النص المفهرس
صفحات 121-140
الموطأ
قال أبو عمرَ : أُجمَع العلماءُ على أن لا توقيتَ ولا تحديدَ فى أكثرِ التمهيد
الصداقِ ، وذكر اللهُ تعالى الصداقَ فى كتابِه، ولم يَحُدَّ فى أكثرِه ولا فى
أقلِّه حَدًّا، ولو كان الحدُّ مما يُحتاجُ فى ذلك إليه لبيَّتَه رسولُ اللهِ أَلِّ ، إذ
هو المبيِّنُ عن اللهِ مُرادَه ◌َّله، وقد قال ◌َله: ((التمِسْ ولو خاتمًا من
حديدٍ)). والحُدودُ لا تَصِحُ(١) إلا بكتابِ اللهِ ، أو سُنَّةٍ ثابتةٍ لا مُعارِضَ لها ،
أو إجماع يجِبُ التسليمُ له. هذه جملةُ ما احتجَّ به مَن ذهَب هذا
المذهبَ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ ما يُصْدِقُه الرجلُ امرأتَه لا يَملِكُ
شيئًا منه، وأنه للمرأةِ دونَه، ألا تَرَى إلى قوله: ((إن أعطيتَها إزارَك جلَسْتَ
لا إزارَ لك)». وفى هذا ما يدُلُّ على أن الصداقَ لو كان جاريةٌ وَوَطِئَها
الزوج محدَّ ؛ لأنه وَطِئَ مِلْكَ غيرِهِ، وهذا موضعٌ اختلف فيه السلفُ
والآثارُ، وأما فقهاءُ الأَمْصارِ، فعلى ما ذكرتُ لك إذا كان بعدَ
الدخُولِ) . وهو الصحيح؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
خَفِظُونٌ ﴾َ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيِّرُ
مَلُومِينَ ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوَلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥-٧،
المعارج: ٢٩ : ٣١]. ومَن وَطِئَ جاريةً قد أمهَرها زوجتَه، وملَكنْها عليه
يُضْعِها، فلم يطأُ مِلْكَ يمينٍ وتعَدَّى.
القبس
(١) فى ص ١٧: ((تصلح)).
(٢ - ٢) سقط من: ص ١٧، ص ٢٧ ، م .
١٢١
الموطأ
التمهيد
واختلف الفقهاءُ فى المهرِ المسمَّى، هل تَشْتحِقُّ المرأةُ جميعَه بالعقدِ أم
لا ؟ فالظاهرُ من مذهبٍ مالكِ أنَّها (١) لا تستحِقُّ بالعقدِ إِلا نِصفَه، وأما
الصَّداقُ إذا كان شيئًا بعينه فهلَك، ثم طلَّق قبلَ الدخول ، لم يكنْ له عليها
شىءٌ، وأنه لو سَلِم وطلَّق قبلَ الدخولِ أَخَذ نصفَه، ناميًا أو ناقصًا، والنَّماءُ
والنُّقصانُ بينَهما . وقد رُوِى عن مالكِ - وقال به طائفةٌ من أصحابِه - أنها
تستحقُّ المهرَ كلَّه بالعقدِ. واستدلَّ قائلُ ذلك بالموتِ قبلَ الدخولِ،
وبوجوب الزكاةِ فى الماشيةِ " بعينِهَا عليها)، وأنه لا يُقالُ للزوج: اغْرَمْ
عليها الزكاةَ، ثم تَدخُلُ. وبأنه لو كانت بينَهما لم تَجِبْ عليها فى أربعين
شاةً أو خمسٍ ذَوْدٍ زكاةٌ ، فلمَّا أوجبُوا عليها الزكاةَ فى ذلك، عُلِم أنها
كلَّها على مِلْكِها. وبهذا القولِ قال الشافعىُّ وأصحابُه . واعتلَّوا بالإجماع
على أن الصَّداقَ إذا قبَضتْه وكان مُعيًَّا فى غيرِ ذمةِ الزوج، وهلَك قبلَ
الدخولِ، كان منها ، وكان له أن يَدخُلَ بها بغيرِ شىءٍ ، وبأنها لو كان
الصَّداقُ أباها ، عتَق عليها عَقِبَ العقدِ قبلَ الدخولِ بلا خلافٍ . واحتجُوا
أيضًا بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَءَاتُواْ أَلِنْسَآءَ صَدُقَئِنَّ فِعْلَةٌ﴾ [النساء: ٤]. فأمَر
بتسليم الصداقِ إليها ، فوجَب مِلْكُه لها، وشَبَّهوا سقوطَه بالطلاقِ قبلَ
الدخولِ - بعدَ وجوبِهِ وتُوتِه - بالبائعِ يَرجِعُ إليه عينُ مِلْكِه عندَ فَلَسِ المُبْتَاعِ
منه. ولهم فى ذلك ضُروبٌ من الكلام یکفِی منه ما ذكرنا ، وهو عينُه ،
القبس
(١) فى الأصل، ص ١٧، ص ٢٧، م: ((أنه)).
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((نفسها عليه)).
١٢٢
الموطأ
وعليه مَدارُه . والحمدُ للهِ .
التمهيد
وفيه إجازةُ اتخاذِ خاتَ الحديدِ ، وقد اختَلَف العلماءُ فى جوازِ لباسٍ
خاتَم الحديدِ على ما بيَّنَّ فى بابِ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ(١) . والحمدُ للهِ.
وفيه أيضًا دليلٌ على أن تعليمَ القرآنِ جائزٌ أن يكونَ مَهْرًا ، وهذا موضعٌ
اختلف فيه الفقهاءُ؛ فقال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما : لا يكونُ القرآنُ
ولا تعليمُ القرآنِ مَهْرًا. وهو قولُ الليثِ. وحُجَّةُ مَن ذهَب هذا المذهبَ أن
الفُروجَ لا تُستبائحُ إلا بالأموالِ ؛ لذكرِ اللهِ الطَّوْلَ فى النكاحِ، والطّوْلُ
المالُ، والقرآنُ ليس بمالٍ، وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾
[النساء: ٢٤]. والقرآنُ ليسَ بمالٍ ، ولأن التعليم من المعلِّم والمتعلّم يَختلِفُ ولا
صَلَلى الله
يكادُ يُضبطُ ، فأشبه الشىء المجهول . قالوا : ومعنى ما ژُوِی عن النبىِّ
وسلم
أنه قال: ((قد أنكَحتُكها بما معك من القرآنِ)). فإنما هو على جهةٍ التعظيم
للقرآنِ وأهلِه، لا على أنه مَهْرٌ، وإنما زوَّجَه إِيَّاها لكونِه من أهلِ القرآنِ ،
كما روَى أنٌ أن النبيَّ وَّهِ زوَّج أبا طلحةَ أمَّ سُلَيم على إسلامِه، والمهْرُ
مسكوتٌ عنه ؛ لأنه معهودٌ معلومٌ أنه لابدَّ منه .
أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا " محمدُ بنُ أحمدَ، قال :
حدَّثنا٢ محمدُ بنُ أيوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو البزَّارُ، قال: حدّثنا
القبس
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٨١٠) من الموطأ .
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل ، م .
١٢٣
الموطأ
التمهيد أحمدُ بنُ سِنانٍ الواسطىُ، قال : حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال : أخبرَنا
حمادُ بنُ سلمةً ، عن ثابتِ البُنانيّ وإسماعيلَ(١) بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبى طلحةَ ،
عن أنس بنِ مالكِ، أن أبا طلحةَ أَتَّى أَّ سليم يخطُبُها قبلَ أن يُسْلِمَ ،
فقالت: أتزوَّجُ بك وأنتَ تعبُدُ خَشَبَةً نحَتَها عبدُ بنى فلانٍ ؟ إن أسلمْتَ
تزوَّجْتُ بك. قال: فَأَسْلَم أبو طلحةَ، فتزوَّجَها على إسلامِه (١) . يريدُ لما
أَسْلَم استحَلَّ نكاحَها، وسكَت عن المهرِ .
وكان أحمدُ بنُ حنبلِ يكرّهُ النكاحَ على القرآنِ . وقال الشافعىُّ
وأصحابُه : جائزٌ أن يكونَ تعليمُ القرآنِ أو سورةٍ منه مهرًا. قال: فإن طلَّقها
قبلَ الدخولِ، رجَع عليها بنصفِ أجرٍ التعليم. هذه روايةُ المزَنيّ عنه .
وذكَر الربيعُ عنه فى ((البُوَيْطِيِّ)) أنه إن طلَّقها قبلَ الدخولِ، رجَع عليها
بنصفِ مهرٍ مثلِها؛ لأن تعليمَ النصفِ لا يُوقَفُ على حدِّه. قال: فإن وُقِف
عليه جعَل امرأةً تعلِّمُها . ومِن الحُتَّةِ لمذهبِ الشافعىِّ فى ذلك أن الحديثَ
الثابتَ ورَد بأن رسولَ اللهِ وَ لَّهَزوَّج ذلك الرجلَ تلك المرأةَ على تعليمِه
إِيَّها سُورًا سمَّاها، ولأن تعليم القرآنِ يصِحُ أخذُ الأجرةِ عليه، فجاز أن
يكونَ صَداقًا . قالوا: ولا وجهَ لقولٍ من قال : إن ذلك كان من أجل محرمةٍ
القرآنِ ، ومن أجلِ كونِه من أهلِ القرآنِ . لأن فى الحديثِ ما يُطِلُ هذا
التأويلَ؛ لأنه قال له: ((التمِسْ شيئًا)). ثم قال له: ((التمِسْ ولو خاتماً من
القبس
(١) فى الأصل، م: ((إسحاق)). وينظر التاريخ الكبير ٣٦٤/١، وتهذيب التهذيب ٢٧١/١.
(٢) أخرجه أبو بكر الشافعى فى الغيلانيات (٣١٧) من طريق يزيد بن هارون به .
١٢٤
الموطأ
١١٣٢ - مالك، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنه قال :
قال عمرُ بنُ الخطابِ : أَيُّما رجلٍ تَزَوَّج امرأةً وبها جنونٌ ، أو مجذام ، أو
حديدٍ)). ثم قال له: ((هل معك من القرآنِ شىءٌ؟)). فقال: سورةُ كذا . التمهيد
فقال: ((قد زوَّجتُكَها بما معَكَ من القرآنِ )). أى بأن تعلِّمَها تلك السورةَ
مِن القرآنِ .
قال أبو عمرَ : دعوى التعليم على الحديثِ دعوى باطلٍ لا يصحُ،
وتأويلُ الشافعيّ على ما ذكَرْنا فى هذا البابِ مُحتمِلٌ، فأما دعوى
الخصوصِ، فضعيفٌ لا وجه له، ولا دليلَ عليه، وأكثرُ أهلِ العلم لا
يُجِيزون ما قال الشافعىُّ ، وأولى ما قيل به فى هذا البابِ قولُ مالكٍ ومَن
تابَعه إن شاء اللهُ . واللهُ المُوَفِّقُ للصَّوابِ .
وقد أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه ، عن محمدِ بنِ
عمرَ بنِ لُبابةَ ، قال : أخبرنا مالكُ بنُ علىِّ القرشى ، عن يحيى بن يحيى،
أن يحيى بنَ مُضَرَ حدَّثه، عن مالكِ بنِ أنسٍ فى الذى أمَرِه النبيُّ وَلِّ أن
ينكِحَ بما معه مِن القرآنِ، أن ذلك فى أجرتِه على تعليمِها ما معه ١.
الاستذكار
مالكٌ ، عن یحیی بن سعیدٍ ، عن سعیدِ بنِ المسئّب ، أنه قال : قال عمر
ابنُ الخطابِ : أَيُّما رجلٍ تزوَّج امرأةً وبها جنونٌ ، أو جذامٌ ، أو بَرَضٌ ،
القبس
حديثٌ : قال عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ عنه : أَيُّمَا رجلٍ تَزوَّجَ امرأةً وبها
(١) بعده فى ص ١٦: ((من القرآن)).
١٢٥
الموطأ بَرَضٌ ، فمشَها ، فلها صَداقُها كاملًا، وذلك لزوجِها غُرْمٌ على ولِيّها .
قال يحيى : قال مالكٌ: وإنما يكونُ ذلك غُرمًا على ولِيِّها لزوجِها،
إذا كان ولِيُّها الذى أَنكَحَها هو أبوها ، أو أخوها، أو مَن يُرَى أنه يَعلَمُ
ذلك منها ، فأمَّا إذا كان وَلِيُّها الذى أَنكَحَها ابنَ عمّ ، أو مولّى ، أو من
العشيرةِ ، ممَّن يُرَى أنه لا يَعلَمُ ذلك منها ، فليسَ عليه غُرْمٌ ، وترُدُّ تلك
المرأةُ ما أخذت من صَداقِها ، ويُتْرَكُ لها قَدْرُ ما تُستحَلَّ به .
