ حسنٌ غريبٌ ، فقال يعقوبُ بنُ شيبةَ : ما رأيتُ أحدًا مِن
أصحابِنا ممَّن يَنظُرُ فى الحديثِ ويَنتقِى الرِّجالَ يقولُ فى عمرو بنِ شُعیبٍ
شيئًا ، وحديثُه عندَهم صحيح ، وهو ثِقٌ ثبَتِّ ، والأحاديثُ التى أُنكروا مِن
القبس
(١ - ١) سقط من النسخ. والمثبت من ابن أبى شيبة، وعند ابن ماجه: ((سمعته).
(٢ - ٢) سقط من : ك ١.
(٣) فى النسخ: ((ألف)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) ابن أبى شيبة ٣٩١/١١ - وعنه ابن ماجه (٢٧٣٢) - وأخرجه النسائى فى الكبرى
(٦٣٤٨) من طريق أبى أسامة به مختصرًا، وأخرجه أحمد ٣١٤/١ (١٨٣)، وأبو داود
(٢٩١٧) من طريق حسين المعلم به .
٢١

الموطأ
التمهيد حديثه إنَّما هى لقوم ضُعفاءَ زوَّرُوها عنه ، وما روَى عنه الثِّقاتُ فصحيحٌ .
قال : وسمِعتُ علىَّ بنَ المدينىٌّ يقولُ: قد سمِع أبوه شعيبٌ مِن جدِّه
عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو. قال علىٍّ: وعمرُو بنُ شُعيبٍ عندَنا ثقةٌ، وكتابُه
صحيح، وحسينٌ المعلِّمُ ثقةٌ عندَ جمیعِهم .
وأمَّا اختلافُهم(٥) فى(١) الولاءِ للكُثْرِ(٢)؛ فذكَر إسماعيلُ بنُ
إسحاقَ، قال: حدَّثنا حَجَّاجْ، قال: حدَّثْنَا هُشيمٌ(٢)، قال: حدَّثنا
المغيرةُ ، عن إبراهيمَ، أنَّ عليًّا، وابنَ مسعودٍ، وزيدًا، كانوا يقولون :
الولاءُ للكُبِْ(٤) .
قال: وحدَّثنا حَجَّاج، قال: حدَّثْنا هُشيمٌ) ، عن الأشعثِ، عن
الشعبىِّ، عن علىٍّ، وابنٍ مسعودٍ ، وزيدٍ ، مثلَ ذلك(٦).
القبس
(*) إلى هنا ينتهى السقط فى المخطوط س ، والمشار إليه ص ٢٠ .
(١) بعده فى س: ((قيل)).
(٢) فى ك ١، م: ((الكبير)). والولاءُ الكُبرِ، أى: لأكبر ذرية الرجل. ينظر النهاية ٤ /١٤١.
(٣) فى ك ١، م: ((هشام)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٧٢.
(٤) فى م: ((للكبير)).
والأثر أخرجه سعيد بن منصور (٢٦٦) عن هشيم به .
(٥) فى ك ١، م: ((هشام)).
(٦) أخرجه سعيد بن منصور (٢٦٧) عن هشيم به .
٢٢

الموطأ
قال إسماعيلُ : فأوجَبَ هؤلاء الولاءَ للأقربِ فالأقربِ خاصَّةٌ ، ولم
يَجعَلوه مُشترَكًا على طريقِ الفرائِضِ.
التمهيد
قال: وحدَّثنا حَجَّاج، قال: حدَّثنا أبو عوانةً، عن المغيرةِ، عن(١)
إبراهيمَ فى أخوينٍ وَرِثا مولّى كان أعتَقَه أبوهما، فمات أحدُ الأُخوينِ وتَرَك
ولدًا ، قال : كان شريح يقولُ : مَن ملَك شيئًا حياتَه ، فهو لورَثَتِهِ مِن بعدِه .
قال: وكان عليٌّ، وعبدُ اللهِ، وزيدٌ، يقولون: الولاءُ للكُثْرِ (٣) .
قال أبو عمرَ: على قولٍ علىٍّ، وعبدِ اللهِ، وزيدٍ، قولُ(٣) مجمهورٍ
فُقهاءِ الأمصارِ، وأكثرِ أهلِ العلمِ؛ (٤ كلُّهم يقول٤ُ): إنَّ الولاءَ لا يُوزُ(٥)
فى الميراثِ إلا أقربُ الناسِ " إلى المعتِقِ يومَ يموتُ الموروثُ المعتَقُ ،
وأَنَّه يَنتقِلُ أبدًا لهذه الحالِ .
قال إسماعيلُ: حدَّثنا حَجَاجٌ، قال: حدَّثْنا حمَّادٌ، عن قتادةَ، أَنَّ
شُرِيحًا قال فى رجلٍ تَرَك جدَّه، وابنَه، ومولّى ؛ قال: للجدِّ السُّدُسُ مِن
القبس
(١) فى س: ((عبد الله بن المغيرة بن)). وينظر تهذيب الكمال ٣٩٧/٢٨.
(٢) فى م: ((للكبير)).
والأثر أخرجه سعيد بن منصور (٢٦٥)، والدارمى (٣٠٧١) من طريق أبى عوانة به .
(٣) سقط من: ك ١، م.
(٤ - ٤) فى ك ١، م: ((يقولون)).
(٥) فى ك ١، م: ((يجوز)).
(٦ - ٦) فى ك ١، م: ((للمعتق)).
٢٣

