النص المفهرس
صفحات 381-400
الموطأ
فقال: إِنَّها تَأْبَى عَلَىَّ. قال: فَقَيِّدْها. قال: إِنَّ لها إِخْوَةً غَلِيظَةٌ رِقابُهم. التمهيد
قال : فاسْتَأْدٍ (١) عليهم الأمِيرَ.
وفى هذا الحديثِ وُجُوبُ اسْتِتارِ المرأةِ إذا كانت ممَّن للعينِ فيها
حَظٌّ، عن عُيُونِ الرِّجالِ ، وفى ذلك تحريمٌ للنَّظَرِ إليهِنَّ. وقد رُوِىَ أَنَّ
رسولَ اللهِ وَ له لم يَنْظُرْ إلى فاطمةَ هذه إذ جاءَتْه فى هذه القِصَّةِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال :
حدثنا محمدُ بنُّ جَرِيرٍ، قال: حدثنا إبراهِيمُ بنُ سعيدِ الجَوْهَرِىُّ،
قال: حدثنا سفيانُ بنُ عيينةً، عن مُجَالِدٍ ، عن الشعبىِّ، عن فاطمةً
ابنةِ قيس قالت: أتَيْتُ النبىَّ وَّهِ فَاسْتَتَرَ منِّى. وأشار سفيانُ بثوبِه على
وَجْهِهُ .
وكذلك فى حديثٍ قَئِلَةَ ابنةِ مَخْرَمَةً، الحديثِ الطويلِ فى قُدومِها
على رسولِ اللهِ وَلّهِ، فَأَوْمَأْ بِيَدِه خلفَه إذ قيل له: أَرْعِدَتِ المسكينةُ . فقال
ولم يَنْظُرْ إِلىَّ: ((يا مسكينةُ، عليكِ السكينةَ))(٣) .
القبس
(١) فى ص، ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧: ((استأذن)). واستأديته عليه: استعديته . اللسان (أدى).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٢٦) عن سفيان به .
(٣) أخرجه ابن سعد ٣١٧/١ - ٣٢٠، والطبرانى ٧/٢٥ - ١١ (١)، والمزى فى تهذيب الكمال
٣٥/ ٢٧٥.
٣٨١
الموطأ
وفى حديثٍ بُرَيْدَةَ أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال لعليّ: (( لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ
التمهید
النَّظْرَةَ، فإنَّ لك الأُولَى، وليست لك الآخِرَةُ))(١) . وقد رُوِى ذلك أيضًا
مِن حديثٍ علىٍّ رضِى اللهُ عنه(٢).
وقال جريرٌ: سألتُ رسولَ اللهِ وَ عِن نَظْرَةِ الفَجْأةِ، فقال: ((غُضَّ بَصَرَك)).
روَاه جماعَةٌ؛ منهم الثورىُّ، وابنُ عُلَيَّةَ، ويزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن يُونسَ بنِ
عبید ، عن عمرو بن سعیدٍ ، عن أبی زُرعَةً بن عمرو بنٍ جریٍ ، عن جريرٍ .
(٣)
وهذا النَّهْىُ إِنَّما ورَد خوفًا مِن دَواعى الفِتْنَةِ، وأن تحمِلَه النَّظْرَةُ الأُولَى
إلى أن يتَأَمَّلَ ما تَقُودُ(٤) إليه فِتْنَةً فى دينِه ، وهذا نبىٌّ مِن أنبياءِ اللهِ عزَّ وجلَّ،
وهو داودُ مَّه كان سَبَبُ خَطِيقَتِهِ النَّظَرَ(٥)، وقد ذكَوْنا ما يجوزُ النَّظَرُ إليه
" مِن المرأةٍ، وما لا يجوزُ، والأحوالَ التى يجوزُ فيها النظرُ إليها) ، مِن
القبس
(١) أخرجه أحمد ٧٤/٣٨، ٩٥، ١٢٩ (٢٢٩٧٤، ٢٢٩٩١، ٢٣٠٢١)، وأبو داود
(٢١٤٩)، والترمذى (٢٧٧٧).
(٢) أخرجه أحمد ٤٦٤/٢، ٤٦٦ (١٣٦٩، ١٣٧٣)، والدارمى (٢٧٥١)، والبزار (٧٠١)،
وابن حبان (٥٥٧٠).
(٣) أخرجه الدارمى (٢٦٨٥)، ومسلم (٢١٥٩)، وأبو داود (٢١٤٨) من طريق الثورى به،
وأخرجه أحمد ٤٩٨/٣١ (١٩١٦٠)، ومسلم (٢١٥٩) من طريق ابن علية به، وأخرجه مسلم
(٢١٥٩) من طريق يزيد بن زريع به .
(٤) فى ص ٢٧: ((تعود)).
(٥) قال الألباني: وقصة افتتان داود عليه السلام بنظره إلى امرأة الجندى أوريا، مشهورة مبثوثة فى كتب
قصص الأنبياء وبعض كتب التفسير، ولا يشك مسلم عاقل فى بطلانها؛ لما فيها من نسبة ما لا يليق
بمقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . السلسلة الضعيفة ٤٨٤/١ (٣١٣)، وينظر البداية والنهاية ٣٠٩/٢.
(٦ - ٦) ليس فى: الأصل، ص، ص ١٧.
٣٨٢
الموطأ
الشَّهادَةِ عليها وشِئْهِها، فى غيرِ هذا الموضِع. والحمدُ للهِ .
التمهيد
وأمّا قولُه: ((اعْتَدِّى فى بيتِ أُمَّ شَرِيكِ)). ثم قال: «تلك امرأةٌ يَغْشاها
أصحابى، اعتَدِّى فى بيتِ ابنِ أُمّ مَكْتُوم)). ففيه دليلٌ على أنَّ المرأةَ
الصَّالحة المُتَجَالَّةَ لا بَأْسَ أن يَغْشاها الرّجالُ، ويتَحَدَّثُونَ عندَها ، ومعنى
الغِشْيانُ الإلمامُ والوُرُودُ ، قال حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ (١) يمْدَحُ بنى جَفْنَةَ :
يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كِلابُهم لا يسْأَلُونَ عن السَّوَادِ المُقْبِلِ
وزعَم قومٌ أَنَّه أَمْدَحُ بيتٍ قالته العربُ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرِ، قال : حدثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدثنا
محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال : حدثنا الحُمَيْدِىُّ، قال: حدثنا سفيانُ ، قال :
حدثنا مُجَالِدُ بنُ سعيدِ الهَمْدَانِيُ ، عن الشعبىِّ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ .
فذكَر الحديثَ، وفيه أنَّ رسولَ اللهِ نَّه قال: ((يا بنتَ قيسٍ، إنَّما
الشّكْنَى والنفقةُ للمرأةِ إذا كان لزوجِها عليها رجعةٌ ، فإذا لم يكنْ له عليها
رجعةٌ ، فلا شُكْنَى لها ولا نفقةَ)). ثم قال لها: ((اعْتَدِّى عندَ أَمِّ شَرِيكِ ابنةٍ
العَكَرِ(١)). ثم قال: ((تلك امرأةٌ يُتَحَدَّثُ عندَها، اعْتَدِّى عندَ ابنِ أَمّ
القبس
(١) ديوانه ص ١٢٣.
(٢) كذا فى النسخ ومسند الحميدى، وذكر الحافظ فى الإصابة أن رواية الحميدى: (( أم شريك
بنت أبى العكر)). وكذا غيَّرها محقق الحميدى. ينظر الإصابة ٨/ ٢٤٠.
٣٨٣
الموطأ
التمهيد مَكْتُوم، فإنَّه رجلٌ مَحْجُوبُ البصَرِ، فَتَضَعِى ثِيابَكِ ولا يَرَاكِ))(١).
قال أبو عمرَ : أَمُ شَرِيكِ هذه امرأةٌ مِن بنى عامِرِ بنِ لُؤىٍّ، وقد ذكرناها
فى كتابِ النِّساءِ مِن كتابٍ ((الصحابَةِ))(١) بما يُغْنِى عن ذِكْرِهَا هَهُنا.
وفى قولِه فى هذا الحديثِ: ((فَتَضَعِى ثِيَابَكِ ولا يَرَاكِ)». دليلٌ على أنَّ
المرأةَ غيرُ واجِبٍ عليها أن تَحْتَجِبَ مِن الرجلِ الأُعْمَى، وهكذا فى
حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبى سلمةً ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ ، أنَّ النبيَّ
وَّ قال لها: ((انتقلى إلى ابنِ أُمّ مَكْثُومٍ، فإِنَّه رجلٌ قد ذهَب بصَرُه، فإِن
وَضَغْتِ شيئًا مِن ثِيَابِكِ لم يَرَ شيئًا))(١٢) . وهذا يَرُدُّ حديثَ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمّ
سلمةَ، عن أُمّ سلمةً قالت: دخَل علىَّ رسولُ اللهِ وَّهِ وأنا ومَيْمُونَةُ
جالِسَتان، فاسْتَأْذَن عليه ابنُ أُمّ مَكْثُومِ الأعمى، فقال: ((احتجِبا منه).
فقلنا: يا رسولَ اللهِ ، أليس بأعمى لا يُنْصِرُنا؟ قال: ((أَفْعَمْياوَانِ أَنتَمَا لا
تُبْصِرانِه؟))(٤). ففى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّه واجِبٌ على المرأةِ أن
تَحْتَجِبَ عن الأعمى، ويَشْهَدُ له ظاهِرُ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾ الآيةِ [النور: ٣١]. فمَن ذهَب إلى حديثٍ نَجْهانَ
القبس
(١) الحميدى (٣٦٣).
(٢) الاستيعاب ٤/ ١٩٤٢، ١٩٤٣.
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٥٦.
(٤) سيأتى تخريجه ص ٣٨٥، ٣٨٦.
٣٨٤
الموطأ
هذا احْتَجَّ بما ذكَرْنا، وقال: ليس فى حديثٍ فاطمةَ أَنَّه أَطْلَق لها النَّظَرَ التمهيد
إليه . وقال: مَكْرُوة للمرأة أن تَنْظُرَ إلى الرجل الأجنبىِّ الذى ليس بزوجٍ ،
ولا ذى مَحْرَمِ، وكما لا يجوزُ للرجلِ أن يَنْظُرَ إلى المرأةِ ، فكذلك لا
يجوزُ للمرأةِ أن تَنْظُرَ إلى الرجل؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾. كما قال: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ
أَبْصَرِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقد قال بعضُ مَشْيَخَةِ الأعرابِ: لأن يَنْظُرَ إلى
ولِيَتى مائةُ رجلٍ، خيرٌ مِن أن تَنْظُرَ هى إلى رجلٍ واحدٍ . ومَن ذهَب إلى
حديثٍ فاطمةَ هذا على ظاهِرِهِ، دفَع حديثَ نَبْهانَ عن أمّ سلمةَ ، وقال :
نٹھانُ مجهول ، لم یَزْوِ عنه غیرُ ابنِ شھَابٍ ، ورَوَی عنه ابنُ شهابٍ حدیثین
لا أَصْلَ لهما؛ أحدُهما هذا. والآخَرُ، حديثُ المُكاتَبِ ، أَنَّه إذا كان معه
ما يُؤَدِّى وجَبَ الاخْتِجابُ منه(١). قال: وهما حدِيثان لا أَصْلَ لهما .
ودفَعَهما وقال: حديثُ فاطمةً بنتِ قيسٍ حديثٌ صحيحُ الإسنادِ،
والحُجَّةُ به لازِمَةٌ . قال : وحديثُ نَتْهانَ لا تقومُ به حُجَّةٌ .
قال أبو عمرَ : حديثُ نَبْهانَ هذا حدَّثناه سعيدُ بنُ نَصرِ ، قال : حدثنا
قاسُِ بنُ أصبغَ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال : حدثنا أبو بكرِ بنُ
أبى شيبةً، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، قال: أخبرنا يونسُ، عن
القبس
(١) أخرجه أحمد ٧٣/٤٤ (٢٦٤٧٣)، وأبو داود (٣٩٢٨)، وابن ماجه (٢٥٢٠)،
والترمذى (١٢٦١).
٣٨٥
( موسوعة شروح الموطأ ٢٥/١٥)
الموطأ
التمهيد الزهرىِّ، قال: حدَّثنى نَبْهانُ مَوْلَى أُمّ سلمةَ، عن أُمّ سلمةَ قالت: كنتُ
عندَ رسولِ اللهِ وَ له وعندَهُ(١) ميمونةُ، فأقْبَل ابنُ أَمّ مكتوم، وذلك بعدَ أن
أُمِرِ بالحِجابِ، فقال رسولُ اللهِ وَله: ((اخْتَجِبا منه)). فقُلْنا: يا رسولَ
اللهِ، إِنَّه مَكْفُوفٌ لا يُْصِرُنا. قال: ((أَفْعَمْيَاوَانِ أَنتُمَا لا تُبْصِرَانِه؟))(١).