الاستذكار فمَسَّها، فلها صداقُها كاملًا، وذلك لزوجِها غُرْمٌ على وليّهاً) .
قال مالكٌ : وإنما يكونُ ذلك غُرمًا على وليِّها لزوجِها ، إذا كان ولِيُّها
الذى أنكَحها هو أبوها ، أو أخوها، أو مَن يُرى أنه يَعلمُ ذلك منها ، فأما إذا
كان وليّها الذى أنكَحها ابنَ عمّ ، أو مولّى، أو مِن العشيرة، ممن يُرَى أنه لا
يَعلَمُ ذلك منها ، فليس عليه غُرُمٌ ، وتَرُدُّ تلك المرأةُ ما أخَذتْ مِن صداقِها ،
ويُتركُ لها قدرُ ما تُسْتَحَلُّ به .
القبس جنونٌ، أو بجذامٌ، أو بَرَصٌ، فمَشَها ، فلها صَداقُها . قال مالكٌ: وذلك لزوجِها غُوْمٌ
على وَلِيِّها .
هذه المسألةُ مِن أكبرٍ مسألةٍ فى الفقهِ، وقد اختلف العلماءُفيها اختلافًا کثیرًا ،
ولُبابُه أن أهلَ الكوفةِ قالوا: لا تُرَدُّ المرأةُ إلا بعَيبٍ يمنَعُ مِن تقريرٍ (١) الصَّداقِ . وقال
الشافعىُ: يُرَدُّ النكاحُ بأربعةِ عيوبٍ؛ الجُذَامُ ، والجنونُ، والبَرَصُ، وداءُ الفَرْجِ .
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٢و- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٤٧٨). وأخرجه الشافعى
٨٤/٥، ٢٣٥/٧، والبيهقى ٢١٤/٧، ٢١٩، والبغوى فى شرح السنة (٢٣٠٠) من طريق مالك به.
(٢) فى م: ((تقدير)).
١٢٦
الموطأ
٦
قال أبو عمرَ : روَى هذا الحديثَ ابنُ عيينةَ وغيرُه، عن يحيى بنِ الاستذكار
سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: أيُّما رجلٍ تزوَّج
امرأةٌ وبها جنونٌ، أَو بجذامٌ، أو بَرَصْ، أو قَوْنٌ(١) ، فلم يَعلمْ بها حتى
أصابَها ، فلها مهرُها بما استحلّ منها، وذلك لزوجِها غُزْمٌ على وليّها(١).
فذكَر فيه القَوْنَ ، ولم يذكُرْه مالكٌ، وهو محفوظٌ معمولٌ به عندَ مَن
يذهبُ فى ذلك مذهبَ عمرَ، بل القَوْنُ عندَهم أوكدُ ؛ لأنه يمنعُ مِن المعنَى
المُتَغَى فى النكاحِ وهو الجماع ، فى الأغلبِ .
وابنُ عيينةَ ، عن عمرٍو ، عن جابرِ بنِ زيدٍ قال : أربعٌ لا تجوزُ فى بيع ولا
نكاح إلا أن " يَشَّ، فإن مسَّ) جاز؛ الجنونُ، والجُذامُ، والبَرَصُ، والقَوْنُ(٤).
القبس
سمِعتُ الفِهْرِىَّ يقولُ : سمِعتُ القاضىَ أبا العباسِ مُدرِّسَ البصرةِ يقولُ ، وقد قال
له إمامُ الحنفيةِ: لا تُرَدُّ المرأةُ بالجنونِ؛ لأنه يُمْكِنُه الوطءُ وهى مُقِيَّدَةٌ . فقال له
القاضى أبو العباسِ : عَقْدُ النكاحِ اقتضَى التمكينَ مِن الوطءِ، وهذا بخلافٍ
مُقْتَضَى العَقْدِ، والعقدُ إذا فاتَ مُقْتَضاه بطَل. فأما علماؤنا رحمةُ اللهِ عليهم
فتقاولوا(٥) فى ذلك كثيرًا، واختلفوا قديمًا وحديثًا، جمَعْتُ شَتاتَ آرائِهم،
ونَظَمْتُ منثورَ أقوالِهم، وأوضَحْتُها فى كتبِ المسائلِ أحسنَ إيضاحٍ، الإشارةُ
الكافيةُ إليه أن النكاحَ يُرَدُّ عندَنا بأربعةٍ وعشرينَ عَيْبًا؛ الجنونُ ، الُذامُ ، الْبَرَصُ،
(١) القَرْن، بسكون الراء : شىء فى فرج المرأة كالسن يمنع من الوطء، ويقال له: العَفَلة . النهاية ٥٤/٤ .
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٨١٩)، والبيهقى ٢١٤/٧ من طريق ابن عيينة به.
(٣ - ٣) فى الأم: ((يسمى، فإن سمى))، وفى مصنف عبد الرزاق: ((يسمين، فإن سمين))،
وفى سنن البيهقى: ((تسمى، فإن سمى)) . والمثبت من النسخ موافق لما فى سنن سعيد بن منصور.
(٤) أخرجه الشافعى ٥/ ٨٤، وعبد الرزاق (١٠٦٧٥)، وسعيد بن منصور (٨٢٨)، والبيهقى ٢١٥/٧
من طريق ابن عيينة به .
(٥) فى م: ((فقالوا)).
١٢٧
الموطأ
قال أبو عمرَ: هذه مسألةٌ اختلف فيها السلف والخلفُ؛ (١ فرُوِى عن
الاستذ کار
عمرَ ما ذكره مالكٌ، وقد رواه جماعةٌ غيرُه، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن
سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن عمرَ. وسعيدٌ قد رأى(١) عمرَ، لا يَخْتَلِفون فى
ذلك١) ، واختلفوا فى سماعِه منه. ورُوِى عن علىٍّ فى هذه المسألةِ ، أنه إن
مشّها لم يكنْ له صرفُها، وهى امرأتُه؛ إن شاء طلَّق أو أمسَك، وإن
علِيمٍ قبلَ أن يَمَسَّ كان له الفسخُ ولا شىءَ عليه. فخالَف عمرَ فى غُزْمِ
الصداقِ ؛ لأن الزوجَ قد لزِمه الصداقُ بالمسيسِ، وهو قياسُ السنةِ فى
قولِهِ وَ له فى النكاح بغيرِ ولىٍّ، وقد نهَى عنه: ((فإِن دخَل بها فلها
مَهْرُها بما استحلَّ منَها)) (٣).