الموطأ
التمهيد الولاءِ، وما بقى فللابنٍ. قال قتادةُ: وقال زيدٌ: الولاءُ للابنِ كلُّه (١).
قال أبو عمرَ : وعليه الناسُ اليومَ .
وقال إسماعيلُ: وحدَّثنا حجّاجْ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، قال: سألتُ
إياسَ بنَ معاويةً عن رجلٍ ترَك جدَّه ، وابنَه، ومولاه، فقال: الولاءُ للابنِ.
وقال: كلُّ إنسانٍ له فريضةٌ مُسمَّاةٌ ، فليس له مِن الولاءِ شىءٍ(٢).
قال إسماعيلُ : يعنى إياسٌ : لا يكونُ له شىءٌ مِن الولاءِ فى هذه الحالِ
التى له فيها فريضةٌ مُسمَّاةٌ؛ لأَنَّه لم يَرِثْ فى هذا الموضعِ مِن طريقٍ
العصَبةِ ، وإن كان قد يكونُ عصبةً فى موضع آخرَ، فيكونُ له الولاء.
قال أبو عمرَ : أجمَع المسلمون على أنَّ المسلمَ إِذا أعتَقَ عبدَه المسلمَ
عن نفسِه، فإنَّ الولاءَ له، هذا ما لا خِلافَ فيه . واختَلَفوا فيمَن أُعتَق عن
غيرِه رقبةً بغيرِ إذنِ المعْتَقِ عنه ودونَ أمرِه، وكذلك اختلفوا فى النصرانيّ
يُعتِقُ عبدَه المسلمَ قبلَ أن يُباعَ عليه، وفى ولاءِ المعتَقِ سائبةٌ ) ، وفى ولاءٍ
الذى يُسلِمُ على يدَى رجلٍ، فقالوا فى ذلك أقاويلَ شتَّى، منهم مَن قادَ
القبس
ء
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٣/١١ من طريق قتادة به، وفيه: ((أباه)). بدلًا من: ((جده)).
(٢) ذكره المزى فى تهذيب الكمال ٤٢٢/٣ عن حماد به .
(٣) السائبة: العبد الذى يقول له سيده: لا ولاء لأحد عليك. أو: أنت سائبة . يريد بذلك
عتقه وأن لا ولاء لأحد عليه، وقد يقول له : أعتقتك سائبة. أو: أنت حر سائبة . ففى الصيغتين
الأوليين يفتقر فى عتقه إلى نية، وفى الأخريين يعتق. فتح البارى ١٢/ ٤١.
٢٤

الموطأ
أصلَه فيها اعتمادًا على قولِه وَ له: ((إنّما الولاءُ لمن أعتَق)). ومنهم مَن التمهيد
نزَّع به رأيُه وأدَّاهُ اجتهادُه إلى غيرِ ذلك. وأَنَا أُبِّنُ قولَ (١) فقهاءِ الأمصارِ فى
هذه المسائلِ، وأقتَصِرُ على ذكرِهم فى ذلك دُونَ ذكرٍ مَن قال بقولِهم مِن
التابعين قبلَهم والخالِفِين بعدَهم، على ما اعتمَدنا عليه مِن أوَّلٍ تأليفِنا هذا
وقصَدناه؛ لئلّا نَخرُجَ عن شَرطِنا ذلك، إذْ كان مُرادُنا فيه الفِرارَ مِن
التخلِيطِ والإكثارِ . وباللهِ التوفيقُ.
فأمَّا عِثْقُ الرجلِ عن غيرِه ؛ فإنَّ مالكًا وأصحابَه إلا أشهبَ قالوا: الولاءُ
للمُعتَقِ عنه(١) ، سواءٌ أَمَر بذلك أو لم يَأْمُرْ، إذا كان مسلمًا، فإن كان
نصرانيًّا فالولاءُ لجماعةِ المسلمين. وكذلك قال الليثُ بنُ سعدٍ فى ذلك
كلِّه(٢) . وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثورىُّ: إن قال: أعتِقْ عبدَك عنِّى.
على مالٍ ذكره، فالولاءُ للمعتَقِ عنه؛ لأنَّه بيعٌ صحيحٌ، فإذا قال : أعتِقْ
عبدَكَ عنِّى. بغيرِ مالٍ، فأعتَقه، فالولاءُ للمعتِقِ ؛ لأنَّ الآمِرَ لم يَملِكْ منه
شيئًا، وهى هِبَةُ باطلٍ؛ لأَنَّها لا يَصحُ فيها القَبْضُ. وقال الشافعىُّ: إذا
أعتقْتَ عبدَك عن رجل حىٍّ أو ميِّتٍ (٤) فولاؤُه لك، وإن أُعتَقْتَه عنه بأمرِه ،
القبس
(١) فى ك ١، م: ((أقوال الفقهاء)).
(٢) بعده فى ك ١، م: ((و)).
(٣) بعده فى ك ١، م: (( وقال أبو عبيد القاسم بن سلام من أعتق عن غيره فالولاء للمعتق عنه
كقول مالك)).
(٤) بعده فى ك ١، م: ((بغير أمره)).
٢٥

