النص المفهرس

صفحات 221-240

الموطأ
وإن أراد أنَّ كلَّ ذى نابٍ من السّباع يجبُ التََّرُّهُ عنه كما يَجِبُ التَّتْزُّهُ عنِ التمهيد
التَّجاساتِ والأقذارِ ، فهذا غايةٌ فى التَّحريم ؛ لأنَّ المسلمين لا يَختلفون فى أنَّ
النَّجاسَاتِ مُحرَّماتُ العينِ أشدَّ التَّحريم ، لا يَحِلَّ استباحةُ أكلٍ شىءٍ منها ، ولم
يُرِدِ القائلون من أصحابِنا ما حكينا هذا عنهم (١)، ولكنَّهم أرادُوا الوجه الذى هو
عندَ أهلِ العلم ندبٌ وأدبّ ؛ لأَنَّ بعضَهم احتجّ بظاهرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿قُل
◌َّ أَجِدُ فِ مَآ أُوْحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا
مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]. وذكر أنَّ من الصحابةِ منٍ
استعملَ هذه الآيةَ ولم يُحرِّمْ ما عداها، فكأنَّه لا حرامَ عندَه على طاعم إلّ ما ذُكِر
فى هذه الآيةِ. ويَلزمُه على أصلِه هذا أن يُحِلَّ أكلَ الحُمُرِ الأهليّةِ، وهو لا يَقولُ
هذا فى الحُمُرِ الأهليَّةِ ؛ لأَنَّه لا تَعملُ الذَّكاةُ عندَه فى لُحومِها ولا فى جلودِها،
ولو لم يكنْ عندَه مُحرَّمًا إلَّا ما فى هذه الآيةِ لكانَتِ الحمرُ الأهليّةُ عندَه حلالا ،
وهو لا يقولُ هذا، ولا أحدٌ من أصحابِهِ، وهذه مُناقضةٌ ، وكذلك يلزمُه ألَّ يُحرِّمَ
ما لم يُذكَّرِ اسمُ اللهِ عليه عمدًا، ويَستحِلَّ الخمرَ المحرَّمَةَ عندَ جماعةٍ
المسلمين، وقد أجمعوا أنَّ مُستَحِلَّ خمرِ العِنَبِ المُسكِرِ كافرٌ مُرتدٌ،
يُسْتَابُ، فإن تابَ ورجَع عن قولِه، وإلَّا استُبيح دمُه كسائرِ الكفارِ(١) . وفى
إجماع العلماءِ على تحريمِ خمرِ العِنَبِ المسكِرِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ رسولَ اللهِ
القبس
(١) سقط من : ق.
(٢) بعده فى م: ((راد على الله عز وجل خبره فى كتابه)).
(٣) بعده فى ق: ((وهو لا يقول هذا فى لحوم الحمر الأهلية ولا لقوله هو ولا [كلمة مطموسة] من
أهل الصلاة فى خمر العنب وما ذكرنا» .
٢٢١

الموطأ
التمهيد
وَلَ قِد وجَد فيما أَوحِى إليه مُحرَّمًا غيرَ ما فى سُورةِ ((الأنعام))، ممَّا قد نزَل بعدَها
من القرآنِ، وكذلك ما ثبت عنه وَلِلّه من تحريم الحُمُرِ الأُهلِيَّةِ. ومَن فَرَّق بينَ
الخُمُرِ وبينَ کلّ ذِی ناپٍ من السّباعِ فقد تناقضَ ، والنھئ عن أکلٍ کلِّ ذِی ناپٍ
من السّباعِ أصحُ مَخرجًا، وأبعدُ من العللِ، من النهي عن أكلٍ لُحومِ الحُمُرِ
الأهليّةِ؛ لأَنَّه قد رُوى فى الحمرِ أَنَّه إنَّما نهاهم عنها يومَ خيبرَ ؛ لقلَّةِ الظَّهرِ .
وقيل : إنَّه إِنَّما نهَى منها عن الجلَّالةِ التى تأكُلُ الجِلَّةَ، وهى العَذِرَةُ وسائرُ القَذَرِ.
