النص المفهرس
صفحات 281-300
الموطأ
الاستذكار
اليمينِ مطلقًا فى غيرٍ ما آيةٍ مِن كتابِه . وأما قولُه : وحرَّمَتْهما آيةٌ . فإِنه أراد
عمومَ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَآَبِكُمْ وَرَبَِّبُكُمُ﴾. وقوله: ﴿وَأَنْ
تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأَخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. ولم يَخُصَّ وطئًا بنكاح ولا
مِلْكِ يمينٍ ، فلا يحِلُّ الجمعُ بينَ المرأةِ وابنتِها ، ولا بينَ الأُختَينِ ، بَمِلْكِ
اليمينِ. وقد روِى مِثْلُ قولٍ عثمانَ عن طائفةٍ مِن السلفِ ؛ منهم ابنُ
عباسٍ، ولكنهم اختُلِف عليهم، ولم يلتفِتْ إلى ذلك أحدٌ مِن فقهاءٍ
الأمصارِ بالحجازِ ولا بالعراقِ وما وراءَهما مِن المشرقِ ، ولا بالشامٍ ولا
المغربِ ، إلا مَن شَذَّ عن جماعتهم باتِباعِ الظاهرِ ونَفْئِ القياسِ ، وقد ترَك
مَن تَعمَّد ذلك ظاهرًا مُجتَمعًا عليه . وجماعةُ الفقهاءِ مُتَّفِقون أنه لا يَحِلُّ
الجمعُ بينَ الأختين بمِلْكِ اليمينِ فى الوطءِ، كما لا يَحِلّ ذلك فى النكاح .
وقد أجمع المسلمون على أن معنى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّلْتُكُمْ وَخَلَتُكُمْ وَبَنَاتُ
أَلْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَنُّكُمُ الَّتِىَ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَرَتُكُم مِّنَ
الرَّضَعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]. أن النكاحَ ومِلْكَ اليمينِ فى هؤلاء كلِّهن
سواءٌ، فكذلك يجِبُ أن يكونَ قياسًا ونظرًا الجمعُ بينَ الأختين،
" وأمهاتُ النساء٢ِ) والرَّبائبُ، وكذلك هو عندَ الجمهورِ، وهم الحُجَّةُ
القبس
(١) أخرجه البيهقى ١٦٤/٧ .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((والأمهات)).
٢٨١
الموطأ
الاستذكار المحجوبجُ بها من خالَفها وشدَّ عنها. والحمدُ للهِ .
وأمّا كنايةُ قَبِيصةَ بنِ ذؤيبٍ عن علىٍّ بـ: رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ
(٢)
حَخه . فلِصُحْبتِه عبدَ الملكِ بنَ مروانَ، واستثقالٍ(١) بنى أميَّةً للسماعُ
بذكرِه ، ولا سيما فيما خالَف فيه عثمانَ ، رضوانُ اللهِ عليهما .
وأما قولُ علىٍّ: لو كان الأمرُ إِلىَّ لجعلتُه نَكَالًا. ولم يَقُلْ: لحَدَدْتُه حدَّ
الزانى . فلأن مَن تأوَّل آيةً أو سُنَّةً ، ولم يَطأ عند نفسِه حرامًا ، فليس بزانٍ
بإجماع، وإن كان مُخْطِئًا إلا أن يَدَّعِىَ فى ذلك ما لا يُعذرُ بجهلِه، وقولُ
بعضِ السلفِ فى الجمعِ بينَ الأختين بمِلْكِ اليمينِ: أحلَّتْهما آيةٌ ،
وحرَّمَتْهما آيةٌ . معلومٌ محفوظٌ ، فكيف يُحَدُّ حَدَّ الزانى مَن فعَل ما فيه مِثْلُ
هذا مِن الشُّبْهةِ القويةِ ؟ وباللهِ التوفيقُ .
حدَّثنى خلفُ بنُّ أحمدَ قراءةٌ مِنِّى عليه، أن أحمدَ بنَ مُطَرِّفٍ حدَّثهم ،
قال : حدَّثْنى أيوبُ بنُ سليمانَ ومحمدُ بنُ عمرَ بنِ لُبابةَ ، قالا: حدَّثنا أبو
زيدٍ عبدُ الرحمنِ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنى أبو عبد الرحمنِ المقرئُ ، عن
موسى بنِ أيوبَ الغَافِقِىّ، قال: حدَّثنى عمِّى إياسُ بنُ عامرٍ قال: سألتُ
علىَّ بنَ أبى طالبِ رضِى اللهُ عنه، فقلتُ له: إن لى أختين مما ملّكت
القبس
(١) فى ح، هـ، م: ((اشتغال)).
(٢) فى الأصل: ((لاستماع)).
٢٨٢
الموطأ
الاستذكار
يمينى ؛ أَتَّخَذْتُ إحداهما سُرِّيَّةً، فولَدت لى أولادًا، ثم رَغِبتُ فى
الأخرى ، فما أصنعُ؟ فقال علىِّ: تُعِقُ التى كنتَ تطأُ ، ثم تطأُ الأخرى.
قلتُ : فإن ناسًا يقولون : بل تُزَوِّجُها، ثم تطأ الأخرى . فقال علىّ: أرأيتَ
إِن طلَّقها زوجها أو مات عنها، أليست ترجعُ إليك؟ لأن تُعِقَها أسلمُ لك .
