النص المفهرس

صفحات 61-80

الموطأ
وصَفنا من أنَّ المؤمنين بعضُهم أولياءُ بعضِ، ولما فى ذلك مِن التمهيد
الاختلافِ - ولكن لتناولها الأمرَ مِن غيرِ وجهِه، ولأَنَّه أحوطُ فى الفروج
وتحصينِها، فإذا وقَع الدُّخولُ وتطاوَل الأمرُ لم يُفسَخْ؛ لأنَّ الأمورَ إذا
تفاوَتتْ لم يُرَدَّ منها إلَّا الحرامُ الذى لا شكَّ فيه، ويُشِئَّهُ ما فات مِن ذلك
بحكم الحاكمِ إذا حكم بحكمٍ، لم يفسَحْ إلَّ أن يكونَ خطأً لا يُثَكُّ
فيه ، فأمَّا ما يَجتهِدُ فيه الَّأَىُ وفيه الاختلافُ فإنَّه لا يفسَخُ ولا يُرَدُّ مِن
رأي إلى رأي ، وقد كان يُشبِهُ على مذهبٍ مالكٍ أن يكونَ الدُّخولُ فوتًا
وإن لم يتطاولْ، ولكنِّى أحسبُه احتاطَ فى ذلك لئلا يجترئَ الناسُ على
التزويج بغيرِ ولىٍّ، ويَستعجلوا الدُّخولَ ليجوزَ لهم. قال : وأمَّا ما قال
مالكٌ أَنَّ المرأةَ إذا زوَّجَها غيرُ ولىٍّ، ففسَخه الحاكمُ ، أنَّها تطليقةٌ . فإَّمَا
قال ذلك لِما وصَفْنا أنَّه ليس يُعلَمُ حقيقةُ أنَّه حرامٌ ، ولو كان يعلَمُ حقيقةٌ
أنَّه حرامٌ لكان فسخًا بغيرِ طلاقٍ ، ولم يكنْ عندَ ابنِ القاسم عن مالك
فى المرأةِ إذا تزوَّجَت بغيرِ إذنِ وليِّها، ثم ماتَ أحدُهما - جوابٌ فى
توارثِهما . وقال: وقد كان مالكٌ يستحبُ ألَّا يقامَ على ذلك النِّكاحِ
حتى يبتدِئا النِّكاحَ جديدًا ، ولم يكنْ يحقِّقُ فسادَه .
قال إسماعيلُ : والذى يُشبِهُ عندى على مذهبٍ مالكِ أنَّ هذينٍ
يَتوارثان إن ماتَ أحدُهما؛ لأَنَّ الفسخَ يقعُ عندَه بطلاقٍ ، والنِّكاح ثابتٌ
حتى يفرّقَ بينَهما، وقد ذكَر أبو ثابتٍ أَنَّ ابنَ القاسم كان يَرى أنَّ بينَهما
الميراثَ لو ماتَ أحدُهما قبلَ أنْ يفسَخَ النِّكاح .
٣٠
القبس
٦١

الموطأ
التمهيد
فهذه جملةُ مذهبٍ مالكِ ووجوهُه فى النِّكاح بغيرِ ولىٍّ . ومذهبُ
الليثِ بنِ سعدٍ فى هذا البابِ نحوُ مذهبٍ مالكٍ. وأمَّا الشافعىُّ
وأصحابُه، فالنِّكامح عندَهم بغيرِ ولىٍّ مفسوٌ أبدًا قبلَ الدخولِ وبعدَه،
ولا يتوارثان إن مات أحدُهما. والولىُ عندَهم مِن فرائضِ النِّكاحِ؛ لقيامِ
الدليلِ عندَهم مِن الكتابِ والسُّنَّةِ على أن لا نكاحَ إلّا بولىِّ، قال اللهُ عَزَّ
وجلّ: ﴿وَأَنكِحُواْ اْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. كما قال: ﴿فَأَنْكِحُوهُنَّ
بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. وقال مخاطِبًا الأولياءَ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ
يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. وقال وَخَّ: ((لا نكاحَ إلّا بولىّ)).
وقال ◌َله: ((أيُّما امرأةٍ نكَحتْ بغيرِ إذنٍ وليّها، فنكاحُها باطلٌ)). ولمَّاً
قال وَهِ: ((الأيٌّمُ أحقُّ بنفْسِها مِن وليّها)). دلَّ على أنَّ غيرَ الأيّم وليُّها
أحقُّ بها منها، وكأنَّ الفرقَ بينَهما فى الإذنِ عندَه الأبُ ، على ما ذكرنا
مِن مذهبِ الشافعيّ فى ذلك، فلهذا كلِّه قال الشَّافعىُ وأصحابُه: إِنَّ
النِّكاحَ بغيرِ وليّ باطلٌ مفسوحٌ أبدًا، وفسخُه بغيرِ طلاقٍ . ولم يُفرِّقوا بينَ
الدَّنيَّةِ الحالِ وبينَ الشَّريفةِ؛ لإجماع العلماءِ على أن لا فرقَ بينَهما فى
الدِّماءِ، وقال ◌َله: ((المسلمونَ تتكافأَ دماؤهم))(١). وهذا على: ﴿الُْرُّ
بِالْحُرِ﴾ [البقرة: ١٧٨]. وسائرُ الأحكام كذلك، ليس فى شىءٍ منها فرقٌ
بينَ الوضيعِ والرفيعِ فى كتابٍ ولا سنَّةٍ .
وقال الشَّافعُّ: لا ولايةَ لأحدٍ مع الأبِ ، فإنْ ماتَ فالجدُّ ، ثم أبو
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٦٣٧/٥، ٦٣٨.
٦٢