قد قال بهذا وبهذا قومٌ ، ولا حُجَّةَ عندَه ولا عندَنا فيه ؛ لثبُوتِ نهي رسولِ اللهِ
نَّه عن ذلك مُطلقًا وصحَّتِه، وأنَّ ما رُوىَ ممَّا ذكَرنا لا يَتْبُثُ. وسيأتِى القولُ
فى الحُمُرِ مُستَوعبًا فى بابِ ابنِ شهابٍ من كتابِنا هذا ١) . وأظنُّ قائلَ هذا القولِ
من أصحابِنا فى أكلٍ كلٌّ ذِى نابٍ من السّباعِ ، راعَى اختلافَ العلماءِ فى ذلك ،
ولا يجوزُ أنْ يُراعَى الاختلافُ عندَ طلبٍ الحجَّةِ؛ لأنَّ الاختلافَ ليس منه شىءٌ
لازمٌ دُونَ دليلٍ، وإنَّما الحُجَّةُ اللازمةُ الإجماعُ لا الاختلافُ؛ لأنَّ الإجماعَ
يَجبُّ الانقيادُ إليه؛ لقولِ اللهِ: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيِّنَ لَهُ اُلْهُدَى
وَيَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى﴾ الآية [النساء: ١١٥]. والاختلافُ يَجبُ
طلبُ الدليلِ عندَه من الكتابِ والسُّنَّةِ ، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿فَإِن نَعْنُمْ فِي شَىْءٍ
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]. يُريدُ الكتابَ والسُّنَّةَ. هكذا فسَّرَه
العلماءُ. فأمَّا قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية .
فقد اختلف العلماءُ فى معنَاها ؛ فقال قومٌ من فُقهاءِ العراقيِينَ ممَّن يُجيزُ نسخَ
القبس
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١١٦٨) من الموطأ.
٢٢٢
.

الموطأ
القرآنِ بالسنةِ: إِنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بالسُّنَّةِ؛ لنهى رسولِ اللهِ وبَله عن أكلِ كلّ التمهيد
ذى نابٍ من السّباعِ، وعِن أكلٍ لحومِ الحُمُرِ الأهليّةِ . وقال آخرون : معنَى قولِه
هذا، أَنِّى لا أجِدُ فيما أَوحِىَ إلىَّ فى هذه الحالِ ، يعنى فى تلك الحالِ حالٍ
الوحي ووقْتِ نُزولِه؛ لأنَّه قد أَوحى إليه بعدَ ذلك فى سُورةِ ((المائدةِ)) من تحريم
المُنخَيِقَةِ والمَوقُوذَةِ إلى سائرِ ما ذُكرَ فى الآيةِ ، فكما أوحَى اللهُ إليه فى القرآنِ
تحریمًا بعد تحریم ، جازَ أنْ يُوحِی إلیهعلی لسانه تحریمًا بعد تحریم ، ولیس فی
هذا شيءٌ من النَّسخ ولكنَّه تحريمُ شىءٍ بعدَ شىءٍ. قالوا: مع أنَّه ليس للحمارِ
والسِّباعِ وذِى المِخلَبِ والنَّابِ ذكرٌ فى قوله: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ
مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾. وذلك أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ إِنَّما ذَكَر ثَمانيةَ أزواجٍ؛ مِن
الضَّأَنِ اثنين، ومن المَعْزِ اثنين، ومِن الإبلِ اثنين، ومن البقرِ اثنين، ثم قال:
﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَ﴾. يعنى، واللهُ أعلمُ، من هذه الأزواج الثمانيةِ ،
﴿مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ
خِزِيرٍ﴾. فزادَ ذِكْرَ لحم الخنزيرِ تأكيدًا فى تحريمِه حيًّا وميًّا؛ لأنَّه ما محُرِّمَ
لحمُّه لم تَعملِ الذَّكاةُ فيه ، فكان أشدَّ من الميتةِ ، ولم يذكُرِ السِّباعَ والحميرَ
والطَّيرَ ذا المِخلبِ بتحليلٍ ولا تحريم. وقال آخرون: ليس السّباعُ والحمرُ من
بهيمة الأنعام التى أَحلَّتْ لنا ، فلا يُحتاجُ فيها إلى هذا. وقال آخرونَ: هذه الآيةُ
جوابٌ لما سأل عنه قوم من الصحابة ، فأُجِيبوا عن مسألتِهم، كأنَّهم يقولون: إنَّ
معنَى الآيةِ : قُلْ: لا أُجِدُ فيما أُوحِىَ إلىَّ ممَّا ذَكَوْتم. أو: ممَّا كنتم تَأْكلون .