ثم أخَذ علىٍّ بيدى ، فقال لى: إنه يَحْرُمُ عليك مما ملَكت يمينُك ما يَحْرُمُ
عليك فى كتابِ اللهِ مِن الحرائرِ، إلا العددَ - أو قال: الأربعَ - ويَحْزُمُ
عليك مِن الرضاعةِ ما يَحْرُمُ عليك فى كتابِ اللهِ مِن النسبٍ () .
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ رحلةٌ لو لم يُصِبِ الراحلُ(٢) مِن أقصى
المغربِ أو (٢) المشرقِ إلى مكةً غيرَه لَمَا خابت رِحلتُه .
وروَى أحمدُ بنُ حنبلٍ ، قال : حدَّثنى محمدُ بنُ سلمةَ، عن هشامٍ ،
عن ابنٍ سيرينَ، عن ابنٍ مسعودٍ، قال: يَحْرُمُ (٤) مِن الإماءِ ما يَخْرُمُ مِن
الحرائرِ إلا العددَ " . وعن ابنِ سيرينَ والشعبىِّ مثلُ ذلك(٦) .
القبس
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٢٢/٢ عن المصنف. وأخرجه سعيد بن منصور (١٧٣٧) عن أبى
عبد الرحمن المقرئ به مختصرا، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٦٨/٤ من طريق موسى بن أيوب بنحوه .
(٢) فى ح، هـ: ((الرجل))، وفى م: ((الراجل)).
(٣) فى الأصل، م: ((إلى)).
(٤) فى ح، هـ: ((يحل)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٢٣/٢ عن المصنف، وأخرجه الشافعى ٣/٥ من طريق هشام به.
(٦) أثر ابن سيرين أخرجه عبد الرزاق (١٢٧٤٣) .
٢٨٣
الموطأ قال يحيى : قال مالكٌ فى الأمَّةِ تكونُ عندَ الرجلِ فِيُصِيبُها ، ثمَّ يُرِيدُ
أن يُصِیبَ أُختھا : إنها لا تَحِلَّ له حتى يُحِّمَ علیه فَزج أختها بنكاح ، أو
عَتاقةٍ ، أو كتابةٍ ، أو ما أُشبَهَ ذلك، أو يُزوِّجَها عبدَه أو غيرَ عبدِه .
قال مالكٌ فى الأمةِ تكونُ عندَ الرجلِ فيصيبها، ثم يريدُ أن يُصِيبَ
الاستذ کار
أختَها : إنها لا تَحِلَّ له حتى يُحَرِّمَ عليه فرجَ أختِها بنكاح، أو عَتَاقةٍ ، أو
كِتابةٍ ، أو ما أشبه ذلك، أو يزوِّجَها عبدَه أو " غيرَ عبدِه) .
قال أبو عمرَ: أما إذا حرَّم فرجَها ببيع أو عتقٍ ، فلا خلافَ أنه يطأُ
الأُخرى؛ لأن العتقَ لا يتصرّفُ فيه بحالٍ، والبيعَ لا يرجعُ إليه(٢) إلا
بفعلِه، وأما الكتابةُ، فقد تعجِزُ، فترجعُ إليه بغيرِ فعلِه، وكذلك فى
التزويجِ ترجعُ إليه بفعلٍ غيرِهِ، وهو الطلاقُ، لا بفعلِه. وقولُ مالكِ
حسنٌ؛ لأنه تحريمٌ صحيحٌ فى الحالِ، ولا تلزَمُ مراعاةُ المَآلِ ، وحَسْبُه
إذا حرَّم فرجَها عليه ببيعٍ، أو بتزويج؛ لأنه بالتزويج قدِ ملَك فرجَها
غيرُه، وحَرُمت عليه فى الحالِ . وأما قولُ الثورىِّ والكوفيّين فى ذلك ؛
فقال الثورىُّ: إن وطِئ إحدى أمَتَيه لم يطأ الأخرى، فإن باع
الأولى أو زَوَّجَها، ("ثم رجعت إليه٢)، أمسك عن الأخرى. وهو قولُ
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ: ((عبد غيره)).
(٢) فى ح، هـ: ( فيه)).
(٣ - ٣) ليس في : الأصل.
٢٨٤
الموطأ
الاستذكار
أبى حنيفةً. وقال أبو حنيفةً وأصحابهُ: يجوزُ أن يتزوجَ أُختَ أُمّ ولدِهِ،
ولا يطأُ التى يتزوجُ حتى يُحرِّمَ فرِجَ أمّ ولدِهِ، ويملِكَه غيرُه، فإن
زوَّجها، ثم عادَت إليه بقُرْقةِ زوجِها لها، وطِئ الزوجةَ ما دامت أختُها
فى العِدَّةِ، فأمَّا بعدَ انقضاءِ العِدَّةِ فلا يطأ امرأته حتى يملِكَ فرجَ أمّ
الولدِ غیرُه .
وقال مالكٌ: مَن كانت عندَه جاريةٌ يَطَؤُها ، فاشترى أختَها ، فله أن
يُقِيمَ على وطءِ الأُولى، ولا يطأَّ الثانيةَ حتى يُحَرِّمَ الأولى، وكذلك لو ملَك
الأختين معًا وطِئ إحداهما، ثم لم يطأ الأخرى حتى يُحَرِّمَ فَرجَ التى كان
بطأُ .
وقال مالكٌ : إن تزوَّج أختَ أمّ ولدِه لم يُعجِثنى ، ولم أُفْرِّقْ بينَهما ،
ولكنه لا يطأ واحدةٌ منهما حتى يُحرِّمَ أيتَهما شاء .