القبس الجَبُّ، الخِصَاءُ، قطعُ الحَشَفةِ، العُنَّةُ)، الاعتراضُ (٥)، الرَّتَقُ(١)، القَوْنُ،
العَفَلُ(٢) ، الاستحاضةُ، الإفاضةُ(٨)، تَتُْ الفَرْج، حرقُ النارِ، السَّوادُ، القَرَعُ(١)،
(١ - ١) فى ح، هـ: ((فذكره مالك وجماعة عن عمر)).
(٢) فى الأصل: (( روا))، وفى م: ( روی )) .
(٣) تقدم تخريجه ص٤٩ - ٥١ .
(٤) العِنِين، كسكين: من لا يأتى النساء عجزًا ، أو لا يريدهن. التاج ( ع ن ن ).
(٥) اعتُرض عن امرأته: أصابه عارض من الجن أو من مرض يمنعه عن إتيانها . التاج (ع رض ).
(٦) رَتِقَت المرأة رَتَقًّا، فهى امرأة رَتْقَاءُ بينة الرَّتق: التصق ختانها فلم تُنل ؛ لازتِتاق ذلك الموضع
منها، أو هى التى لا خرق لها إلا المبال خاصة . التاج ( ر ت ق ) .
(٧) العفل: هَنَة تخرج فى فرج المرأة شبيهة بالأُدرة التى للرجال فى الخصية. ينظر النهاية ٣/ ٢٦٤.
(٨) المفاضة هى المفضاة: وهى المرأة المجموعة المسلكين . اللسان ( ف ی ض ).
(٩) فى م: (( القزع)). والقرع: صلع الرأس الذى لا يبقى معه شعر. ينظر اللسان (ق رع).
١٢٨
الموطأ
ذكَر ابنُ أبي شيبةً(١)، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن الحكم، الاستذكار
قال : كان علىّ يقولُ فى المجنونةِ والبَزْصاءِ: إن دخَل فهى امرأتُه ، وإن لم
يدخُلْ فُرُّق بينَهما .
القبس
الخَشَمُ (١)، البَخَرُ)، العَمَاءُ، العَرَجُ ، الزّمانةُ، الذُّبولُ، التِّيتَاءُ() - وكذلك قَّدتُه
عن التِّبريزىِّ(١) بتاءَيْن، وفيَّدتُه عن ثابتِ بنِ بُندارٍ (١) بتاءٍ واحدةٍ ونونٍ - الرِّقُّ،
الكفرُ. وقد يقعُ فى هذا التَّعديدِ تَدَاخُلٌ، بيانُه فى ((المسائلِ))، ومَرْجِعُه إلى أربعةٍ
وعشرينَ. فهذه العيوبُ كلُّها وأمثالُها مما يُرَدُّ النكاحُ عندَ المالكيةِ بها، وإن كان
بينَهم فى تَبيينِ ذلك وتفصيله نزاٌ ، ولكنَّ المقصودَ مِن النكاح الألْفةُ والاستمتاعُ،
(١) ابن أبى شيبة ١٧٥/٤.
(٢) فى ج: ((الجشم))، وفى م: (( البشم)). والخشم: داء يأخذ فى جوف الأنف فتتغير رائحته.
اللسان ( خ ش م ) .
(٣) البَخَر : الرائحة المتغيرة من الفم . اللسان ( ب خ ر).
(٤) فى ج: (( البيتاء)). والتيتاء: هو الذى تُقضى شهوته قبل أن يُفضى إلى امرأته . وقيل: الرجل
الذى إذا أتى المرأة أحدث . وقال رضى الدين الشاطبى: وهو تِفعالٌ من التأتِّى، أى: يتأتى له الماء
قبل الجماع . التاج (ت ی ت) .
(٥) فى د، م: ((الترمذى)). وأشار فى حاشية د إلى أنه فى نسخة: ((التبريزى)). وهو يحيى بن.
على بن محمد بن حسن أبو زكريا الشيبانى ، ابن الخطيب التبريزى ، أحد الأئمة والأعلام فى النحو
واللغة والأدب ، ولى تدريس الأدب بالنظامية وخزانة الكتب، له ((شرح الحماسة)) و ((ديوان المتنبى))،
توفى سنة اثنتين وخمسمائة . سير أعلام النبلاء ٢٦٩/١٩، وبغية الوعاة ٣٣٨/٢.
(٦) ثابت بن بندار بن إبراهيم بن بندار أبو المعالى الدينورى البغدادى البقال ، الثقة المقرئ المجود المحدث
بقية المشايخ ، قرأ على الحسن بن صقر وعبد الوهاب بن على اللخمى ، قرأ عليه سبط الخياط وأحمد
ابن شنيف ، توفى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء ٢٠٤/١٩، وغاية النهاية ١٨٨/١.
١٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٩/١٤ )
الموطأ
الاستذكار
وعبدُ الرزاقِ (١) ، عن الثورىِّ، عن إسماعيلَ، عن الشعبيّ، عن عليٍّ،
قال : تُرَدُّ مِن القَوْنِ، والجنونِ، والجُدام، والبَرَصِ، فإن دخَل بها فعليه
المهرُ، وإن شاء طلّق وإن شاء أمسك، وإن لم يدخُلْ فُرُّق بينَهما .
٢)
وأما اختلافُ الفقهاءِ فى ذلك ؛ فقال مالكٌ " فيما روَى ابنُ القاسم
عنه: تُرَدُّ المرأةُ بالجنونِ ، والجُّذامِ ، والبَرَصِ، وداءِ النساءِ الذى فى الفرج،
إذا تزوَّجها وهو لا يعلمُ بذلك، فإن دخَل بها فلها الصداقُ بما استحَلّ
منها(١) ، ويرجعُ الزوجُ على وليّها الأُبِ أو الأخ بما دلَّسا عليه، إلا أن يكونَ
وليّها ابنَ عمَّ أو مولّى أو رجلًا مِن العشيرةِ ، ممن لا علمَ له بشىءٍ مِن أمرِها ،
فلا غُرْمَ عليه . قال : وأَرى ذلك عليها خاصَّةً؛ لأنها غَرَّت ، ويتركُ لها
عِوضًا من مسيسِه إِيَّاها قدرَ ما يُسْتَحَلُّ به مثلُها . قال: وللمرأةِ مثلُ ذلك إذا
تزوَّجها الرجلُ وبه هذه العيوبُ . قال : وإن كانت المرأةُ التى بها هذه
القبس وهذه العيوبُ كلُّها تَنَّفِي الأُلفةَ وتُقَوِّتُ الاستمتاعَ أو كمالَه، وأُّ اسْتِمتاع مثلاً فى
المَذْبولةِ؟! إِنَّالقَوْناءَ لأقربُ إلى اللَّذِ منها. وأىُّ حَظُّ للرجلِ فى الزَّمِنةِ دينًا أو دنیا ،
أُلْفةً أو استمتاعًا؟! وليس سكوتُ مالكٍ عن مسألةٍ بِمُوجِبٍ أن تكونَ خلافَ ما
تكلّم عليها ، بل يُلْحَقُ النظيرُ على النظيرِ، ويُحمَلُ المِثْلَ على المِثلُ، (* وأيّها أبعدُ
عندَ النظرِ فى الدليلِ والرَّدِّ ، السوداءُ أم العمياءُ؟ فهذه المعانى إنما تُبْنَى على
ملاحظةِ المقصودِ ، فما فَوَتَه حكمًا كالذى يُفوّتُه حِسًّا . والله تعالى أعلمُ .