ونحوَ هذا قال طاوسٌ، ومجاهدٌ ، وقتادةُ ، وتابَعهم قومٌ . واستدلُّوا على صحَّةٍ
القبس
٢٢٣

الموطأ
التمهيد ذلك بأنَّ اللهَ قد حرَّم فى كتابِه وعلى لسانٍ رسولِه ◌َ لِّ أشياء لم تُذكَرْ فى الآيةِ ،
لا يختلِفُ المسلمون فى ذلك .
ذكَر سُنيدٌ، عن حجّاجٍ، عن ابنٍ مجريجٍ، قال: أخبرنى إبراهيمُ بنُ
أبى بكرٍ، أنَّ مجاهدًا أخبره فى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ
مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾. قال: ما كان أهلُ الجاهليّة يأكلون ، لا أُجِدُ من
ذلك مُحرَّمًا على طاعم يَطعَمُه، ﴿إِلََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية. قال حجَّاجٌ :
وأخبرنا ابنُ جریچٍ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه مثله(١)
وذكّرَ عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً نحوَه .
وقالت فرقةٌ: الآيةُ مُحكمةٌ ، ولا يَحرُمُ إِلَّا ما فيها . وهو قولٌ يُروَى عن ابنِ
عبَّاسِ " . وقد رُوىَ عنه خِلافُه فى أشياءَ حرَّمَها يَطولُ ذِكرُها . وكذلك اختُلِفَ
فيه عن عائشةً. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ من وجْهٍ ضعيفٍ(٤) وهو قولُ الشغبىّ
وسعيدِ بنِ مجبيرٍ - فى الحُمُرِ الأهليَّةِ ، وكلِّ ذِى نابٍ من السّباعِ ، أَنَّه ليس شىءٌ
(٥)
منها مُحرَّمًا
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٦٣٣/٩ من طريق سنيد به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٨٧٠٩)، وأبو داود (٣٨٠٠، ٣٨٠٨). وينظر ما سيأتى من طريق ابن
عيينة ص٢٥٢ .
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٧٠٨)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٩٩/٥، ٤٠٠، والناسخ
والمنسوخ للنحاس ص ٤٣٤.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٦/٥ (٨٠٠٧)، والبيهقى ٣٢٦/٩ .