الموطأ
التمهيد بعِوَض أو غيرِ عِوَضٍ، فولاؤه له دونَك ، ويُجزُه بمالٍ وبغيرِ مالٍ، وسواءٌ
قَبِلَه المعتَقُ عنه بعدَ ذلك أو لم يَقبَلْه . قال الشافعىُّ: ولا يكونُ ولاءٌ لغيرِ
مُعتِقِ أبدًا. (١ وكذلك قال أحمدُ وداودُ. وقال الأوزاعىُ فيمَن أَعتَقَ عن
غيرِهِ: الولاءُ لمن أعتَقَ(١). وأجمعوا أنَّ الوَكَالةَ فى العثْقِ وغيرِهِ جائزةٌ . وأمَّا
أشهبُ فيجِيزُ كفَّارةَ الإنسانِ عنٍ غيرِه بأمرِهِ ، ولا يُجيزُها بغيرِ أمرِه فى العِتقِ
وغيرِ العتقِ، وستَذكُرُ ذلك فى بابٍ سُهيلٍ(٢) إن شاء اللهُ.
فأمَّا حُجَّةُ مالكٍ ومَن ذهَب مذهبَه؛ فمِنها ما حدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم
ابنِ عبدِ الرحمنِ وأحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثْنا نُعيمُ بنُ حمادٍ ،
قال : حدَّثنا ابنُ المباركِ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ يزيدَ ، عن عُقيلٍ بنِ خالدٍ ،
عن ابن شهابٍ، أنَّ رسولَ اللهِ نَّه قال فى حديثٍ ذكَرَه فيه طولٌ: ((إِنَّ
نبىَّ اللهِ أيوبَ عليه السلامُ قال فى بلائِه: إنَّ اللهَ ليعلَمُ أَنِّى كنتُ أَمُرُ على
الرَّجلينِ يَتنازعانِ وَيَذْكُرانِ اللهَ، فأرجِعُ إلى بيتِى فَأُكفِّرُ عنهما، كَراهةً أن
يَذْكُرَا اللهَ إلا فى حقٍّ))(٣) .
قال أبو عمرَ : هكذا روَى هذا الحديثَ يونسُ ، عن عُقيلٍ ، عن ابنِ
شهاب مرسلاً .
القبس
٠٠
(١ - ١) سقط من : س .
(٢) تقدم فى ٦٢٩/١٢ .
(٣) ابن المبارك فى الزهد (١٧٩ - زيادات نعيم) .
٢٦

الموطأ
وروَاه نافعُ بنُ يزيدَ ، عن عُقيلٍ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن أنس ، عن النبيّ التمهيد
صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فوصلَه (١) . وفيه، أنَّ أيوبَ كان يُكفِّرُ عن غيرِه بغيرِ
أمرِه. ولو لم يُجزِئْه عندَ أيوبَ لم يُكفِّرْ عنه، والكفَّارةُ قد تكونُ بالعِتقِ
وغيرِهِ ؛ لأَنَّه لم يبلُغْنا أنَّ شريعةَ أيوبَ كانت فى كفَّاراتِ الأيمانِ علی غیرِ
شريعتِنا ، وإذا جاز العِتقُ للإنسانِ عن غيرِهِ فى شريعةٍ أيوبَ عليه السلامُ ،
ولم يُنسَخْ ذلك فى شريعتِنا(٢) بأمرٍ بَيّنٍ، فالواجبُ الاقتداءُ به؛ لقولِ اللهِ عَّ
وجلَّ: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقال
ابنُ القاسمِ: مَن أعتَق عن رجلٍ بغيرِ أمرِه فى كفَّارةٍ ، أَنَّه يُجزُه.
قال أبو عمرَ: حجَّتُه(٢) فى ذلك ما تَقَدَّم ، والقياسُ على أداءِ الدَّينِ عن
غيرِهِ بغيرِ إذنِه ، أنَّه براءةٌ صحيحةٌ .
قال أبو عمرَ: إذا صحّ هذا الأصلُ صحَّ أن(٤) الولاءَ للمعتَقِ عنه؛ لأنَّه
مستحيلٌ أنْ تُجْزِئَّ عنه الكفَّارةُ فيما قد وجَب عليه، والولاءُ لغيرِه، فإذا
أجزأَتْ عنه كفَّرةُ غيرِهِ(٤) فالولاء له .
القبس
(١) أخرجه البزار (٢٣٥٧ - كشف)، وأبو يعلى (٣٦١٧)، وابن حبان (٢٨٩٨)، والحاكم
٥٨١/٢ من طريق نافع بن یزید به .
(٢) بعده فى ك ١، م: ((إلا)).
(٣) فى ك١، م: ((حجتهم)).
(٤) سقط من: ك ١، م .
٢٧

الموطأ
التمهيد
وذكر ابنُّ(١) القاسم بنٍ خلفٍ، عن أبى بكرِ الأَبْهَرىِّ، أَنَّه قال فى
مسألةِ ابنِ القاسم هذه: القياسُ أنه لا يجوزُ؛ لأنَّه غيرُ جائزٍ أن يفعَلَ
الإنسانُ عن غيرِهِ شيئًا واجبًا عليه و(١) لا يَصِحُ إلا بِنِيَّةٍ منه، بغيرِ أمرِه،
كالحجّ والزكاةِ، وكذلك الكفاراتُ؛ لأَنَّها أفعالٌ تُعُبَّدَ بها الإنسانُ،
وليس كذلك الدَّينُ ، لأَنَّه قد يزولُ عن الإنسانِ بغيرِ أداءٍ؛ وهو أن يُتْرَأَ منه .
قال أبو عمرَ: مِن حُجَّةٍ مَن لم يُجِزِ العِقَ عن غيرِهِ بغيرِ أمرِهِ
قولُهُ وَّهِ: ((الولاءُ لمَن أَعتَق)). هذا معنَاه عندَهم أنَّ الولاءَ لا يكونُ إلا
لمعتِقٍ، والمعتَقُ عنه عندَهم(١) غيرُ المعتِقِ، فَبَطَل ذلك عندَهم؛ لأنَّ
الولاءَ لا يَنْتَقِلُ، وهو لُحمَةٌ كلُخْمَةِ النَّسَبِ لا يُاُ ولا يُوهَبُ ، وغيرُ جائزٍ
فى الحقيقةِ أن يُضافَ إلى الإنسانِ فعلٌ لم يَقصِدْه ولم يَعلم به، فلهذا
يَستحيلُ أن يُقالَ: إِنَّه وهَبه له، ثم أعتَقه عنه مِن غيرِ توكيلٍ منه . وأمّا إذا
أَمَرَه أَنْ يُعْتِقَ عبدَه عنه فأجابَه المأمورُ إلى ذلك، ثم أعتَق عنه (١) ، فإنما هى
هِبةٌ مقبوضةٌ يَنفُذُ فيها التَّوكيلُ والتّسليطُ ، والمالُ فى ذلك وغيرُ المالِ
سواء؛ لأَنَّ الهِبةَ والبيعَ فى ذلك سواءٌ. وأمَّا النَّصرانىُ يُعتِقُ عبدَه المسلمَ
قبلَ أن يُباعَ عليه ؛ فإنَّ مالكًا وأصحابَه يقولون: ليس له مِن ولائِه شىءٌ،
وولاؤُه لجماعةِ المسلِمين، ولا يَرجِعُ إليه الولاءُ أبدًا، ولا إلى ورَثَتِه وإن
القبس
(١) سقط من : ك ١، م.
(٢) بعده فى ك ١، م: ((من غير توكيل)).
٢٨

