النص المفهرس

صفحات 181-200

الموطأ
لم يَفٍ لها ، أكمَل لها مهرَ مثلِها عندَ الكوفيّين. وأما الشافعىُّ فالمهرُ عندَه الاستذكار
مع هذه الشروطِ فاسدٌ ، ولها مهرُ مثلِها . وعند مالكِ الشرطُ باطلٌ ، وليس
لها إلا ما سمَّى لها. وقال الأوزاعىُ وابنُ شُبْرُمَةَ: لها شرطُها، وعليه أن يَفِىَ
لها. زاد ابنُ شُبْرُمَةَ: لأنه شرط لها حلالاً. وهو قولُ شُريح فى روايةٍ (١)، وقد
رِى عن شريح أنه قضَى فى امرأةٍ شُرِط لها دارُها ، قال: شرطُ اللهِ قبلَ شرطِها(١).
قال أبو عمرَ : احتَّ مَن ألزَمه الوفاءَ بما شرَط لها فى عقدِ نكاحِها ألا
يُخرِجَها مِن دارِها ، ولا يَتسرَّى عليها، ولا ينكحَ ، ونحو ذلك مِن الشروطِ -
بحديثٍ عقبةً بنٍ عامٍ ، عن النبيِّ وَ لِّ أنه قال: ((أحقُّ الشروطِ أَن يُوفَى به ما
استحلَلْتُم بِه الفُرُوجَ )) . رواه الليثُ بنُ سعدٍ وعبدُ الحميدِ بنُّ جعفرٍ ، عن يزيدَ
ابنِ أبى حبيبٍ، عن أبى الخيرِ، عن عقبةً بنٍ عامٍ، عن النبىِّ عليه السلامُ(١).
واحتجَّ مَن لم يَرَ الشروطَ شيئًا، بحديثٍ عائشةَ، أن رسولَ اللهِ وَلَه.
قال: (( كلَّ شرطٍ ليس فى كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ فهو باطلٌ))(٤) . ومعنى قوله
هنا: ((فى كتابِ اللهِ)). أى: فى حكمِ اللهِ وحكمٍ رسولِه ، أو: فيما دلَّ
٠٠
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق ( ١٠٦٠٦، ١٠٦٠٧)، وسعيد بن منصور (٦٦٥) ، ووكيع فى أخبار
القضاة ٣٠٣/٢، ٠٣٠٤
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٠١/٤.
(٣) سيأتى تخريجه من طريق الليث فى شرح الحديث (١٧٣١) من الموطأ، وأخرجه أحمد ٥٣٦/٢٨
(١٧٣٠٢)، والدارمى (٢٢٤٩)، ومسلم (١٤١٨)، وابن ماجه (١٩٥٤)، والترمذى (١١٢٧) من
طریق عبد الحميد بن جعفر به .
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٥٥٥).
١٨١

الموطأ
الاستذكار عليه الكتاب والسنةُ - فهو باطلٌ. واللهُ قد أباحَ نكاحَ أربع نسوةٍ مِن
الحرائرِ، وما شاء مما ملكت أيمانكم، وأباحَ له أن يَخْرُجَ بامرأَتِه حیثُ
شاء، وينتقِلَ بها حيثُ انتقَل . وكلُّ شرطٍ يَحظُرُ المباحَ باطلٌ .
وإن حلَف بطلاقٍ ما لم يَنكحْ، فقد اختلف السلفُ والخلفُ فى
ذلك، وسيأتى القولُ فيه فى موضعِه مِن هذا الكتابِ (١) إن شاء اللهُ عَّ
وجلّ .
القبس
(١) سيأتى فى شرح الأثرين (١٢٦٧، ١٢٦٨) من الموطأ .
١٨٢
١٠

الموطأ
نكاحُ المحلِّلِ وما أَشبَهه
١١٤١ - مالكٌ، عن المِسوَرِ بنِ رفاعةَ القُرَظىّ، عن الزَّبيرِ بنِ
عبد الرحمنِ بنِ الزَّبيرِ ، أن رفاعةَ بنَ سِمْوالٍ طلَّق امرأتَه تَميمةً بنتَ
وهب فى عهدٍ رسولِ اللهِ وَ لَه ثلاثًا، فنكَحت عبد الرحمنِ بنَ
الزَّبيرِ، فاعتُرِض عنها ، فلم يَستطِعْ أن يَمَسَّها ، ففارَقها ، فأراد
رفاعةُ أَن يَنْكِحَها ، وهو زوجُها الأُولُ الذى كان طلَّقها ، فذكَر
ذلك لرسولِ اللهِ وَلِّ، فنهاه عن تزويجِها، وقال: ((لا تَحِلُّ لكَ حتى
مالك، عن المسوَرِ بنِ رفاعةَ القُرَظِىِّ(١)، عن الزَّبيرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ التمهيد
الزَّبِيرِ ، أَنَّ رفاعةَ بنَ سِمْوَالٍ طلَّق امرأته تَمِيمَةً بنتَ وهبٍ فى عهدِ رسولِ اللهِ
نِّ ثلاثًا، فنكَحت عبد الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، فاعتُرِض عنها ، فلم يستطِعْ أنْ
يَمسَّها، ففارَقَها، فأرادَ رفاعةُ أَنْ ينكِحَها ، وهو زوجُها الأولُ الذى كان
طلَّقها، فذكر ذلك لرسولِ اللهِ وَلَّ، فتَهاه عن تزويجِها(٢)، وقال: ((لا
القبس
نكاحُ المحلِّلِ
نكاحُ المُحَلِّلِ اختلف الناسُ فيه ؛ فجوَّزه أهلُ العراقِ ، ومنَعه سائرُهم ، وغلا
فيه بعضُهم ، حتى سمِعتُ مِن علماءِ الحنفيةِ مَن يقولُ : إنه قربةٌ ؛ لأن فيه سَعَةً
ضِيقٍ وإباحةَ تحريم أذِن اللهُ فيها . ورأَى أهلُ المدينةِ أنها معصيةٌ مُوجِبةٌ للنارِ ، حتى
قال بعضُهم: لا يكونُ "مسمارُ نارٍ" فى كتابِ اللهِ تعالى. وقد كانَ من العلماءِ
(١) قال أبو عمر: ((توفى المسور بن رفاعة هذا سنة ثمان وثلاثين ومائة)). تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٨٠.
(٢) فى م: ((تزوجها)).
(٣ - ٣) فى ج: ((مسمارنا)).
١٨٣