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٧٢٢، ٨٧٦٩)، والناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٤٣٤، ٤٣٥،
وسنن البيهقى ٣٢٦/٩، ٣٣١
٢٢٤

الموطأ
وأمَّا سائرُ فقهاءِ المسلمين فى جميع الأمصارِ، فمخالفون لهذا القولِ، التمهيد
مُتَبعون للسنةِ فى ذلك . وقال أكثرُ أهلِ العلم والنَّظَرِ من أهلِ الأثرِ وغيرِهم : إِنَّ
الآيةَ مُحكَمةٌ غيرُ منسوخةٍ ، وكُلُّ ما حرَّمه رَسولُ اللهِ وَلِّ مضمومٌ إليها ، وهو
زيادةٌ "حكم من اللهِ على لسانِ رسولِهِ وَلَه، ولا فرقَ بينَ ما حرَّم اللهُ فى
كتابِهِ، أو حرَّمه على لسانِ رسولِهِ وَّهَ؛ بدليلٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]. وقوله: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهُ﴾
[النساء: ٨٠]. وقوله: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ
وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. قال أهلُ العلم: القرآنُ والشُنَّةُ. وقوله: ﴿وَمَآَ
ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. وقوله: ﴿وَإِنَّكَ
صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]. وقوله :
٥٢
لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[النور: ٦٣]. فقرَن اللهُ عزَّ وجلَّ طاعته بطاعتِهِ، وأوعَدَ على مُخالَفتِهِ، وأخبر أنَّه
يهدِی إلی صراطه ، وبَشْطُ القولِ فى هذا موجودٌ فى كُتبٍ الأصولِ ، وليس فى
هذه الآيةِ دليلٌ على أنْ لا حرامَ على آكلٍ إلَّ ما ذُكِرَ فيها، وإنَّما فيها أنَّ اللهَ أخبَر
نبيَّهُ وَّهِ وَأَمَرِهِ أَنْ يُخبِرَ عبادَه أَنَّه لم يَجِدْ فى القرآنِ منصوصًا شيئًا مُحرَّمًا على
الآكلِ والشَّاربِ إلّ ما فى هذه الآيةِ ، وليس ذلك بمانع أنْ يُحرِّمَ اللهُ فى كتابِه
بعدَ ذلكَ، وعلى لسانِ رسولِهِ وَِّ أشياءَ سوَى ما فى هذه الآيةِ. وقد أجمعوا أنَّ
سورةً ((الأنعامِ)) مكيةٌ، وقد نزَل بعدَها قرآنٌ كثيرٌ، وسننٌ جمَّةٌ(٢) ، وقد نزَل
تحريمُ الخمرِ فى سورةِ (( المائدةِ)» بعدَ ذلك، وقد حرّم اللهُ على لسانٍ نبيّه عليه
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((من حكم).
(٢) فى الأصل، م: ((عظيمة)).
٢٢٥
( مرسوعة شروح الموطأ ١٥/١٣)

الموطأ
التمهيد
السلامُ أكلَ كُلِّ ذی نابٍ من السّباع، وأكلَ الحُمُرِ الأهلِيَّةِ، وغيرَ ذلك، فكان
ذلك زيادةَ حُكم من اللهِ على لسانِ نبيّه ◌َلَه، كنكاح المرأة على عمَّتِها وعلى
خالتِها مع قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وكحكمِه
بالشاهدِ واليمينِ مع قول اللهِ: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾
[البقرة: ٢٨٢]. وما أشبهَ هذا كثيرٌ، تركناه خشيةَ الإطالةِ، ألا ترَى أَنَّ اللهَ قال
فى كتابِهِ: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِّنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقد
حرَّم رسولُ اللهِ وَلِّ أشياءَ من البيوع وإِنْ تراضَى بها المتبايعانِ؛ كالمزابنةِ(١)،
وبيعِ ما ليس عندَك، وكالتجارةِ فى الخمرِ، وغيرِ ذلك ممَّا يَطولُ ذكرُه .
وقد أجمَع العلماءُ أن سورة ((الأنعام) مكيةٌ إلا قولَه: ﴿قُلْ تَعَالَوَا أَثْلُ مَا
حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات الثلاث [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣]. وأجمعوا أَنَّ
نهىَ رسولِ اللهِ وَله عن أكلٍ كلِّ ذى نابٍ من السّباع إنما كان منه بالمدينةِ ،
ولم يَروِ ذلك عنه غيرُ أبى هريرةَ وأبى ثعلبةَ الخُشَنِىِّ(١)، وإسلامُهما مُتَأْخِرٌ
بعدَ الهِجرةِ إلى المدينةِ بأعوامٍ، وقد رُوى عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ بَ له مثلُ
رواية أبى هريرةَ وأبى ثعلبةَ الخُشَنىِّ ، فى النهي عن أكلٍ كلٌّ ذى نابٍ من السِّباع
من وجهٍ صالح (٤) . قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضى : وهذا كلُّه يدُلُّ على أنَّه
القبس
(١) هى بيع الرطب فى رءوس النخل بالتمر، وأصله من الزبن وهو الدفع، ونهى عنها لما يقع فيها
من الغبن والجهالة . النهاية ٢/ ٢٩٤.