(١) عبد الرزاق (١٠٦٧٧).
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((وغيره)).
(٣) فى الأصل: ((من فرجها)).
(٤ - ٤) فى ج: ((وأيما أبعد عن )).
١٣٠
الموطأ
العيوبُ لم يدخُلِ الزوجُ بها فهو بالخيارِ ؛ إن شاء خلّى سبيلها ولا شىءَ لها الاستذكار
عليه مِن المهرِ، وإن شاء أمسك. قال ابنُ القاسم: وإن وجَدها عَمْياءً، أو
مُقْعَدةً ، أو شَلَّاءَ - وشرطُ الوليّ عنها صحتُها - فهو مثلُ ذلك ، ولا شىءَ
عليه مِن صداقِها إن لم يدخُلْ بها ، فإن دخَل بها فعليه المهرُ، ويَرجعُ على
الذى أنكَحها؛ لأن مالكًا قال فى امرأةٍ تزوَّجت فإذا هى لِغَيَّةٍ(١): "إن
زوَّجوه على نسبٍ فله أن يَرُدَّ، وإلا فلا شىءَ له عليها٢) . وقال مالكٌ : لا
تُرَدُّ الزوجةُ إلا مِن العيوبِ الأربعةِ، ولا تُرَدُّ مِن العَمَى والسَّوادِ . وقال ابنُ
وهبٍ : المجذومُ البَيِّنُ بجذامُه (" يُفَرَّقُ بينَه وبينَ امرأتِه) تردُّ منه. قال :
وبلَغنى عن مالكٍ فى الأَبْرَصِ(٤) أنه لا يُفرَّقُ بينَه وبينَ امرأيِه. وهو رَأْنِى.
قال أبو عمرَ : تحصيلُ مذهبٍ مالكِ أنه لا تُرَدُّ الزوجةُ بغيرِ العيوبِ
الثلاثةِ التى جاءت منصوصةٌ عن عمرَ ، وتُرَدُّ مِن كلِّ داءٍ يمنعُ مِن الجماعِ؛
لأنه الغرضُ المقصودُ للنكاح ، ولأن العيوبَ الثلاثةَ المنصوصةً عن عمرَ تمنعُ
مِن طلبِ التناسلِ ، وهو معنى النكاح. وزاد ابنُ القاسم أنه إذا اشترط
الناكخ السلامةَ رُدَّت مِن كلِّ عيبٍ ؛ قياسًا على قولٍ مالكٍ فيمَن اشترَط
النسبَ فخرَجت لِغَيَّةٍ. وأما قول مالك في الموطوءةِ وبها العيبُ مِن هذه
القبس
(١) فى م: ((بغية))، وفى المدونة ٢١٢/٢: ((لقية)). وهى لغيّةٍ - بفتح الغين وكسرها - : أى لزَنْية - مأخوذ
من الغَىّ - وهو نقيض قولك: لرَشْدة. ينظر شرح غريب ألفاظ المدونة ص ٨٥، واللسان (غ وى).
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((يزوجوه على نسب وإن زوجوه فلا شىء لهم عليه))، وفى ح، هـ :
((وإن زوجوه على نسب وإلا فلا شىء لهم عليها)). والمثبت من المدونة ٢١٢/٢.
(٣ - ٣) فى النسخ: ((ترد منه)). والمثبت من المدونة ١٧٣/٤.
(٤) فى النسخ: ((البرص)). والمثبت من المدونة ١٧٣/٤.
١٣١
الموطأ
الاستذكار العيوب ، أنها تَرُدُّ ما أخَذت حاشا رُبعَ دینارٍ . فإنه قاسَه على المُدَلِّس بالعيبِ
فى السلعِ إذا استُهلِكت ، واستدلالاً بقولٍ عمرَ : ذلك غُوْمٌ على وليّها .
" وقال ابنُ سُحنونٍ: فى الجنونِ ، والجذامِ، والبَرَصِ ، وداءِ النساءِ الذى
يكونُ فى الفَرْج١). وقال الليثُ: وأرَىَ الإِكْلَةَ(٢) كالجُدام. قال:
وكان ابنُ شهابٍ يقولُ: مِن كلِّ داءٍ عُضالٍ(٣).
وقال الشافعىُ: تُرَدُّ المرأةُ مِن الجنونِ، والجذامِ ، والبَرَصِ، والقَوْنِ ؛
فإن كان قبلَ الدخولِ فلا شىءَ لها ، وإن كان بعدَ الدخولِ فلها مهرُ مثلها
بالمسيسِ ، ولا يَرجعُ به عليها ولا على وليّها . وهو قولُ الحسنِ بنِ صالحٍ
ابنِ حِىٌّ، إلا أنه قال: لها مهرُها المُسمَّى. قال : وكذلك إن وجدت
المرأةُ بالزوج بجذامًا ، أو جنونًا ، أو بَرصًا ، كان لها فسخُ النكاحِ .
(٤قال أبو عمرَ : حُجَّةُ الشافعىِّ ومَن قال بقَولِه - أنه لا يَرجعُ عليها
بعدَ المسيسِ بشىءٍ مِن مهرِها ولا وليّها، عَلِم أو لم يعلَمْ - قولُه ◌َِّهِ :
((أيُّما امرأة نكحت بغيرِ وليّ، فنكاحها باطلٌ)) . ثم قال: ((فإن دخل بها
فلها المهرُ بما اسْتَحَلّ منها(٢)). فإذا كان المسيسُ فى النكاح الباطلِ يوجبُ
لها المهرَ كلَّه، كان أحرَى أن يجبَ لها ذلك بالنكاح الصحيح، الذى لو
القبس
(١ - ١) سقط منٍ: ح، هـ .