الموطأ تَذُوقَ العُسيلةَ)) .
التمهيد تَحِلُّ لك حتَّى تذوقَ العُسَيْلَةَ))(١).
قال أبو عمرَ: هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ عن مالك ، عن
المِسْوَرِ، عن الزَّبيرِ، وهو مُؤْسَلٌ فى روايته، وتابَعَه على ذلك أكثرُ الرُّوَاةِ
لـ ((الموطأُ)) إلّ ابنَ وهب، فإِنَّه قال فيه: عن مالكِ، عن المِشْوَرِ، عن
الزَّبِيرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه. فزادَ فى الإسنادِ : عن أبيه . فوصَل
الحديثَ ، وابنُ وهبٍ من أجلِّ مَن روَى عن مالكٍ هذا الشأنَ ، وأثبتِهم فيه ،
وعبدُ الرحمنِ بنُ الزَّبيرِ هو الذى كان تَزَوَّجَ تَمِيمَةَ هذه، واعتُرِض عنها .
فالحديثُ مسندٌ متصلٌ صحيحٌ، وقد رُوِىَ معناه عن النبيِّ مَّل من وجوهٍ
شَتَّى ثابتةٍ كلِّها أيضًا .
القبس الماضين مَن يَرى أن مجردَ العقدِ كافٍ فى التحليلِ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿حَتّى
تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وقد بيَّنَت السنةُ ذلك المُخْتِلَ؛ فقال النبىُّ
وَله: «أتُرِيدِينَ أن تَرْجِعى إلى رفاعةً؟ لا، حتى تَذُوقِى العُسَيلةَ))(١) الحديث.
فبيَّن ◌َّاشتراطَ الغايةِ فى الغايةِ؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾. فهذه غايةٌ ، وابتداءُ
النكاح عقدٌ ، وغايتُه وَطءٌ، فهذه غايةٌ أخرى، ومِن هلهنا أخَذ علماؤنا أن البِرّ
والحِلُّ لا يكونُ إِلا بأكملِ الأشياءِ. قال علماؤنا: ويَقْتَضِيه المعنى؛ لأنه إنما شُرِط
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٨٢)، وبرواية أبى مصعب (١٤٩٢). وأخرجه الشافعى
٢٤٨/٥، وابن سعد ٤٥٧/٨، ٤٥٨، وابن حبان (٤١٢١)، والجوهرى فى مسند الموطأ
(٦٣٩) من طريق مالك به .
(٢) سيأتى تخريجه ص١٨٨.
١٨٤

الموطأ
وقد تابَعَ ابنَ وهبٍ على توصيلٍ هذا الحديثِ وإسنادِه إبراهيمُ بنُ التمهيد
طهمانَ وعبيدُ اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ الحَنَفِىُّ، قالوا فيه: عن الزَّبيرِ بنِ
عبد الرحمنِ بنِ الزَّبيرِ، عن أبيه (١) . ذكَر حديثَ ابنٍ طهمانَ النسائىُّ فى
(مسندٍ حدیثِ مالك))، وذكره ابنُ الجارودِ .
القبس
الزوجُ فى الطلاقِ الثلاثِ إرغامًا له؛ حيثُ اقتحَم بَنَّاتَ(٢) العِضْمةِ، والإرغامُ
والمَذلَّةُ إنما تكونُ بالوطءِ لا بالعقدِ ، حتى يكونَ ذلك واعظًا لغيرِه ألَّ يقعَ فيها ،
وزاجرًا له حتى لا يعودَ إليها، وإذا انتظَم المعنى والسُّنَّةُ لم يبقَ لأحدٍ حُجَّةٌ ، اللَّهِمَّ
إلا أنه يعترِضُ هلهنا مسألةُ أبى حنيفةً فى نكاح المُحَلِّلِ، فلو صحَّ قولُه: ((لعن اللهُ
المُحَلِّلَ والْمُحَلَّلَ له))(٣). لكان ذلك أصلًا فى فسادِ النكاح، وإذ(١) لم تَثْبُتْ له قَدَمٌ
فى الصحةِ ، لم يَبْقَ إلا حَظُّ المعنى، وهو عظيمٌ فى البابِ؛ وهو أن قاعدةَ النكاحِ
تَمهَّدَت فى الشريعةِ بركتَين ؛ أحدُهما ، القصدُ إلى التأييدِ، إلا أن يَغْرِضَ عارضٌ
مِن خوفِ التَّعَدِّى فى حدودِ اللهِ تعالى. والثانى، أن يكونَ ذلك معقودًا لنفسِه قُرْبةً
لربِّه وعفّةً فی دینِه .
فإِذا عقَده على غيرِ هذَين الركنَين، فقد وضَعه فى غيرٍ موضعِه، فلم يَكُنْ
نكاحًا شرعيًّا، فوجب القضاءُ بُطْلانِه، وهذه قاعدةٌ لا تُزَعْزِعُها) رياح
(١) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٢٥٧)، والرويانى (١٤٦٦) من طريق عبيد الله
به .
(٢) فى ج: (( ثبات)).
(٣) سيأتى تخريجه ص١٩٩.
(٤) فى ج، م: ((إذا)).
(٥) فى ج: ((تزحزحها)).
١٨٥