الموطأ
٠
الجدِّ، ثم أبو أبى الجدِّ كذلك؛ لأنَّ كلَّهم أبٌ، والثَّيِّبُ والبكرُ فى ذلك التمهيد
سواءٌ، لا تنكَحُ واحدةٌ منهما بغيرِ وليّ، إلّا أنَّ الثَّيِّبَ لا يُنكِحُها أَبٌّ ولا
غيرُه إلّ بأمرِها، ويُنكِحُ الأَبُ البكرَ مِن بناتِه بغيرِ أمرِها ؛ لأَنَّه أحقُّ بها مِن
الثَّيِّبِ ، على ما قدَّمْنا، والولايةُ بعدَ الجدِّ - وإن عَلا - للإخوةِ، ثم الأقربِ
فالأقربِ. قال المُزَنِئُ: قال فى الجديدِ: مَن انفرَد بأُمِّ كان أولَى بالإنكاحِ،
كالميراثِ. وقال فى القديم : هُما سواءٌ. وقال الثَّورىُّ كقولِ الشَّافعيّ :
الأولياءُ العصبةُ . وقال أبو ثُورٍ : كلُّ مَن وقَع عليه اسمُ ولىٍّ فله أنْ يُنكِحَ .
وهو قولُ محمدِ بنِ الحسنِ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ سلمةَ، قال: حدَّثنا
ابنُ الجارودِ ، قال : حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال : قلتُ لأحمدَ بنِ
حنبل : إذا تزوَّجَها بغيرٍ وليّ ثم طلَّقها؟ قال: أحتاطُ لهذا (١)، وأُجيزُ
طلاقَه . وقال إسحاقُ: كلَّما طلَّقها وقد عُقِدَ النِّكامح بلا ولىٍّ، لم يقعْ
عليها طلاقٌ، ولا يقعُ بينَهما ميراثٌ؛ لأَنَّ النبىَّ وَّةِ قال: ((فنكاحُها
باطلٌ)). ثلاثًا . والباطلُ مفسوخٌ لا يحتاج إلى فسخ حاكمٍ ولا غيرِه.
وأمّا أبو حنيفةَ وأصحابُه، فليس الولىُ عندَهم مِن أركانِ النِّكاح ولا
مِن فرائضِه، وإنّما هو لئلَّا يلحَقَه عارُها، فإذا تزوَّجَت كُفئًا جازَ النِّكاح،
بكرًا كانت أو ثيًّا. وقال أصحابُ أبى حنيفةً: قولُ رسولِ اللهِ وَّهِ:
القبس
(١) فى ص ٢٧: ((لها)).
٦٣

الموطأ
التمهيد ((الأيّمُ أحقُّ بنفْسِها)). فيه دليلٌ على أنَّ لها أن تزوِّجَ نفْسَها؛ لأَنَّه لم يقلْ:
إِنَّها أحقُّ بنفْسِها فى الإذنِ دونَ العقدِ . ومن ادَّعَى أَنَّه أرادَ الإذنَ دونَ العقدِ
فعليه الدَّليلُ. قالوا : والأيِّمُ كلَّ امرأةٍ لا زوجَ لها، بكرًا كانت أو ئيًّا .
قالوا : فالمرأةُ إذا كانت رشيدةٌ جازَ لها أنْ تلىَ عقدَ نكاحِها؛ لأنَّه عقدٌ
أكسبها مالاً، فجازَ أنْ تتولَّاه بنفْسِها، كالبيع والإجاراتِ. قالوا : وقد
أضافَ اللهُ عزَّ وجلَّ النكاح إليها بقوله: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:
قلے
٢٣٠]. وبقوله: ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. وبقولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيَّ أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
وأمّا مالكٌ وأصحابُه، فهذا الحديثُ عندَهم إنّما هو فى اليتيمةِ ، بكرًا
كانت أو ثيًّا ، والولُ عندَهم مَن عَدا الأبَ ههنا. وقد مضَى هذا القولُ
ووجهُه ، فلا معنى لإِعادتِه ، فما تأوَّلَه أصحابُ أبى حنيفةً فى هذا الحديثِ
فغيرُ مسلّم لهم. وأمَّا احتجاجهم بقوله عزَّ وجلّ: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا
. فإنَّما هذا على ما يجبُ مِن النِّكاح الذى أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ ورسولُه
غَيْرَهُ﴾
به ٢) ، ومنه الولُ، والصَّداقُ، وغير ذلك. وفى هذه المسألةِ كلامٌ كثيرٌ،
واعتراضٌ طويلٌ لكلّ فريقٍ مِن هؤلاء على صاحبِه يطولُ ذكرُه ، ولو أتَّتِنا به
القبس
(١) بعده فى ص، ص ١٧، م: ((قال أبو عمر: أما قوله وَله: ((الأيم أحق بنفسها من وليها)).
فإنما ورد للفرق بين حكم الثيب والبكر فى الإذن ، هذا هو قول الشافعى وغيره ممن يقول: إن الولى
هلهنا الأب )) .
(٢) ليس فى : الأصل ، ص ١٦ .
٦٤

الموطأ
التمهيد
لخرَجْنا عن شرطِنا ، وإنّما غرضُنا التَّعريفُ لما فى الحديثِ مِن المعانى التى
جعَلها الفقهاءُ أصولاً فى أحكام الدِّيانةِ ، ليُوقفَ على الأصولِ وتُضبطَ ،
وأمَّا الاعتلالُ والفروعُ والجدالُ، فتقصُرُ عن حمل ذلك الأسفارُ
والمصنَّفاتُ الطّوالُ.
وقال داودُ وأصحابُه فى قوله: ((الأُثُمُ أحقُّ بنفْسِها مِن وليِّها)): هى
الثَّيْبُ ، ولها أن تزوِّجَ نفْسَها بغيرٍ وليّ ، والبكرُ يزوِّجُها وليُّها ، ولا تتزوَّجُ
بغيرِ ولىٌّ ؛ لقولِه: ((لا نكاحَ إلّا بوليٌ)). وهذا على الأبکارِ خاصّةً، بدليلٍ
قوله: ((الثَِّبُ أَحقُّ بنفْسِها)). واحتجَّ أيضًا بقولِه وَلَه: (ليس للولىِّ مع
الثَّيِّبِ أمرٌ)). وبحديثٍ خنساءً، وسنذكُرُه فى بابِ عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ
مِن كتابنا هذا(١) إن شاء الله .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال : حدَّثنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ علىٍّ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال :
أخبرنا معمرٌ، عن صالح بنِ كَيسانَ ، عن نافعِ بنِ جبيرِ بنِ مطعم ، عن ابنِ
عباسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((ليس للولىِّ مع الثَّيْبِ أمرٌ، واليتيمةُ
تُستأمَرُ، وصمتُها إقرارُها))(١) .
قال أبو عمرَ: الأُولَى أن يحمَلَ قولُه ◌َالَهِ: ((لا نكاح إلا بوليٌ)). على
عمومِه، وكذلك قولُه: ((أَيُّما امرأةٍ نكَحتْ بغيرِ إذنٍ وليِّها ، فنكاحُها
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١١٥٠).
(٢) أخرجه البيهقى ١١٨/٧ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٢١٠٠)، وعبد الرزاق (١٠٢٩٩).
٦٥
( موسوعة شروح الموا ٥/١٤ )