(٢) الإكلة : الحِكّة ، التاج ( أ ك ل ).
(٣) ذكره ابن حزم ٣٦٢/١١.
(٤ - ٤) سقط من: ح ، هـ .
(٥) فى الأصل، م: ((بها)).
والحديث تقدم تخريجه ص ٤٩ - ٥١ .
١٣٢
الموطأ
(١ شاء أن یقیم علیه ویرضی بالعیبِ، کان ذلك له .
الاستذكار
وقال سفيانُ الثورىُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والأوزاعىُّ: لا يُفْسَخُ
النكاح بعيبِ المرأةِ، وكذلك إن كان العيبُ بالرجلِ لم يُفْسَخْ أيضًا .
وهو قولُ ابنِ أبى ليلى وأبى الزنادِ . قال ابنُ أبى ليلى وأبو الزنادِ : لا
تُرَدُّ(٢) المرأةُ بجنونٍ ولا بجذام. وقال الثورىُّ: لا تُرَدُّ مِن بَرَص ولا
عيبٍ. وقال الأوزاعىُّ فى البَرْصاءِ والعَفْلاءِ: (٣°محُلِّف الولُّ ماً) اطّلع
عليها ، ولها المهرُ بالمسيسٍ، ثم إن شاء طلَّق وإن شاء أمسك. وقال
محمدُ بنُ الحسنِ عنه وعن أصحابه : إذا وجَدت المرأةُ ( زوجَها على"
حالٍ لا تُطِيقُ المُقَامَ معه مِن مُذَامٍ أو نحوِهِ، فلها الخيارُ فى الفسخ،
(٥)١)
كالعِنِّينِ(٥)١).
قال أبو عمرَ: حُجَّةُ هؤلاء الذين لا يَرَون رَدَّ زوجةٍ بعيبٍ ، القياسُ
على الإجماع؛ لأنهم لمّا أَجمَعوا على أن النكاحَ لا تُرَدُّ فيه المرأةُ بعيبٍ
صغيرٍ - خلافَ البيوع - كان كذلك العيبُ الكبيرُ. وقد قال بقولٍ
المدنيّين جماعةٌ مِن التابعين. "مِن كُتُبٍ عبدِ الرزاقِ وابنٍ أبى شيبةً".
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ .
(٢) فى الأصل: ((تنتزع)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((حلف الويل و))، وفى م: ((و)). والمثبت كما سيأتى الصفحة التالية.
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((عن)). والمثبت مما سيأتى فى شرح الأثر (١٢١٦) من الموطأ.
(٥) فى م: ((كالغبن)).
(٦) سقط من: ح، هـ، وفى م: ((كتب عبد الرزاق وابن أبى شيبة)).
١٣٣
الموطأ
.(
الاستذكار
أبو بكرٍ(١) ، قال: حدَّثنى عبدُ الأعلى، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، فى
الرجلِ تزوَّج امرأةٌ فدخَل بها، فرأى بها جنونًا، أو بجذَامًا ، أو بَرَصًا ، أو
عَفَلًا، أنها تُرَدُّ مِن هذا، ولها الصداقُ الذى استَحَلَّ به فرجُها ؛ العاجلُ
والآجلُ، وصداقُها على مَن غَرَّه. قال: وإذا تزوَّج الرجلُ المرأةَ ، وبالرجلِ
عيبٌ لم تعلَمْ به - جنونٌ، أو بجذامٌ، أو برصٌ - خُيّرت .
وقال عبدُ الرزاق(١) ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ قال: إن کان الولىُّ علِم
غرِم ، وإلا استُخْلِف باللهِ ما علِم، ثم هو على الزوجِ .
"قال أبو عمرَ : مَن علِم مِن الزوجين بأحدِ هذه العيوبِ مِن صاحبِه
ورضِيه، ولم يَطْلُبِ الفِراقَ حينَ علِم وأمكنه الطلبُ ، فقد لزمه ، ولو
رَضِيت بالمُقَامِ مع المجذومِ، ثم زادَت حالُه، كان لها الخيارُ أيضًا . وأما
المجنونُ(٤) إِذا كان لا يُؤْمنُ عليها، فقد قال ابنُ القاسم وغيرُه مِن أصحابٍ
مالكِ : يُؤْجَّلُ سنةً يتعالج فيها إن كان ممن يُرجَى بُرؤُه. وكذلك المجذومُ
عندَهم. وذكر ابنُ عبدِ الحكم عن مالكٍ فى المجنونِ ، أنه يُحبسُ فى
الحديدِ ، فإن راجَعه عقلُه وإلا فُرُّق بينَه وبينَ امرأتِه . ولم يَذكُرْ تأجيلَ سنةٍ .
ولم أعلَمْ أحدًا مِن العلماءِ قال: إن المجنونَ يُؤَجَّلُ سنةً كالعِنِّينِ والمُعترَضِ )
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٦/٤ عن عبد الأعلى، عن برد ، عن مكحول والزهرى بشطره الأول،
وفى ١٧٧/٤ عن عبد الأعلى به بشطره الثانى .
(٢) عبد الرزاق (١٠٦٨١).
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ .
(٤) فى الأصل، م: ((الجنون)). والمثبت يقتضيه السياق .
١٣٤
١١٣٣ - مالكٌ، عن نافعٍ، أن ابنةَ عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ - وَأُّها بنتُ الموطأ
ريدِ بنِ الخطابٍ - كانت تحتَ ابنٍ لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، فمات ولم
" إلا ما فى كتبٍ(٢) أصحابِ مالك رحِمهم اللهُ) .
الاستذكار
قال أبو عمرَ : إن استحقَّت المرأةُ المهرَ بالمسيسِ، فالقياسُ ألا يكونَ
على الوَلِيّ شىءٍ - علِم أو لم يعلَمْ - لأن الزوجَ قد اعتاضَ مِن مهرِه
المسيسَ، فكيف يكونُ له عِوَضٌ آخرُ ؟!
ولم يختلفِ الفقهاءُ فى الرَّثْقاءِ التى لا يُوصلُ إلى وطئِها أنه عيبٌ تُرَدُّ
منه ، إلا شيئًا جاء عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ مِن وجهٍ ليس بالقوىِّ، أنه لا تُرَدُّ
الرَثْقَاءُ ولا غيرُها (١) . والفقهاءُ كلُّهم على خلافٍ ذلك؛ لأن المسيسَ هو
المبتغَى بالنكاح . وفى إجماعِهم على هذا دليلٌ على أن الدُّبُرَ ليس بموضعِ
وطءٍ، ولو كان موضعَ وطءٍ ما رُدَّتْ مَن لا يُوصلُ إلى وطئها فى الفرجِ،
وفى إجماعِهم أيضًا على أنَّ(٤) العقيمَ التى لا تَلِدُ لا تُرَدُّ، فالصحيحُ ما
قلنا . وباللهِ توفیقُنا .