(٢ - ٢) فى ق: ((عن)).
(٣) تقدم فى الموطأ (١٠٨٥) .
(٤) أخرجه أحمد ٧٤/٤، ٣٧٦، ٢٣٩/٥ (٢١٩٢، ٢٦١٩، ٣١٤١)، ومسلم (١٩٣٤)،
وأبو داود (٣٨٠٣، ٣٨٠٥)، والنسائى (٤٣٥٩)، وابن ماجه (٣٢٣٤).
٢٢٦

الموطأ
التمهيد
أمرٌ كان بالمدينةِ بعدَ نُزولٍ: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَا أُوحِىَ إِلَ مُحَرَّمًا﴾ الآية. لأنَّ
ذلك مکی .
قال أبو عمرَ: قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوْحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾.
الآية. قد أُوضَحْنا بما أورَدْنا فى هذا البابِ بأنَّه قولٌ ليس على ظاهرِهِ ، وأَنَّه ليس
نصَّا مُحكَمًا؛ لأنَّ النَّصَّ المحكَمَ ما لا يُختلفُ فى تأويله ، وإذا لم يكنْ نصًّا كان
مُفتقرًا إلی بیانِ الرسولِ يّ﴾ لمرادِ اللهِ منه ، کافتقارٍ سائرٍ مُجملاتِ الكتابِ إلى
بيانِه، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِنُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾
[النحل: ٤٤]. وقد بيَّن رسولُ اللهِ وَّه فى أكلِ كلِّ ذى نابٍ وأكلِ الحُمُرِ الآَهليَّةِ
مُرادَ اللهِ ، فوجَب الوقوفُ عندَه . وباللهِ التوفيقُ.
فإن قال قائلٌ : إنَّ الحُمُرَ الأهليَّةَ وذا النابِ من السّباع لو كان أكلُها حرامًا
لكُفِّر مُستحِلُّها كما يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُ الميتةِ والدم ولحم الخنزيرِ . فالجوابُ عن
ذلك أنَّ المُحَرَّمَ بآيةٍ مُجتمَعٍ على تأويلها ، أو سُنَّةٍ مُجتمَعٍ على القولِ بها ، يَكفُرُ
مُستحلُّه ؛ لأنَّه جاءَ مَجيئًا يَقطعُ العُذْرَ ، ولا يَسوُ فيه التأويلُ، وما جاء مَجيئًا
يُوجبُ العملَ، ولا يَقطعُ العُذْرَ، وساَ فيه التأويلُ، لم يَكفُرْ مُستَحِلُه وإنْ كان
مُخطِئًا، أَلَا تَرَى أَنَّ المُسكِرَ من غيرِ شرابِ العنبِ لا يُكفَّرُ المتأوِّلُ فيه ، وإنْ كان
قد صحَّ عندَنا النهىُ بتحريمِه ، ولا يُكفَّرُ مَن يقولُ بأنَّ الصلاةَ يَخرُجُ منها المرءُ
ويتحلَّلُ بغيرِ سلامٍ، وأنَّ السلامَ ليس من فرائِضِها . مع قيامِ الدليلِ علی وُجوب
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
٢٢٧

الموطأ
التمهيد السلام عندَنا فيها ، وكذلك لا يُكفَّرُ مَن قال: إنَّ قراءةَ أمّ القرآنِ وغيرِها سواءٌ،
وإنَّ تَعيينَ قِراءتِها فى الصلاةِ ليس بواجبٍ ، ومن قرَأَ غيرَها أجزأه . مع ثُبُوتِ
الآثارِ عن النبيِّ وَّه أَنَّه لا صلاةَ إِلَّ بها، وكذلك لا يُكفَّرُ من أوجب الزكاةَ على
خمسةِ رجالٍ ملَكوا خمسَ ذَوْدٍ (١) من الإبلِ ، ولا من قال: الصائمُ فى السفرِ
كالمُفطِرِ فى الحَضَرِ . و: لا حِجَّ إلا على من ملَك زادًا وراحلةٌ . مع إطلاقِ اللهِ
الاستطاعةَ ، ونفيِه على لسانِ رسولِه عليه السلامُ أنْ يكونَ فيمَا دُونَ خمسٍ ذودٍ
صدقةٌ، وأَنَّه صامَ فى السفرِ وََّ. وهذا كثيرٌ لا يجهَلُه من له أقلَّ عنايةٍ بالعلم إِنْ
شاء اللهُ .