الموطأ
التمهيد باطلٌ)). على عمومِه أيضًا. وأمَّا حديثُ: ((الأُيُّمُ أحقُّ بنفْسِها مِن وليّها)).
فأَّما ورَد للفرقِ بينَ الثَّيِّبِ والبِكرِ فى الإذنِ . واللهُ أعلمُ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال:
حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن ابنٍ جريج، عن ابنٍ أَبِى مُليكةً، عن أبى عمرو
مولَى عائشةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((تُستَأْمَرُ النِّسَاءُ
فى أبضاعِهنَّ). قالت : قلتُ : يا رسولَ اللهِ، إِنَّهنَّ يَستحيينَ. قال :
((الْأَيُمُ أحقُّ بنفْسِها، والبكرُ تُستأمَرُ، وسكوتُها إقرارُها))(١) .
قال أبو عمرَ: أجمَعَ العلماءُ على أنَّ للأبِ أنْ يزوِّجَ ابنته الصغيرةَ ولا
يشاورَها؛ لتزويج رسولِ اللهِ وَّهِ عائشةَ وهى بنتُ ست سنينَ، إِلَّ أنَّ
العراقيّينَ قالوا : لها الخيارُ إذا بلَغتْ. وأَتَى ذلك أهلُ الحجازِ. ولا حَّةً مع
مَن جعَل لها الخيارَ عندى . واللهُ أعلمُ . قال أبو قرَّةَ: سألتُ مالكًا عن قولٍ
النبيِِّ وَهُ: ((والبكرُ تُستأذَنُ فى نفْسِها)). أيُصيبُ هذا القولُ الأَبَ؟ قال:
لا ، لم يُعنَ الأَبُ بهذا، إَّا عُنِىَ به غيرُ الأَبِ. قال: وإنكاحُ الأَبِ جائزٌ
على الصِّغارِ مِن ولدِه، ذكرًا كان أو أنثَى. قال: ولا يُنكِحُ الجاريةَ الصغيرةَ
أحدٌ مِن الأولياءِ غيرُ الأبِ .
القبس
٠
(١) ابن أبى شيبة ١٣٦/٤ - وعنه مسلم (١٤٢٠) - وأخرجه أحمد ٢١٦/٤٠ (٢٤١٨٥)،
والبخارى (٦٩٤٦)، ومسلم (١٤٢٠)، والنسائى (٣٢٦٦) من طريق ابن جريج به.
٦٦

الموطأ
واختلفوا فى الأبِ ، هل يُجبِرُ ابنتَه الكبيرةَ البكْرَ على النِّكاح أم لا ؟ التمهيد
فقال مالكٌ، والشافعىُ، وابنُ أبى ليلى : إذا كانت المرأةُ بكرًا كان لأبيها
أن يُجبرَها على النكاح، ما لم يكنْ ضررًا بيّنًا، وسواء كانت صغيرةٌ أو
كبيرةٌ . وبه قال أحمدُ ، وإسحاقُ، وجماعةٌ. وحجَّتُهم أنَّه لمَّا كان له أن
يزوِّجَها وهى صغيرةٌ، كان له أنْ يزوِّجَها وهى كبيرةٌ إذا كانت بكرًا؛ لأنَّ
العلَّةَ البُكورةُ، ولأنَّ الأبَ ليس كسائرِ الأولياءِ، بدليلٍ تصرُّفِه فى مالِها
ونظرِه لها ، وأنَّه غيرُ متَّهم عليها ، ولو لم يجزْ له أنْ يزوِّجَها وهى بكرٌ بالغّ
إلَّا بإذنِها ما جازَ له أنْ يزوَّجَها صغيرةً ، كما أنَّ غيرَ الأبِ لمَّا لم يكنْ له أن
يزوِّجَها بكرًا بالغًا إِلَّ بإذنِها، لم يكنْ له أن يزوِّجَها صغيرةً ، فلو احتيج إلى
إذنِها فى الأُبِ ما زوَّجَها حتى تكونَ ممّن لها الإذنُ بالبلوغ، فلمَّا أجمَعوا
على أنَّ للأبِ أَنْ يزوِّجَها صغيرةً - وهى لا إذنَ لها - صحَّ بذلك أنَّ له أن
يزوِّجُها بغيرِ إذنِها كبيرةٌ(١) ما كانت بكرًا؛ لأنَّ الفرقَ إِنَّا ورَد بينَ النَّيْبِ
والبكرِ، على ما قدَّمْنا. ومِن حَجَّتِهم أيضًا قولُهُ وَ: ((لا تنكَحُ اليتيمةُ إلَّا
بإذنِها)). لأنَّ فيه دليلًا على أنَّ غيرَ اليتيمةِ تنكَحُ بغيرِ إذنِها، وهى البكرُ
ذاتُ الأَبِ، وكذلك قولُه: ((الثَّيِّبُ أحقُّ بنفْسِها)). فيه دليلٌ على أنَّ البكرّ
وليّها أحقُّ منها ، وهو الأبُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زيادٍ ،
قال : حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ الزَّعفرانىُ، قال: حدَّثنا أسباطُ بنُ محمدٍ ،
القبس
(١) سقط من: ص ٢٧، وفى الأصل، م: ((كائنة)).
٦٧
1