مسألةُ التفويضِ والموتِ فيه قبلَ الدخولِ
مالك ، عن نافع، أن بنتَ عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ - وأمُّها بنتُ زيدٍ بن
القبس
٢°ربح
(١ - ١) سقط من: ح، هـ .
(٢) فى م: ((كتاب)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٦٨٣)، وابن حزم ٣٦١/١١.
(٤) سقط من النسخ ، والمثبت من تفسير القرطبى ٩٤/٣.
(٥) بعده فى الأصل، ح، هـ: ((زينب)).
١٣٥
٠٠
الموطأ يَدخُلْ بها ولم يُسمّ لها صَداقًا ، فابتَغَت أَمُّها صَداقَها ، فقال عبدُ اللهِ بنُ
عمرَ : ليسَ لها صَداقٌ ، ولو كان لها صَداقٌ لم نُمسِكْه ولم نَظلِمْها .
فَأَبَتْ أُّها أن تَقبلَ ذلك، فجعَلوا بينَهم زيدَ بنَ ثابتٍ ، فقضَى أن لا
صَداقَ لها ، ولها الميراثُ .
الاستذكار الخطاب - كانت تحتَ ابنِ لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فمات ولم يدخُلْ بها ولم
يُسَمّ لها صداقًا، فابتغَت أمُّها صداقَها ، فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ : ليس لها
صداقٌ ، ولو كان لها صداقٌ لم تُمْسِكْه ولم نظلِمْها . فَأَبَتْ أمُّها أن تقبَلَ ،
فجعَلوا بينَهم زيدَ بنَ ثابتٍ ، فقضَى أن لا صداقَ لها ، ولها الميراثُ(١).
قال أبو عمرَ : اختلَف فى هذه المسألةِ الصحابةُ ومَن بعدَهم ، إلا أن
أكثرَ الصحابةِ على ما قاله ابنُ عمرَ وزيدُ بنُ ثابتٍ . ورُوِى ذلك عن
علىِّ بن أبى طالبٍ وابنِ عباسٍ أيضًا .
وحديثُ ابنِ عمرَ وزيدِ بنِ ثابتٍ رواه أيوبُ ، وابنُ جريج ، وعبيدُ اللهِ وعبدُ
اللهِ ابنا عمرَ، كلُّهم عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ بمعنى حديثِ مالكِ سواءً(١).
وروَى الثورىُّ وغيرُه، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عبدِ خیرٍ، عن
علىٍّ، أنه كان يجعَلُ لها الميراثَ، وعليها العِدَّةُ، ولا يجعَلُ لها صداقًا (٢) .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٤٣)، وبرواية يحيى بن بكير (٢/١٢ظ - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (١٤٧٩). وأخرجه ابن وهب فى موطئه (٢٥٣)، والشافعى ٦٩/٥، والبيهقى ٢٤٦/٧ ،
والبغوى فى شرح السنة (٢٣٠٥) عن مالك به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٨٩) عن عبيد الله وعبد الله ابنى عمر به ، وأخرجه عبد الرزاق
(١١٧٣٩)، وابن أبى شيبة ٣٠٠/٤ - ٣٠٢ من طريق أيوب وعبد الله بن عمر به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٩٣، ١١٧٣٨) عن الثورى به .
١٣٦
الموطأ
وابنُ جريجٍ و (١)عمرُو بنُ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه(٢). وبه الا
قال عطاءٌ وجابرُ بنُ زيدٍ أبو الشَّعْتَاءِ(٣) .
وأما ابنُ مسعودٍ ، فكان يقولُ : لها صداقُ مثلِها، ولها الميراثُ،
وعليها العِدَّةُ .
عبدُ الرزاقِ (٤)، عن الثورىِّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةً،
قال : أَتِى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ ، فسُئِل عن رجلٍ تزوَّج امرأةً ولم يَفرِضْ لها ،
ولم يمسّها حتی مات ، فردّدهم ثم قال : أقولُ فیھا برایی ؛ فإن كان صوابًا
فمِن اللهِ ، وإن كان خطأً فمِنِّى ؛ أرى لها صداقَ امرأةٍ مِن نسائِها ، لا
وكْسَ ولا شطَطَ (٥)، وعليها العِدَّةُ، ولها الميراثُ. فقام مَعقِلُ بنُ سنانٍ
الأشجعىُّ فقال: أَشهَدُ لَقضيتَ فيها بقضاءِ رسولِ اللهِ وَّلَه فِى بَرْوعَ بنتِ
واشقٍ ؛ امرأةٍ مِن بنى رُؤاسٍ ، وبنو رُؤاسٍ حَىٍّ مِن بنى عامرِ بنِ صعصعةً .
وبه يأخُذُ سفيانُ الثورىُّ .
هكذا قال فيه عبدُ الرزاقِ : مَعقِلُ بنُ سنانٍ . وقال فيه ابنُ مهدئِّ ، عن
القبس
(١) فى ح، هـ: ((عن)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٩٥) من طريق ابن جريج وعمرو بن دينار به ، وأخرجه عبد الرزاق
(١٠٨٩٧، ١١٧٤٠)، والبيهقى ٢٤٧/٧ من طريق ابن جريج به .
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٠٨٩٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٠١/٤ .
(٤) عبد الرزاق (١٠٨٩٨).
(٥) الوكس: النقص، والشطط: الجَوّر. النهاية ٤٧٥/٢، ٢١٩/٥.
١٣٧
الموطأ
الاستذكار الثورىٌّ، عن فِراسٍ، عن الشعبىِّ، عن مسروقٍ ، عن عبدِ اللهِ : فقال معقِلُ
ابنُ يسارٍ: شهِدتُ رسولَ اللهِ و ◌َّهُ قضَى فى بَرْوعَ بنتِ واشقِ بمثلِ ذلك(١).
وقال فيه إسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ ، عن الشعبىِّ : فقال معقلُ بنُ سنانٍ :
أَشهَدُ لَقضيتَ فيها بقضاءِ رسولِ اللهِ وَِّ فى امرأةٍ يقال لها: بَرْوُ بنتُ
واشقِ الأشجعيةُ(٢) . رواه ابنُ عيينةَ، عن إسماعيلَ.