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدثنا أبو داودَ،
حدثنا محمدُ بنُ العَلَاءِ، حدثنا ابنُ المباركِ ، عن يونسَ، عن الزهرىِّ ،
قال: حدَّثنى نَبْهَانُ مَوْلَى أُمّ سلمةَ، عن أُمّ سلمةَ . فذكره . قال أبو داود :
هذا الأزواجِ النبىِّ وَّ خاصَّةً(٢).
واسْتَدَلَّ بعضُ أصْحابِنا(٤) بهذا الحديثِ على أنَّ كلامَ المرأةِ ليس
بعورةٍ، وهذا مالا يُخْتَاجُ إليه؛ لتَّقَوُّرِ الأُصُولِ عليه .
وأمّا قولُه: ((يَغْشَاها أصْحَابى)). ومَعْلُومٌ أَنَّها عورةٌ، كما أنَّ فاطمةً
عورةٌ ، إلَّا أَنَّه عَلِم أنَّ أُمَّ شَرِيكُ مِن السِّئْرِ والاخْتِجابِ بحالٍ ليست بها
٢٠
القبس
(١) فى الأصل، ص، ص١٦، ص ١٧، م: ((عند)) .
(٢) أخرجه الطبرانى ٣٠٢/٢٣ (٦٧٨)، والمزى فى تهذيب الكمال ٣١٣/٢٩ من طريق ابن
أبى شيبة به، وأخرجه أحمد ١٥٩/٤٤ (٢٦٥٣٧)، والترمذى (٢٧٧٨) من طريق عبد الله بن
المبارك به .
(٣) أبو داود (٤١١٢).
(٤) فى الأصل، م: ((أصحابه)).
٣٨٦
الموطأ
فاطمةُ ، ولعلَّ فاطمةَ مِن شَأْنِها أن تَفْعُدَ فُضُلًا(١) لا تَحْتَرِزُ كاخْتِرَازِ أُمّ التمهيد
شَرِيكٍ، ولا يجوزُ أن تكونَ أَمُ شَرِيكِ ، وإن كانت مِنِ القَوَاعِدِ ، أن تكونَ
فُضُلًا، ويجوزُ أن تكونَ فاطِمَةُ شَابَّةً ليست مِن القَوَاعِدِ ، وتكونَ أَمُّ شَرِيك
مِن القَوَاعِدِ ، فليس عليها مُنَاحٌ مالم تَتَبَرَّزْ بزِينَةٍ ، فهذا كلَّه فرقٌ بينَ حالٍ أَمّ
شَرِيكِ وفاطمةً، وإن كانَتَا جميعًا امْرَأَتَيْنِ، العورةُ منهما واحدةٌ ،
ولاخْتِلافِ الحالتَيْن أُمِرَت فاطمةُ بأن تَصِيرَ إلى ابنِ أُمّ مَكْتُومِ الأعْمَى،
حيث لا يَرَاها هو ولا غيرُه " من الرجالِ) فى بيتِه ذلك.
وأمَّا وجهُ قولِه لزَوْجِهِ مَئِمُونَةَ وأُمّ سلمةَ إذ جاء ابٌ أُمّ مَكْثُومٍ: ((اخْتَجِبا
منه)). فقالتا: أليس بأعْمَى؟ فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((أَفْعَمْيَاوَانِ أَنتما؟)).
فإِنَّ الحِجابَ على أزواج النبيِّ نَّه ليس كالحِجابِ على غيرِ هِنَّ؛ لِما هُنَّ
فيه مِن الجلالةِ، ولموضِعِهِنَّ مِن رسولِ اللهِ وَّهِ، بدليل قولِ اللهِ تعالى:
﴿َنِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءُ إِنِ أَنَّقَبَةُنٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢].
وقد يجوزُ للرجل أن يَنْظُرَ لأهلِه مِن الحجابِ بما أدَّاه إليه اجتهاده ، حتى
يَمْنعَ مِنْهُنَّ المرأةَ فُضُلًا عن الأعمى . وأمّا الفرقُ بينَ ميمونةَ وأُمّ سلمةً وبينَ
عائشةَ إذ أباح لها النَّظَرَ إلى الحبشةِ، فإنَّ عائشةَ كانت ذلك الوقتَ، واللهُ
القبس
٦
(١) تفضلت المرأة: إذا لبست ثياب مهنتها، أو كانت فى ثوب واحد، فهى فُضُل والرجل
فُضُل أيضًا. اللسان (ف ض ل).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
٣٨٧
الموطأ
التمهيد أعلمُ، غيرَ بالِغَةِ ؛ لأنَّه نَكَحها صَبِيَّةً بنتَ سِتُّ سنين أو سبع، وبَنَى بها بنتَ
تسع، ويجوزُ أن يكونَ قبلَ ضربِ الحِجَابِ ، مع ما فى النَّظَرِ إلى السُّودانِ
ممَّا تَقْتَحِمُه العُيونُ(١) ، وليس الصَّبايا كالنِّساءِ فى مَعْرِفَةِ ما هنالك مِن أمرِ
الرجالِ .
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدثنا محمدُ بنُ شاذانَ ، قال : حدثنا مُعَلَّى، قال : حدثنا ليثُ بنُ سعدٍ ،
عن أبى الزبيرِ ، قال: سألتُ عبد الحميدِ بنَ عبدِ اللهِ بنِ أبی عمرو بنِ
حفصٍ عن طلاقٍ جَدِّه فاطمةَ بنتَ قيسٍ ، فقال عبدُ الحميدِ: طَلَّقَها البَنَّةَ،
ثم خرَج إلى اليمنِ، ووَكّل بها عَيَّاشَ بنَ أبى ربيعةً، فَأَرْسَل إليها عَيَّاشٌ
ببعضِ النفقةِ فسَخِطَتْها، فقال لها عَيَّاشٌ: ما لَكِ علينا مِن نفقةٍ ولا
مَسْكَنٍ، وهذا رسولُ اللهِ وَّهِ فِسَلِيه. فسألَتْ رسولَ اللهِ وَّلِ عمَّا قال،
فقال: ((ليس لَكِ نفقةٌ ولا مسكنٌ، ولكنْ متاعٌ بالمعروفِ ، اخرجى
عنهم)). فقالت: أُخْرُجُ إلى بيتِ أُمّ شَرِيكِ. فقال: ((إنَّ بَتَها يُوطَأُ،
فانتَقِلى إلى بيتِ عبدِ اللهِ ابنِ أُمّ مَكْتُومِ الأعمى، فهو أقلُّ واِئَةً ، وأنتِ
تضَعِينَ ثِيَابَكِ عندَه )). فانتَقَلَت إليه حتى حَلَّتْ، فخطَبها مُعاويةُ بنُ أَبی
سفيانَ وأبو جهم بنُ حذيفةً، فذكرتْ ذلك لرسولِ اللهِ وَلَه، فقال: ((أمَّا
القبس
(١) اقتحمته عينى: ازدرته، وكل شىء ازدريته فقد اقتحمته. ينظر اللسان (ق ح م).