قرأتُ على عبدِ الرحمنِ بنِ يحيى، أنَّ علىَّ بنَ محمدٍ أخبَرهم، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سليمانَ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ
ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا يُونسُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ
المسيَّبِ وأبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَّه
وابنُّ لهيعةً، عن عبد الرحمنِ الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ أَنَّه
قال: ((ذَرونِى مَا ترَكتُكم ، فإِنَّما أهلَك الذين مِن قبلِكم سُؤالُهم واختلافُهم
على أنبيائهم، فإذا نَهَيْتُكم عن شىءٍ فاجْتَنِوه، وإذا أمَرتُكم بشىءٍ فخُذوا
منه ما استَطَعُم))(١) .
القبس
(١) الذَّؤْدُ من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر. النهاية ٢/ ١٧١.
(٢) أخرجه مسلم ١٨٣٠/٤ (١٣٠/١٣٣٧) من طريق عبد الله بن وهب عن يونس به، وأخرجه
الطيرانى فى الأوسط (٨٧٧٣) من طريق الزهرى به .
٢٢٨

الموطأ
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ بكرٍ التمهيد
الثَّمَّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ سُليمانُ بنُ الأشعثِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
عيسى ، قال: حدَّثنا أشعثُ بنُ شُعبةَ ، قال: حدَّثنا أرطاةُ بنُ المنذرِ ، قال :
سمِعْتُ حكيمَ بنَ عُميرٍ أبا الأحوصِ يُحدِّثُ ، عن العِرباضِ بنِ ساريةً قال : نزَلنا
مع رسولِ اللهِ وَ ◌ّه خيبرَ. فذكَر الحديثَ، وفيه أنَّه أمَر مُناديًا فنادَى: ((إنَّ الجنةَ
لا تَحِلُّ إلَّا لمؤمنٍ، وأنِ اجتَمِعوا للصلاةِ)). فاجتمَعوا، ثم صلَّى بهم النبيُّ
وَّهِ، ثم قامَ فقال: ((أَيَحسَبُ(١) أحدُكم مُتَّكِئًا علَى أريكتِه قد يَظُرُّ أنَّ اللهَ لم
يُحرِّمْ شيئًا إلَّا ما فى هذا القرآنِ، ألا وإِنِّى قدْ أمَرْتُ ووَعَظْتُ ، ونَهَيْتُ عن أشياءَ،
إِنَّها لمثلُ القرآنِ أو أكثرُ ، وإنَّ اللهَ لم يُحِلَّ لكم أنْ تَدخُلُوا بُيُوتَ أهلِ الكتابِ إلَّا
بإذنٍ ، ولا ضربَ نسائِهِم، ولا أكلَ ثمارِهم، إذا أعْطَوكم الذى عليهم)) ".
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، حدَّثنا أبو داودَ،
قال : حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ بنُ نجدةَ ، قال: حدَّثنا أبو عمرٍو عثمانُ بنُ كثيرٍ بنٍ
دينارٍ، عن حَريزِ (١ بنِ عُثمانَ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى عوفٍ ، عن المِقدامِ بنِ
مَعدِيكَرِبَ، عن رسولِ اللهِ وَّ أَنَّه قال: ((ألا إنِّى أَوتِيتُ الكتابَ ومثله معه ، ألا
القبس
(١) فى ق: ((لا ألفين)).