قال أبو عمرَ : الصوابُ عندى فى هذا الخبرِ قولُ مَن قال : معقلُ بنُ
سنانٍ . لأن معقلَ بنَ سنانٍ رجلٌ مِن أشجعَ مشهورٌ فى الصحابةِ ، وأما
معقلُ بنُ یسارٍ فإنه وإن كان مشهورًا أيضًا فى الصحابة ، فإنه رجلٌ من بنی
مُزَينةً ، وهذا الحديثُ إنما جاء فى امرأةٍ من أشجعَ لا من مُزَيْنَةَ. ومعقلُ بنُ
سنانٍ قُتِل يومَ الحدَّةِ، فقال الشاعرُ فى يوم الحرّةِ () :
ألا تِلْكُمُ الأَنصارُ تبكِى سَراتَها وأشجعُ تَبَكِى معقلَ بنَ سنانٍ
وقال مسروقٌ : لا يكونُ ميراثٌ حتى يكونَ مهرّ(٤).
وذكر أبو بكرٍ (٥)، قال: حدَّثنى ابنُ أبى زائدةً، عن داودَ، عن
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٠/٤، وأحمد ٤١٠/٣٠ (١٨٤٦٤)، وأبو داود (٢١١٤) ، وابن
ماجه (١٨٩١)، والنسائى (٣٣٥٦) من طريق ابن مهدى به ، وعندهم - سوى ابن أبى شيبة :
((معقل بن سنان)) .
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (٥٥٢٣) من طريق إسماعيل بن أبى خالد به .
(٣) البيت فى الاستيعاب ١٤٣١/٣، وأسد الغابة ٢٣١/٥، والإصابة ١٨٣/٦ غير منسوب.
(٤) أخرجه محمد بن الحسن فى الحجة ٣٣٤/٣، وسعيد بن منصور (٩٢٦، ٩٢٧)، وابن أبى شيبة ٤/ ٣٠١.
(٥) ابن أبى شيبة ٣٠١/٤، ٣٠٢ .
١٣٨
الموطأ
الشعبيّ ، عن علقمةً قال : جاء رجلٌ إلى ابن مسعودٍ فقال : إن رجلاً مِنّا الاستذكار
تزوَّجَ امرأةً، ولم يَفرضْ لها، ولم يَجْمَعْها (١) حتى مات. فقال ابنُ
مسعودٍ: ما سُئلتُ عن شيءٍ منذُ فارقتُ النبيَّ وَّهِ أَشدَّ علىَّ من هذا،
اسألُوا غيرى . فتردَّدوا فيها شهرًا ، وقالوا : مَن نسألُ، وأنتم جِلَّةُ أصحابٍ
رسولِ اللهِ وَلّ بهذا البلدِ ؟! فقال: سأقولُ فيها برأيى؛ فإن يكنْ صوابًا
فمن اللهِ ، وإن يكنْ خطأ فمِنِّى ومن الشيطانِ ؛ أَرَى لها مهرَ نسائِها ، لا
وكْسَ ولا شَطَطَ ، ولها الميراثُ، وعليها عِدَّةُ المتوفَّى عنها زوجها . فقال
ناسٌ مِن أَشجعَ: نشهَدُ أن رسولَ اللهِ وَلِّ قِضَى بمثلِ الذى قضيتَ فى
امرأةٍ منّا ، يُقالُ لها : بَرْوُ بنتُ واشقٍ. قال: فما رأيتُ ابنَ مسعودٍ فرِح
بشىءٍ مثلَ ما فرح يومئذٍ به .
قال أبو عمرَ : اختُلِف عن الشعبىٌّ فى هذا الحديثِ كما ترى ؛ فمرةٌ
يَرْوِيه عن علقمةَ، ومرةً يَرْوِيه عن مسروقٍ .
وكذلك اختلفوا؛ " فقالوا: معقلُ بنُ سنانٍ . وقالوا : معقلُ بنُ يسارٍ .
وقالوا : ناسٌ مِن أُشجعَ. وأصُها عندى حديثُ منصورٍ ١ ، عن إبراهيمَ ،
عن علقمةً. واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((يجمع لها)). وقال الكسائى: يقال: ما جمعت بامرأة قط ، وعن امرأة .
أى: ما بنيت . التاج ( ج م ع ) .
(٢ - ٢) سقط من: ح ، هـ .
١٣٩
م
الموطأ
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن معمرٍ، عن جعفرٍ بنِ بُؤْقانَ ، عن الحكم بنِ
الاستذكار
عُتيبةَ، أن عليًّا كان يجعَلُ لها الميراثَ، وعليها العِدَّةُ، ولا يجعَلُ لها
صداقًا .
قال الحكمُ - وقد أُخبِر بقولِ ابنِ مسعودٍ - فقال: لا تُصَدَّقُ الأعرابُ
على رسولِ اللهِ مَلچآه .
وذكر أبو بكرٍ(٢)، قال: حدَّثنى أبو (١) معاويةً، عن الشيبانيّ، عن
عمرو بنِ مُرَّةً، عمَّن أخبره عن علىِّ قال : لها الميراثُ ، ولا صداقَ لها.
قال أبو عمرَ : اختلف التابعون على هذين القولَين، وأهلُ الحجازِ على
قولٍ علىٍّ، وزيدٍ ، وابنٍ عمرَ. وأما اختلافُ الفقهاءِ أئمةِ الفَتْوى؛ فقال
مالكٌ، والأوزاعىُّ، (٤) والليث٤ُ) ، والشافعىُ فى روايةِ المُزنيّ: لا مَهْرَ لها ،
ولا مُتعةً، ولها الميراثُ، وعليها العِدَّةُ. وهو قولُ ابنِ شهابٍ (٥). وقال أبو
حنيفةً وأصحابُه، والثورىُّ، والحسنُ بنُ حىٍّ، والشافعىُّ فى روايةٍ
البُوَيطيِّ : لها مَهْرُ مثلِها والميراثُ ، وعليها عِدَّةُ الوفاةِ . وهو قولُ أحمدَ بنِ
حنبلٍ ، وإسحاقَ، وأبى ثورٍ ، وداودَ ، والطبرىِّ. وذكر المزنىُ عن الشافعىِّ
القبس
(١) عبد الرزاق (١١٧٣٧).
(٢) ابن أبى شيبة ٣٠٢/٤ .
(٣) فى ح، هـ: ((ابن)).
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٩٢، ١١٧٤١) .
١٤٠