٣٨٨
الموطأ
معاويةٌ ، فغلامٌ مِن غِلْمانِ قريشٍ لا يَمْلِكُ شيئًا، وأمَّا أبو جهم ، فإنِّى أخافُ التمهيد
عليكِ عَصاه ، ولكنْ إِن شِئْتِ دَلَلْتُكِ على رجلٍ، أُسامةُ بنُ زِيدٍ )) . قالت :
نعم يا رسولَ اللهِ . فَزَوَّجَها أُسامَةً بنَ زيدٍ (١).
ففى حديثِ مالكِ فى أُمّ شَرِيكِ: ((تلك امرأةٌ يَغْشاها أصحابِى)).
وفى حديثٍ مجالدٍ، عن الشعبيّ: ((تلك امرأةٌ يُتَحَدَّثُ عندَها)). وفى
حديثٍ أبى بكرِ بنِ أبى الجهمِ، وقد مضَى ذِكْرُه: ((إنَّ بيتَ أُمّ شَرِيك
يُغْشَى)). وفى حديثٍ أبى الزبيرِ: ((إنَّ بيتَها يُوطَأَ)). وفى هذا كلِّه دليلٌ
على أنَّ القومَ إِنَّما كانوا يتَحَدَّثُون بالمعانى ، وإِيَّاها كانوا يُراعُون ، وفيما
ذكرنا دليلٌ على ما وَصَفْنا مِن جوازِ غِشْيانِ النِّساءِ الصَّالحِاتِ المتجَالَّاتِ
فى بُيُوتِهنَّ، والحدیثِ معهُنَّ.
وأمّا قولُه: إنَّ معاويةَ وأبا جهمٍ خَطَبانى. ثم خِطْبَةُ رسولِ اللهِ وَه
إِيَّها لأَّسامَةَ حين أَخْبَرَتْه أنَّ معاويةَ وأبا جهم خطَباها ، ففيه دليلٌ على أنّه لا
بأسَ أن يخْطُبَ الرجلُ على خِطْبَةِ أخيه ما لم يُؤْكَنْ إليه ، على ما قال مالكٌ
وغیرُه ، ممّا قد ذكرناه فى بابٍ محمدِ بنِ یحیی بنٍ حَبَّانَ وغیرِه مِن کتابنا
هذا (٢).
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٦٥/٣، وفى شرح المشكل (٢٦٤٢) من طريق الليث به .
(٢) ينظر ما تقدم فى ١٠/١٤ - ١٦.
٣٨٩
الموطأ
التمهید
واتَّفَق جمهور الفقهاءِ على أنَّه إذا رُكِنَ إلى الخاطِبِ الأُوَّلِ، لم يَجُزْ
أن يَخْطُبَ أحدٌ على خِطْبَتِهِ، وقال بعضُ أصحابِ الشافعيّ: يجوزُ على
حديث فاطمةَ هذا. وهذا ليس بشىءٍ؛ لأنَّه يجْعَلُ الأحادِيثَ متعارِضَةٌ ،
وإذا محُمِلَتْ على ما قال الفقهاءُ لم تتَعارَضْ، وقد مضَى الحُكْمُ فيمَن
خطَب على خِطْبَةِ أخيه فى بابِ محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبَّانَ(١). ومثلُ
خِطْبَةِ رسولِ اللهِ وَلِّ لأَسامةَ بنِ زيدٍ على خِطْبَةِ معاويةً وأبى جهمٍ ، ما
ذكره ابنُ وَهْبٍ، عن ابنٍ لهيعةً وغيرِهِ، عن عبيدِ اللهِ بنِ المغيرةِ، أَنَّه
سمِع الحارثَ بنَ سفيانَ الأسَدِىَّ يُحَدِّثُ، عن الحارثِ بنِ سعدِ بنِ أبى
ذُبَابٍ(١) ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ خطَبَ امرأةً على جَرِيرِ البَجَلَىِّ، وعلى
مَرْوانَ بنِ الحكمِ، وعلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فدخَل على المرأةِ وهى
جالِسَةٌ فى قبَّتِها عليها سِتْرٌ، فقال عمرُ: إِنَّ جريرَ البَجَلِىِّ يَخْطُبُ ، وهو
سَيِّدُ أهلِ المشرقِ ، ومَرْوانَ يخْطُبُ، وهو سَيِّدُ شَبَابٍ قريشٍ، وعبدَ اللهِ
ابنَّ عمرَ، وهو مَن قد عَلِمْتُم، وعمرَ بنَ الخطابِ. فَكَشَفَتِ المرأةُ
عنها ، فقالت: أجادٌّ أميرُ المؤمنين ؟ قال : نعم. قالت: فقد أَنْكِحْتَ
القبس
(١) ينظر ما تقدم فى ١٧/١٤ - ٢٢.
(٢) فى ص ١٦، ص ٢٧، ومصدر التخريج: ((ذياب)). وينظر التاريخ الكبير ٢٦٩/٢،
والجرح والتعديل ٧٥/٣.
٣٩٠
الموطأ
يا أميرَ المؤمنين، أَنكِحوه (١).