قال مالكٌ: لو كانت له أمةٌ يطؤُها فباعها ، ثم تزوَّج أختَها ، فلم يدخلْ
بها حتى اشترى أختَها التى كان يطؤُها (١) ، فإن له أن يطأَ امرأتَه؛ لأن هذا
مِلْكٌ ثانٍ .
قال أبو عمرَ : لا يطؤُها فى قولِ الكوفيّين . وهو معنى ما روى عن علىِّ
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((فباعها)) .
٢٨٥
الموطأ
الاستذكار رضِى اللهُ عنه؛ لأن المِلْكَ الذى منَع وطءَ الزوجةِ فى الابتداءِ موجودٌ ، فلا
فرقَ بينَ عودتِها إليه وبينَ بقائِها بَدءًا فى مِلْكِه .
قال مالكٌ: إذا زَوَّجِ أُمَّ ولدِهِ، ثم اشترى أُختَها، فإنَّ له أن يطأَها، فإن
رجعت إليه أمُّ ولدِه، فله أن يطأ الأمةَ التى عندَه، ويُمسِكَ عن(١) أمِّ ولدِه.
وقال الأوزاعىُّ : إذا وطِئ جاريةً له بمِلْكِ اليمينِ، لم يجزْ له أن يتزوجَ
أُختَها . وقال الشافعىُّ : مِلْكُ اليمينِ لا يمنعُ نكاحَ الأُختِ .
قال أبو عمرَ: لم يَخْتَلِفوا فيمَن كانت عندَه أمةٌ له يطؤُها بمِلْكِ
يمينه أن له أن يشترِىَ أختَها، (٢ولا يطؤُها٢) حتى يُحرِّمَ التى كان
يطأُ. واختلفوا فى عَقْدِ النكاح على أختِ الجاريةِ التى يطأُ بِمِلْكِ
يمينِه ؛ فمَن جعَل عقدَ النكاح كالشراءِ أجازه، ومَن جعله كالوطءِ لم
يُجِزْه. وقد أجمعوا أنه لا يجوزُ العقدُ على أختِ الزوجةِ ؛ لقولِه
تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. يعنى الزوجتَين بعقدٍ
النكاح، فقِفْ على ما أجمَعوا عليه وما اختلفوا فيه مِن هذا البابِ بَيِنْ
لك الصوابُ إن شاء اللهُ .
القبس
(١) ليس فى: الأصل.
(٢ - ٢) فى م: ((فيطأها)).
٢٨٦
٠
الموطأ
النهىُ عن أن يُصيبَ الرجلُ أمَّةً كانت لأبيه
١١٦١ - مالكٌ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ الخطابِ وَهَب لابنه جاريةٌ ،
فقال : لا تَمَسَّها ، فإنى قد كشَفتُها .
١١٦٢ - مالكٌ، عن عبد الرحمنِ بنِ المُجَبَّرِ ، أنه قال: وهَب
سالمُ بنُ عبدِ اللهِ لابنِه جاريةٌ ، فقال: لا تَقرَبْها ، فإنى قد أردتُها ، فلم
أنشَطْ إليها .
١١٦٣ - مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، أن أبا نَهْشَلِ بنَ الأسودِ قال
الاستذكار
بابُ النهى عن أن يصيبَ الرجلُ أمَةً كانت لأبيه
مالكٌ، أنه بلَغه أن عمرَ بنَ الخطابِ وهَب لابنِهِ جاريةً ، فقال : لا
تَمَسَّها ، فإنى قد كشفتُها(١).
مالكٌ، عن عبد الرحمنِ بنِ المُجَبَّرِ ، أنه قال: وهَب سالمُ بنُ عبدِ اللهِ
لابنِه جاريةً ، فقال: لا تَقْرَبْها، فإنى قد أرَدتُها فلم أَنْشَطْ(٢) إليها (٣).
وعن يحيى بن سعيدٍ ، عن القاسم بنِ محمدٍ أنه نهى أبا نَهْشَلِ بنَ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/١٢ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٥٢٣). وأخرجه
البيهقى ١٦٢/٧ من طريق مالك به .
(٢) فى ح، هـ: ((أنبسط)).
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/١٢ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٥٢٤). وأخرجه
البيهقى ١٦٢/٧ من طريق مالك به .
٢٨٧
الموطأ للقاسم بنِ محمدٍ : إنى رأيتُ جاريةً لى مُنكَشِفًا عنها وهى فى القمرِ ،
فجلَستُ منها مجلسَ الرجلِ من امرأته ، فقالت: إنى حائضٌ . فقمتُ
عنها فلم أقرَبْها بعدُ ، أَفَأْهَبُها لابنى يطؤُها؟ فنهاه القاسمُ عن ذلك.
١١٦٤ - مالكٌ، عن إبراهيمَ بنِ أبِى عَبلَةً ، عن عبدِ الملكِ بنِ
مروانَ ، أنه وهَب لصاحبٍ له جاريةٌ ، ثمَّ سأله عنها، فقال: قد هَمَمْتُ
أَنْ أَهَبَها لابنى فَيَفْعَلَ بها كذا وكذا . فقال عبدُ الملكِ: لَمِزْوانُ كان
أَوْرَعَ منكَ ؛ وهَب لابنِه جاريةٌ ، ثمّ قال : لا تَقْرَبْها ، فإنى قد رأيتُ
ساقَها مُنكشفةً .
الاستذكار الأسودِ عن مثلٍ ذلك(١).
وعن إبراهيمَ بنِ أبى عبلةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ مروانً مثلَه ومعناه(٢) .