الموطأ
التمهید
أخبرَنا "عبدُ الرحمن بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدثنا تميمُ بنُ محمدٍ ،
قال : حدثنا عيسَى بنُ مسكينٍ، وحدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال :
حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدثنا ابنُ وضاح، قالا جمیعًا : حدثنا
سحنونٌ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى مالك، عن المِشْوَرِ بنِ
٣
رِفاعةَ القرظِىِّ، عن الزَّبيرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الزَّبيرِ، عن أبيه، أنَّ رفاعةً بنّ
سِمْوَالٍ (٢) طلَّق امرأتَه تَمِيمَةً بنتَ وهبٍ على عهدِ رسولِ اللهِ وَ لَه ثلاثًا ،
فنكَحت عبد الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، فاعتُرِض عنها، فلم يستطِعْ أن يمَسَّها ،
فطلِّقَها ولم يَمَشَّها، فأرادَ رفاعةُ أَنْ ينكِحَها، وهو زوجها الذى كان
طلَّقها. قال عبدُ الرحمن: فذكر ذلك لرسولِ اللهِ وَّره، فنَهاه عن
تزويجِها. وقال: ((لا تَحِلُّ لك حتى تذوقَ العُسَيْلَةَ))(٣).
القبس الاعتراضاتِ، ولا يَتَوجّهُ لأحدٍ عليها سؤالٌ ينفَعُ، ولم يَيْقَ بعدَ هذا إلا تفصيلُ
تركيبِ الفروع على هذه الأصولِ فى صفةِ الوَطءِ ووقوعِه (٤)، وخُلوصِه فى الحِلِّ
أو تحريمِه، وكمالِ الوطءِ أو نُقْصانِه، ووقوعِ الاتفاقِ عليه مِن الزوجين أو
اختلافِهما فيه ، وذلك مُسْتَوفَّى فى مسائلٍ الفروع إن شاء اللهُ تعالى .
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى الأصل: ((سموءل)).
(٣) أخرجه ابن وهب فى موطئه (٢٦٤) - ومن طريقه ابن الجارود (٦٨٢)، والجوهرى فى مسند
الموطأ (٦٤٠)، والبيهقى ٧/ ٣٧٥، وابن بشكوال فى غوامض الأسماء ٦٢٣/٢.
(٤) فى ج: (فروعه).
١٨٦

الموطأ
وقد ذكَرَ هذا الحديثَ أيضًا سحنونٌ ، عن ابنٍ وهبٍ ، وابنِ القاسم ، وعلىّ التمهيد
ابنِ زيادٍ، كلُّهم عن مالكِ، عن المِسْوَرِ بنِ رفاعةً القرظيِّ، عن الزَّبيرِ بنِ
عبدِ الرحمنِ بنِ الزَّبيرِ، عن أبيه، أنَّ رفاعةَ بنَ سِمْوَالٍ طلَّق امرأتَه . وذكّر
الحديثَ، وذكر فيه عن هؤلاءِ الثلاثةِ عن مالكِ ، فى هذا الإسنادِ : عن أبيه .
والحديثُ صحیح مسنٌ .
٦٠
والزَّبيرُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الزَّبيرِ بفتح الزَّايِ فيهما جميعًا . كذلك رَوَى
یحیی ، وابنُ وهپ ، وابنُ القاسم ، والقعنِئُ، وغيرهم، وقد ژُوِیَ عن ابنِ بکیرٍ
أنَّ الأولَ مضمومٌ . ورُوِىَ عنه الفتح فيهما كسائرِ الرواةٍ عن مالك فى ذلك ، وهو
الصحيحُ فيهما جميعًا؛ الفتحُ، وهم زَبِيرِيُّونَ - بالفتحِ - معروفون فى بنى
قريظةً ، وهم بنو الزَّبيرِ بنِ باطيًا ) القُرَِىِّ، قُتِلَ يومَ قريظةً ، وله يومَئذٍ قصةٌ
عجيبةٌ محفوظةٌ(١) .
أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ قِراءةٌ مِنِّى عليهما، أنَّ
قاسمَ بِنَ أصبغَ حدَّثهما، (٤)قال: أنبأناُ) إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضى،
قال : حدثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدثنا عبدُ العَزيزِ بنُ محمدٍ ، عن
هشام بن عروةً، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ رفاعةَ القُرَظِىَّ طلَّق امْرأْتَه فنكَحها
عبدُ الرحمنِ بنُ الزَّبِيرِ، فاعتُرِضَ عنها، فجاءَت رسولَ اللهِ وَ لَّهِ، فذكَرت
القبس
(١) فى م: ((بفتح الزاى)).
(٢) فى سيرة ابن هشام: ((باطا)). وينظر تهذيب الأسماء واللغات ١٩٣/١، ١٩٤.
(٣) ينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٢، ٢٤٣.
(٤ - ٤) فى الأصل: ((قالا حدثنا)).
١٨٧

الموطأ
التمهيد زوجَها، فقالت: والذى أكرَمكَ بالحقِّ، ما معه إلا مثلُ هذه الهُدْبَةِ (١).
فقال: ((فلا، حتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَه، ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ))(٢). هكذا قال:
عبدُ الرحمنِ بنُ الزَّبيرِ. بالفتحِ .
وحدثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا : حدثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدثنا الحميدىُّ،
قال : حدثنا سفيانُ ، قال : حدثنا الزهرىُّ، قال: أخبرنى عروةُ ، عن عائشةَ ، أَنَّه
سمِعها تقولُ: جاءت امرأةٌ رفاعةَ القُرَظِيِّ إلى رسولِ اللهِ وَلَه فقالت: إِنِّى
كنتُ عندَ رفاعَةَ ، فَبَتَّ طلاقِى ، فَتَزَوَّجتُ عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ ، وإنَّما معه .
مثلُ هُدْبَةِ الثوبٍ . فَتَبَسَّمَ رسولُ اللهِ وَلِّ، فقال: ((أَتُريدِين أن ترجعِی إلى
رفاعةً؟ لا ، حتى تذوقِى عُسَيْلَتَه، ويذوقَ عُسَيْلَتَكِ)). قال: وأبو بكرٍ عندَ
النبيِّ وَّه، وخالدُ بنُّ سعيدٍ بالبابِ، فنادَى فقال: يا أبا بكرٍ، أَلَا تَسمَعُ إلى
مَا تَجِهَرُ(١) به هذه عندَ رسولِ اللهِ وَ(1)!
القبس
(١) أرادت متاعه، وأنه رخوٌ مثل طرف الثوب، لا يغنى عنها شيئًا. النهاية ٢٤٩/٥.
(٢) أخرجه أحمد ٣٨٧/٤٢، ٩٠/٤٣ (٢٥٦٠٥، ٢٥٩٢٠)، والدارمى (٢٣١٤)، والبخارى
(٥٢٦٥، ٥٣١٧)، ومسلم (١٤٣٣) من طريق هشام به .
(٣) فى الأصل: (( تخبر)).
(٤) بعده فى م: ((هذا أصح حديث يروى فى هذا الباب، وأثبته من جهة الإسناد)).
والحديث عند الحميدى (٢٢٦). وأخرجه أحمد ١١٧/٤٠ (٢٤٠٩٨)، والدارمى
(٢٣١٣)، والبخارى (٢٦٣٩)، ومسلم (١١١/١٤٣٣)، وابن ماجه (١٩٣٢)، والترمذى
(١١١٨)، والنسائى (٣٢٨٣، ٣٤١١) من طريق سفيان به ,
١٨٨