الموطأ
التمهيد
كانوا مسلمين. وحجّةُ مَن قال بهذا القولِ أنَّ إسلامَ عبدِ النصرانىِّ
يَرفَعُ مِلكَه عنه، ويُوجِبُ إخراجَه عن يَدِه، فلمَّا كان ملكُه يَرْتَفِعُ
بإسلامِه لم يَثْبُتِ الولاءُ له بعدَ عتقِه، وإذا لم يَتْبُتْ له ثبَتَ لجماعةٍ
المسلمِين، وإذا ثبَتَ لهم الولاءُ لم يَنتقِلْ عنهم؛ لأنَّه لُحمةٌ كلُحمةِ
النَّسبِ، وسواءٌ أَسلَم سيِّدُه بعدَ ذلك أو لم يُسلِمْ؛ لأنَّ الولاءَ قد ثبت
الجماعةِ المسلمين. قالوا: والدليلُ على ارتفاع مِلْكِ النَّصرانيّ عن
عبدِه (إذا أسلَم ◌ُمومُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن
كُتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. والحديثُ: ((الإِسلامُ يَعلُو ولا
يُعلَى(٢))). وقال الشافعىُّ والعراقيُّونَ وأصحابُهم: إذا أُسلَم عبدُ
النصرانيّ ، فأعتَقَه قبلَ أن يُباعَ عليه، فولاؤُه له ولورَثَتِه مِن بعدِه، فإِن
أسلَم مولاه ثم ماتَ المعتَقُ، ولم يكنْ له وارثٌ بالنسبِ ، وَرِثه مُعتِقُه،
وإن لم يُسلِمْ لم يَرِثْه؛ لقولِ رسولِ اللهِ وَلَهُ: ((لا يَرِثُ المسلمُ
الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ)) (١). وحجّتُهم فى أنَّ ولاءَه له عمومُ قولٍ
القبس
(١ - ١) فى ك ١، م: ((المسلم)).
(٢) بعده فى ك ١، م: ((عليه)).
والحديث أخرجه الرويانى (٧٨٣)، والدارقطنى ٢٥٢/٣، والبيهقى ٢٠٥/٦ من حديث
عائذ بن عمرو المزنى .
(٣) تقدم تخريجه فى ٤٧٣/١٣، ٤٧٤، ٤٨٤.
٢٩

الموطأ
التمهيد رسولِ اللهِ وَله: ((الولاءُ لمن أعتَق)). لم يَخُصَّ مسلمًا مِن كافرٍ، ولو
لم يكنْ له عليه مِلْكٌ ما بِيعَ عليه ودُفِعَ ثمنُه إليه، وقد قال ◌َله:
((الولاءُ لُحمةٌ كلُحمةِ النَّسبِ، لا يُاُ ولا يُوهَبُ))(١).
قال أبو عمرَ : رُوِى فى هذا البابِ حديثٌ ليس بالقوىِّ مِن جهةٍ
الإسنادِ ، ولكنَّه قد احتجَّ به مَن ذهَب هذا المذهبَ، وهو ما حدَّثناه
إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ الَّقىُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزَّارُ،
قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ الجنيدِ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ خالدٍ، قال:
حدَّثنا ابنُ لهيعةَ، عن يزيدَ بنِ أبى حبيبٍ، أنَّ عروةَ بنَ غَيلانَ
الثقفىَّ أخبره، عن أبيه، أنَّ (٧ نافعًا أبا السائب٢ٍ) كان عبدًا لغَيلانَ بنِ
سلمةً، ففرّ إلى رسولِ اللهِ وَ لَه يومَ حاصَر الطائفَ، فأعتَقَه رسولُ
اللهِ وَلَه، فلمَّا أَسلَم غَيلانُ ردَّ رسولُ اللهِ وَلَه ولاءَ نافعٍ إليه(١).
القبس
(١) أخرجه الشافعى ١٢٥/٤، ١٨٥/٦، وابن حبان (٤٩٥٠)، والطبرانى فى الأوسط
(١٣١٨)، والحاكم ٣٤١/٤، والبيهقى ٢٩٢/١٠ من حديث عبد الله بن عمر.
(٢ - ٢) فى ك ١، م: ((نافع بن السائب))، وفى س: ((نافع بن سالم))، وعند البيهقى:
((رافعًا أبا السائب)). والمثبت من بقية مصادر التخريج، وينظر الاستيعاب ٣٠٢/٥، والإصابة
٤١٥/٦. ووقع فى الإصابة ٢٦/٣: ((عن نافع بن السائب أن أباه كان عبدًا لغيلان)). وسماه
فى هذا الموضع : السائب الثقفى .
(٣) البزار (١٣٢٢ - كشف). وأخرجه الطبرانى ٢٦٣/١٨ (٦٥٩)، وأبو نعيم فى =
٣٠