(٢) أخرجه البيهقى ٢٠٤/٩ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٠٥٠) ، وأخرجه
المروزى فى السنة (٤٠٥)، والخطيب فى الكفاية ص ٩ من طريق محمد بن عيسى به، وأخرجه ابن
أبى عاصم فى الآحاد والمثاني (١٣٣٦)، والطبرانى ٢٥٨/١٨ (٦٤٥) من طريق أشعث به .
(٣) فى الأصل: ((حرير))، وفى م: ((جرير)). وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٥٦٨.
٢٢٩

الموطأ
التمهيد
يُوشِكُ رجلٌ شَبْعَانُ على أرِيكَتِه يقولُ : عليكم بهذا القرآنِ ، فما وجدتُم فيه من
حلالٍ فأحِلُّوه ، ومَا وَجَدتم فيه من حَرامِ فحرِّمُوه، ألا لا يَحِلَّ لكم الحمارُ
الأهلىُّ، ولا كُلُّ ذى نابٍ من السّباعِ، ولا لُقَطةُ مُعاهَدٍ إلَّا أنْ يَستغْنِىَ عنها
صاحبُها ، ومن نزَل بقومٍ فعليهم أنْ يَقْرُوه فإنْ لم يَقْرُوه فله أنْ يُعْقِبَهم بمثلِ
(١)
قِرَاهُ(١))).
ورواه بقِيَّةُ ، عن الزُّبیدیِّ، عن مروانَ بنِ رُؤْبَةً، عن عبد الرحمنِ بنِ أُبی
عوفٍ الجُرَشىِّ، عن المقدام بنِ مَعدِيكَرِبَ، أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((ألا إنّى قد
أُوتِيتُ الكِتابَ وما يَعدِلُه، يُوشِكُ شَبعانُ على أرِيكتِهِ)) ". فذكره إلى آخرِهِ
(٣)
مثلَه(٣) .
وقرأْتُ على أبى عمرَ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ البَاجِىِّ فأقرَّ به، أنَّ
الميمونَ بنَ حمزة الحسينىَّ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو جعفرِ الطَّحاوىُّ، قال:
حدَّثنا المزنىُ، وقرأْتُ على إبراهيمَ بنِ شاكرٍ، أَنَّ محمدَ بنَ يحَى بنِ عبدِ العزيزِ
القبس
(١) يُعقبهم بمثل قراه: أى يأخذ منهم عوضًا عمَّا حرّموه من القرى. ينظر النهاية ٢٦٩/٣.
والحديث أخرجه البيهقى فى الدلائل ٥٤٩/٦ من طريق محمد بن بکر به . وهو عند أبى داود
(٤٦٠٤)، وأخرجه الطبرانى ٢٨٢/٢٠ (٦٦٨) من طريق عثمان به، وأخرجه أحمد ٤١٠/٢٨
(١٧١٧٤)، وابن زنجويه فى الأموال (٦٢٠)، والمروزى فى السنة (٤٠٣)، والطبرانى ٢٨٣/٢٠
(٦٧٠) من طريق حريز به .
(٢ - ٢) فى ق: ((عن النبى ◌َّر)).
(٣) أخرجه المروزى فى السنة (٤٠٤)، والطبرانى ٢٨٢/٢٠ (٦٦٧)، والدارقطنى ٢٨٧/٤ من
طريق بقية به .
٢٣٠

الموطأ
حدَّثهم، قال: حدَّثنا أسلمُ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا الرّبيعُ بنُ سُليمانَ، قالا التمهيد
جميعًا : أخبَرنَا الشافعىُّ، قال: أخبرنا سُفيانُ، عن سالم أبى النَّضرِ، أَنَّه سمِع
عُبِيدَ اللهِ بنَ أبى رافع يُخبِرُ، عن أبيه قال: قال النبيُّ وَله: «لا أَلْفِيَنَّ أَحدَكم
مُتَّكِئًا عَلَى أريكتِهِ، يأتِيه الأمرُ من أمرِى ممَّا أَمَرْتُ به أو نهَيْتُ عنه، فيقولُ : لا
ندرِى، ما وجدنا فى كتابِ اللهِ اتَّبَعْناه))(١).