التمهيد
حدَّثنا سعيدُ بنُ سيدٍ (٢)، حدثنا يحيى بنُ فِطْرٍ(٢)، حدثنا أحمدُ بنُ
زِيَادٍ ، حدثنا ابنُ وَضَّاحِ، حدثنا محمدُ بنُّ رُمْحِ، أخبرنا الليثُ بنُ سعدٍ ،
عن عَيَّاشِ بنِ عَّاسِ القِتْبانىٌّ، عن بُكَيْرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأُشَجِّ، أنَّ عمرَ بنَ
الخطابِ أتَى أهلَ بيتٍ مِن الأَزْدِ وفَتَاتُهم فى خِدْرِها قريبًا منه، فقال: إنَّ
مَرْوانَ بنَ الحكم يخْطُبُ إليكم ابنَتَكم، وهو سَيِّدُ شَبابٍ قريشٍ، وإِنَّ
جَرِيرَ بَجِيلَةَ يخْطُبُ إليكم ابْنَتَكم، وهو سَيِّدُ أهلِ المشرقِ، وإنَّ أميرَ
المؤمنين يخْطُبُ إليكم ابنَتَكم . يريدُ نفسَه، فأجابَتْه الفتاةُ مِن خِدْرِها،
فقالت : أَجَادِّ أميرُ المؤمنين ؟ فقال: نعم. قالت : زَوّجوا أميرَ المؤمنين .
فَوَّجوه، فولَدت منه(٤) .
وأمّا قوله : ((أمَّا معاويةُ فصُغْلُوكٌ لا مالَ له، وأمَّا أبو جهم فلا يضَعُ
عَصَاه عن عاتِقِه)). ففيه دليلٌ على أنَّ °قولَ المرءِ فى غيرِه ما فيه إذا سُئِل
عنه عندَ الخِطْبَةِ، جائزٌ، وأنَّ إِظْهارَ ما هو عليه مِن عيبٍ فيه " صَوَابٌ لا
القبس
(١) أخرجه ابن عساكر ٢٣٧/٥٧، ٢٣٨ من طريق عبيد الله بن المغيرة به .
(٢) فى ص ١٦، ص ٢٧: ((سنيد). وينظر بغية الملتمس ص ٣٠٨.
(٣) فى ص ١٦: ((قطر))، وفى ص ٢٧: ((قطن)).
(٤) أخرجه ابن عساكر ٢٣٨/٥٧ من طريق الليث بن سعد به .
(٥ - ٥) فى ص، ص ١٦، ص ١٧: ((من قال فى المرء إذا سئل عنه عند الخطبة ما فيه، وما
هو عليه من حاله فإنه)) .
٣٩١
الموطأ
التمهيد بأسَ به، وليس مِن بابِ الغِيبةِ فى شىءٍ، وهو يُعَارِضُ قولَه: ((إذا قُلْتَ فى
أخيك ما فيه فقد اغْتَبْتَه))(١). وقد أَجْمَعوا على أنَّه جائزٌ تَعْبِينُ حالِ الشاهِدِ
إذا سأل عنه الحاكم ، وتبيينُ حالٍ ناقلِ الحديثِ ، وتبيينُ حالِ الخاطبِ إذا
سُئِل عنه، وفى ذلك أوضح الدلائلِ على أنَّ حديثَ الغِيَةِ ليس على
عُمومِه . وقد قيل : إنَّ الغِيبَةَ إنَّما هى أن تَصِفَه على جِهَةِ العيبِ له بما فی
خِلْقَتِهِ مِن دَمامَةٍ وسُوءٍ خَلْقٍ، و(٢) قِصَرٍ، (أو عوَرٍ(٣)، أو عَمَشٍ، أو عَرَجٍ،
ونحو ذلك ، وأمَّا أَن تذُمَّه بما فيه من أفعالِه ، فليس ذلك غِيبَةً . وهذا عندِی
ليس بالقوىِّ، والذى عليه مَدارُ هذا المعنَى أَنَّ مَنِ اسْتُشِيرَ لزِمه القولُ
بالحقِّ ، وأداءُ النصيحةِ ، وليس ذلك مِن بابِ الغِيبَةِ ؛ لأَنَّه لم يَقْصِدْ بذلك
إِلى لذَّةٍ(٤) ، ولا إلى شِفاءٍ غيظٍ، ولا أذى، ويكونُ حديثُ الغِيَةِ مُرَتَّبًا على
هذا المعنَى .
وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على استشارةٍ ذَوِى الرَّأْيِ ، وأَنَّه جائزٌ أن
يَشْتَشِيرَ الرجلُ مَن يَرْضَى رَأْيِه وْ)دينه فى امرأتَيْنِ يُسَمِّيهما له، أَيَّتَهما
يَتَزَوَّجُ ؟ وكذلك للمرأةِ فى رجلينٍ أيَّهما تتزَوَّجُ ؟ وفيه أنَّ للمستشارِ أن
القبس
(١) أخرجه الدارمى (٢٧٥٦)، وابن حبان ١٣/ ٧١.
(٢) فى م: ((أو)).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) فى م: ((لمزه)).
(٥ - ٥) سقط من: ص، م.
٣٩٢
الموطأ
يُشِيرَ بغيرِ مَن اسْتُشِيرَ فيه؛ لأَنَّه أشار عليه السلامُ بِأُسَامَةَ(١)، ولم تَذْكُوْله إلَّ التمهيد
أبا جهم ومعاويةً(٢).
وفى قولِهِ وَّجله: ((أمَّا معاويةُ فصُعُلُوكٌ لا مالَ له، وأمّا أبو جَهْم فلا
يضَعُ عَصَاه عن عاتِقِه)). دليلٌ على جَوازِ الإِغْيَاءِ(٢) فى الصِّفَةِ، وأَنَّ المُغْبِىَ
لا يَلْحَقُه كذبٌ إذا لم يَقْصِدْ قصدَ الكذبِ، وإنَّما قصَد الإبلاغَ فى
الوَصْفِ ، ألَا تَرَى أنَّ معاويةَ قد ملَك ثوبَه وغير ذلك ، وهو مالٌ؟ وفی غیرِ
حديثٍ مالِكِ: ((لا يَمْلِكُ شيئًا)) (٤). وكذلك قولُه: ((لا يَضَعُ عَصَاه عن
عاتِقِه)). ومَعْلُومٌ أَنَّه كان يُصَلِّى وينامُ، ويَأْكُلُ ويشرَبُ، ويشْتَغِلُ بأشياءَ
كثيرةٍ غيرِ ضربِ النِّساءِ، ولكنَّه لما كان يُكْثِرُ ضربَ النِّساءِ نسَبَه إلى
ذلك، على ما قالتِ الحُكَماءُ: مَن أكْثَر مِن شىءٍ عُرِف به ، ونُسِب إليه .