الموطأ
قال أبو عمرَ: كان أهلُ الطّائفِ حرِيِّين يومَئذٍ، وما خرَج عنهم مِن التمهيد
أموالِهم إلى المسلمين كان للمسلمين، وجائزٌ أن يكونَ هذا قبلَ نَهْي
رسولِ اللهِ وَ لَّه عن بيع الولاءِ وهِبَتِهُ(١)، ونَهِيُّه وَله عن بيعِ الولاءِ وهبتِه
أقوَى مِن هذا . وباللهِ التوفيقُ .
وقال الشافعىُ: فى قولِهِ وَّه: ((إنَّما الولاءُ لمَن أَعْتَق)). بيانُ أنَّ
الولاءَ لا يكونُ إلا لمعِقٍ، و(٢) يُوجِبُ أن يكونَ الولاءُ لكلِّ مُعتِقٍ،
كافِرًا كان أو مسلمًا؛ لأنَّه قد جعَله وَ لَهَ كالنَّسَبِ، فكما منَع اختلافُ
الأديانِ مِن التَّوارثِ مع صِحَّةِ النَّسبِ ، فكذا منَع مِن التوارثِ مع صِحَّةٍ
الولاءِ وثبوتِه ، فإذا اتفقا على الإسلام توارثا ، وليس اختلافُ الأدیانِ ممَّا
يَمنَعُ مِن الولاءِ ولا يَدفعُه، كما أنَّ اختلافَ الأديانِ لا يَمنَعُ النَّسبَ ،
ولكنَّه يَمنَعُ الميراثَ كما تَمنَعُه العبوديَّةُ والقتلُ عمدًا. قالوا: فولاءُ
المسلم على الكافرِ ثابتٌ، وولاءُ الكافرِ على المسلم ثابتٌ إذا أعتقَه،
بقولِ رسولِ اللهِ مَله: ((الولاءُ لمَن أَعتَق)). قالوا: ولا يُزيلُ إسلامُ
عبدِ النصرانيّ مِلكَه عنه، وإنَّما يَمنَعُ استقرارَه واستِدامتَه، ألا ترَى أَنَّه إذا
القبس
= المعرفة (٦٤٤٧)، والبيهقى ٣٠٨/١٠ من طريق ابن لهيعة به .
(١) سيأتى فى الموطأ (١٥٥٨).
(٢) بعده فى ك ١، م: ((هو)) .
٣١

الموطأ
ء
التمهيد بيعَ عليه ملَك ثَمنَه، ولو ارتفَع مِلكُه عنه لم يُبَعْ عليه ولا مَلَك المبدَلَ
منه، ونظيرُ ذلك مِلْكُ الرجلِ لمَن يَعِقُ عليه، يَمنَعُ مِن استدامةِ
الرّقٌّ، ويعتِقُ عليه بالمِلكِ، فيكونُ له ولاؤُه، وهذا ما لا خلافَ
فيه. ومالكٌ وأصحابُه يقولُون فى العبدِ إذا اشْتُرِى شراءً(١) فاسِدًا،
فأعتَقَه المشْترِى: إنَّ العِتقَ واقعٌ، والولاءَ ثابتٌ له، وإن كان مِلكُه
غيرَ تامّ ولا مُستَقِرّ .
قال أبو عمرَ: أمَّا المسلم إذا أعتَقَ عبدَه النصرانيَّ، فلا خلافَ بينَ
العلماءِ أنَّ له ولاءَه، وأَنَّه يَرِثُه إن أسلَمَ إذا لم يكنْ له وارِثٌ مِن نَسَبِه
يَحُبُه . فإن مات العبدُ وهو نصرانيٌ، فلا خلافَ عَلِمتُه أيضًا بينَ الفقهاءِ
أنَّ مالَه ◌ُوضَعُ فى بيتِ مالِ المسلمين ، ويجرِى مَجْرى الفَىْءٍ، إلا ما ذكره
أشهَبُ ، عن المخزوميّ، فإِنَّه قال عنه: إنَّ مِيراثَه لأهلِ دينِه. قال : فإن
أسلَم النصارى(٢) مِيراثَه ولم يَطلُبُوه، ولا طلَبه منهم طالبٌ ، أدخَلْناه بيتَ
مالِ المسلمين مَعزولًا ، ولا يكونُ فَيْئًا حتى يَرِثَه اللهُ أو يأتىَ له طالبٌ .
وهذا عندِى لا وجهَ له إلا(١) كونُ الكفَّارِ بعضُهم أولياءُ بعضٍ، كما(3)
القبس
(١) فى ك ١، م: ((اشتراء)).
(٢) فى م: ((النصرانى)).
(٣) بعده فى س: ((أن)).
(٤) بعده فى م: ((أن)).
٣٢

الموطأ
المسلمون بعضُهم أولياءُ بعضٍ. والصَّحيحُ فى ذلك ما قاله جمهورُ التمهيد
الفقهاءِ، أنَّه يُوضعُ فى بيتِ المالِ؛ ((لأنه ولاءٌ ثبَت للمسلم١) ولايةَ .
نَسَبٍ ، وهى أقعَدُ مِن ولايةِ الدِّينِ فى جهةِ المواريثِ، إلا أنَّ الشريعةَ
مِنَعت من التوارثِ بينَ المسلمين والكفارِ ، فكأنَّ هذا النصرانيَّ المعْتَقَ قد
ترَك مالاً لا وارِثَ له ، وله أصلٌ فى المسلمينَ عُدِمَ مُستَحِقُّه بعينه، فوجب
أن يُصرَفَ فى مصالح المسلمين، ويُوقَفَ فى بيتِ مالِهم. واللهُ أعلمُ .
وأمَّا الحربىُّ يُعتِقُ مملوكَه، ثم يَخرُجانِ مسلِمَينِ، فإنَّ أبا حنيفةً"
وأصحابَه قالوا: للعبدِ أن يُوالىّ مَن شاء، ولا يكونُ ولاؤُه للمعتِقِ(٢) . قال
الشافعىُ: "له ولاؤُهُ يَرِثُه إذا أسلَم. واستَحْسَنه أبو يوسفَ. وهو قياسُ
قولٍ مالكِ فى الذِّميِّ يُعِقُ الذُّمىَّ ثم يُسلمانِ، وقولِهم جميعًا . وباللهِ
التوفيقُ .
وأمَّا المعتِقُ سائبةً، فإنَّ ابنَ وهبٍ روَى عن مالكِ قال: لا يُعتِقُ
أحدٌ سائبةً؛ لأنَّ رسولَ اللهِ بَّهَ نْهَى عن بيعِ الولاءِ وعن هيتِه (٤).
وهذا عندَ كلِّ مَن ذهَب، مذهبَ مالكِ إنَّما هو على كراهةِ السّائبةِ
القبس
(١ - ١) فى ك ١، م: ((لأن ولاءه قد ثبت للمسلمين)).
(٢) بعده فى ك ١، م: ((وكذلك عندهم كل كافر أعتق كافر! و)).
(٣ - ٣) فى ك ١، م: ((مولاه)).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٥٥٨).
٣٣
(موسوعة شروح الموطأ ٣/١٥)