الموطأ
التمهيد عن محمدِ بنِ عمرو، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ ، قال: قال رسولُ اللهِ
وَه : «تُستأمَرُ اليتيمةُ فى نفسِها، فإن سكتتْ فهو إذنُها، وإن أَبَتْ فلا
جوازَ عليها))(١).
قال : وحدَّثنا الزَّعفرانىُ، قال: حدَّثنا عقَّانُ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ
سلمةً، عن محمدِ بنِ عمرو، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ ، عن النبيِّ
وَّ قال: ((تُستأمَرُ اليتيمةُ فى نفْسِها، فإن سكتتْ فهو رِضاها))(٢).
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدّثنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا موسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ.
قال أبو داود : وحدَّثنا أبو كاملٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قالا: حدَّثنا
محمدُ بنُّ عمرو، قال : حدَّثنا أبو سلمةَ، عن أبى هريرةَ قال : قال
رسولُ اللهِ وَّلَهُ: «تُستأمَرُ اليتيمةُ فى نفْسِها، فإن سكَتت فهو إذنُها، وإن
أَبَتْ فلا جوازَ عليها))(٢).
قال أبو عمرَ : ليس يَروى هذا الحديثَ عن أبى سلمةً بهذا اللَّفظِ غيرُ
محمدِ بنِ عمرٍو. واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) أخرجه البيهقى ١٢٠/٧ من طريق ابن الأعرابى به، وأخرجه أحمد ٤٩٦/١٢، ١٣٣/١٦
(٧٥٢٧، ١٠١٤٦)، وأبو داود (٢٠٩٣، ٢٠٩٤)، والترمذى (١١٠٩)، والنسائى (٣٢٧٠)
من طريق محمد بن عمرو به .
(٢) أخرجه أحمد ٥٣٩/١٤ (٨٩٨٨) عن عفان به ، وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٦٤/٤
من طريق حماد به .
(٣) أخرجه البيهقى ١٢٢/٧ من طريق محمد بن بكر به . وهو عند أبى داود (٢٠٩٣).
٦٨

الموطأ
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : التمهيد
حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحسنِ الحربىُّ، قال: حدَّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا
يونسُ بنُ أبى إسحاقَ ، قال: حدَّثنا أبو بردةَ، عن أبى موسَى قال : قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: «تُستَأمَرُ اليتيمةُ فى نفْسِها، فإن سكتتْ فقد أذِنَتْ ، وإن
أنكَرتْ لم تُكرَّه))(١).
قالوا : ففى قولِه : ((تستأمَرُ اليتيمةُ)). دليلٌ على أنَّ غيرَ اليتيمةِ لا
تستأمَرُ، وهى ذاتُ الأُبِ إذا كانت بكرًا، بدليل قولِهِ وَله: «الشَّيِّبُ أحقُّ
بنفْسِها)) .
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثَّورىُّ، والأُوزاعىُّ، والحسنُ بنُ حىٍّ،
وأبو ثورٍ، وأبو عبيدٍ: لا يجوزُ للأبِ أن يزوِّجَ البالغَ مِن بناتِه - بكرًا كانت
أو ثيًّا - إلَّا بإذنِها. ومِن حَجَّتِهم قولُه وَلِلَّ: ((الأُيُمُ أحقُّ بنفْسِها)). قالوا:
والأيُّمُ هى التى لا بعلَ لها ، وقد تكون ثيًّا وبكرًا، فكلُّ أيّم على هذا إلَّا
ما خصَّته السُّنَّةُ، ولم تخُصَّ مِن ذلك إِلَّ الصغيرةَ وحدَها يزوِّبجها أبوها
بغيرِ إذنِها ؛ لأَنَّه لا إذنَ لمثلِها، وقد ثبت أنَّ أبا بكرِ الصِّدِّيقَ زوَّجَ عائشةَ
ابنتَه مِن رسولِ اللهِ وَلَّه وهى صغيرةٌ لا أمرَ لها فى نَفْسِهاَ. فخرَج
القبس
(١) أخرجه البيهقى ١٢٠/٧ من طريق إسحاق بن الحسن به، وأخرجه الدارمى (٢٢٣١) ،
والطحاوى فى شرح المعانى ٣٦٤/٤ من طريق أبى نعيم به ، وأخرجه أحمد ٢٧٧/٣٢ (١٩٥١٦)،
والبزار (٣١٨٩) من طريق يونس به .
(٢) سيأتى تخريجه ص٧٩، ٨٠ .
٦٩

الموطأ
ھ
التمهيد الصِّغارُ مِن النِّساءِ بهذا الدليل. وقالوا: الولىُّ ههنا كلَّ وليٍّ ، أبِ وغيرِ
أبٍ، وهو حقُّ الكلام أن يُحْمَلَ(١) على ظاهرِه وعمومِه، ما لم يردْ ما
يخُصُّه ويُخرجُه عن ظاهرِه. واحتجُوا أيضًا بقولِه وَلَيهِ: ((لا تنكَحُ البكر
حتى تُستأذَنَ)). قالوا : فهذا على عمومِه فى كلِّ بكرٍ إلَّا الصغيرةَ ذاتَ
الأُبِ - بدليلِ قصةٍ عائشةَ رضِى اللهُ عنها - وإجماعِهم على أنَّ ذلك
صحيحٌ عنه وَله. واحتجُوا أيضًا بحديثِ ابنِ عباسٍ، أَنَّ رجلًا زوَّجَ ابنتَه
وهى بكرٌ، فَأَبَتْ، وجاءَتِ النبىَّ نَ لِ فردَّ نكاحَها.
قال أبو عمر : هذا حديثٌ انفرد به جریرُ بنُ حازم - لم يروه غیرُه -
عن أيوبَ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ . وقد رُوِى مِن حديث جابرٍ ، وابنٍ
عمرَ، مثلُ ذلك ، وليس محفوظًا .
حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال :
حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ محمدِ المَرَوزِىُّ، وحدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال:
حدَّثنا عثمانُ بنُ أبى شيبةَ ، "قال: حدَّثنا حسينُ بنُ محمدٍ، قال: حدّثنا
جريرُ بنُ حازم، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس ، أنَّ جاريةً بكرًا أتَت
(٣)
النبيَّ وََّ فذكَرَتْ أنَّ أباها زوَّجَها وهى كارهةٌ، فخيّرها النبىُّ نَّه(١).
القبس
(١) فى م: ((يجعل)).
(٢ - ٢) فى النسخ: ((قالا)). والمثبت من سنن أبى داود.
(٣) أبو داود (٢٠٩٦). وأخرجه البيهقى ١١٧/٧ من طريق جعفر بن محمد به ، وأخرجه =
٧٠