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمر : حدیثُ عروة عن عائشةً فى هذا البابِ - من روايةِ هشامٍ
ابنِ عروةَ وابنِ شهابٍ ، عن عروةَ - وإن كان إسنادًا ثابتًا فإنَّه ناقِصٌ ، سقَط
منه ذكرُ طلاقِ ابنِ الزَّبِيرِ لتَمِيمَةَ بنتِ وهبٍ، وقد شُبِّهَ به على قومٍ - منهم
ابْنُ عُلَيَّةَ ، وداودُ - لِمَا فيه من قولِه: فاعتُرِضَ عنها، فجاءَت رسولَ اللهِ
وَهِ، فذكرت زوجَها، وقالت: إنَّما معه مثلُ هُذْبَةِ الثوبِ. فَظَنُّوا أنَّها
أَتْ شاكيةً بزوجِها؛ فلم يسأله عن ذلك ، ولا ضرَب له أجلًا، و(١) خَلَّها
معه . قالوا: فلا يُضْرَبُ للعِنِينِ أَجَلٌ، ولا يُفَرَّقُ بينَه وبينَ امرأتِه، وهو
كمرضٍ من الأمراضِ. فخالَفوا جمهورَ سلفِ المسلمين - من الصحابةِ
والتابعين - "فى تأجيل العِنِينِ) ؛ لِما توهّموه من حدیثِ هذا البابِ ، ولیس
فيه موضِعُ شبهةٍ ؛ لأنَّ مالكًا وغيرَه قد ذكروا طلاقَ عبدِ الرحمنِ بنِ الزَّبِيِ
للمرأةِ ، فكيفَ يُضْرَبُ أجلٌ لمن قد فارَق امرأته وطلَّقها قبلَ أن يَمَسَّها ؟!
حدثنى قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا خالدُ بنُ سعدٍ ، قال : حدثنا
محمدُ بنُ قُطَيْسٍ ، قال : حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ ، قال : حدثنا بشرُ بنُ
ثابتٍ ، قال: حدثنا شعبةُ، قال: يحتَى بنُ أبى إسحاقَ أخبَرِنِى (٢) ، قال:
سمِعتُ سليمانَ بنَ يسارٍ يُحَدِّثُ عن عائشةَ، أنَّ رجلًا طلَّق امرأتَه ثلاثًا ،
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((لا)).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) بعده فى م: ((أبى)). وينظر تهذيب الكمال ١٩٩/٣١.
١٨٩

الموطأ
التمهيد فتزوَّجها رجلٌ، فطلَّقها قبلَ أن يدخُلَ بها ، فأراد الأولُ أن يتزوَّجها ، فقال
النبيُّ الَّهُ: ((لا، حتى " تذوقَ من١) عُسَيْلَتِهِ)).
فقد بانَ بهذا الحديثِ أنَّه طلَّقَها قبلَ أن يدخُلَ بها ، وهو حديثٌ لا.
مطعَنَ لأحدٍ فى ناقِلِيه، وكذلك حديثُ مالكِ فى ذلك فيه : فاعتُرِضَ
عنها ، فلم يستطِعْ أن يمسّها ، ففارَقَها. وإذا صَحَّتْ مفارقَتُه لها ، وطلاقُه
إِيَّاها ، بَطَلَتِ النكتةُ التى بها نزَع من أبطَلَ تَأجيلَ العِنِّينِ من هذا الحديثِ،
وقد قضَى بتأجيلِ العِنِّينِ عمرُ بنُ الخطابِ ، وعثمانُ بنُ عفانَ ، وعبدُ اللهِ
ابنُ مسعودٍ ، والمغيرةُ بنُ شعبةً(٢)، ولا مخالفَ لهم من الصحابةِ ، إِلَّا شىءٌ
يُرْوَى عن علىّ بنِ أبى طالبٍ مختلفٌ فيه، ذكره ابنُ عيينةً، عن أبى
إسحاقَ ، عن هانئٍّ بنِ هانئٍّ قال: أتت امرأةٌ إلى عليّ بن أبى طالبٍ رضِى
اللهُ عنه فقالت : هل لك فى امرأةٍ لا أيُّم ولا ذاتِ زوج؟ فقال : أين زوجها؟
فذكَر الحديثَ ، وفيه : فقال لها علىُّ بن أبى طالبٍ: اصْبِرِى، فلو شاءَ اللهُ
أن يبتلِيَكِ بأَشَدَّ من ذلك لابْتَلَاكِ(١) .. وروَاه محمدُ بنُ جابرٍ، عن أبى
القبس
(١ - ١) فى ى، م: ((تذوقى)).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٠٧٢٢، ١٠٧٢٣، ١٠٧٢٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٠٦/٤،
٢٠٧، وسنن البيهقى ٢٢٦/٧.
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الأثر (١٢٧٠) من الموطأ .
١٩٠٠