الموطأ
التمهيد
" لا غير١ُ)؛ لأنَّ كلَّ مَن أعتَق عندَهم سائبةً نفَذ عِثْقُه، وكان ولاؤه
الجماعةِ المسلمينَ. هكذا روَى ابنُ القاسم، وابنُ عبدِ الحكم،
وأشهبُ، وغيرُهم، عن مالكٍ، وكذلك ذكَر ابنُ وهبٍ، عن مالكِ
فى ((موطَّئِهِ))، وهو المشهورُ مِن مذهبِه عندَ أصحابِهِ. وقد يحتَمِلُ أن
يكونَ قولُ مالكٍ: لا يُعِقُ أحدٌ سائبةً. رُجوعًا عن قولِه المعروفِ،
واللهُ أعلمُ، ولكنَّ أصحابَه على المشهورِ مِن قولِه. قال مالكٌ فى
((مُوطَّئِه))(٢): أحسنُ ما سَمِعتُ فى السَّائبةِ أَنَّه لا يُوالِى أحدًا، وأنَّ
ولاءَه لجماعةِ المسلمينَ، وعَقْلَه عليهم. وهذا يدُلَّكَ على تجوِيزِه
لعِتقِ السائبةِ. وقال ابنُ القاسمِ وابنُ وهبٍ، عن مالكٍ: أنا أكرَهُ عِثْقَ
السائبةِ وأنهى عنه، فإن وقَع نفَذ، وكان مِيراثُه لجماعةِ المسلمينَ ،
وعَقْلُه عليهم. وقال ابنُ نافعٍ: لا سائبةَ اليومَ فى الإِسلامِ، ومَن أَعتَق
سائبةً كان(٢) ولاؤه له. وقال أصبغُ: لا بأسَ بعِثْقِ السائبةِ ابتداءً.
قال أبو عمرَ : أصبغُ ذهَب فى هذا إلى المشهورِ مِن مذهبٍ مالكٍ ،
وله احتجَّ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، وإِيَّاه تقلَّد ، ومِن حُبَّتِه فى ذلك أنَّ عِثْقَ
السائبةِ مُستَفِيضٌ بالمدينةِ ، لا يُنكِرُه عالمٌ، وأنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ وغیرَه مِن
القبس
(١ - ١) سقط من: س.
(٢) الموطأ عقب الأثر (١٥٦٤).
(٣) فى ك ١، م: ((فإن)).
٣٤

الموطأ
الشَّلَفِ أَعتَقُوا سائبةٌ، وأنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قال: السائبةُ والصدقةُ التمهيد
ليومِهما . أى : لا يُتَصَرَّفُ فى شيءٍ منهما .
روَى سليمانُ التَّيمِىُّ، عن بكرِ المزنيّ، أنَّ ابنَ عمرَ أَتِى بمالٍ موّى
أعتقه سائبةً ، فمات، فقال: إنَّا كنّا أعتقْنَاه سائبةً . فأمَر أنْ يُشترَى به رقابٌ
,(١)
فتُعْتَقَ(١).
وروَى سليمانُ التيمىُ، عن أبى عثمانَ النهدىِّ قال: قال عمرُ بنُ
الخطابِ : السائبةُ والصدقةُ ليَومِهما (٢) .
وروَى ابْنُ عيينةً، عن الأعمشِ، ولم يَسمَعْه منه، قال : سمِعتُ
إبراهيمَ يقولُ : أَتَى عبدَ اللهِ رجلٌ بمالٍ ، فقال: خُذْ هذا. فقال: ما هو ؟
قال : مال رجل أعتقْتُه سائبةً فمات وترك هذا . قال : هو لك . قال : ليس
لى فيه حاجةٌ. قال: فطرحه عبدُ اللهِ فى بيتِ المالِ(٣).
قال أبو عمرَ: (*لو صحَّ هذا لم تكنْ" فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ قد
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٦٢٣١)، وابن أبى شيبة ٣٦٨/١١، والبيهقى ٣٠٢/١٠ من طريق
سليمان التيمى به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٦٢٢٩)، وابن أبى شيبة ٣٦٨/١١، والدارمى (٣١٦١) ،
والبيهقى ٣٠١/١٠ من طريق سليمان التيمى به .
(٣) أخرجه الشافعى ١٣٣/٤ عن سفيان بن عيينة به .
(٤ - ٤) فى ك ١، م: ((وهذا إن صح لم يكن)).
٣٥