الموطأ
قال أبو عمرَ : هذا عندَ أصحابِنا يَحتملُ أنْ يكونَ ورَد فى عينٍ (١) التمهيد
زوَّجَها أبوها مِن غيرِ كفءٍ، أو ممَّن يَضُرُّ بها. وأمَّا قولُه: ((الأيُّمُ أحقُّ
بنفْسِها مِن وليّها)). فقد مضَى هذا الحديثُ وتكوَّرَ، ومضَى القولُ فى
معانيه على اختلافٍ ما للعلماءِ فيها (٢).
وأمَّا قولُه: ((لا تُنكَحُ البكرُ حتى تُستأذَنَ)). فحدَّثنا محمدُ بنُّ
عبدِ الملكِ ، قال: حدَّثنا أبو سعيدِ بنُ الأعرابيّ، قال: حدَّثنا الزَّعفرانىُ ،
قال : حدّثنا و کیڤ، قال : حدثنا علىُ بنُ المباركِ ، عن یحیی بنِ ابی كثيرٍ ،
عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((لا تنكَحُ
الثَّيْبُ حتى تُستأمَرَ، ولا البكرُ حتى تُستأذَنَ)). ( قالوا : يا رسولَ اللهِ؛
كيفَ إِذنُها ؟ قال: ((أنْ تسكُتَ))) .
القبس
= أحمد ٢٧٥/٤ (٢٤٦٩)، وابن ماجه (١٨٧٥)، والنسائى فى الكبرى (٥٣٨٧) من طريق
الحسين بن محمد به .
(١) فى ص ١٦: ((أن))، وفى ص ٢٧: ((غير)).
(٢) فى ص، ص ٢٧: ((فيه)).
(٣ - ٣) فى ص، ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧: ((قيل: يا رسول الله، فما إذنها ؟ قال:
السكوت )) .
والحديث أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٦٧/٤ من طريق وكيع به ، وأخرجه أحمد
٣٦٧/١٢ (٧٤٠٤)، ومسلم عقب الحديث (١٤١٩)، وابن ماجه (١٨٧١)، والترمذى
(١١٠٧)، والنسائى (٣٢٦٥) من طريق يحيى بن أبي كثير به.
٧١

٠٦
الموطأ
التمهيد
وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ محمدِ بنِ
زيادٍ، قال : حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ بنِ الصَّبَّاح، قال: حدَّثنا
عبدُ الوهّابِ ، عن هشام بنِ أبی عبدِ اللهِ ، عن یحیی بنِ ابی کثیرٍ ، عن أبى
سلمةَ، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهِ قال: ((لا تنكَحُ الأُيُّمُ حتى
تُستَأْمَرَ، ولا البكرُ حتَّى تُستأذَنَ)). قالوا : يا رسولَ اللهِ، كيف إذنُها ؟
قال: ((أن تسگت))().
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ ، قال : حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال حدَّثنا أبانٌ ، قال: حدَّثنا
يحيّى، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((لا تنكَحُ
الثَّيْبُ حتى تُستأمَرَ، ولا البكرُ حتى تُستأذَنَ)). قالوا : يا رسولَ اللهِ،
وكيفَ إِذنُها؟ قال: ((إذا سكَنت فهو رِضاها))(٢) .
وحدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال : حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد الصائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
سابقٍ ، قال : حدَّثنا شيبانُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، عن یحتی بنِ أبى كثيرٍ، عن
أبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((لا تنكَحُ الأَيُّمُ
حتى تُستأمَرَ، ولا البكرُ حتى تُستأذَنَ)). قالوا: وكيفَ إِذنُها؟ قال: ((أنْ
القبس
(١ - ١) ليس فى : الأصل ، م .
والحديث أخرجه أحمد ٣٧١/١٥ (٩٦٠٥)، والبخارى (٥١٣٦)، ومسلم (٦٤/١٤١٩) ،
والنسائى (٣٢٦٧) من طريق هشام به .
(٢) أبو داود (٢٠٩٢) .
٧٢
:

الموطأ
تسكُتَ))(١).
التمهید
قال أبو عمرَ : ليس يأتى هذا اللفظُ فى هذا الحديثِ إلَّ بهذا الإسنادٍ ،
وهو ممّا انفردَ به يحيى بنُ أبي كثيرٍ، وهو ثقةٌ، وهو أثبتُ عندَهم مِن
محمدٍ بنِ عمرٍو، وظاهرُه يَقتضى أنَّ البكرَ لا يُنكحُها وليّها ، أبًا كان أو
غيرَه، حتى يستأذنَها ويستأمرَها، ولا يُستأذَنُ ولا يُستأمَرُ إلّ البوالغُ.
وهذه حجّةُ الكوفيّينَ ، إِلَّا أنَّ البكرَ ههنا يَحتملُ أن تكونَ الیتیمةَ ، بدلیل
حديثٍ محمدِ بنِ عمرٍو، وإذا حُمِلَ على هذا لم تتعارضِ الأحاديثُ ،
وكانت الصغيرةُ والكبيرةُ، إذا كانت بكرًا ذاتَ أبٍ، سواءً، والعلَّةُ ما
ذكرنا مِن البكورة . واللهُ أعلمُ .
واختلفوا فى غيرِ الأبِ مِن الأولياءِ - أخًا كان أو غيرَه - هل له أن
يزوِّجَ الصغيرةَ ؟ فقال مالكٌ والشَّافعىُّ: لا يجوزُ لأحدٍ مِن الأولياءِ غيرِ
الأُبِ أن يزوِّجَ الصغيرةَ قبلَ البلوغ، أخًا كان أو غيرَه. وهو قولُ ابنِ أبى
ليلى والثورىِّ. وبه قال أحمدُ بنُ حنبل ، وأبو ثورٍ ، وأبو عبيدٍ. وحجَّةُ مَن
قال بهذا قولُهُ وَّهِ: ((تُستأمَرُ اليتيمةُ فى نفسِها، فإن سكَتَت فقد أذِنَتْ)).
قالوا : والصغيرةُ مَمَّن لا إذنَ لها، فلم يجُزِ العقدُ عليها إلَّ بعدَ بلوغِها، ولأنَّ
الأخَ لا يتصرّفُ فى مالِها، فكذلك بُضعُها . وقال أبو حنيفةً : يجوزُ أن
يزوِّجَ الصغيرةَ وليُّها مَن كان، أَبًا كان أو غيرَه، غيرَ أنَّ لها الخيارَ إذا
القبس
(١) أخرجه البخارى (٦٩٧٠)، ومسلم عقب الحديث (١٤١٩) من طريق شيبان به .
٧٣