الموطأ
إسحاقَ، عن عُمَارَةَ بنِ عبدٍ (١) ، عن علىٍّ. وليس هذا الإسنادُ مع اضطرابِه التمهيد
مما يُختَجُ به .
وذكَر عبدُ الرزّاقِ (١) ، عن الحسنِ بنِ عُمَارَةً، عن الحكم، عن يحيى
ابنِ الجَزَّارِ (١) ، عن علىِّ قال: يُؤَجّلُ العِنِينُ سَنَةً؛ فإن أصابَها، وإلّ فهی
أحقُّ بنفسِها .
وروَی یزیدُ بنُ هارونَ ، عن محمد بن إسحاق ، عن خالدِ بنِ کثیر
الهَمْدَانِىٌّ، عن الضحاكِ بنِ مزاحمٍ، أن عليًّا أَجَّلَ العِنِينَ سَنَةً (٤).
وهذان الإسنادان إن لم يكونا مثلَ إسنادٍ هانى وعُمارَةً ، لم يكُونَا
أضعفَ، والأسانيدُ عن سائرِ الصحابةِ ثابتةٌ (°مِن قِبَلِ الأئمةِ)، وعليها
العملُ، وفتوى فقهاءِ الأمصارِ؛ مثلُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبى حنيفةً ،
وأصحابِهِم ، والثورىِّ، والأوزاعىّ ، وجماعةِ فقهاءِ الحجازِ والعراقِ ، إلا
طائفةً من المتأخرين .
ذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ
القبس
(١) فى ى: ((عبيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥٢/٢١.
(٢) عبد الرزاق (١٠٧٢٥) بدون ذكر يحيى بن الجزار.
(٣) فى الأصل: ((الخراز))، وفى ى: ((الحداد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥١/٣١، ٢٥٢.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٠٦/٤ من طريق محمد بن إسحاق به .
(٥ - ٥) سقط من : ى.
(٦) عبد الرزاق (١٠٧٢٠).
١٩١

الموطأ
التمهيد قال : قضَى عمرُ بنُ الخطابِ فى الذى لا يستطِيعُ النساءَ أنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً . قال
معمرٌ: يُؤَجَّلُ سنَةً من يومٍ تُرافِعُه، كذلك بلَغنى .
قال أبو عمرَ: على هذا جماعةُ القائلين بتأجِيلِ العِنِينِ من يومٍ
تُرافِعُه، بخلافٍ أَجَلِ المُؤْلِى، وذلك - واللهُ أعلمُ - لأُنَّ المُؤْلِيَ مُضَارٌّ
قادرٌ على الفَىءٍ ورفع الضررِ ، والعِّينُ غيرُ عالمٍ بشكوى زوجَتِه إيّاه حتى
تشكُّوَه، فيُجُعِلَ له أَجَلُ سنَّةٍ ، لِمَا فى السَّنَةِ من اختلافِ الزمنِ بالحرِّ
والبرد، ليُعَالِجَ نفسَه فيها، واللهُ أعلمُ. وأصلُ المسألةِ اتبائُ السلفِ،
وليس فى حديثنا فى هذا البابِ ما يُوجِبُ للعِنِّينِ حكمًا، فلذلك ترَ كنا
اختلافَ أحکامِه .
وفيه من الفقهِ إباحةُ إيقاع الطلاقِ البَتاتِ (١) طلاقِ الثَّلَاثِ، ولُزُومُه ؛
لِأَنَّ رسولَ اللهِ وَلَه لم ينكِرْ على رفاعةَ إيقاعَه له، كما أنكر على ابنِ عمرَ
طلاقَه فى الخيضِ(٢) .
وظاهرُ هذا الحديثِ من روايةٍ مالكٍ ومن تابَعه فى قولِه : إِنَّ رفاعةَ طلَّق
امرأتَه ثلاثًا . أنَّها كانت مجتمِعاتٍ ، فعلى هذا الظاهرِ جرَى قولُنا ، وقد
يحتمِلُ أن يكونَ طلاقُه ذلك آخِرَ(٢) ثلاثٍ تَطليقاتٍ، ولكنَّ الظاهرَ لا
القبس
(١) فى ى: ((البت))، وفى م: ((البات)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٢٤٦).
(٣) فى ى: ((أحد)).
.
١٩٢

الموطأ
يُخْرَجُ عنه إلّا ببيانٍ. وقد نزَع بهذا الحديثِ من أباحَ وقوعَ الثلاثِ التمهيد
مجتمِعاتٍ، وجعَل وقوعَها فى الطُهْرِ سُنَّةً(١)، وهذا موضِعُ اختلافٍ بينَ
الفقهاءِ، وقد أوضحناه فى بابٍ عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ ١ ، وفى بابٍ نافع
أيضًا(٢) . والحمدُ للهِ .
وفى قولِهِ وَلّه لا مرأةٍ رفاعةً: ((أترِيدين أن ترجِعِى إلى رفاعةً؟)). دليلٌ على
أنَّ إرادةَ المرأةِ الرجوعَ إلى زوجِها لا يضُرُّ العاقدَ عليها، وأنها ليست بذلك فى
معنى التحليل المستحِقِّ صاحِبُه للَّعنةِ. وقد اختلف الفقهاءُ فى هذا المعنى على
ما نذكُرُه بعدُ إن شاء اللهُ(٤) .
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أن المُطلَّقَةَ ثلاثًا لا يُحِلُّها لزوجِها المُطَلِّقِ
لها إلا طلاقُ زوج قد وطِئَها، وأَنَّه إن لم يَطَأْها وطلَّقها فلا تَحِلُّ لزوجِها
الأولِ .
وفى هذا الحديثِ تفسِيرٌ لقولِ اللهِ عز وجل: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ
بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وهو يخرَّجُ فى التفسيرِ المسنَدِ،
وذلك أنَّ لفظَ النكاح فى جميع القرآنِ إنما أُرِيدَ به العقدُ لا الوَطءُ، إلّا فى
قولِه عزَّ وجلّ: ﴿فَإِنِ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ . فإِنَّه
القبس
(١) بعده فى م: ((لازمة)).
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٢٦٠) من الموطأ .
(٣) سيأتى فى شرح الحديث (١٢٤٦) من الموطأ .
(٤) ينظر ما سيأتى ص١٩٦ - ٢٠٠.
١٩٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٣/١٤)