ولم يُرِدْ بِذِكْرِ العَصَا هَهُنا العَصا التى يُضْرَبُ بها، وإنَّما أراد الأدبَ
باللسانِ واليدِ ، وبما يَحْسُنُ الأُدَبُ بمِثْلِهِ، يصْنَعُ فى أهْلِه كما يصْنَعُ الوالى
فِى رَعِيَّه. وقد رُوِى عن النبيِّ وَ ليهِ أَنَّه قال لرجلٍ أوصاه: ((ولا تَرْفَعْ
القبس
(١) فى ص، م: ((إلى أسامة)).
(٢) بعده فى ص، ص ١٦، ص ١٧: ((وهذا الحديث أصل يجب أن يعتمد عليه وهو أصح
إسنادًا من حديث الغيبة)).
(٣) الإغياء: الاستقصاء. اللسان (غ ی ی).
(٤) تقدم تخريجه ص ٣٨٨، ٣٨٩.
٣٩٣
الموطأ
التمهيد عَصَّاكَ عن أَهْلِكَ، وأَخِفْهم فى اللـهِ))(١). رُوِى هذا مِن حديثٍ
المصرِيِّن، عن عُبَادَةَ بنِ الصامتِ، فيما أوْصَاه به رسولُ اللهِ وَلِهِ .
وبعضُهم يقولُ فيه: ((لا تَضَغْ عَصَاكَ عن أهلِكَ، وأَنْصِفْهم مِن
نفسِكَ))(١). وقال ◌ِّهِ: ((عَلِّقْ سَوْطَكَ حيثُ يَرَاه أَهْلُكَ))(٢). وفى هذا
كلِّه ما يُوَضِّحُ لكَ أَنَّ للرجلِ ضَرْبَ نِسَائِه فيما يُصلِحُهم وتَصْلُحُ به حالُه
وحالُهم معه، كما له أن يَضْرِبَ امرأتَه عندَ امْتِناعِها عليه ونُشُوزِها ضَرْبًا
غيرَ مُتّح. وقد ژُوى عن الحسن وقتادةً أنَّ رجلًا ضرب امرأته وجرَحها ،
فَأَتَوُا النبىَّ وَلَّهِ يَطلُبونَ القِصاصَ، فَأَنزَل اللهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى
النِّسَاءِ﴾ الآية(١) [النساء: ٣٤]. فمَعنى العَصا فى هذين الحديثَيْنِ الإخافَةُ
والشِّدةُ بكلِ ما يَتَهيَّأَ ويُمكِنُ ممَّا يَجمُلُ ويَحسُنُ من الأدَبِ فيما يجبُ
الأُدَبُ فيه ، وقد قال بعضُ أصحابِنا: إنَّ فيه إباحةَ ضربِ الرجلِ امرأتَه
ضربًا كثيرًا؛ لأَنَّه قصَد به قصدَ العَيبِ له، والضربُ القليلُ ليس بَيْبٍ ؛
لأَنَّ اللهَ قد أباحَه. قال: ولما لم يُغيِّرُ رسولُ اللهِ وَليل على أبى جهم ما كان
عليه مِن ذلك، كان فى طريقِ الإباحةِ. وفيما قال من ذلك، واللهُ أعلمُ،
نَظَرٌ، قال ابنُ وهبٍ: ذمُّه لذلك دليلٌ على أنَّه لا يجوزُ فعلُه. ومِن هذا
قالتٍ العربُ : فلانٌ لَيِّنُ العَصَا، وفلانٌ شديدُ العَصَا. يقولون ذلك فی
القبس
(١) أخرجه الضياء فى المختارة ٢٨٧/٨، ٢٨٨ (٣٥١) من حديث عبادة.
(٢) أخرجه الطبرانى (١٠٦٧٢) من حديث ابن عباس.
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٦/ ٦٨٨، ٦٨٩.
٣٩٤
الموطأ
التمهيد
الوالى وما أُشْبَهَه . وقال الشاعرُ():
لذِى الحِلْمِ قبلَ اليومِ ما تُفْرَعُ العَصَا وما عُلِّمَ الإنسانُ إلَّ لِيَعْلَما
وقال مَعْنُ بنُ أوسٍ(٢) يصِفُ رَاعِىَ إيلِه :
(" يُساجِلُها عمَّا به وتُسَاجِلُه)
عليها شَرِيبٌ(٢) وادِعْ لَئِنُ العَصَا
والعرَبُ تُسَمِّى الطاعةَ والأَلْفَةَ والجماعَةَ العَصَا، ويقولون: عصَا
الإسلامِ، وعَصَا السُّلطانِ . ومِن هذا قولُ الشاعر(٥) :
إذا كانَتِ الهَيْجَاءُ وانشَقَّتِ العَصَا فِحَسْبُكَ وَالضََّّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
ومنه قولُ صِلةَ بنِ أشيَمَ : إِيَّاكَ وقتيلَ العَصَا. يقولُ : إِيَّاكَ أَن تُقْتَلَ أو
تَقْتُلَ قتيلًا إِذا انشَقَّتِ العَصَا. والعربُ أيضًا تُسَمِّى قَرارَ الظاعِنِ عَصًا ،
القبس
(١) هو المتلمس الضبعى، والبيت فى ديوانه ص ٢٦.
(٢) ديوانه ص ١١٢.
(٣) فى ص، ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧: ((حفيظ)). والشريب الذى يورد الإبل للشرب. ينظر
اللسان (ش ر ب) .
(٤ - ٤) فى الأصل، ص ٢٧، م: ((يسائلها عما به وتسائله))، وفى ص، ص ١٧: ((يسائلها عما بها
وتسائله))، وفى الديوان، واللسان (ع ص و): ((يساجلها جماته وتساجله)). وأصل المساجلة أن
يستقى ساقيان فيخرج كل واحد منهما فى سَجْلِه مثل ما يخرج الآخر، فأيهما نكل فقد غُلب. اللسان
(س ج ل). وبعده فى ص ١٦: ((وقال أبو النجم فى ضد هذا يصف إبله ويذكر سمنها:
صلب العصا بالضرب قد رباها
لم يرعها ليلا ولا ضحاها
إذا أرادت رشدا أغواها)).
قد احتوته الإبل واحتواها
(٥) البيت فى أمالى القالى ٢٦٢/٢، واللسان ( هـ ى ج ) غير منسوب.