٠٠
الموطأ
ن
التمهيد بلَغتْ . وبه قال محمدُ بنُ الحسنِ. وقال أبو يوسفَ : لا خيارَ لها . ولا
٠
فرقَ بينَ الأُبِ وغيرِهِ مِن الأولياءِ عندَهم. قالوا: مَن جازَ له أن يزوِّجَها
كبيرةً، جازَ أنْ يزوِّجَها صغيرةً. ورُوِى مثلُ قولِ أبى حنيفةً هذا عن
الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وطاوسٍ، وعطاءِ بنِ أبى رباح، وقتادةً،
وابنٍ شبرمةً، والأوزاعىّ(١).
واختلفوا فى النِّكاح يقعُ على غيرٍ ولىٍّ، ثم يجيزُه الولىُ قبلَ
الدخولِ ؛ فقال مالكٌ وَأصحابُه إلّا عبدَ الملكِ: ذلك جائزٌ، إذا كانت
إجازةُ الوليّ لذلك بالقُربِ ، فإن كان ذلك قريبًا جازَ، وللوليّ فى ذلك أن
يجيزَ أو يفسخَ ما كان بحِدْثانٍ ذلك، وسواءٌ دخَل أو لم يدخُلْ، للولىّ
إجازتُه وفسخُه مالم تطُلْ إقامتُها معه . هذا إذا عقَد النكاحَ غيرُ الولىِّ ولم
تعقِدْه المرأةُ لنفسِها ، فإن زوَّجتِ المرأةُ نفسَها وعقَدت عقدةَ النِّكاحِ مِن غيرِ
ولىِّ قريبٍ ولا بعيدٍ مِن المسلمينَ ، فإِنَّ هذا النِّكاحَ لا يُقَرُّ أبدًا على حالٍ وإن
تطاوَل وإن ولَدتِ الأولادَ، ولكنَّه يلحَقُ به الولدُ إِنْ دخَل، ويسقُطُ الحدُّ،
ولا بدَّ مِن فسخ ذلك النكاح على كلّ حالٍ . وقال ابنُّ نافع ، عن مالكٍ :
الفسخُ فيه بغيرِ طلاقٍ . وقال عبدُ الملكِ بنُ الماجِشونِ: لو أنَّ امرأةً مالكةٌ
أمرَها تزوَّجَت على أن يجيزَ وليُّها، فأجازَ ذلك، لم يجُزْ. قال : وكذلك
إِنْ كانت حظيَةً(١) ذاتَ حظاءٍ(٢) ، فجعَلتْ أمرَها إلى رجلٍ فزوَّجَها ،
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٠٣٦٢، ١٠٣٦٣، ١٠٣٦٧، ١٠٣٦٨، ١٠٣٧٠)، وابن أبى
شيبة ١٤٠/٤ .
(٢) سقط من : ص ، ص ١٧ .
(٣) فى ص: ((خطب))، وفى ص ١٧: ((حظ))، وفى ص ٢٧: ((حظو)).
٧٤

الموطأ
فأجازَ ذلك وليُّها، لم يجُزْ. قال أحمدُ بنُ المعذَّلِ : قال لى عبدُ الملكِ: التمهيد
انظُرْ أبدًا فى هذا البابِ ، فإن كان العقدُ مِن المرأةِ ، أو ممّن جعَلت ذلك
إليه، وهو غيرُ وليّ، ثم أجازَ ذلك الولىُّ، فإِنَّ ذلك مردودٌ أبدًا، وإن كان
العقدُ مِن الولاةِ ثم أجازتهُ المرأةُ ، فهى لهم تبعّ، وهو ماضٍ . قال إسماعيلُ:
أمَّا تشبيهُ عبدِ الملكِ تزويجَ غيرِ الوليّ بأمرِ المرأةِ ، بتزويج المرأةِ نفسَها ، فلا
يُشبهُه؛ لأَنَّ المرأةَ لا تَلى عقدَ نكاح نفسِها ولا غيرِها وَلا أَمتِها؛ لأنَّ هذا
بابٌ ممنوعٌ منه النساءُ. قال: وجعَل عبدُ الملكِ تزويجَ غيرٍ ولىّ المرأةِ المرأةَ
بأمرِها أضعفَ مِن تزويج الولىِّ المرأةَ بغيرِ أمرِها، وجعَل مالكٌ تزويجٌ
غيرِ الولىّ بأمرِها أقوى من تزويج الولىِّ المرأةَ بغيرِ أمرِها . قال إسماعيلُ:
والذى قال مالكٌ أَشبَهُ وأبينُ؛ لَأَنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((الأَيِّمُ أحقُّ بنفسِها
مِن وليّها)). فإِذا عقَد نكاحَها الولىُّ بغيرِ أمرِها، ثم أجازَتْ، لم يجُزْ، إلّا
أنْ يكونَ بالقربِ ، فإِنَّه استحسنَ ذلك؛ لأنَّه كأنَّه كان فى وقتٍ واحدٍ
وفورٍ واحدٍ ، وإَا أبطَله مالكٌ لأنَّ عقدَ الولىِّ بغيرِ أمرِ المرأةِ كلا عقدٍ ؛ لأنَّها
لو أنكَرته لم يكنْ فيه طلاقٌ، وإذا زوَّج المرأةَ غيرُ ولىِّ بأمرِها فهو نكاح قد
وقَع فيه اختلافٌ، فإنَّا يُفسخُ باجتهادِ الرَّأْيِ، والأوَّلُ يُفسَخُ بالحقيقةِ.
قال: فجعَل عبدُ الملكِ الأقوى أضعفَ، والأضعفَ أقوى. قال : وقد
حكَى ابنُ القاسم، عن مالكِ، فى المرأةِ يزوِّجُها غيرُ الولىِّ بإذنِها : إنَّ
فسخَه ما هو عندى بالبيِّ، ولكنَّه أحبُّ إلىّ . قال ابنُ القاسم : وبينَهما
الميراثُ لو ماتَ أحدُهما قبلَ الفسخِ .
قال أبو عمرَ : مِن مشهورٍ قولٍ مالكٍ وأصحابِه فى المرأةِ التى لا حالَ
القبس
٧٥