الموطأ
التمهيد
أُريدَ بلفظِ النكاح ههُنا العقدُ والوطءُ جميعًا، بدليلِ الشّنَّةِ الواردةِ فى هذا
الحديثِ؛ وذلك قولُه ◌َله: ((لا تَحِلُّ له حتى تَذُوقَ العُسَيْلَةَ)). والعُسَيْلَةُ
هلهُنا الوَطْءُ، لا يختلفون فى ذلك .
وفى هذا حُجَّةٌ واضحةٌ لما ذهَب إليه مالكٌ فى الأيمانِ أنَّه لا يَقَعُ
التحليلُ منها والبِرُّإلَّا بأكملِ الأشياءِ، وأنَّ التحريمَ يقَعُ بأَقَلِّ شىءٍ؛ أَلَا تَرَى
أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لمَّا حرَّم على الرجلِ نكاحَ حليلةِ ابنِه وامرأةٍ أبيه ، وكان
الرجلُ إِذا عقَد على امرأةٍ نكاحًا ولم يدخُلْ بها، ثم طلَّقها، أنَّها حرام على
ابنِه وعلى أبيه، وكذلك لو كانت له أمَّةٌ فَلَمَسها بشهوةٍ أو قبَّلها، حَرُمَتْ
على ابنِهِ وعلى أبيه؟ فهذا يُبَيِّنُ أَنَّ التحريمَ يقَعُ ويدخُلُ على المرءِ بأقلّ
شىءٍ، وكذلك لو طلَّق بعضَ امرأةٍ طُلِّقَت كُلُّها، وكذلكَ لو ظاهَر من
بعضِها لزِمه الظهارُ الكاملُ ، ولو عقَد على امرأةٍ بعضَ نكاح - أو على بعضٍ
امرأةٍ نكاحًا - لم يَصِحَّ، وكذلك المَثُوتَةُ لا يُحِلُّها عقدُ النكاح عليها حتى
يدخُلَ بها زوجها، ويَطَأْها وطئًا صحيحًا. ولهذا قال مالك فى نكاح
المُحَلِّلِ : إِنَّه يحتاج أن يكونَ نكاحَ رغبَةٍ لا يُقصدُ به التحليلُ، ويكونَ
وطؤُه لها وطئًا مباحًا؛ لا تكونُ صائمةً ، ولا مُحْرِمَةً ، ولا فى حيضتِها ،
ويكونَ الزوجُ بالغًا مسلمًا. وقد يُعْتَرَضُ على هذا الأصلِ فى البِرِّ والحنثِ
بأنَّ(١) التحريمَ لا يَصِحُ فى الربيبةِ بالعقدِ حتى ينضَمَّ إلى ذلك الدخولُ
القبس
(١) فى الأصل: ((فإن)).
١٩٤

الموطأ
التمهيد
بالأمّ ، وهذا إجماعٌ، وإنما الخلافُ فى الأُمّ، ولهذا نظائرُ.
وقال الشافعىُّ : إذا أصابَها بنكاح صحيح ، وغيَّب الحَشَفَةً فی فرجِها ،
فقد ذاقاً (١) العُسَيْلَةَ، وسَواءٌ فى ذلك قوىُّ النكاح وضعيفُه، وسواءٌ أَدخَلَه
بيدِه أو بيدِها ، وكان ذلك من صبىٌّ أو مراهقٍ ، أو مجبوبٍ بَقِىَ له ما يُغَيُِّه
كما يُغَيِّبُ غيرُ الخَصِيِّ. قال: وإنْ أصابَ الذِّمِّيَّةَ - وقد طلَّقها مسلمٌ(١)
زوجُ ذِمِّيٌ بنكاح صحيح ، أحلّها. قال: ولو أصَابها الزوجُ مُحْرِمَةٌ أو صائمةٌ ،
أحَلَّها . وهذا كلُّه - على ما وصَف الشافعىُّ - قولُ أبى حنيفةً وأصحابِهِ،
والثورىِّ، والأُوزاعىِّ ، والحسنِ بنِ حىٍّ ، وقولُ بعضِ أصحابِ مالكٍ.
وانفرَد الحسنُ البصرىُّ بقولِه: لا يُحِلُّ المُطَلَّقَةَ ثلاثًا إِلَّ وطٌ يكونُ فيه
إنزالٌ (١) . وذلك معنى ذوقِ العُسَيْلَةِ عندَه، ولا يُحِلُّها عندَه التقاء الختانين ،
ولم يُتَابِعْه على ذلك غيرُه . وانفرَد سعيدُ بنُ المسئَّبِ رحِمه اللهُ من بینِ سائر
أهلِ العلم بقولِه: إنَّ مَن تزوَّج المُطَلَّقَةَ ثلاثًا ، ثم طلَّقها قبلَ أنْ يَمَسَّها ، فقد
حَّت بذلك النِّكاح - وهو العقدُ لا غيرُ - لزَوجِها الأولِ ، على ظاهرٍ قولٍ
اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. قال: فقد نكَحتْ زوجًا(٤) يلحَقُه
ولدُها ، ويجبُ الميراثُ بينَهما(٥).
:
القبس
(١) فى ى، م: ((ذاق)).
(٢) بعده فى النسخ: ((أو)). والمثبت كما فى مختصر المزنى ص ١٩٧.
(٣) ينظر سنن سعيد بن منصور (٢٠٠٤).
(٤) بعده فى ى: ((و)).
(٥) أخرجه سعيد بن منصور (١٩٨٩) بنحوه.
١٩٥

