النص المفهرس
صفحات 281-300
الموطأ ولا لازمٍ. وروِى مثلُ ذلك عن بعضٍ التابعين، وهو شذوذْ لم يُعَرِّجْ عليه التمهيد أهلُ العلمِ مِن أهلِ الفقهِ والأثرِ فى شىءٍ مِن أمصارِ المسلمين ؛ لما ذكرنا ، ولأُنَّ ابنَ عمرَ الذى عِرَضَت له القِصةُ احتسَب (١ بتلك الطلقةِ()، وأفتَى بذلك، وهو ممَّن لا يُدفَعُ علمُه بقصَّةِ نفسِه . ومن جهةِ النظرِ ، قد عَلِمنا أنَّ الطلاقَ ليس من الأعمالِ التى يُتْقَرَّبُ بها إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فلا تقعُ إلّا على حسَبٍ سُنَّتِها، وإنَّما هو زوالُ عِضْمَةٍ فيها حقٌّ لآدمِيٍّ، فكيفما أوقَعَه وقَع، فإن أوقَعه لسُنَّةٍ هُدِى ولم يَأْثَمْ ، وإن أُوقَعه على غيرِ ذلك أثِم ، ولَزِمه ذلك، ومحالٌ أن يَلزَمَ المطيعَ ولا يَزَمَ العاصِىَ، ولو لَزِم المطيعَ الموقعَ له على سُنَّتِه، ولم يَلزَم العاصِىّ، لكان العاصِى أُخَفَّ حالًا من المطيع. وقد احتجَّ قومٌ من أهلِ العلم بأنَّ الطلاقَ فى الحيضِ لازِمٌ ؛ بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ : ﴿وَمَنْ يَتَعَذَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُمْ﴾ [الطلاق: ١]. يُرِيدُ أَنْه عَصَى ربَّه، وفارَق امرأته، وحسبُكَ بابنِ عمرَ، فقد أنكَر على مَن ظنَّ أَنَّه لا يُحتسبُ بالطلاقِ فی الحیضِ . حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا : حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ومحمدُ بنُ الهيئَم أبو الأحوَصِ ، قالا : حدثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدثنا حمَّادٌ، عن أيوبَ و(١) سلمةَ بنِ القبس (١ - ١) فى م: ((بذلك الطلاق)). (٢) فى ن: (عن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٩٨/١١. ٢٨١ الموطأ التمهيد عَلقَمَةَ، عن محمدٍ ، عن أبى غَلَّابِ قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن رجلٍ طلَّقَ امرأته وهى حائضٌ، فقال: تعرِفُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ؟ فإنَّه طلَّقَ امرأتَه وهى حائضّ، فسألَ عمرُ النبيُّ وَ لِّ عن ذلك، فَأَمَرِه أن يُراجِعَها. قلتُ : أيُحتسَبُ بها؟ قال: فمَهْ إِن عَجَز واستحمقَ(١) . ومحمدٌ هذا هو محمدُ بنُ سيرينَ، وأبو غَلَّابِ هذا هو يونُسُ بنُ جبيرٍ . حدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قراءةً مِنِّى عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثھم، قال : حدثنا بکرُ بنُ حمَّادٍ ، قال: حدثنا مسددٌ ، قال : حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، عن أَيُّوبَ ، عن محمدٍ بنٍ سيرينَ، عن يونُسَ بنِ جُبيرٍ ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ، قلتُ: رجلٌ طلَّقَ امرأته وهى حائضٌ ؟ فقال: تعرِفُ ابنَ عمرَ؟ فإِنَّه طلَّق امرأتَه وهى حائضٌ، فسأل عمرُ النبيَّ وَلَه فَأْمَره أن يُراجِعَها. قلتُ: فَيُعتدُّ بتلك التَّطْليقةِ؟ قال: فمَهْ، أرأيتَ إن عَجَز واستَحمَقَ(٢)؟ القبس (١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٢٥٠٥)، وأبو نعيم فى مستخرجه (٣٤٦٥) من طريق سليمان بن حرب به . (٢) أخرجه أبو عوانة (٤٥١٩)، والبيهقى ٣٢٥/٧ من طريق مسدد به، وأخرجه مسلم (٧/١٤٧١)، والترمذى (١١٧٥)، والنسائى (٣٣٩٩) من طريق حماد به، وأخرجه مسلم (٧/١٤٧١)، وأبو عوانة (٤٥١٨) من طريق أيوب به. ٢٨٢ الموطأ هكذا قال مُسدَّدٌ: عن حمادٍ ، عن أيوبَ ، عن محمدِ بنِ سيرينَ. لم التمهيد يَذْكُرْ سلمةَ بنَ علقمةً . وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال : حدثنا أبو داودَ ، قال: حدثنا القَعنِىُّ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ ، عن محمدٍ ابنِ سِيرينَ، قال: حدَّثنی یونُسُ بنُ بجبيرٍ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ، قال : قلتُ : رجلٌ طلَّقَ امرأته وهى حائضّ؟ فقال: تعرِفُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ؟ قال: قلتُ : نعم. قال: فإِنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ طلَّقَ امرأتَه وهى حائضٌ، فأتَى عمر إلى رسولِ اللهِ وَ له فسأله، فقال: «مُزه فلْيُراجِعْها ، ثم لْيُطلِّقْها فى قُبُلِ عِدَّتِها)). قال: قلتُ: فَيُعتدُّ بها؟ قال: فمَهْ، أرأيتَ إن عجَزَ واستَحمَقَ (١)؟ أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا أبو قلابةَ ، قال : حدثنا بِشْرُ بنُ عمرَ ، قال : حدثنا شعبةُ، عن أنسٍ ابنِ سيرينَ ، عن ابنِ عمرَ قال: طلَّقتُ امرأتى وهى حائضٌ، فأتَى عمرُ النبيَّ مَله، فقال له النبيُّ وَله: ((مُرْه فلْيُراجِعْها، ثم لْيُطلِّفْها إن شاء)). فقال له أنس : أَتَعتدُّ بتلك التطليقةِ ؟ قال : نعم ١. القیس (١) أبو داود (٢١٨٤). وأخرجه البخارى (٥٣٣٣)، والبيهقى ٣٢٥/٧، والمزى فى تهذيبه ٤٩٩/٣٢ من طریق یزید به . (٢) أخرجه أبو عوانة (٤٥٢٣)، والدارقطنى ٥/٤، ٦، والبيهقى ٣٢٦/٧، والخطيب فى = ٢٨٣ الموطأ التمهید وقد سمِع هذا الحديثَ أنسُ بنُّ سيرينَ من ابنِ عمرَ، ولم يسمَعْه منه محمدُ بنُ سِیرینَ . حدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدثنا أحمدُ بنُ خالدٍ ، حدثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، وحدثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن إجازةً ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ إبراهيم بن جامع ، قال : حدثنا علىُّ ابنُ عبدِ العزيزِ ، حدثنا حَجَّائجُ بنُ مِنهالٍ ، قال: حدثنا شعبةُ ، قال : أخبرنى أنسُ بنُ سيرينَ ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: طلَّق ابنُ عمرَ امرأته وهى حائضٌ، فَذَكَر ذلك عمرُ لرسولِ اللهِ وَّله فقال: ((ليُراجِعْها، فإذا طهُرَتْ فَلْيُطلِّقْها)). قال: قلتُ: أَفتحتسِبُ بها؟ قال: فمَةُ(١)! ومعنى قوله هذا: فمَهْ، أرأيتَ إِنْ عجَز واستحمَقَ ؟ أىْ: فَأَىُّ شىءٍ يكونُ إذن لو (٣) لم يُعتَدَّ بها؟ إنكارًا مته لقولٍ يونُسَ(٤): أفتعتدُّ بها؟ فكأنَّه القبس = المدرج ١٥٤/١ من طريق أبى قلابة به، وأخرجه أحمد ٣١٧/٩ (٥٤٣٤)، والبخارى (٥٢٥٢)، ومسلم (١٢/١٤٧١) من طريق شعبة به . وقوله: ((أتعتد بتلك الطلقة؟ قال: نعم)) عند الدارقطنى والخطيب والبيهقى من سؤال عمر للنبى وَير، ولا ذكر للسؤال عند البخارى وأبى عوانة. (١ - ١) سقط من: ق، ن . (٢) أخرجه أبو عوانة (٤٥٢٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ٥٢/٣، والبيهقى ٣٢٦/٧ من طريق حجاج به . (٣) سقط من: ن، م. (٤) فى الأصل، م: ((أنس)). ٢٨٤ الموطأ واللهُ أعلمُ قال: وهل من ذلك بُدٌّ أن يُعْتَدَّ بها؟ أرأيتَ لو عجَز؟ بمعنَى: التمهيد تعاجَز عن فرضٍ آخَرَ من فرائضِ اللهِ فلم يُقِمْه، واستحمَق فلم يأتِ به ، أكان يُعذَرُ فيه؟ ونحوُ هذا مِن القولِ والمعنَى. والدليلُ على أنَّه قد اعتَدَّ بها ورآها لازِمةً له ، لأنَّه كان يُفتِى أن مَن طلَّقَ امرأْتَه ثلاثًا فى الحيضِ لم تَحِلّ له، ولو جاز أن تكونَ الطلقةُ الواحدةُ فى الحيضِ لا يُعتدُّ بها، لكانت الثلاثُ أيضًا لا يُعتَدُّ بها، وهذا ما لا إشكالَ فيه عندَ كلِّ ذى فَهم . أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ وخلفُ بنُ أحمدَ، قالا : حدثنا أحمدُ بنُّ مُطَرِّفٍ ، قال : حدثنا عبيدُ اللهِ بنُ يحيى ، عن أبيه ، عن اللیثِ بنِ سعدٍ ، عن نافعٍ ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ طلَّقَ امرأته وهي حائضّ تطليقةً واحدةً ، فأمَرَه رسولُ اللهِ وَلَّهِ أَن يُراجِعَها، ثم يُمسِكَها حتى تطهُرَ، ثم تحيضَ عندَه حيضةً أُخرى، ثم يُمهِلَها حتى تطهُرَ من حيضتِها، فإذا أراد أن يُطلِّقَها، فلْيُطلِّقْها حينَ تَطُرُ من قبلِ أن يُجامِعَها، فتلك العِدَّةُ التى أمَر اللهُ أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ. قال: وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ إذا سُئِل عن ذلك قال لأحدِهم : إذا أنت طلَّقْتَ امرأتَك وهى حائضٌ، مَرَّةً أو مَرَّتَين(١)، فإنَّ رسولَ اللَّهِ وَلِ أَمَر بهذا، وإنْ كنتَ طلَّقتَها ثلاثًا ، فقد حُمَتْ علیك حتى تَنكِحَ زوجًا غيرَك، وعصَيتَ اللهَ فيما أمَرَك به من طلاقِ امرأتِك(٢). القبس (١) بعده فى ن: ((فراجعها)). (٢) أخرجه أحمد ٢٤٢/١٠ (٦٠٦١)، والبخارى (٥٣٣٢)، ومسلم (١/١٤٧١)، وأبو داود (٢١٨٠) من طريق الليث به . ٢٨٥ الموطأ التمهيد وروَى الشافعىُ(١)، قال: أخبرنا مسلمُ بنُ خالدٍ، عن ابن جريجٍ، أنَّهم أرسَلوا إلى نافع يسألُونَه : هل حُسِبَتْ تطليقةُ ابنِ عمرَ على عهد رسولِ اللهِ وَلِيرٍ؟ فقال: نعم. وحدثنا خلفُ بنُ قاسم ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ المُفَسِّرِ ، حدثنا أحمدُ بنُّ عليّ بنِ سعيدِ القاضى المروَزِىُّ، حدثنا أبو السائبِ ، حدثنا ابنُ إدريسَ ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ ويحيى بن سعيدٍ ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ قال: طَلَّقتُ امرأتى وهى حائضٌ، فأتى عمرُ رسولَ اللهِ وَ لِ فذكَر ذلك له، قال: ((مُرْه فلْيُراجِعْها حتى تَطْهُرَ، ثم تحيضَ، ثم تَطهُرَ، ثم إن شاء طلَّقها قبلَ أن يُجامِعَها، وإن شاء أمسك، فإِنَّها العِدَّةُ التى قال اللهُ عزَّ وجلَّ)). قال عبيدُ اللهِ : فقلتُ لنافعٍ: ما (٢ فعَلتْ تلك٢) التَّطليقةُ ؟ قال: (٣) اعتُدَّ بها(٣). فهذه الآثارُ كلَّها تُوضِّحُ لك ما قُلنا عن ابنِ عمرَ. وفى قولِ رسولِ اللهِ وَّ لعمرَ: ((مُرْهُ فَلْيراجِعها)). دليلٌ على أنَّها طلقةٌ؛ لأَنَّه لا يُؤْمَرُ القبس (١) الشافعى فى مسنده ٦٨/٢ (١٠٨ - شفاء العى)، وفى اختلاف الحديث ص ٢٦١. (٢ - ٢) فى م: ((فعل بتلك)). (٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢٧/٢٣، ٢٨ عن أبى السائب به، وأخرجه النسائى (٣٥٥٨) من طريق ابن إدريس به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢/٥، ومسلم (٢/١٤٧١)، وابن ماجه (٢٠١٩) من طريق ابن إدريس، عن عبيد الله بن عمر - وحده- به، وأخرجه ابن حبان فى الثقات ٣١٨/٦، ٣١٩ من طريق يحيى بن سعيد - وحده- به. وسؤال عبيد الله لنافع عند مسلم وحده . ٢٨٦ الموطأ بالمراجعةِ إِلَّ لمن لزمَته الطلقةُ، ولو لم تلزَمْه لقال: دَعْه فليس هذا بشىءٍ. التمهيد أو نحوَ هذا. وقد رُوِى عن ابنِ عمرَ فى هذا خبرٌ ظاهره على خِلافٍ ما ذكّرنا ، وليسَ كذلك؛ لِما وصَفْنا . أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا أبو داودَ ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ صالح، قال : حدثنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ جريج، قال : أخبرنى أبو الزُّبَيْرِ، أنه سمِع عبد الرحمنِ بنَ أيمنَ مولَى عُزْوَةَ(١) يسألُ ابنَ عمرَ وأبو الزُّبِيرِ يسمعُ، قال: كيف تَرَى فى رجلٍ طلَّق امرأته حائضًا ؟ قال: طلَّق عبدُ اللهِ بنُ عمرَ امرأتَه وهى حائضٌ، على عهدٍ رسولِ اللهِ وََّ، فسأل عمرُ رسولَ اللهِ وَله، فقال: إنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ طلَّق امرأتَه وهى حائض٢ٌ). قال عبدُ اللهِ: فردَّها عَلَىَّ، ولم يرَهَا شيئًا، قال: ((وإذا طهُرتْ فليُطلِّقْ أو ليُمسِكْ)). قال ابنُ(١) عمرَ: وَقَرَأْ النبىُ وَّهِ: (يا أَيُّها النبىُ إذا طَلَّقْتُمُ النساءَ فطَلَّقُوهُنَّ فِى قُبُلِ (٤) عِدَّتِهِنَّ) (٤). القبس (١) كذا فى النسخ ومصادر التخريج، وعند أحمد: ((عبد الرحمن بن أيمن)) فقط، قال مسلم: أخطأ حيث قال: عروة. وإنما هو مولى عزة. صحيح مسلم ٢/ ١٠٩٨، وينظر تهذيب الكمال ٥٣٩/١٦. (٢ - ٢) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج. (٣) فى م: ((أبو)). (٤) أخرجه البيهقى ٣٢٧/٧ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٢١٨٥)، وعبد الرزاق (١٠٩٦٠). وأخرجه أحمد ٣٧٠/٩ (٥٥٢٤) من طريق ابن جريج به . ٢٨٧ الموطأ ٠ روَى أبو عاصم النَّبِيلُ هذا الحديثَ عن ابن جريج ، فلم يقُلْ فيه : ولم (١) يَرَها شيئًا (١). التمهيد قال أبو عمرَ: قولُه فى هذا الحديثِ : ولم يَرَها شيئًا . منكرٌ عن ابنٍ عمرَ؛ لما ذكّرنا عنه أَنَّه اعتدَّ بها ، ولم يقلْه أحدٌ عنه غيرُ أبى الزُّبيرِ. وقد روَاه عنه جماعةٌ جِلَّةٌ، فلم يقلْ ذلك واحدٌ منهم، وأبو الزُّبَيرِ ليس بحُجَّةٍ فيما خالَفه فيه مِثلُه، فكيفَ بخلافٍ مَن هو أثبتُ منه؟ ولو صَعَّ ، لكان معناه عندِى واللهُ أعلمُ: ولم يَرَها على استقامةٍ. أى: ولم يَرَها شيئًا مُستقيمًا؛ لأنَّه لم يكنْ طلاقُه لها على سُنَّةِ اللهِ وسنةِ رسولِه. هذا أولى المعانى بهذه اللفظةِ إِن صَحَّتْ. وكلُّ مَن روَى هذا الخبرَ مِن الحفّاظِ لم يذكروا ذلك، وليس مَن خالَف الجماعةَ الحقَّاظَ بشىءٍ فيما جاء به . وقد احتجّ بعضُ مَن ذهَب إلى أنَّ الطلاقَ فى الحيضِ لا يقعُ، وأَنَّ المُطلِّقَ لا يَعْتَدُّ بتلك التطليقةِ، بما روِى عن الشعبىِّ أنه قال: إذا طلَّقَ الرجلُ امرأتَه وهى حائضٌ، لم يَعتدَّ بها فى قولِ ابنِ عمرَ، عن النبىِّ نَالَه (١). وهذا مِن الشعبىِّ إنَّما معناه لا يَعْتَدُّ بتلك الحيضةِ فى العدَّةِ، ولم يُرِدْ : لا يَعتدُّ بتلك التطليقةِ . وقد روى عنه ذلك مَنصوصًا ، رواه شريكٌ ، القبس (١) أخرجه مسلم (١٤/١٤٧١)، والطحاوى فى شرح المعانى ٥١/٣ من طريق أبى عاصم به، وأخرجه أبو عوانة (٤٥٢٨) من طريق أبى عاصم به، وفيه قوله: ((ولم يره شيئا)). (٢) أخرجه الطيالسى (٢٠٥٦)، وفيه: ((تعتد بالتطليقة ولا تعتد بالحيضة)). ٢٨٨ الموطأ عن جابرٍ، عن عامرٍ ، فى رجلٍ طلَّقَ امرأتَه وهى حائضٌ، قال: يقعُ عليها التمهيد الطلاقُ ، ولا يَعتدُّ بتلكَ الحيضةِ (١). واختلف العلماءُ فى أمرِ رسولِ اللهِ وَهِ المطلِّقَ فى الحيضِ بالمراجَعةِ ؛ فقال قومٌ: عُوقِبَ بذلك لأنَّه تَعدَّى ما أُمِر به، ولم يُطلِقْ للعدَّةِ، فَعُوقِب بإمساكِ مَن لم يُرِدْ إِمساكَه، حتى يُطلِّقَ كما أُمِرِ للعِدَّةِ . وقال آخرون: إنَّما أَمِر بذلك قطعًا للضررِ فى التطويل عليها؛ لأنَّه إذا طلَّقها فى الحيضِ، فقد طلَّقها فى وقتٍ لا تَعتدُّ به من قُرْئِها(٢) الذى تَعتدُّ به، فتطولُ عدَّتُها ، فُهِى عن أن يُطوِّلَ عليها، وأُمِرَ ألَّ يُطلِّقَها إِلَّ عندَ استقبالٍ عِدَّتِها . واختلف الفقهاءُ فى المطلِّقِ زوجته وهي حائضٌ، هل يُجبَرُ على رَجعتِها أم لا ؟ فقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما، والثورىُّ، والأوزاعىُّ ، وابنُ أبي ليلى، وأحمدُ بنُ حنبلٍ ، وأبو ثورٍ ، والطبرىُّ: يُؤْمَرُ برَجعتِها إذا طلَّقها حائِضًا، ولا يُجبَرُ على ذلك . وقال مالكٌ وأصحابُه : يُجبّرُ على مُراجعتِها إذا طلِّقها فى الحيضِ، وفى دَمِ النِّفاسِ. وهو أولَى؛ لما يقتَضِيه الأمرُ من وجوبٍ الائتمارِ ، واستعمالِ المأمورِ ما أُمِر به ، حتى القبس (١) أخرجه ابن أبى شيبة ٦/٥ من طريق جابر به . (٢) فى ن: ((فورها)). ٢٨٩ ( موسوعة شروح الموطأ ١٩/١٥ ) الموطأ التمهيد يُخرِجَه عن حيّزٍ(١) الوجوبِ دليلٌ، ولا دليلَ هُدهنا على ذلك. واللهُ أعلمُ . وقال داودُ بنُ علىّ: كلُّ مَن طلَّقَ امرأته حائضًا أجبر على رَجعتِها ، وإن طلَّقَها نفَساءَ لم يُجبَرْ على رجعتِها . وهذا إذا طلَّقها واحدةً أو اثْنَتَينٍ عندَ جميعهم . a وجملةُ قولِ مالكِ وأصحابِه فى هذه المسألةِ أنَّ الحائضَ والنُّفساءَ لا يجوزُ طلاقُ واحدةٍ منهما حتى تطهُرَ ، فإِن طلَّقها زوجها فى دَمِ حيضٍ أو دَمِ نِفاسٍ طلقةٌ أو طلقَتَيْنٍ، لَزِمه ذلك ، وأُجبِرَ على الرجعَةِ أبدًا ما لم تخرُجْ من عدَّتِها، وسواءٌ أُدرَكَ ذلك فى تلك الحيضةِ التى طلّق فيها ، أو الطهرٍ الذى بعدَه، أو الحيضةِ الثانيةِ، أو الطهرِ بعدَها، إذا كان طلاقُه فى الحيضِ، يُجبَرُ على رجعتِها أبدًا فى ذلك كلِّه ما لم تنقَضِ العدَّةُ. هذا قولُ مالكِ وأصحابِهِ ، إلّا أَشهَبَ بنَ عبدِ العزيزِ فإنه قال: يُجبَّرُ على الرجعةِ ما لم تَطُرُ(١)، فإِذا صارَتْ فى الحالِ التى أباح له النبيُّ وَلِّ طلاقَها لم يُجبَرْ علی رَجعتِها . ولا خلافَ بينَهم ، أعنى مالكًا وأصحابَه، أنَّ المطلِّقَ فى الحيضِ إذا أُجبِر على الرجعةِ، وقُضِى بذلك عليه، ثم شاء طلاقَها ، أنَّه لا يُطلِّقُها فى ذلك الحيضِ ، ولكن يُمهَلُ حتى تَطهُرَ، ثم تحيضَ ثم تَطهُرَ، ثم إن شاءَ القبس (١) فى الأصل: ((حبر))، وفى ن: ((خبر))، وفى م: (( جبر)). (٢) بعده فى ن: ((أو حتى تحيض ثم تطهر))، وفى م: ((وحتى تحيض ثم تطهر)). ٢٩٠ الموطأ حينَئِذٍ طلَّقَ، وإن شاء أمسَكَ، على ما فى الحديثِ، ولا يُطلَّقُها بعدَ التمهيد طُهرِها من ذلك الدَّمِ الذى ارتَجَعها فيه بالقَضاءِ، فإن فَعَل لَزِمَه ، ولا يُؤْمَرُ هلهُنا ولا يُجبِّرُ على الرجعةِ، إِلَّا ما ذكرنا عن أشهبَ أنَّه قال: يُجبَّرُ على الرجعةِ ما لم تخرُجْ إلى الطهرِ الثانى. قال: كيف أجبِرُه على الرجعةِ فى موضع له أن يطلِّقَ فيه ؟ وقال الليثُ بنُ سعدٍ : إذا أجبرتُه على الرجعةِ فطهُرَت من تلك الحيضةِ، لم أمنَعْه من الوطءِ حتى تحيضَ ثم تطهُرَ، فيُطَلِّقَ قبلَ المسیسِ . قال أبو عمرَ: لم يختلفِ العلماءُ كلُّهم أنَّ الرجلَ إذا طَلَّق فى طهرٍ قد . مَسَّ فيه أنَّه لا يُجبّرُ على الرجعةِ، ولا يُؤْمَرُ بها، وإن كان طلاقُه قد وقع على غيرِ سبيلِ السُّنةِ، وطلاقُ السّنةِ هو الطلاقُ الذى أذِنَ اللهُ فيه للعِدَّةِ ، كما قال فى كتابه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وأجمع العلماءُ على أنَّ مَن طَلَّقَ امرأتَه وهى طاهرٌ طهرًا لم يَمسَّها فيه (١) ، طَلْقَةً واحدةً، ثم تَرَكها حتى تنقضِىَ عِدَّتُها، أو راجَعها مُراجَعةً رغبةٍ ، أنَّه مُطَلِّقٌ للسنةِ، وأَنَّه قد طَلَّقَ للعدَّةِ التى أمَر اللهُ بها. واختلفوا فيمَن طَلَّقَ امرأته ثلاثًا مجتَمِعاتٍ فى طهرٍ لم يَمسَّها فيه ، أو أَرْدَفَها فى كلِّ طُهْرٍ مِن الأطهارِ التى يُعتدُّ بها فى عِدَّتِها تَطلِيقَةً بعدَ أن طلَّقها واحدةً فى طهرٍ لم القبس (١) بعده فى م: ((بعد أن طهرت من حيضتها)). ٢٩١ الموطأ التمهيد يمسّها فيه، هل هو بهذَينِ الفعلَين أو بأحَدِهما مُطَلِّقٌ للسنةِ أو لا ؟ فقال مالكٌ وأصحابُه : طلاقُ السنةِ أن يُطَلِّقَ طلقةً فى طهرٍ لم يَمَسَّ فيه، ولو كان فى آخِرٍ ساعةٍ منه، ثم يُشْهِلَها حتى تنقضِىَ عِدَّتُها، وذلك بظُهورِ أوَّلٍ الحيضةِ الثالثةِ فى الحرةِ ، أو الحيضةِ الثانيةِ فى الأمةِ ؛ فَيَتِمُ للحُرَّةِ ثلاثةُ أقْراءٍ، وللأُمَّةِ قُرْءَانِ ، والقُرْءُ الطهرُ المتصِلُ بالدمِ عندَهم ، فإِن طَلَّقَها فى كلِّ طهرٍ تَطلِيقةً، أو طَلَّقها ثلاثًا مُجتمِعاتٍ فى طهرٍ لم يَمَسَّها فيه، فقد لَزِمه، وليس بمُطَلِّقٍ للسُّنَّةِ عندَ مالكٍ وجمهورٍ أصحابِه. وهو قولُ الأوزاعيّ، وأبى عبيدٍ. وقال أَشْهَبُ: لا بأسَ أَن يُطَلِّقَها فى كلِّ طهرٍ تَطْلِيقَةٌ ، ما لم يَرتجِعْها فى خِلالِ ذلك وهو يُرِيدُ أن يُطَلِّقَها ثانيَةً ، فلا يَسَعُه ذلك؛ لأَنَّ يُطَوِّلُ العِدَّةَ عليها، فإذا لم يَرَتجِعْها، فلا بَأْسَ أَن يُطَلِّقَها فى كلِّ طُهْرِ مَرَّةً. وعلى هذا يُخَرَّجُ ما رواه يحيى بنُ يحيى فى ((الموظّأُ))(١) عن مالكِ فى تفسيرِ قِراءةِ ابنِ عُمَرَ: ( يا أيُّها النَّبِىُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فطَلْقُوهُنَّ لقُبُلٍ عِدَّتِهِنَّ). قال يحيى: قال مالكٌ: يُرِيدُ بذلك أن يُطَلِّقَ الرجلُ امرأته فى كلٌّ ◌ُهْرٍ. وهذا التفسيرُ لم يَروِه أحدٌ عن مالكٍ فى ((الموطَُّ)) غيرُ يحيى(٢). واللهُ أعلمُ. قال أبو عمرَ : قولُ مالكِ فى طلاقِ السنةِ إجماعٌ لا اختِلافَ فيه أنَّه القبس (١) الموطأ (١٢٧٤) . (٢) بعده فى ن: ((هذا)). ٢٩٢ الموطأ طلاقُ الشَّةِ الذى أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ به للعِدةِ ، يُوافِقُه على ذلك غيرُه، وهو التمهيد لا يُوافِقُ غيرَه على أقوالِهم فى طلاقِ السُّنَّةِ، ويَعْضُدُ قولَه من جهةِ النَّظَرِ أَنَّ المُطَلِّقَ فى كلِّ طهرٍ تطليقَةً يقَعُ بعضُ طَلاقِهِ بغيرِ عِدَّةٍ كاملةٍ، بل يقعُ طَلَاقُهُ كلُّه بغيرِ عِدَّةٍ كامِلَةٍ؛ لأنَّ كلَّ طلقةٍ إِنَّما تكونُ بإزائِها حيضةٌ واحدةٌ ، وليس شَأْنُ الطلاقِ أن يُعتدَّ منه بحيضةٍ واحدةٍ ، بل الواجبُ أن تكونَ ثلاثةَ قُرُوءٍ لكلِّ طَلقةٍ، وأن تُسْتَقبَلَ العِدَّةُ بالطلاقِ ؛ لقولِه : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ﴾ [التحريم: ١]. أو: ( لقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ). وكلُّ طلاقٍ لا(١) يُوجِبُ العِدَّةَ الكامِلَةَ فهو بخِلافٍ ما أمَر اللهُ به مِن الطلاقِ للعِدَّةِ على ظاهِرِ الخِطابِ ، فإن جُعِلَتِ الثلاثةُ قُرُوءٍ للطلقةِ الأُولَى، كانت الثانيةُ والثالثةُ بغيرِ أقراءٍ تَعتدُّ بها ، ومعلومٌ أَنَّ الطلقةَ الثانيةَ بِقُرْءَينِ ، والطلقةَ الثالثةَ بقُرْءٍ واحدٍ ، وهذا خلافُ حكمِ العِدَّةِ فى المطلَّقاتِ . وقال أحمدُ بنُ حنبل: طلاقُ السنةِ أن يُطَلِّقَها