الموطأ
التمهيد لها ولا قدرَ ولا مالَ، أَنَّ لها أنْ تجعَلَ أمرَها إِلى مَن يزوِّبجها، وأنَّه لا يُحتائج
فى ذلك إلى إجازةٍ وليّها. قال ابنُ القاسم، عن مالكٍ، فى المُعتقةِ،
والمسالمةِ، والمرأةِ المسكينةِ تكونُ فى القريةِ التى لا سلطانً فيها ، أو تكونُ
فى الموضع الذى فيه سلطانٌ ولا خطبَ لها، قال مالكٌ: لا أَرَى بأسًا أن
تَستخلفَ على نفسِها مَن يزوِّبجها، فيجوزُ ذلك. وقال عبدُ الملكِ بنُ
الماجشونِ : قولُ أصحابِنا فى الدَّنيَّةِ الحالِ والموضع، والأعجميّةِ،
والوغْدةِ ، تُسنِدُ أمرّها إلى رجلٍ له حالٌ وليس مِن مَواليها، ولا مَّن يأخذُ
لھا بالقسم ٢١۔ أنّه لو زوَّجھا مضی ولم يُردًّ ، و کان مستحسنًا ، یجری فی
ذلك مجرى الوليّ. قال: وأمَّا المرأةُ ذاتُ الحالِ والنعمةِ والنَّسبِ والمالٍ،
فإنَّه لا يزوِّيجُها فى قولِنا - لا أعلمُ فيه شكّا عندَ أصحابِنا - إلّ ولىّ، أو مَن
يَلى الولىَّ، أو السّلطانُ .
٠
قال أبو عمرَ : ولم يختلفْ قولُ مالكٍ وأصحابِه فى العبدِ ینکِخ بغيرِ
إذنِ سيِّدِه، أنَّ الشَّيِّدَ بالخيارِ؛ إن شاء أجازَه، وإنْ شاء فسخه، ولم
يَشترطوا هلهنا قربًا ولا بعدًا. وقال يحيى بنُ سعيدٍ: الأمرُ عندَنا بالمدينةِ
على هذا ؛ إن شاء أمضاه السَّيِّدُ ، وإن شاء فسخه ، فإنْ أَمْضاه فلا بأسَ به .
قال إسماعيلُ: وهو قولُ سعيدِ بنِ المسئَّبِ، والحسنِ، وإبراهيمَ، والحكم(١).
قال : وليس هذا مثل أن یتزوّجها علی الخیارِ ؛ لأنَّ نکائ لا خيار فيه انعقَد
عليه ، وأَما صارَ الخيارُ للسيِّدِ فى فسخِه وإمضائِه لما يدخُلُ عليه فى عبدِه ممّا
القبس
(١) فى ص، ص ١٧: ((بالفسخ)).
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٤٥/٤.
٧٦

الموطأ
لم يرضَه، فإذا عِلِمَه ورضِيَه جازَ؛ لأنَّ عيبَ النِّكاح مِن قِبَلِهِ ، وإن فرَّقَ التمهيد
0
بينَهما كان طلاقًا، بمنزلةٍ مَن إليه طلاقُ زوجةِ رجُلٍ ، فإن لم يطلِّقْ ثبَت
النكاح. وقال عبدُ الملكِ بنُ الماجشونِ فى العبدِ يتزوَّجُ بغيرِ إذنِ سيِّدِه،
والمولّى عليه يتزوَّجُ بغيرِ إذنٍ وليّه، ثم يَعتِقُ العبدُ ، ويَلی الیتیمُ نفسَه ، مِن
قبلِ أن يُفسَخَ نكاحُهما: إنَّ نكاحَهما يثبتُ . قال: ولو أنَّ أمةً تزوَّجَت
بغيرِ إذنِ سيِّدِها، ثم أمضاه، لم يمضٍ. وذكر ابنُ القاسم وغيرُه عن مالكِ
فى العبدِ والأمَّةِ مثلَ ذلك. قال ابنُ القاسم : لأنَّ العبدَ يَعقدُ نكاحَ نفْسِه ،
والأُمَةَ لا تَعقدُ نكاحَ نفسِها، فعقدُها نكاحَها باطلٌ . قال ابنُ القاسم : ولو
باعَه السيدُ قبلَ أن يعلَمَ بنكاحِه ، لم يكنْ للمشترى أن يردَّ نكاحَه ، وله أن
يُؤُدَّ البيعَ إن شاء، إذا علِم بذلك، فإن رَدَّه كان للبائع إجازةُ النكاحِ ورَدُّه .
وقال عبدُ الملكِ: لو أنَّ رجلًا زوَّجَ غلامًا لغيرِه جاريته أو جاريةَ غيرِه ، ثم
علِمِ السَّيِّدُ فأجازَ، قال: يَمضى النكاح، وإنما ذلك كتزويج اليتيم والعبدِ إِذا
أمْضاه الولىُ والسيدُ .
قال أبو عمرَ : هذا ولم يختلفْ قولُهم أنَّ نكاحَ الأمَةِ بغيرِ إذنِ سيِّدِها
ورضاه باطلٌ. وقال أبو حنيفة وأصحابُه : ذلك النكاح موقوفٌ على مَن
إليه إجازتُه مِن الأولياءِ، وكذلك نكاحُ الأمَّةِ والعبدِ ، هو موقوفٌ على
إجازةِ السيدِ ، قياسًا على البيع الموقوفِ على إجازةِ السيدِ ؛ استدلالاً
بحديثٍ الشاتَين، مِن حديثِ عروةَ البارقيّ وحَكيم بنِ حزامٍ، ولإجماع
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٨٦)، والترمذى (١٢٥٧) من حديث حكيم بن حزام .
٧٧