الموطأ
قال أبو عمرَ: أَظُنُّه، واللهُ أعلمُ ، لم يبلُغْه حديثُ العُسَيْلَةِ هذا، ولم
التمهید
يَصِحّ عندَه، وأما سائرُ العلماءِ متقدِّميهم ومتأخّربهم - فيما علمتُ - فعلى
القولِ بهذا الحديثِ على ما وصَفنا .
أُخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا
أبو داودَ ، حدثنا مسددٌ ، حدثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ ، عن إبراهيمَ ، عن
الأسودِ، عن عائشةَ قالت: سُئِلَ رسولُ اللهِ وَ لَّهِ عن رجلٍ طلّق امرأته
ثلاثًا ، فتزوَّجت زوجًا غيرَه، فدخَل بها ، ثم طلَّقها قبل أنْ يُواقِعَها ، أَتَحِلُ
لزوجها الأولِ؟ قال: ((لا، حتى تذوقَ عُسَيْلَتَه، ويذوقَ عُسَيْلَتَها))(١).
وقد روى هذا الحديثَ أبو هريرةَ، عن عائشةً .
حدثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا : حدثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، حدثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِى، حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ،
حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ الدَّانَاجُ ، عن أبى رافع،
عن أبى هريرةَ، قال: حدَّثَتَنى أمُّ المؤمنين - ولا أراها إلّا عائشةَ - عن النبيِّ
وَ لَّه قال: ((لا تَحِلُّ للأوَّلِ حتى يذوقَ الآخَرُّ ◌ُسَيْلَتَها))(١) ..
واختلف العلماءُ أيضًا فى نكاحِ المُحَلِّلِ، وهو من هذا البابِ ؛ فقال
القبس
(١) أبو داود (٢٣٠٩). وأخرجه أحمد ١٨٠/٤٠ (٢٤١٤٩)، والنسائى (٣٤٠٧) من طريق أبى
معاوية به .
(٢) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٤١/٩ من طريق عبد العزيز بن المختار به.
١٩٦

الموطأ
مالكٌ: المُحَلِّلُ لا يُقيمُ على نكاحِه حتى يستقبِلَ(١) نكاحًا جديدًا، فإن التمهيد
أصابَها فلها مهرُ مثلِها ، ولا تُحِلُّها إصابتُه لزوجِها الأوَّلِ - وسواءٌ عَلِمًا أو لم
يعلَمَا - إذا تزوَّجها ليُحِلُّها، ولا يُقَرُّ على نكاحِه، ويُفسَخُ . وقولُ الثَّورِىِّ،
والأوزاعىِّ، والليثِ نحوُ(٢) قولِ مالكِ. ورُوِىَ عن الثورىِّ(٣) فى نكاحٍ
الخيارِ والمُخَلِّلِ أنَّ النكاحَ جائزٌ، والشرطَ باطلٌ . وهو قولُ ابنِ أبى ليلى فى
ذلك وفى نِكاح المتعةٍ. ورُوِىّ عن الأوزاعيّ أنه قال فى نكاح المُحَلِّل :
بئسما صنع، والنکامُ جائزٌ .
وقال أبو حنيفةً ، وأبو یوسف ، ومحمدٌ : النکائ جائزًإن دخل بها ، وله
أن يُمْسِكَها إن شاءَ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه مرةً : لا تَحِلَّ للأوَّلِ إذا
تزوَّجها الآخر ليُحِلَّها. ومرةً قالوا: تَحِلُّ له بهذا النكاح إذا جامعها
وطلَّقها. ولم يختلفوا أنَّ نكاحَ هذا الزوجِ صحيحٌ ، وله أن يُقيمَ عليه .
وقال الشافعىُّ: إذا قال: أتزوَّمجكِ لأحِلَّكِ ، ثم لا نكاحَ بينَنا بعدَ ذلك .
ءُ
فهذا ضربٌ من نكاح المتعةِ، وهو فاسدٌ ، لا يُقَرُّ عليه، ويفسَخُ ، ولا يَطَأَ إِنْ
دخل بها ، ولو وطئ على هذا لم یکنْ وَطْؤُه تحليلًا . فإن تزوّجها تزويجًا
مطلقًا لم يشترِطْ هو ولا اشتُرِطَ عليه التحليلُ ، فللشافعيِّ فى كتابِه القديم
قولانٍ فى ذلك ؛ أحدُهما ، مثلُ قولِ مالكِ . والآخرُ، مثلُ قولٍ أبى حنيفةً ،
القبس
(١) فی ی، م: ((يستكمل)).
(٢) فى ى، م: ((مثل)).
(٣) فى م: ((الليث)).
١٩٧

الموطأ
التمهيد ولم يختلِفْ قولُه فى كتابِهِ الجديدِ المصرىِّ أنَّ النكاحَ صحيح إذا لم
يَشْتَرِطْ . وهو قولُ داودَ .
وروَى الحسنُ بنُ زيادٍ عن زُفَرَ(١): إذا شُرِطَ تحليلُها للأولِ فالنكاح
جائزٌ، والشرطُ باطلٌ ، ويكونان محصنين بهذا التزويج مع الجماع، وتَحِلّ
للأولِ . قال: وهو قولُ أبى حنيفةًُ وقال أبو يوسفَ: النكاح على هذا
الشرطِ فاسِدٌ ، ولها مهرُ المثلِ بالدخولِ ، ولا يُحصِنُها هذا، ولا يُحِلُّها
لزوجها الأوّل . ولمحمدِ بنِ الحسنِ عن نفسِه وعن أصحابه اضطرابٌ کثیرٌ
فى هذا البابِ. وقال الحسنُ وإبراهيمُ: إذا همَّ أحدُ الثلاثةِ فسَد النكاح (٢).
وقال "سالمٌ والقاسم٣ُ): لا بأسَ أن يتزوَّجها ليُحِلَّها إذا لم يعلَم الزوجان .
قالا : وهو مأجورٌ. وقال ربيعةُ ويحيى بنُ سعيدٍ: إنْ تزوَّجَها ليُحِلَّها فهو
مأجورٌ. وقال داودُ بنُ علىٍّ: لا أَبْعِدُ أن يكونَ مُرِيدُ نكاح المطلقةِ ليُحِلَّها
لزوجِها مأجورًا ، إذا لم يظهَرْ ذلك فى اشتراطِه فى حينِ العقدِ؛ لأَنَّه قصَد
إرفاقَ أخيه المسلم ، وإدخالَ السرورِ عليه ، إذا كان نادمًا مشغوفًا ، فيكونُ
فاعلُ ذلك مأجورًا إن شاء اللهُ. وقال أبو الزنادٍ: إنْ لم (* يَعْلَمْ واحدٌ" منهما
فلا بأسَ بالنكاح ، وترجِعُ إلى زوجِها الأُوَّلِ. وقال عطاء: لا بأسَ أَنْ يُقيمَ
القبس
(١) فى الأصل: ((زيد)). وينظر الجواهر المضيّة ٥٦/٢، ٥٧.
(٢) ينظر سنن سعيد بن منصور (١٩٩٤، ١٩٩٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٩٥/٤.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((ابن القاسم وسالم)).
(٤ - ٤) فى ى: ((يُعلِم واحدا)).
١٩٨