قال أبو عمرَ : أعلى ما فى هذا المعنى ما أخبرنا به أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ
محمدِ بنِ ("عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنی٣) محمدُ بنُّ عثمانَ بنِ ثابتٍ ، قال :
حدَّثنى إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى علىُّ بنُ المدينيّ ، قال :
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/١٢ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٥٢٣ مكرر).
وأخرجه البيهقى ١٦٢/٧ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٥٢٥).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((عبد الله بن عبد المؤمن قال حدثنى عبد المؤمن بن))، وفى ثم : ((عبد المؤمن،
قال : حدثنى عبد المؤمن بن)).
٢٨٨
الموطأ
حدَّثنى ابنُ عيينةً، قال: حدَّثنى يزيدُ بنُ يزيدَ (١) بن جابرٍ، عن مكحولٍ ، أن الاستذكار
عمرَ جرَّد جاريةٌ فنظَر إليها ، ثم نهَى بعضَ ولدِه أن يقربَها(١).
وذكر عبدُ الرزاقِ (٣) ، عن ابنٍ عيينةً، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن القاسمِ
ابنِ محمدٍ ، عن عبدِ اللهِ وعبدِ الرحمنِ ابنَى عامٍ بنِ ربيعةً، أن عامرَ بنَ
ربيعةً - وكان بَدْرِيًّا - نَهاهما عن جاريةٍ له أن يقرَباها . قالا: وما علِمناه
كان منه إليها شىءٌ ، إلا أن يكونَ اطّلع منها مُطَّلَعًا كرِه أن يطَّلِعَه أحدُهما.
وعن الثورىِّ ، عن ابنِ أبى ليلى، عن الحكم ، أن مسروقًا قال فى جاريةٍ
له : إنى لم أُصِبْ منها إلا ما حرَّمَها على ولدى مِن اللَّمْسِ والنظرِ(٤).
وعن الثورىِّ (°ومعمرٍْ، عن عاصم بنِ سليمانَ، عن الشعبىِّ، عن
مسروقٍ ، أنه قال لبنيه فى أمَةٍ له : قد نظرتُ منها منظرًا، وقعدتُ منها
مقعدًا، لا أُحبُّ أن تقعُدوا مَفْعَدى، ولا تنظُرُوا منظَرِى(٦).
وعن مجاهدٍ ، وإبراهيمَ، والقاسم: التحريمُ باللّمْسِ، والقُبَلِ ، ووضع
القبس
(١) فى ح، هـ: ((زياد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٧٣/٣٢.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٤٠) عن ابن عيينة به .
(٣) عبد الرزاق (١٠٨٤١).
(٤) عبد الرزاق (١٠٨٤٤).
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((عن معمر))، وفى ح، هـ: ((ومعتمر)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٦) عبد الرزاق (١٠٨٤٢، ١٠٨٤٣).
٢٨٩
( موسوعة شروح الموطأ ١٩/١٤)
الموطأ
الاستذكار اليدِ على الفرجِ، والنظرِ إليه(١).
وعن معمرٍ، عن قتادةَ والحسنِ قالا: لا يُحرِّمُها إلا الوطءُ(١).
قال أبو عمرَ : قد اختُلفٍ عن قتادةً فى ذلك ، ولم يُختلَفْ عن الحسنِ
فيما علِمتُ . واللهُ أعلمُ .
ذكَر ابنُ أبى شيبةً(٣) ، قال: حدَّثْنى محمدُ بنُ يزيدَ ، عن أبى العلاءِ،
عن(٤) قتادةَ وأبى هاشم، قالا فى الرجلِ يُقَبِّلُ أَمَّ امرأتِه أو ابنتها: حَرُمَت
عليه امرأته .
قال(١): وحدَّثنى عبدُ الأعلى، عن هشام، عن الحسنِ فى الرجلِ يُقَبِّلُ
المرأةَ أو يلمِشُها ، أو يأتيها فى غيرٍ فَوْجِها: إن شاء تزوَّجها، وتزوَّج أمَّها إن
شاء، وإن شاء ابنتَها .
واتَّفَق مالكٌ ، والثورىُّ، وأبو حنيفةَ ، والأوزاعيُ، والليثُ ، أن اللَّمْسَ
لشهوةٍ يُحَرِّمُ الأمَّ والابنةَ، ويُحَرِّمُها على الأبِ والابنِ. وهذا أحدُ قولَي
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٠٨٤٥، ١٠٨٥٠)، والمحلى ١٥٣/١١.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٤٦) عن معمر به .
(٣) ابن أبى شيبة ٢٦٢/٦ (طبعة الرشد).
(٤) فى م: (( و)).
(٥ - ٥) فى ح، هـ: ((امرأته)).
(٦) ابن أبى شيبة ٣٣٤/٤، ولفظه: إن شاء تزوجها، وإن شاء تزوج ابنتها، وإن كانت الأم تزوج
البنت إن شاء .
٢٩٠
الموطأ
الشافعيّ، وهو الأكثرُ عنه. وله قولٌ آخرُ، أنه لا يُحرِّمُها إلا الوطء. وبه قال الاستذكار
داودُ ، واختاره المُزَنىُّ مِن قولَي الشافعىِّ. واختلفوا فى النظرِ ؛ فقال مالكٌ :
إذا نظَر إلى شَعرِ جاريته، أو صدرِها، أو ساقِها، أو شىءٍ مِن محاسنِها
تَلَذُّذًا، حَرُمَت عليه (١ بنتُها و١) أمّها. وقال ابنُ أبى ليلى " والشافعىُ): لا
تحرُمُ بالنظرِ حتى يَلْمِسَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا نظَر فى الفرج
بشهوةٍ كان بمنزلةِ اللَّمْسِ بشهوةٍ. وقال الثورىُّ: إذا نظَر إلى فرجِها
متعمدًا (١، أو لمسها). ولم يذكُرِ الشهوةَ.