٣٩٥
الموطأ
التمهيد وقرارَ الأَمرِ واسْتواءَه عصًا، فإذا اسْتَغْنَى المسافرُ عن الظّعْنِ قالوا: قد أَلْقَى
عَصَاه . قال الشاعر(١) :
فَأَلْقَتْ عَصَاها واستَقرَّتْ بها النَّوَى كما قَوَّ عَيْنَا بالإيابِ المسافِرُ
ورُوِى أنَّ عائشةَ تَمثَّلتْ بهذا البيتِ حينَ اجتَمع الأُمْرُ لمعاويَةَ. واللهُ
أعلمُ .
وأمّا قولُه: ((انكِحى أُسامةَ بنَ زيدٍ )). قالت: فتَكَحْتُه . ففى هذا جوازٌ
ء
نِكاح المولَى القُرْشِيَّةَ، وأسامةُ بنُ زيدِ بنِ حارِثةَ مَوْلَى رسولِ اللهِ الَّتِ،
وهو رجلٌ مِن كلبٍ، وفاطِمَةُ قرشيةٌ فِهْرِيَّةٌ أُخْتُ الضحاكِ بنِ قيسٍ
الفِهْرِىِّ، وهذا أقْوَى شىءٍ فى نِكاح المَولَى العربيةَ والقرشيةَ، ونكاح
العربىِّ القرشيةَ. وهذا مذهبُ مالكٍ، وعليه أكثرُ أهلِ المدينةِ . رَوَى ابنُ
أبى أُوَيْسٍ ، عن مالِكِ قال: لم أرَ أحدًا مِن أَهلِ الفقهِ والفضلِ ولم أسمَغْ أنَّه
أُنكَر أن يتزَوَّجَ العرَبُّ فى قريشٍ ، ولا أن يتزَوَّجَ الموالى فى العَرَبِ وقريش،
إذا كان كُفْئًا فى حَالِهِ. قال مالكٌ: وممَّا يُبَيِّنُ ذلك أنَّ أبا حُذَيْفَةَ بنَ عتبةً
ابنِ ربيعةً أنكح سالِمًا فاطمةَ بنتَ الوليدِ بنِ عُتبةً(٢) ، فلم يُنكَرْ ذلك عليه،
القبس
(١) نسبه الآمدى فى المؤتلف والمختلف ص ١٢٧، ١٢٨ إلى مُعَقِّر بن حمار البارقى، وقيل:
لعبد ربه السلمى، أو سليم بن ثمامة الحنفى، كما فى اللسان (ع ص و)، وبلا نسبة فى البيان
والتبيين ٣/ ٤٠، وعيون الأخبار ٢٥٩/٢، والتمثيل والمحاضرة ص ٢٩٦، والعقد الفريد ٣٠٣/٢،
١٥٠/٦.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٣١٨).
٣٩٦
الموطأ
التمهيد
ولم يَعِبْه أحَدٌ من أهلِ ذلك الزمانِ .
قال أبو عمرَ: وقد كَرِهه قومٌ ، وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليهم، قال اللهُ
ج
عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات : ١٣]. وقد رُوِی فی
بعضِ الحديثِ أنَّهم قالوا: أنكَحَها مَؤْلاه . فقالت فاطمةُ : رَضِيتُ بما
رَضِى لى به رسولُ اللهِ وَلَّهِ. وفى حديثٍ مالِكِ: فجَعَل اللهُ فيه خَيْرًا،
واغْتَطْتُ به .
واخْتَلَف العلماءُ فى الأكْفاءِ فى النِّكاح؛ فجملةُ مذهبٍ مالكٍ
وأصْحابِهِ أنَّ الكفاءةَ عندَهم فى الدينِ . وقال ابنُ القاسِم ، عن مالكِ : إذا
أبى والِدُ الثيبِ أن يُزَوِّجَها رجلًا دُونَه فى النسبِ والشَّرَفِ، إلَّا أَنَّه كُفْءٌ
فى الدينِ، فإنَّ السلطانَ يُزَوِّبجها، ولا ينْظُرُ إلى قولِ الأَبِ والولىِّ مَن
كَانَ ، إِذا رَضِيَتْ به، وكان كُفْئًا فى دِينِه. ولم أُسْمَعْ منه فى قِلَّةِ المالِ
شيئًا . قال مالكٌ: تَزْوِيجُ المولَى العربيةَ حَلالٌ فى كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ،
قولِه: ﴿إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ الآية [الحجرات: ١٣]. وقوله: ﴿فَلَمَّا
قَضَى زَيِّدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَجْتَكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] . واعْتَبرَ أبو حنيفةً وأصحابُه
الكَفاءَةَ فى النكاح من جهةِ النَّسَبِ والمالِ والصِّناعاتِ. وهو قولُ
الثورىِّ، والحسنِ بنِ حَىٍّ. قال أبو حنيفةَ: قريشٌ أَكْفَاءٌ، والعربُ أكْفَاءٌ،
ومَن كان له أبوانٍ فى الإسلام أكْفَاءٌ، ولا يكونُ كُفْئًا مَن لم يَجِدِ المهرَ
القبس
٣٩٧
الموطأ
التمهيد والنفقةً. وقال أبو يُوسُفَ: وسائِرُ الناسِ على أعْمالِهِم، فالقَصَّارُ(١) لا
يكونُ كفئًا لغيرِهِ مِن التجَّارِ، وهم يتَفاضَلُون بالأعْمالِ ، فلا يجوزُ إِلَّ
الأمثالُ. قال: وتعَذُّرُ المهرِ والنفقةِ لا يَمنَعُ من الكَفاءَةِ، والعَبْدُ ليس
بكُفءٍ لأَحَدٍ . وكان أبو الحسنِ الكَرخِىُّ(١) مِن بين أصحابِ أبى حنيفةً
يُخالِفُ أصحابَه فى الكَفاءَةِ ، ويقولُ : الكَفاءَةُ فى الأنفسِ كالقِصاصِ .
وسائِرُ أصْحابِه يعْتَبِرون الكَفاءَةَ فى المهرِ والنفقةِ. وقال الشافعىُّ: ليس
نكاح غيرِ الكَفْءِ مُحَرَّمًا فأرُدَّه بكلٌ حالٍ ، إنَّما هو تَقْصِيرٌ بالمِتَزَوِّجَةِ
والؤلاةِ، فإن رَضِيت وَرَضُوا جاز. قال: وليس نَقْصُ المهرِ نَقْصًا فى
النَّسَبِ ، والمَهْرُ لها دُونَهم، فهى أوْلَى به منهم ، كالنَّفَقَةِ ، لها أن تتركها
متى شاءَتْ . قال : وإذا اختَلَف الؤُلَاةُ فَزَوَّجَها بإِذْنِها أحدُهم كُفْئًا جاز،
وإن كان غيرَ كُفْءٍ لم يَثْبُتْ إِلَّا باجْتِمَاعِهم قبلَ نِکَاحِه ، فیکونَ حقًّا لهم
(٣)
تر کوه(٣).