الموطأ
المُحَلِّلُ على نكاحِه(١).
التمهيد
قال أبو عمرَ : روَى علىُّ بن أبى طالبٍ ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ ، وأبو
هريرةَ، وعقبةُ بنُ عامرٍ، عن النبيِّ وَِّ، أَنَّه قال: ((لعَن اللهُ المُحَلِّلَ
والمُحَلَّلَ له))(٢). وقال عقبةُ فى حديثه: ((ألَا أخبِرُكُم بالتَّيسِ المستعارِ؟
هو المُحَلِّلُ)). ولفظُ التحليل فى هذه الأحاديثِ يحتمِلُ أن يكونَ مع
(٣)
الشرطِ كما قال الشافعىُ، وهو الأظهر فيه؛ لأنَّ إرادةَ المرأةِ إذا لم تقدَخُ
فى العقدِ - ولها فيه حظٌّ - فالنَّاكُ(٤) كذلك، والمُطَلِّقُ أحرى ألَّ يُراعَى ،
فلم يَبْقَ إلّا أنْ يكونَ معنى الحديثِ إظهارَ الشرطِ ، فيكونَ كنكاح المتعةِ
ويبطُلَ، هذا هو الصحيحُ ، واللهُ أعلمُ . ويحتمِلُ أن يكونَ إِذا نوَى أن يُحِلَّها
لزوجِها كان مُحَلِّلاً؛ لقوله: ((الأعمالُ بِالنَّةِ))(٥).
وقد رُوِىَ عن عمرَ بنِ الخطابِ فى هذا تغليظٌ شديدٌ؛ قولُه :
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٧٨٤).
(٢) أخرجه أحمد ٦٧/٢ (٦٣٥)، وابن ماجه (١٩٣٥)، والترمذى (١١١٩) من حديث على،
وأخرجه أحمد ٣١٣/٧، ٣١٤ (٤٢٨٣، ٤٢٨٤)، والترمذى (١١٢٠)، والنسائى (٣٤١٦) من
حديث ابن مسعود، وأخرجه أحمد ٤٢/١٤ (٨٢٨٧)، والبزار (١٤٤٢ - كشف) من حديث أبى
هريرة، وأخرجه ابن ماجه (١٩٣٦)، والبيهقى ٢٠٨/٧ من حديث عقبة بن عامر.
(٣) فى النسخ: ((يقدح)).
(٤) فى النسخ: ((فالنكاح)). وينظر الاستذكار ١٦٢/١٦، ١٦٣ من النسخة المطبوعة.
(٥) تقدم تخريجه فى ٣٢/٥، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٢) من الموطأ .
١٩٩

الموطأ
التمهيد لا أُوتَى بِمُحِلٌ (١) ولا مُحَلَّلٍ له إلَّا رَجَمْتُهما(٢). وقال ابنُ عمرَ: التَّحْليلُ
سِفَاحٌ(٣) . ولا يحتمِلُ قولُ(٤) عمرَ إلَّا التغليظَ؛ لأنَّه قد صَعَّ عنه أَنَّه وضَع
الحدَّ عن الواطئ فرجًا حرامًا قد جهِل تحريمَه، وعذَرَه بالجهالةِ(٥)،
فالتأويلُ(٦) أَوْلَى بذلك، ولا خِلافَ أَنَّه لا رجمَ عليه . حدثنى محمدُ بنُ
عبدِ اللهِ بنِ حكم ، قال : حدثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، قال :
حدثنا إسحاقُ بنُّ أبى حسانَ الأنماطئُ ، قال : حدثنا هشامُ بنُ عمارٍ ، قال :
حدثنا عبدُ الحميدِ بنُ حبيبٍ كاتبُ الأوزاعيّ ، قال: حدثنا الأوزاعِىُّ ، عن
الزهرىِّ، عن عبدِ الملكِ بنِ المغيرةِ ، أَنَّ رجلاً سألَ ابنَ عمرَ فقال: كيف
ترَى فى التحليلِ ؟ فقال عبدُ اللهِ بنُّ عمرَ: لا أعلَمُ ذلك إلّ
(٧)
السِّفَاعَ(٧) .
القبس
(١) فى ى، م: ((بمحلل)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠٧٧٧)، وسعيد بن منصور (١٩٩٢، ١٩٩٣)، وابن أبى شيبة ٢٩٤/٤.
(٣) بعده فى م: (( وقال الحسن وإبراهيم: إذا هم أحد الثلاثة فسد النكاح. وقال سالم والقاسم: لا
بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوج وإلا - صوابه : قالا - فهو مأجور. وهذا يحتمل أن يكون
المحلل الملعون عندهما من شرط ذلك عليه، والله أعلم، وإلا فظاهر الحديث يرد قولهما. وقال
عطاء: لا بأس أن يقيم المحلل على نكاحه)). وهو تكرار لما تقدم ص١٩٨، ١٩٩.
(٤) بعده فى النسخ: ((ابن)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٣٦٤٢، ١٣٦٤٣).
(٦) فى م: ((فالمتأول)) .
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٠٧٧٦)، وابن أبى شيبة ٢٩٤/٤، والبيهقى ٢٠٨/٧ من طريق الزهرى به.
٢٠٠