قال أبو عمرَ : حَرَّم اللهُ عزَّ وجلّ على الآباءِ حلائلَ أبنائِهم، وحرَّم
على الأبناءِ ما نكَح آباؤهم مِن النِّساءِ، وحرَّم أمهاتِ النساءِ والربائبَ
المدخولَ بأمهاتِهنَّ. وأجمعوا أن ذلك كلَّ أُريد به الوطءُ مع (٣) العقدِ
فى الزوجاتِ، واختلفوا فى العقدِ دونَ الوطءِ، وفى الوطءِ دونَ
العقدِ ، على ما قد ذكرناه، والحمدُ للهِ . ومِلْكُ اليمينِ فى ذلك كلِّه
تَبَّ للنكاحِ. وجاء عن جمهورِ السلفِ أنهم كرِهوا مِن اللَّمْسِ والقُبَلِ
والكشفِ ونحوِ ذلك، ما كرِهوا مِن الوطءِ؛ وَرَعًا ودِينًا، ومن اتَّقَى
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل .
(٣) فى ح، هـ: ((دون)).
٢٩١
الموطأ
النهى عن نكاحٍ إماءِ أهلِ الكتابِ
١١٦٥ - قال يحيى: قال مالكٌ: لا يَحِلُّ نكاح أمَةٍ يهودیةٍ ولا
نصرانيةٍ؛ لأن الله تبارك وتعالَى يقولُ فى كتابِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ
الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ أُلْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. فهنَّ
الحرائرُ من اليهودياتِ والنصرانياتِ، وقال اللهُ تبارَك وتعالَى: ﴿وَمَن لَّمْ
يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ
أَيْمَنُكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [النساء: ٢٥]. فهنَّ الإِماءُ المؤمناتُ.
الاستذكار الشُّبُهاتِ فقد استبرَأ لدينه، ومَن رَعى حولَ الحِمى لم يُؤْمَنْ عليه أن
یرتع فيه .
بابُ النهي عن نكاحٍ إماءِ أهلِ الكتابِ
قال مالكٌ : لا يَحِلُّ نكاح أمَةٍ يهوديةٍ ولا نصرانيةٍ ؛ لأن الله تعالى يقولُ
القبس
نكاح الأمةِ الكتابية
اختلف العلماءُ فيها ؛ فصار أهلُ الكوفةِ إلى أن نكاحَها جائزٌ، منهم أبو
حنيفةً ، وقال أهلُ الحجازِ والمدينةِ : لا يجوزُ ذلك. منهم الشافعىُّ، واتَّفَقوا على
أنه يجوزُ وَطْؤُها بمِلْكِ اليمينِ. قال المخالفُ: وكلُّ مَحِلِّ حَلَّ وطؤُه بمِلْكِ اليمينِ
خَلَّ وطؤُه بالنكاح. وهذا لا غُبارَ عليه، غير أن مالكًا والشافعىَّ عَوَّلا على قولِه
تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ
٢٩٢
قال مالكٌ: فإنما أحَلِّ اللهُ - فيما نرَى - نكاحَ الإِماءِ المؤمناتِ ، الموطأ
ولم يُحِلّ نكاحَ إماءِ أهل الكتابِ ؛ الأمَةِ اليهودية والنصرانيةِ .
قال مالكٌ : والأَمَةُ اليهوديةُ والنصرانيةُ تَحِلٌّ لسيِّدِها بمِلكِ اليمينِ .
قال مالكٌ : ولا يَحِلُّ وَطْءُ أمَةٍ مجوسيةٍ بِمِلكِ اليمينِ .
الاستذكار
فى كتابِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِنَبَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾. فهن الحرائرُ مِن اليهودياتِ والنصرانياتِ ، وقال تبارك وتعالى:
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا
مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِن فَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾. فهن الإماءُ المؤمناتُ .
قال مالكٌ : فإِنما أحلَّ اللهُ تعالى - فيما نرى - نكاح الإماءِ المؤمناتِ ،
ولم يُحِلَّ نكاحَ إِماءِ أهلِ الكتابِ ؛ اليهودياتِ والنصرانياتِ .
قال مالك: والأمةُ اليهوديةُ والنصرانيةُ تَحِلُّ لسيدِها بمِلْكِ اليمينِ .
قال مالكٌ: ولا يَحِلُ وطءُ أمةٍ (١) مجوسيةٍ بِمِلْكِ اليمينِ(٦).
القبس
فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم) الآية . فاحتجَّ مالكٌ بتخصيصِ اللهِ تعالى فى الإذنِ فى
النكاحِ الفتياتِ المؤمناتِ دونَ مُطْلَقِ النساءِ، وهذا نصِّ منه على التعلُّقِ
بالتَّخْصيصِ والقولِ بدليلِ الخطابِ ، ولم يَخْتِلِفْ قَطُ فى ذلك قولُه، وإنما يُتْرَكُ
دليلُ الخطابِ إِذا عارَضه ما هو أقوى منه ، وقد قال مالكٌ : إذا عارض العمومُ لدليلِ
(١) بعده فى الأصل: ((مع)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٦/١٢و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٥٢٦ - ١٥٢٨).