الموطأ
التمهيد المسلمين على أنَّ الوصيّةَ موقوفةٌ على قَبولِ الموصى له .
قال أبو عمرَ : حديثُ الشَّاتَين حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قال :
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ ، قال : حدّثنا مسدَّدٌ ،
قال : حدَّثنا سفيانُ، عن شبيبٍ بنِ غرقدةَ ، قال: حدَّثنى الحىُّ، عن عروةً
البارقيّ قال: أعطاهُ النبىُ وَّ لهدينارًا ليشترىَ به أضحيَّةً - أو قال: شاةً -
فاشْترى به ثنتين ، فباعَ إحداهما بدينارٍ ، فأتاه بشاةٍ ودينارٍ ، فدعا له بالبركةِ
فى بيعِه، فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه (١).
قال أبو عمرَ: ليس فى هذا الحديثِ حَّةٌ لمن احتجَّ به فى هذا البابِ ،
لا مِن جهةِ الإسنادِ ، ولا مِن جهةِ المعنى .
وقال الشافعىُّ : إذا نكَحتِ المرأةُ بغيرِ إذنٍ وليّها، فلا يجوزُ النِّكامخ
وإن أجازَه الولىُ حتى يُبتَدَأُ بما يجوزُ. وكذلك البيعُ عندَه إذا وقَع فاسدًا ،
كرجلٍ باعَ مالَ غيرِهِ بغيرِ إذنِهِ ، لا يجوزُ وإن أجازَه صاحبُه حتى يستأنفا
بيعًا. وهو قولُ داودَ فى الوجهَين جميعًا. ومِن حبّتِهم قولُ رسولِ اللهِ
وَلَّهِ: ((أَيُّما امرأةٍ نكحتْ بغيرِ إذنٍ وليِّها، فنكاحها باطلٌ))(٢). و: ((أيُّما
عبدِ نكَح بغيرِ إذنِ سيِّدِه، فنكاحُه باطلٌ، وهو عاهرٌ))(٢). ولم يقلْ: إِلَّا أنْ
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٨٤) عن مسدد به ، وأخرجه أحمد ١٠٠/٣٢ (١٩٣٥٦)، والبخارى
(٣٦٤٢) من طريق سفيان به .
(٢) تقدم تخريجه ص٤٩ - ٥٢ .
(٣) أخرجه أحمد ١٢٢/٢٢ (١٤٢١٢)، وأبو داود (٢٠٧٨)، والترمذى (١١١١، ١١١٢) =
٧٨

?'
الموطأ
يُجيزَه السَّيِّدُ. فكذلك كلَّ وليّ كالسَّيِّدِ فى ذلك. واحتجّ الشافعىُّ التمهيد
بحديثٍ خنساءَ حينَ رَدَّ النبيُّ وَِّ نكاحَها إِذ زوَّجَها أبوها بغيرِ
إذنِها(١)، ولم يقلْ: إلّا أن تجيزِى. وقال الثورىٌّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ،
فى هذه المسألةِ : أُحبُّ أن يستقبلوا نكاحًا جديدًا. وقال أحمدُ بنُ
حنبلٍ : لا أرَى للقاضى ولا للوليّ أن يزوِّجَ اليتيمةً حتى تبلُغَ تسعَ سنينَ .
قال : فإنْ زوِّجَتْ صغيرةً دونَ تسع سنينَ، فلا أرَى أن يُدخَلَ بها حتى
تبلُغَ تسعَ سنينَ .
قال أبو عمرَ : لا أعلمُ أحدًا قاله غيرَه ، وأظنُّه أخَذه مِن قصةِ عائشةً فى
الدخولِ، وقد تزوَّجَها رسولُ اللهِ وَ لَّه وهى بنتُ ستِّ سنينَ أو سبعٍ
سنينَ، ودخَل بها وهى ابنةُ تسع أو عشرٍ سنينَ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا قاسم ، حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا
موسى بن إسماعيلَ ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ ، قال أحمدُ بنُ زهيرٍ :
وحدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا جريرٌ، قالا : أخبرنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه ،
عن عائشةَ قالت: تزوَّجنى رسولُ اللهِ وَّهِ وأنا ابنةُ ستٍّ أو سبعٍ سنينَ،
وبنَى بى وأنا ابنةُ تسعٍ سنينَ(٢) .
القبس
= من حديث جابر ، وأخرجه أبو داود (٢٠٧٩)، وابن ماجه (١٩٦٠) من حديث ابن عمر .
(١) سيأتى فى الموطأ (١١٥٠).
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى كتاب العيال (٥٥٩) عن زهير بن حرب به، وأخرجه أبو داود
(٤٩٣٣، ٤٩٣٥) عن موسى بن إسماعيل به، وأخرجه أحمد ٤٠٤/٤٣ (٢٦٣٩٧)، وأبو يعلى
(٤٦٠٠) من طريق حماد به، وأخرجه ابن أبى داود فى مسند عائشة (٣٤) من طريق جرير به.
٧٩

الموطأ
وفى روايةِ الأُسودِ، عن عائشةَ، أن رسولَ اللهِ وَهِ تزوَّجها وهي ابنةٌ
(١)
التمهيد
تسعٍ سنينَ(١).
وقال عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عَقيلٍ: تزوَّجَها رسولُ اللهِ وَلَّهِ وهى ابنةُ
عشرٍ سنينَ .
قال أبو عمرَ : هذا أكثرُ ما قيل فى سنِّ عائشةً فى حينِ نكاحِها،
ومَحمَلُ هذا القولِ عندَنا على البناءِ بها ، وروايةُ هشام بن عروةً أصحُ ما
قيل فى ذلك مِن جهةِ النَّقْلِ . واللهُ أعلمُ .
واختلفوا فى سكوتِ اليتيمةِ البكرِ ؛ هل يكونُ رضًا قبلَ إذنِها فى ذلك
وتفويضِها ؟ فعندَ مالكِ وأصحابِه أنَّ البكرَ اليتيمةَ إذا لم تأذنْ فى النكاح
فليس الشّكوتُ منها رضًا، فإن أذِنَتْ وفوَّضتْ أمرَها وعقدَ نكاحِها إلى
وليِّها ، ثم أنكحَها مَمّن شاء، ثم جاءَ يستأمرُها، فإنَّ إذنَها حينئذِ الصَّمتُ
عندَهم إذا كانت بكرًا كما ذكرنا. وفى مذهبٍ أبى حنيفةً، والشافعىِّ،
وغيرِهم، أنَّ سكوتَ البكرِ اليتيمةِ إذا استؤمِرَتْ، وذُكِرَ لها الرجلُ
وُصِفَ، وأُخِرَت بأنّها تُنكَحُ منه، وأَنَّها إن سكَنت لزِمَها، فسكتتْ بعدَ
هذا ، فقد لزِمَها .
قال أبو عمرَ : فروعُ هذا البابِ كثيرةٌ ، واعتلالُ القائلينَ لأقوالهم فيه
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٨٣/٤٠ (٢٤١٥٢)، ومسلم (٧٢/١٤٢٢)، والنسائى (٣٢٥٨) من طريق
الأسود به .
٨٠