طاهِرًا من غيرِ جِماعٍ واحدةً ، ويَدَعَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها. قال: ولو طَلَّقَها ثلاثًا فى طهرٍ لم يُصِبْها فيه، كان أيضًا مُطَلِّقًا للسنةِ، وكان تارِكًا للاختيارِ. وقال سفيانُ الثورىُّ، وأبو حنيفةً، وسائرُ أهلِ الكوفةِ: مَن أراد أن يُطَلِّقَ امرأتَه ثلاثًا للسنةِ ، طَلَّقَها حين تَظْهُرُ مِن حيضتِها قبلَ أن يُجامِعَها طلقةً واحدةً ، ثم القبس (١) سقط من: م. ٢٩٣ الموطأ التمهيد يَدَعَها حتى تحيضَ ثم تَطهُرَ، فإذا طَهُرَتْ (١ طلَّقَها أُخرَى، ثم يدَعُها حتى تحيضَ ثم تَظْهُرَ، فإذا طَهُرَت١) وطَلَّقَها ثالثةً، حَرُمَتْ عليه حتى تَنكِحَ زوجًا غيرَه . ويَبقَى عليها عندَهم من عِدَّتِها حَيْضَةٌ؛ لأنَّ الأَقْرَاءَ عندَهم الحيضُ، ومَن فَعَلَ هذا عندَهم فهو مُطَلِّقٌ للسُنَّةِ. وقال مالكٌ، والأوزاعى، وأبو عبيد القاسمُ بنُ سَلَّامٍ: ليس هذا بمُطَلِّقٍ للسُّنَّةِ . وليس عندَهم المطَلِّقُ للسنةِ إلَّا مَن طَلَّقَ على الوجه الأوَّلِ الذی حكينا عن مالك وأصحابِه، حاشَا أَشْهَبَ . وقال الشافعىُّ وأصحابُه، وأبو ثورٍ ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وداودُ بنُ علىٍّ: ليس فى عَدَدِ الطلاقِ سُنَّةٌ ولا بِدْعَةٌ، وإنَّما السنةُ فى وقتِ الطلاقِ ، فإذا أراد الرجلُ أن يطلِّقَ امرأتَه للسنَّةِ أَمْهَلها حتى تَحِيضَ ثم تَظْهُرَ ، فإذا طَهُرَتْ طَلَّقَها من قبلِ أن يُجامِعَها كَم شاءَ؛ إن شاءً واحدةً ، وإن شاءَ اثنَتَينٍ ، وإن شاءَ ثَلاثًا ، أَّ ذلك فَعَلَ فهو مُطَلِّقٌ للسُنَّةِ. وأجمع العلماءُ أنَّ طلاقَ السنةِ إنَّما هو فى المدخُولِ بها، وأمَّا غيرُ المدخُولِ بها ، فليس فى طلاقِها سنةٌ ولا بدعةٌ ، وأنَّ أمرَ اللهِ عزَّ وجلَّ ومُرادَ رسولِهِ وَِّ فى الطلاقِ للعِدَّةِ هو طلاقُ المدخولِ بها من النِّساءِ، فأمَّا غيرُ المدخولِ بهنَّ، فلا ◌ِدَّةَ عليهنَّ، ولا سنةً ولا بِدْعَةً فى طلاقِهنَّ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُهُوهُنَّ مِن قَبْلٍ أَن تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٤٩]. القبس (١ - ١) ليس فى: الأصل، م. ٢٩٤ الموطأ ١ ويُطَلِّقُ غيرَ المدخولِ بها زَوْجُها فى كلٌّ وَقْتٍ متى شاء مِن الطلاقِ ، التمهيد واحدةً أو أكثرَ . إِلَّا أنه إن طَلَّقَ عندَ مالكِ وأصحابِهِ غيرَ المدخولِ بها ثلاثًا لَزِمَه، وهو عندَهم عاصٍ فى فعلِه . وقال أشهبُ : لا يُطَلِّقُها وإن كانَت غيرَ مدخول بها حائضًا. وقال ابنُ القاسِم: يُطَلَّقُها متى شاء وإن كانت حائِضًا ، وعليه الناسُ . قال أبو عمرَ: مِن حُجّةٍ مَن قال: إِنَّ الطلاقَ لا يكونُ للسّنةِ فى المدخُولِ بها إِلَّ واحدةً ، ولا تكونُ الثلاثُ المجتمعاتُ للسنةِ على حالٍ من الأحوالِ ، قولُ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ثم قال: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. ومرَّتانٍ لا تكونان إلَّا فى وَقَتَيْنٍ، والثلاثُ فى ثَلاثةٍ أَوْقَاتٍ . ودليلٌ آخرُ، وهو قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ : ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. إلى قولِه: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهُ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. فأىُّ أمرٍ يحدُثُ بعدَ الثلاثِ، والأمرُ إنَّما أُريد به المراجعةُ ؟ ومِن الأثرِ ما قرَأْتُه على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال : حدثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال : أخبرنا محمدُ بنُ المثنَّى ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدثنا شعبةُ ، عن أبى إسحاقَ ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ قال: طلاقُ العِدَّةِ أن يُطلِّقَها وهى طاهرٌ، القبس ٢٩٥ الموطأ التمهيد ثم يدَعَها حتى تنقضِىَ عِدَّتُها، أو يُراجِعَها إن شاء. 1 ومِثلُ هذا لا يُطلِقُه ابنُ مسعودٍ برَأْيِهِ، ويُشبِهُ أن يكونَ توقيفًا مع دلالةٍ القرآنِ عليه بقوله: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. وهى الرجعةُ عندَ أهلِ العلم ، ولا سبيلَ إليها مع الثلاثِ، فبَطَل أن يكونَ وُقُوعُ الثلاثِ للسنةِ . ومن حَجَّةِ الشافعىِّ ومَن قال بقولِه فى أنَّ الثلاثَ إِذا وقَعَت فى طُهْرِ لا جِماعَ فيه ، فهو أيضًا طلاقُ السنةِ ، قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ عندَ ذِ کرِ ما أباحه مِن طلاقِ النساءِ للعِدَّةِ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وقرِىّ: (لقُبْلِ عدَّتِهن). أى: لاستِقِبَالِ عِدَّتِهِنَّ؛ وإذا ◌ُلِّقَت فى طُهْرٍ لم تُمَسَّ فيه ، فهى مُستَقبِلةٌ عِدَّتَها من يومئذٍ، وسواءٌ طُلِّقَت واحدةٌ أو أكثرَ، لا يَمنَعُها إيذاُ أكثرَ مِن واحدةٍ من ذلك. واستَدلَّوا على جَوازٍ وُقُوع أكثرَ مِن واحدةٍ بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. وهذا فيمَن قِيلَ فيهنَّ فى أولِ الشُّورةِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ﴾. ثم قال: ﴿وَلَا نُضَازُوهُنَّ لِنُضَيِّقُواْ عَلَهِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]. وهذا لا يكونُ إلَّ فِىَ المبتُوتاتِ ؛ لأَنَّ غيرَ المبتوتَةِ مَّن عليها الرجعةُ يُنفَقُ عليها حامِلاً وغيرَ حاملٍ، فعُلِم بهذا أنَّ قولَه: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ . راجعٌ إلى بعضٍ ما انتَظَمه الكلامُ ، وهى التى لم يَبلُغْ بطلاقِها ثَلاثًا، كما أنَّ القبس ٢٩٦ الموطأ [البقرة: ٢٢٨]. قد عَمَّ التمهيد قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوَعْ﴾ المُطَلَّقَاتِ ذَواتَ الأقراءِ، وقولَه فى نَسَقِ الآيةِ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَّ﴾ راجعٌ إلى مَن لم يَبلُغْ بطلاقِها الثلاثَ، وفى ذلك إِباحَةُ إيقاع ما شاءَ المُطَلِّقُ مِن الطلاقِ ، وظاهرُ حديثِ ابنِ عمرَ يشهَدُ بهذا؛ لأنَّ النبيَّ وَهِ أَمَرِه أن يُراجِعَ امرأْتَه، ثم يُمهِلَها حتى تطهُرَ، ثم تحيضَ، ثم تطهُرَ، ثم إن شاء طَلَّقَ ، وإن شاء أمسَكَ، ولم يحظُرْ طلاقًا من طلاقٍ ، ولا عَددًا مِن عَددٍ فى الطلاقِ. قالوا: فله أن يُطَلِّقَ كم شاء إذا كانت مَدخُولًا بها، وإن كانت غيرَ مدخُولٍ بها طَلَّقَها كم شاء، ومتى شاءَ، طاهِرًا أو حائضًا؛ لأَنَّه لا عِدَّةَ عليها. وممَّا احتَهُجُوا به أيضًا، أَنَّ العَجْلَانِيَّ طَلَّقَ امرأته بعدَ اللِّعانِ ثلاثًا، فلم يُنكِرْه رسولُ اللهِ وَّهُ(١). وأنَّ رِفاعَةَ بنَ سِمْوالٍ(٢) طَلَّقَ امرأتَه ثلاثًا، فلم يُنكِرْ عليه رسولُ اللَّهِ بِ(٣). وأنَّ رُكانَةَ طَلَّقَ امرأْتَه الْبَّةَ ، فقال له رسولُ اللهِ وَةِ: (( ما أرَدْتَ بها؟))(٤) . فلو أراد ثلاثًا لكانَت ثلاثًا ، ولم يُنكِرْ ذلك عليه رسولُ اللهِ وَلَةِ. وأنَّ فاطمَةَ ابنةَ قيس طَلَّقَها زوجُها ثلاثًا. كذلك ذكَرَه الشعبىُ، عن فاطمةً(٥) . وشعبةٌ(١) وسفيانُ، عن أبى القبس (١) تقدم فى الموطأ (١٢٢٢). (٢) فى م: ((سموأل). (٣) تقدم فى الموطأ (١١٤١). (٤) تقدم تخريجه فى ٤٩٦/١٤ - ٥٠٠. (٥) سيأتى تخريجه ص ٣٦٦، ٣٦٨، ٣٦٩. (٦) سيأتى تخريجه ص ٣٥٩، ٣٦٠. ٢٩٧ الموطأ التمهيد بكرِ بنِ أبى الجهم، عن فاطمةً (١). ) ومنصورٌ، عن مجاهدٍ(٢) ، عن تَمِيم مَوَلَى فاطِمةً، عن فاطمةً(٢)(٤). وأبو الزبيرٍ، عن عبد الحميدِ بنِ(٥) أبى عمرِو(٩) بنِ خَفْصٍ زوجٍ فاطمةً(٢). كلُّهم قالوا : طلَّقها ثلاثًا . وكذلك قال أكثرُ أصحابٍ ابنِ شِهابٍ فى حديثٍ فاطمةً: ثلاثًا. وقال مالكٌ فى حديثه: طَلَّقَها البَّةَ() . قالوا: ففى حديثٍ فاطمةً ابنةٍ قيسٍ أَنَّ زوجَها طَلَّقَها ثلاثًا، ولم يُنكِرْه رسولُ اللهِ وَ له. قالوا: ومِن جهةِ النَّظَرِ، مَن كان له أن يُوقِعَ واحدةٌ، كان له أن يُوقعَ ثلاثًا ، وليس فى عَددِ الطلاقِ سُنَّةٌ ولا بِدعَةٌ، وهو مباح قد أباحَه اللهُ ورسولُهُ وَهِ. قال أبو عمرَ: قد عارضَ أصحابنا احتجاجهم هذا، فقالوا : أمَّا حديثُ العَجْلَانِيٌّ، فلا حُجّةَ فيه؛ لأَنَّه طَلَّقَ فى غيرِ مَوضعٍ طلاقٍ ، القبس (١) أخرجه أحمد ٤٥/ ٣٠٣، ٣٠٥ (٢٧٣٢٠، ٢٧٣٢٢)، ومسلم (٤٧/١٤٨٠ - ٤٩)، والترمذى عقب الحديث (١١٣٥)، والنسائى (٣٤١٨)، وابن ماجه (٢٠٣٥) من طريق سفيان به. (٢ - ٢) ليس