الموطأ
التمهيد قال: هو لك. ولم يقلْ: هو لجماعةِ المسلمين. وإنّما جعَلَه فى بيتٍ
المالِ؛ لأنَّ ذلك محكمُ كلِّ مالٍ يَدفَعُه ربُّه عن نفسِه إلى غيرِ مالكِ مُعيَّنٍ،
وكذلكَ فعَل عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ عنه فى طارقٍ بنِ المرَفِّعِ .
ذكَره وكيعٌ، عن بسطامَ بنِ مسلمٍ ، عن عطاءِ بنِ أبى رباح، أنَّ طارقَ
ابنَ المرقَّع أعتَقَ عبدًا له فمات وترَك مالًا ، فعُرِض على طارقٍ فَأتَى وقال :
إنَّما جعَلتُه للهِ ، ولستُ آخُذُ ميراثَه. فكتَب فيه إلى عمرَ، فكتَب عمرُ ؛ أنٍ
اعرِضوا على طارقٍ الميراثَ، فإن قبِلَه وإلا فاشتَرُوا به رَقِيقًا فأعتِقُوهم .
فبلَغ خمسةَ عشَرَ، أو ستةَ عشَرَ رأسًا(١).
وأمَّا أهلُ المدينةِ فأكثرُهم على أنَّ السائبةَ مِيراتُه لجماعةِ المسلمينَ .
وممَّن رُوِى هذا عنه منهم ؛ ابنُ شهابٍ، وربيعةُ، وأبو الزِّنادِ . وهو قولُ
عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وأبى العاليةِ، وعطاءٍ، وعمرو بنِ دينارٍ (١).
وقال سفيانُ الثورىُّ فى قولِ عمرَ: السائبةُ ليومِها(١) . قال: يعنى يومَ
القيامةِ ، لا يُرجَعُ فى شىءٍ منها إلى يومِ القيامةِ .
وذكر ابنُ وهب، عن أسامةَ بنِ زيدٍ ، عن نافع ، أَنَّ ابنَ عمرَ كان إذا
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٩/١١ عن وكيع به .
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٦٢٢٧، ١٦٢٢٨، ١٦٢٣٥)، والمدونة ٣٤٨/٣.
(٣) تقدم تخريجه الصفحة السابقة .
٣٦

الموطأ
أعتَقَ سائبةً لم يَرِثْه .
التمهيد
ولا يُختَلَفُ فى أنَّ سالمًا مولَى أبى حذيفةَ أعتَقته مولاتُه (١ لُثْنَى أو
ليلى١) بنتُ يَعارٍ، وكانت تحتَ أبى حذيفةَ بنِ عتبةَ بنِ ربيعةً، فأُعتَقته
سائبةٌ(١٢) ، ثم ماتَ وترَك ابنةً ، فأعطَاها عمرُ بنُ الخطابِ نصفَ مالِهِ ،.
وجعَل النِّصفَ فى بيتِ المالِ(٣). ) والذى لم يُختَلَفْ فيه مِن أمرٍ سالم
مولَى أبى حُذيفةَ أنَّه أَعتِقَ سائبةً ، ولا خِلافَ أَنَّه قُتِل يومَ اليمامةِ ، وإنَّما
نُسِب القضاءُ فيه إلى عمرَ ؛ لأنَّه كان بأمرٍ أبى بكرٍ، وكان عمرُ القاضِىَ
لأَبِى بكرٍ. وقد رُوِى أَنَّ عمرَ جعَل ميراثَه لابنتِه لمَّا امتنَع مواليه مِن قَبولِ
ميراثِه، إذ كان سائِيةً. ورُوِى أنَّها أَعتَقته سائبةً، فوالَى أبا حذيفةً(٥).
وقال الشعبىُّ : ترَك سالمٌ مولَى أبى حذيفةَ ابنته، ومولاتَه ليلَى بنتَ يَعارٍ
امرأةً أبى حُذيفةَ بنِ عتبةَ ، فورَّثَ أبو بكرِ البنتَ النِّصفَ ، وعرَض الباقِىَ على
مولاتِه، فقالت : لا أُرجِعُ فى شىءٍ مِن أمرٍ سالمٍ، إِنِّى جعَلتُه للهِ. فجعَلُ
القبس
(١ - ١) سقط من: ك ١، والذى قيل فى اسمها: ليلى، وثبيتة، وسلمى، وعمرة، وفاطمة.
وينظر الاستيعاب ١٧٩٩/٤، والثقات ١٥٨/٣، والإصابة ١٣/٣، ٥٤٧/٧، ٥٤٨، وسماها
فى المغنى ٢٢٢/٩: لبنى.
(٢) بعده فى م: ((ولم يقل أحد إن رسول الله وَ لَّ نهى عن ذلك)).
(٣) ينظر الطبقات لابن سعد ٣/ ٨٥، ٨٦، والمعرفة لأبى نعيم ٤٨٢/٢، وسنن البيهقى ٣٠٠/١٠،
والإصابة لابن حجر ١٣/٣.
(٤ - ٤) سقط من: س.
(٥) ينظر طبقات ابن سعد ٨٦/٣، وسنن البيهقى ٣٠٠/١٠.
٦
٣٧
١

الموطأ
التمهيد ( أبو بكرِ رضِى اللهُ عنه النِّصفَ الباقِىَ فى سبيلِ اللهِ(٢) . وهذا أولَى مِن
روايةٍ مَن روَى أَنَّ عمرَ حكَم بذلك، إلا بما وجَّهنا مِن أمرٍ أبى بكرٍ له
بذلك. واللهُ أعلمُ .
ورُوِى عن عمرَ وابنٍ مسعودٍ ، أنّهما قالا : يُعرّضُ مالُ المعتَقِ سائبةً
على الذى أعتَقه، فإن تحوَّجَ عنه، اشتُرِى به رقابٌ وَأُعْتِقوا(٣) .
وعن أبى عمرو الشيبانيّ، عن ابنٍ مسعودٍ قال: يضَعُ السائبةُ مالَه
حيثُ شاء(٤) .
وقال أبو العاليةِ، والزهرىُّ، ومكحولٌ، ومالكُ بنُ أنسٍ: لا ولاءَ
عليه، ويَرِثُه المسلمونَ() .
وقال مالكٌ رحِمه اللهُ: السائبةُ لا يُوالِى أحدًا، وولاؤُه لجماعةٍ
المسلمين. وحجَّتُه فى أَنَّه لا يُوالِى أحدًا قولُه ◌َلَّهِ: ((الولاءُ لمن أعتَق)).
ومعلومٌ أنَّ مَن تولَّه السائبةُ لم يُعتِقْه، فكيف يكونُ له ولاؤُه ! وقال ابنُ
شهابٍ ، والأوزاعىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ: له أن يُوالىَ مَن شاء، فإن مات ولم
يُوالِ أحدًا، فولاؤُهُ(١) لجماعةِ المسلمين . ومِن حُجَّتِهم فى ذلك قولُ عمرَ
القبس
(١ - ١) سقط من: س.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٧/١١ من طريق الشعبى به بنحوه .
(٣) ينظر ما تقدم ص ٣٥، ٣٦.
(٤) سيأتى تخريجه ص ٤٠، ٤١.
(٥) فى ك ١، م: ((كان ولاؤه)).
٣٨
.