١
قال أبو عمرَ: الكفاءةُ عندَ الشافعيّ وأصْحابِهِ النَّسَبُ والحالُ،
-
القبس
(١) القصار: المبيض للثياب، وهو الذى يهيئ النسيج بعد نسجه بيله ودقه بالقصرة، وهى
المِدَقة . الوسيط ( ق ص ر ).
٠
(٢) عبيد الله بن الحسين بنٍ دلال أبو الحسن الكرخى الفقيه، مفتى العراق ، شيخ الحنفية، كان رأسًا فى
الاعتزال ، سمع إسماعيل بن إسحاق القاضى ، و کان من العلماء العباد ، انتشرت تلامذته فى البلاد ،
توفى سنة أربعين وثلاثمائة . سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٢٦، والجواهر المضية ٤٩٣/٢.
(٣) فى م: ((ترکه)).
٣٩٨
الموطأ
وأَفْضَلُ الحالِ عندَهم الدِّينُ، والحالُ اسمُ جامِعٌ لمعانٍ كثيرةٍ ؛ منها التمهيد
الكَرَمُ، والمروءةُ ، والمالُ، والصناعَةُ(١)، والدِّينُ، وهو أرْفَتُها.
رَوَى مالكٌ(٢) ، عن يحيى بن سعيدٍ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قال: كَرَمُ
المؤمنِ تَقْوَاه، ودِينُه حَسَبُه، ومُرُوءَتُه خُلُقُه .
وحدَّثنی خلَفُ بنُ القاسِم ، حدثنا أبو بكرٍ (٢) محمدُ بنُ عُبیدِ اللهِ بنِ
أحمدَ الصَّيْدَلانِئُ، قال: أَنشَدَنا أبو الحسنِ علىُّ بنُ سليمانَ بنِ الفضلِ
الأَخفشُ لبعضِ المتَقَدِّمين(4) :
إِنِّى رأيتُ الفَتَى الكريمَ إذا رَغَّبْتَه فى صَنِيعَةٍ رَغِبًا
ولم أجِدْ عُرْوَةَ الخلائقِ إلّ الدِّينَ لما احْتَبَوْتُ والحسَبَا
قال أبو عمرَ: رُوِى عن النبيِّ وَ لِّ أَنَّه قال: ((أنكِحوا إلى الأكْفَاءِ،
وإِيَّكم والزَّنْجَ ، فإِنَّه خَلْقٌ مُشَوَّةٌ)) . وهذا حديثٌ مُنْكَرُ باطِلٌ لا أصْلَ له،
رَوَاه داودُ بنُ المُحَيَّرِ ، عن أبى أُمَّةَ بنِ يَعْلَى النَّقَفِىٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ،
القبس
(١) فى ص: ((الصيانة))، وفى ص ٢٧: ((الصداقة)).
(٢) تقدم فى الموطأ (١٠١٤).
(٣) بعده فى الأصل، ص، م: ((بن).
(٤) هو الحكم بن عَبْدَل الأسدى، والبيتان فى الحماسة ٦١٩/١، وأمالى الزجاجى
ص ١٩٦، والأغانى ٢١٥/١٦، ومعجم الأدباء ٢٣٨/١٠، وعندهم: ((اعتبرتُ)). بدلا
من: ((اختبرت)).
٣٩٩
الموطأ
التمهيد عن أبيه، عن عائشةً(١) . وداودُ هذا وأبو أَمَيَّةَ بنُ يَعْلَى مَتْرُوكانٍ ، والحديثُ
ضعيفٌ مُنْكَرٌ، وكذلك حديثُ مُبَشِّرٍ، عن الحَجَّاجِ بنِ أَرْطَاةَ، (٢ عن
عطاءٍ، عن جابرٍ، عن النبيِّ نَّهِ أَنَّه قال: ((لا تُنْكِحُوا النِّساءَ إلَّا
الأكْفاءَ)) (٣). حديثٌ ضعيفٌ لا يُخْتَبُ بمثلِه، ولا أَصْلَ له، وكذلك
حدیثُ بَقِيَّةً ، عن زُرْعَةً ، عن عمران بنِ أبی (٢) الفضل ، عن نافع، عن ابنِ
عمرَ، عن رسولِ اللهِ وَ لِ أَنَّه قال: ((العربُ أكْفَاءٌ بعضُها لبعضٍ، قبيلةٌ
القبيلةٍ ، وحَىٌّ لحَىّ، ورجلٌ لرجلٍ، إلَّا حائكٌ أو(٥) حجَامٌ))(٩). حديثٌ
مُنگۆ موضوعٌ، وقد ژُوِی مِن حدیثِ ابنِ جریج، عن ابنِ أبی ملیکةً ، عن
ابنِ عمرَ مرفوعًا مثلُهُ(٢). ولا يَصِحُ أيضًا عن ابن جريج. واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) أخرجه الدارقطنى ٢٩٩/٣ وابن الجوزى فى العلل المتناهية (١٠١١) من طريق أبى أمية بن
یعلی به .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه العقيلى ٢٣٥/٤، والطبرانى فى الأوسط (٣)، وابن عدى ٦/ ٢٤١١، ٢٤١٢، وابن
شاهين فى ناسخ الحديث ومنسوخه (٥١١)، والدارقطنى ٣/ ٢٤٤، ٢٤٥، والبيهقى ١٣٣/٧
من طريق مبشر به .
(٤) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج والتلخيص الحبير ١٦٤/٣، وينظر ميزان
الاعتدال ٣/ ٢٤١، ولسان الميزان ٣٤٩/٤.
(٥) فى م: ((و)).
(٦) أخرجه ابن حبان فى المجروحين ٢/ ١٢٤، وابن عدى ١٧٤٩/٥ والبيهقى ١٣٤/٧، ١٣٥
وابن الجوزى فى العلل المتناهية (١٠١٧) من طريق بقية به .
(٧) أخرجه البيهقى ١٣٤/٧ من طريق ابن جريج به .
٤٠٠
٠