٢٩٣
الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : قد أوضح مالكٌ مذهبَه فى هذا البابِ (١) بما احتجّ به مِن
نصوصِ الكتابِ، وعلى ما ذهَب إليه مِن ذلك جمهورُ أهلِ العلم . وقد
ذكرنا أنه تفسير ابنِ عباسٍ مِن روايةٍ علىٍّ بنِ أبی (١١ طلحةً وغيرِه عنه ؛ قال
ابنُ عباسٍ: مَن لم يكنْ له سَعَةٌ أن ينكحَ الحرائرَ، فَلْينكِحْ مِن إماءِ
(٣)
المؤمنین
وكذلك قال ابنُ أبي نجيح، عن مجاهدٍ: مَن لم يستطع أن ينكح
المرأةَ المؤمنةَ ، فلْينكح الأُمةَ المؤمنةَ(٤) . وقال: لا ينبغى للحرِّ المسلم أن
ينكحّ المملوكةَ مِن إماءِ أهلِ الكتابِ؛ لأن الله تعالى يقولُ: ﴿مِّن
فَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾(٥).
وقال يزيدُ بنُ زُريع ، عن يونسَ، عن الحسنِ: إنما رَخَّص اللهُ فى الأمةِ
القبس الخطاب ، قُدِّم العمومُ عليه . لأن العمومَ يتناولُ المسألةَ بلفظه، ودليلَ الخطاب
يتناولُها بمعناه، واللفظُ يُقَدَّمُ على المعنى، وقد بيَنَّا ذلك فى أصولِ الفقهِ . وقال
(١) فى الأصل، م: ((الكتاب)).
(٢) ليس فى: الأصل، ح، هـ.
(٣) تقدم تخرجه ص ٢٦٣، ٢٦٤ .
(٤) تفسير مجاهد ص ٢٧٢، وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ٦/ ٥٩٦، والبيهقى ١٧٤/٧ من طريق
ابن أُبی نجیح به .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٣١٠٦)، وسعيد بن منصور فى سننه (٦١٩ - تفسير) وابن أبى شيبة
٤/ ١٦٠، وابن جرير فى تفسيره ٥٩٩/٦، والبيهقى ١٧٧/٧ من طريق ابن أبى نجيح به .
٢٩٤
الموطأ
الاستذكار
المؤمنةِ لمَن لم يَجِدْ طَوْلًا(١).
وهو قولُ ابنِ شهابٍ الزهرىِّ، ومكحولٍ، وسفيان الثورىِّ،
والأوزاعيِّ، ومالك، والليثِ، وأحمدَ ، وإسحاقَ، إلا أن الثورىَّ قال : لا
أكرهُ الأَمةَ الكتابيَّةَ ولا أَحرِّمُه. وأما مالكٌ، والشافعىُ، والليثُ،
والأوزاعىُ، فقالوا: لا يجوزُ لحرّ ولا لعبدٍ مسلم نكاح أمةٍ كتابيةٍ. وقال
أبو حنيفةً وأصحابُه: لا بأسَ بنكاح إماءِ أهلِ الكتابِ ؛ لأن الله تعالى قد
أحلَّ الحرائرَ منهن ، والإِماءُ تَبَعْ لهن. ورُوِى عن أبى يوسفَ أنه قال :
أكرهُ نكاحَ الأمةِ الكتابيَّةِ إذا كان مولاها كافرًا، والنكاح جائزٌ. وقال
محمدُ بنُ الحسنِ : يجوزُ نكاحُها للعبدِ .
قال أبو عمرَ : لا أعلمُ لهم سلفًا فى قولهم هذا ، إلا أبا ميسرةً عمرو بنَ
شُرَخبيلٍ (٢)؛ فإنه قال: إماءُ أهلِ الكتابِ بمنزلةِ الحرائرِ منهن(١). ولهم فى
ابنُ عمرَ: لا يجوزُ نكاحُ الحُرَّةِ الكتابيةِ ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ القبس
اُلْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] . فأىُّ شركٍ أعظمُ مِن أن يقال : إن عيسى ولدُ
اللهِ(٤)! فرأى أنها داخِلةٌ فى عمومِ هذه الآيةِ، والتَّخْصيصُ أولَى فى قولِه:
(١) أخرجه ابن المنذر فى تفسيره عقب الحديث (١٦١٠) من طريق يزيد بن زريع به .
(٢) عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة الهمدانى الكوفى، حدَّث عن عمر وعلى وابن مسعود وغيرهم،
وحدث عنه أبو وائل والشعبى وغيرهم، وكان من العبّاد الأولياء ، عن شقيق قال : ما رأيت همدانيا
قط أحب إلىّ أن أكون فى مسلاحه من عمرو بن شرحبيل رحمه الله . مات فى ولاية عبيد الله بن
زياد. تهذيب الكمال ٦٠/٢٢ - ٦٣، وسير أعلام النبلاء ١٣٥/٤، ١٣٦.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ١٦٠.
(٤) سيأتى تخريجه ص ٣٠٠، ٣٠١.
٢٩٥
٠
الموطأ
الاستذكار ذلك احتجاجاتٌ مِن المُقايساتِ، عليهم مِثْلُها سوى ظاهرِ النصِ . وبالله التوفيقُ.
وأما قولُه : الأمةُ اليهوديةُ والنصرانيةُ تحِلُّ لسيدِها بمِلْكِ اليمينِ .
فعلى هذا جمهورُ أهلِ العلمِ على عمومٍ قولِه تعالى: ﴿فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ
أَيْمَنُكُمْ﴾ . وجاء عن الحسنِ البصرىِّ أنه كرِه وطءَ الأمةِ اليهوديةِ والنصرانيةِ
بِمِلْكِ ليمينٍ(١) . وهذا شذوذٌ عن الجماعةِ التى هى الحُجَّةُ على مَن خالَفها .
وأما قولُه : ولا يحِلُّ وطءُ أمةٍ مجوسيةٍ بِمِلْكِ اليمينِ .
فهذا أيضًا قولُ جمهورٍ أهلِ العلم ، ولم يختلِفْ فيه فقهاءُ الأمصارِ مِن
أهل الرأي والآثارِ . ورُوِى عن مجاهدٍ وطاوسٍ(٢) فى ذلك رخصةٌ . وهو
قولُ شاذٌّ مهجورٌ .
وقد روی و کیٹ وغیژه ، عن الثورىِّ ، عن قیسٍ بن مسلم ، عن الحسنِ
ابنِ محمدِ بنِ علىٍّ قال: كتَب رسولُ اللهِ وَ لَه إلى مجوسٍ هَجَرَ يَعْرِضُ
عليهم الإِسلامَ ، فمَن أسلَم قُبِل منه، ومَن أَتَى ضُرِبت عليه الجزيةُ ، على ألَّ
تُؤكلَ لهم ذبيحةٌ ، ولا تُنكحَ لهم امرأةٌ(٣) .
القبس
﴿وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبَلِكُمْ﴾. وأن الآيتين لو كانتا عامَّتَين لكان
لابنِ عمرَ أن يُرجِّعَ التحريمَ بتعارُضِ العامَّين وتَوازُنِهما، فأمّا إذا اجتمَع العام
(١) ينظر المحلى ١٥/١١.
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٤ / ١٧٨، ١٧٩.
(٣) تقدم تخريجه فى ٨/ ٥٣١.
٢٩٦
الموطأ
الاستذكار
وروَی سفيانُ الثوریُّ، عن حمادٍ قال: سألتُ سعيد بن جبيرٍ عن نکاحِ
اليهودية والنصرانيةِ ، فقال : لا بأسَ به . فقلتُ: فإن الله تعالى يقولُ: ﴿وَلَا
تَنْكِيعُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ ﴾ [البقرة: ٢٢١]. قال: أُهلُ الأوثانِ والمجوسُ(١) .
وذكَر سُنَيدٌ ، قال: حدَّثنى جريرٌ، عن موسى بن أبى عائشةً قال :
سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ ومُرَّةَ الهَمْدانىَّ فقلتُ : أناسٌ يَشْتَرون المجوسيَّاتِ ،
فيقعُ أحدُهم عليها قبلَ أن تُسْلِمَ . فقال مُؤَّةُ: ما يَصْلُحُ هذا . وقال سعيدٌ : ما
هم بخيرٍ منهن إذا فعلوا ذلك. فكان سعيدٌ أشدَّهما قولًاً(٢).
قال: وحدَّثنى جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ ، عن إبراهيمَ قال: إذا
سُبِيتٍ اليهوديَّاتُ والنصرانيَّاتُ أَجْبِرنَ على الإِسلام، فإن أَسْلَمْنَ أو لم
يُسْلِمِنَ وُطِئْنَ واستُخْدِمنَ، وإذا سُبِيتِ المجوسيَّاتُ وعبدةُ الأوثانِ
يُجْبَرْنَ على الإسلام، فإن أسلَمن وُطِئْنَ واستُخْدِمنَ، وإن لم يُسلِمِنَ
استُخْدِمنَ ولم يُوطَأْنَ(٣)
والخاصُّ فإن الخاصَّ يُقَدَّمُ إجماعًا مِن الأمةِ. وهلهنا غريبةٌ، وهى أن علماءَنا القبس
رحمةُ اللهِ عليهم كرِهوا نكاحَ الحرائرِ الكتابياتِ ، ونصَّ عليه مالكٌ فى غيرِ ما
(١) أخرجه المروزى فى السنة (٣٣١) من طريق سفيان به .
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٢٠٤٣، ٢٨١٧)، وابن أبى شيبة ٢٤٥/١٢ عن جرير به.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (٢٠٤٤، ٢٨١٦)، وابن أبى شيبة ٤/ ١٧٨، ١٧٩، ٢٤٧/١٢ عن
جرير به .
٢٩٧
الموطأ
٠٠
وقال هشيم، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ قال: إذا سُبِيت المجوسيةٌ
الاستذ کار
والوثنيَّةُ ، فلا تُوطأُ حتى تُسْلِمَ ، وإِن أَبَيْنَ أُكرِمن .
وقال الأوزاعىُّ : سألتُ الزهرىَّ عن الرجلِ يشترِى المجوسيةَ أَيَطَؤُّها؟
فقال: إذا شهِدتْ أن لا إله إلا اللهُ وطِئها (١).
وروَى شريكٌ ، عن سماكِ بنِ حربٍ ، عن أبى سلمةَ بنِ(٢) عبد الرحمنِ
قال: لا يَطَؤُّها حتى تُشْلِمَ(٣) .
(٤) وقال الليثُ، عن يونسَ، عن ابن شهابٍ قال: لا يَحِلَّ له أن يطأَها
حتی تُشْلِمَ ).