الموطأ
رضِى اللهُ عنه: لكَ ولاؤُهُ) . فى المنبوذِ. قالوا: فقام للصغير مقامَه التمهيد
لنفسِه لو ميَّزَ مَوضِعَ الاختيارِ لها والدَّفع عنها ، فجاز بذلك للكبيرِ أن يُوالىَ
مَن شاء إذا لم يكنْ له عليه ولاءٍ. وهؤلاء كلَّهم يُجيزون عِثْقَ السائبةِ ،
ويَجعَلون الولاءَ للمسلمين. وحّتُهم ما ذكرناه مِن عملِ أهلِ المدينةِ قَوْنًا
بعدَ قرنٍ فى زَعم المحتجّ بذلك(٢) ؛ لأنَّه فى معنَى مَن أَعتَق عن غيرِه،
فيكونُ الولاءُ له، ومَن أَعتَق عبدَه سائبةً فقد أعتقه عن جماعة المسلمين ،
فلذلك صارَ الولاءُ لهم. قالوا: وإنَّما يكونُ الولاءُ لمن أعتَق إذا أعتَق عن
نفسِه. فهذا ما احتَجَّ به إسماعيلُ وغيرُه فى عِتقِ الشَّائبةِ . وقال أبو حنيفةً
والشافعىُّ وأصحابُهما: مَن أَعتَق سائبةً فولاؤُه له، وهو يَرِثُهُ دُونَ الناسِ .
وهو قولُ الشافعىِّ، وعطاءٍ، والحسنِ، وابنٍ سيرينَ، وضمرةً بنٍ
حبيبٍ(٤)، وراشدِ بنِ سعدٍ(*)(٦) . وبه يقولُ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
عبدِ الحكم. وحجّتُهم فى ذلك قولُ رسولِ اللهِ وَلَهِ: ((إنَّما الولاءُ لمن
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٤٨٣).
. (٢) فى م: ((الصغير)).
(٣) فى س: ((فى ذلك)).
(٤) ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدى أبو عتبة الشامى الحمصى ، روى عن شداد بن أوس وأبى
أمامة الباهلى، وثقه ابن سعد وابن معين، روى له الأربعة. تهذيب الكمال ٣١٤/١٣.
(٥) راشد بن سعد الحبرانى المقرائى، الفقيه، محدث حمص ، روى عن سعد بن أبى وقاص ومعاوية
وثوبان وطائفة، قال يحيى بن سعيد: هو أحب إلى من مكحول. توفى سنة ثلاث عشرة ومائة . سير
أعلام النبلاء ٤ / ٤٩٠.
(٦) ينظر سنن سعيد بن منصور (٢٢٨)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٦٩/١١، وسنن الدارمى. (٣١٦٥).
٣٩

الموطأ
التمهيد أَعتَق)) (١) . فنفَى بذلك أن يكونَ الولاءُ لغيرِ مُعتِقٍ، ونهَى عليه السَّلامُ عن
بيعِ الولاءِ وهِبَّهُ(١) . واحتجوا أيضًا بقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ
تَجِيرَةٍ وَلَا سَأَِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]. والحديثِ: ((لا
سائبةً فى الإسلامِ)). وبما رواه أبو قيسٍ، عن هُزَيلٍ (٢) بنِ شُرَحبيلٍ ، قال :
قال رجلٌ لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ : إِنِّى أَعتَقتُ غُلامًا لى سائبةٌ، فماتَ وتَرَك
مالًا. فقال عبدُ اللهِ: إِنَّ أَهلَ الإِسلام لا يُسَيِّبون، إنَّما كانت تُسيِّبُ
الجاهليّةُ ، أنتَ وارِثُه وولىُ نعمتِه(٤) .
وقد روَى ابنُ جريج، عن عطاءٍ، أنَّ طارقَ بنَ المرقَّع كان أميرًا على
مكّةَ، فأعتَق سوائِبَ فماتوا، فجاءُوا بالميراثِ إلى عمرَ، فقال: أعطُوه
ورَثْتَه، فَأَتَّى الورَثَةُ أَن يَقبَلُوه، فاشتَرَوا به رِقابًا فَأَعْتَقُوهم (٥).
قال أبو عمرَ: روَى شعبةُ، عن سلمةَ بنِ كُهِيلٍ، قال : سمِعتُ أبا
عمرو الشيبانيَّ قال : سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يقولُ: السائبةُ يَضعُ مالَه
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٥٥٥ - ١٥٥٧).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٥٥٨).
(٣) فى ك ١، م: ((هذيل)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ١٧٢.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٦٢٢٣)، والبخارى (٦٧٥٣)، والطبرانى (٩٨٧٩)، والبيهقى
٣٠٠/١٠ من طريق أُبی قیس به .
(٥) أخرجه الشافعى ٧٩/٤، ١٣٣، والبيهقى ٣٠٠/١٠ من طريق ابن جريج به.
٤٠