فى: الأصل. (٣) سقط من: م. (٤) أخرجه أحمد ٣٠٥/٤٥ (٢٧٣٢١)، والنسائى (٣٤١٩) من طريق منصور به . (٥) فى النسخ: ((عن)). وسيأتى على الصواب ص ٣٥٦، ٣٨٨، وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٤٤٦. (٦) فى م: ((عمر)). (٧) سيأتى تخريجه ص ٣٨٨، ٣٨٩ وفيه أنه طلقها البتة . (٨) سيأتى فى الموطأ (١٢٦٠). ٢٩٨ الموطأ : فاستَغنَى عن الإنكارِ عليه. وأمَّا حديثُ رفاعةَ بنِ سِمْوالٍ (١) ، فقالوا: التمهيد مُمْكِنٌ أن يكونَ طَلَّقَها ثلاثًا مُفتَرِقاتٍ فى أوقاتٍ . وَأَمَّا حديثُ فاطمةَ ابنةٍ قيسٍ، فقد قال فيه أبو سلمةً عنها: بعَثَ إلىَّ زَوْجِى بتطْليقَتى الثالثةِ(٢) . (٣ وأما حديثُ رُكانةً، فقد تكلّموا فيه وضعَّفوه، فلا حجةً فيه" . هذا معنَى ما رَدُّوا به على مَن احْتَجَّ عليهم من الشافعِيِّينَ بما ذكرنا. وممّا احتجُوا به أيضًا أنَّ سفيانَ روَى حديثَ ابنِ مسعودٍ فى طلاقِ السُّنَّةِ ، فلم يقلْ: واحدةً، ولا ثلاثًا . حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال : حدثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام، قال: حدثنا محمدُ بنُ المُثنَّى ، قال : حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: حدثنا أبو إسحاقَ ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ قال: طلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها طاهرًا من غيرِ جِماع. قال أبو عمرَ: روَاه شعبةُ، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى الأُحوصِ، عن ابن مسعودٍ، فقال فيه: أو يُراجِعَها إن شاء(٥). فدَلَّ على أنَّ ذلك القبس (١) فى م: ((سموأل)). (٢) سيأتى تخريجه ص ٣٦٢. (٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م. (٤) أخرجه النسائى (٣٣٩٥)، وابن ماجه (٢٠٢٠) من طريق يحيى به، وأخرجه عبد الرزاق (١٠٩٢٩)، والدار قطنى ٥/٤، والبيهقى ٣٣٢/٧ من طريق سفيان به. (٥) تقدم ص ٢٩٥، ٢٩٦. ٢٩٩ الموطأ التمهيد طلاقٌ يملِكُ فيه الرَّجعةَ(١). فهذا حُكْمُ طلاقِ الحائلِ المدخولِ بها للشنة . قال أبو عمرَ: وأمَّا الحاملُ، فلا خلافَ بينَ العلماءِ أن طلاقَها للشُنةِ القبس (١) بعده فى م: ((وقد ذكرنا حديث شعبة فى هذا الباب. وأما حديث رفاعة بن سموأل فى طلاقه لزوجته البتة، فقد مضى ذكره فى باب المسور بن رفاعة من هذا الكتاب. وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، قال : حدثنا أحمد بن زهير، قال : حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا بن أبى زائدة، عن عامر، قال: حدثتنى فاطمة ابنة قيس أن زوجها طلقها ثلاثا، فأتت النبى وَّيِ فأمرها فاعتدت عند ابن عمها عمرو بن أم كلثوم. وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أبو عبيدة بن أحمد، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال حدثنا محمد بن إدريس الشافعى، قال : أخبرنى عمى محمد ابن على بن شافع، عن عبد الله بن على بن السائب، عن نافع، عن ابن عجير بن عبد يزيد، أن ركانة بن عبد يزيد، طلق امرأته سهيمة المزنية البتة، ثم أتى النبى عليه السلام فقال: إنى طلقت امرأتى سهيمة المزنية البتة، ووالله ما أردت إلا واحدة. فقال النبى عليه السلام: ((آلله ما أردت إلا واحدة؟)) فقال: والله ما أردت إلا واحدة. فردها إليه النبى عليه السلام فطلقها ثانية زمن عمر، والثالثة فى زمن عثمان. قال أبو عمر: اختلف على عبد الله ابن على فى هذا الحديث، وسنذكر حديث عبد الله بن يزيد فى كتابنا هذا إن شاء الله، ونذكر هناك اختلاف العلماء فى البتة بما يجب فى ذلك من القول بعون الله. وقال أبو داود : حديث الشافعى هذا أصح حديث فى هذا الباب - يعنى فى البتة - قال: لأنهم أهل بيته، وهو أعلم بهم ؛ وليس فيما احتجوا من عموم قوله عليه السلام: ((ثم إن شاء طلق بعد، وإن شاء أمسك)) - ما يدل على إباحة طلاق الثلاث ؛ لأنه جائز أن يكون أراد عليه السلام فإن شاء طلق الطلاق الذى أذن الله فيه بقوله: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾. يعنى المراجعة. وبقوله: ﴿الطلاق مرتان﴾. ثم إن طلقها فلا تحل له الثالثة. وهذا معناه فى أوقات متفرقات. والله أعلم». ٣٠٠