قال أبو عمرَ : قد أجمعوا أنه لا يجوزُ لمسلم نكاح مجوسيةٍ ولا وثنيةٍ ،
القبس موضع مِن كتبٍ أصحابِه؛ لأن ولدَه مُعَرَّضّ لشُوْبِ الخمرِ وأكلِ الخنزيرِ ، وعَرَقُها
مِن الأغذيةِ المُحَرَّمةِ يَتَصِلُ به(١) عندَ مُضاجعتِها، وهذا يلزَمُه فى اتخاذِها
أمَّةٌ ("فَرْطُ أَذْى) لا يتأتَّى عنه انفصالٌ، ولم تَزَلِ الصحابةُ والتابعون يَتَسْرَّون
الكوافرَ، ويَنْكِحون، وقد أذِن (١) اللهُ تعالى بالتحليلِ فى كتابِهِ، وخاطَب بذلك
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٨/٤ من طريق الأوزاعى به .
(٢) بعده فى الأصل، م: ((أبى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧١/٣٣.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٧٦/٦، ٢٧٠/١١ (طبعة الرشد) من طريق شريك به .
(٤ - ٤) سقط من: ح ، هـ .
(٥) فى الأصل، م: ((بن)). وينظر تفسير القرطبى ٣/ ٧١، وتهذيب الكمال ٥٥١/٣٢.
(٦) فى د: ((بها)).
(٧ - ٧) فى د: ((قرط أذن)).
(٨) فى ج: ((نادى)).
٢٩٨
الموطأ
الاستذ کار
ولا خلافَ بينَ العلماءِ فى ذلك. وإذا كان حرامًا بإجماع نكاحُها ،
فكذلك وطؤُها بمِلْكِ اليمينِ قياسًا ونظرًا. فإن قيل: إنكم تُجِيزون وطءَ
الأمةِ الكتابيَّةِ بِمِلْكِ اليمينِ ، ولا تُجِيزون نكاحها؟ قيل: إن الله تعالى نصَّ
على الفتياتِ المؤمناتِ عندَ عدم الطّوْلِ إلى المحصناتِ ، فلم نَعْدُ قولَ
اللهِ تعالى .
وقولُ ابنِ شهابٍ - وهو أعلمُ الناسِ بالمغازى والسِّيَّرِ - دليلٌ على
فسادٍ قولٍ مَن زعَم أن سَبْىَ أوطاسَ وُطِئْنَ ولم يُسْلِمِنَ . رُوِى ذلك عن
طائفةٍ؛ منهم عطاءٌ وعمرُو بنُ دينارٍ، قالا : لا بأسَ بوطءِ الأمةِ
المجوسيَّةِ . وهذا لم يلتفِتْ إليه أحدٌ مِن الفقهاءِ بالأمصارِ. وقد جاء عن
الحسن البصرىِّ - وهو ممن لم يكنْ غزؤُه ولا غزوُ أهلِ ناحيتِه إلا الفرسَ
وما وراءَهم مِن خُراسانَ ، وليس منهم أحدٌ أهلَ كتابٍ - ما يُبِّنُ لك كيف
كانتِ السيرةُ فى نسائِهم إذا سُبِينَ .
جميعَ خلقِه، لا سيَّما وفى اسْتفراشِها عِزَّةٌ للإسلام. وقد بيًّا وجهَ قولِ القبس
مالكٍ، والمعنى الذى غاصَ عليه فى كتبِ المسائلِ، فلا معنَى أن نُطَوِّلَ
به عليكم هلهنا .
(١ - ١) فى الأصل، هـ: ((فلم بعد))، وفى ح: ((فلم يعدل))، وفى م: ((فماذا بعد)).
والمثبت يقتضيه السياق .
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٧٨/٤، ١٧٩.
٢٩٩
الموطأ
الاستذكار
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أحمدَ (١) بنٍ
فراسٍ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنى أبو عبيدٍ ، قال :
حدَّثنى هشيمٌ ، عن يونسَ ، عن الحسنِ ، قال : قال له رجلٌ: يا أبا سعيدٍ ،
كيف كنتُم تصنَعون إذا سَبَيْتُموهن؟ قال: كنَّا نُوجّهُها إلى القبلةِ ، ونأمرُها
أن تُسْلِمَ وتشهد أن لا إلهَ إلا الله وأن محمدًا رسولُ اللهِ، ثم نأمرها أن
تغتسلَ، فإذا أرادَ صاحبُها أن يُصِيبَها لم يُصِبْها حتى يَسْتَبِئَها (١) .
وعلى هذا تأويلُ جماعةِ العلماءِ فى قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا نَنكِحُواْ
الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. أنهن الوثنيَّاتُ والمجوسيَّاتُ؛ لأن
الله تعالى قد أحلّ الكتابياتِ بقوله تعالى: ﴿وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٢٥]. يعنى العفائفَ؛ لأنَّ من شُهِر زناها من
المسلماتِ ومنهن مكروةٌ نكاحها ووطؤُها ، غيرُ جائزٍ ما لم تكنْ منها
توبةٌ ؛ لِما فى ذلك مِن إفسادِ النَّسَبِ . وسيأتى ذكرُ نكاح الزانية فى موضعِه
من هذا الكتابِ إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ .
وقد كان ابنُ عمرَ يكرهُ نكاحَ الكتابَّاتِ ، ويحمِلُ قولَه تعالى: ﴿وَلَا
القبس
(١) فى ح، هـ: ((محمد)).
(٢) ذكره القرطبى ٧١/٣ عن المصنف. وأخرجه ابن حزم ١٥/١١ من طريق يونس به .
(٣ - ٣) فى م، وتفسير القرطبى ٧١/٣، ٧٢: ((لا من شهر زناها من المسلمات، ومنهم من كره
نكاحها ووطأها بملك اليمين ما لم يكن منهن)).
٣٠٠