قال ابنُ عُيينةَ: وأخبرنى به محمدُ بنُ المنكدرِ، عن النبيِّي وَلَّهِ مُرسلًاً(١).
أخبرنا خلفُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : أخبرنا
أحمدُ بنُ خالدٍ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ ،
قال : أخبرنا معمرٌ، عن علىٍّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعانَ، عن أبى نَضرَةً أو غيرِه قال: كنَّا
عندَ عِمرانَ بنِ حُصينٍ ، فكنّا نتَذاكرُ العِلمَ . قال: فقال رجلٌ: لا تَتَحَدَّثوا إلَّ بما
فى القرآنِ . فقال له عِمرانُ بنُ الحُصَينِ : إِنَّك الأحمقُ ، أو جَدْتَ فى القرآنِ صلاةً
الظّهرِ أربعَ ركَّعاتٍ، والعصرَ أربعَ ركعاتٍ، لا يُجْهَرُ فى شىءٍ منها(١) ؟
والمغربَ ثلاثًا، يُجْهَرُ بالقراءةِ فى ركعتين، ولا يُجهرُ بالقراءةِ فى ركعةٍ ؟
والعشاءَ أربعَ ركَّعاتٍ، يُجهرُ بالقراءةِ فى ركعتينٍ، ولا يُجهرُ بالقراءةِ فى
القبس
(١) أخرجه الحاكم ١/ ١٠٨، والبيهقى ٧٦/٧، والبغوى فى شرح السنة (١٠١) من طريق الربيع
به. وهو عند الشافعى فى الأم ١٥/٧، ٢٨٩. وأخرجه الحميدى (٥٥١)، وأحمد ٣٠٢/٣٩
(٢٣٨٧٦)، وأبو داود (٤٦٠٥) من طريق ابن عيينة به .
(٢) أخرجه البيهقى فى المعرفة ٦٧/١ من طريق الربيع به. وهو عند الشافعى فى مسنده ٥١/١
(٣٣- شفاء العى)، وأخرجه الحميدى (٥٥١) عن ابن عيينة به.
(٣) فى م: ((منهما)).
٢٣١

الموطأ
.
التمهيد ركعتينٍ؟ والفجرّ ركعتَين يُجهَرُ فيهما بالقراءة؟ قال: وقال عمرانُ: لَمَا نحن
فيه يَعدِلُ القرآنَ . أو نحوَه من الكلام . قال علىٍّ: ولم يكنِ الرجلُ الذى قال هذا
صاحب بدعةٍ ، ولكنَّه كانت زَلَّةً منه(١).
أخبرنا أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ عبدُ اللهِ
ابنُ محمدِ بنِ ناصحِ المعروفُ بابنِ المفسّرِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ
ابنُ علىٍّ بنِ سعيدِ القاضى، قال: حدَّثنا داودُ بنُ رُشيدٍ، قال: حدَّثنا
بقيَّةُ بنُ الوليدِ ، عن مَحفوظِ بنِ مِسورِ الفِهْرِىِّ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ ،
عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((يُوشِكُ بأحدكم"
يقولُ : هذا كتابُ اللهِ ، ما كان فيه من حلالٍ أحلَلْنَاه، وما كان فيه من
حرامٍ حَرَّمناه. ألا من بلَغَه عنّى حَديثٌ فكذَّبَ به فقد كذَّب الله ورسوله
والذى حدَّثَه))(٢).
قال أبو عمرَ: اختلف الفقهاءُ فى معنَى قولِ رسولِ اللهِ وَله: («أكلُ كلِّ
ذى نابٍ من السّباع حراٌ)). فقال منهم قائلون: إنَّما أراد رسولُ اللهِ وَلَّ بقولِه
هذا ما كان يَعدُو على الناس ؛ مثلَ الأسدِ، والذِّئبِ، والنَّمِرِ، والكلبِ العادِى،
وما أشبهَ ذلك ممَّا الأغلبُ فى طبعِه أنْ يَعدُوَ، وما كان الأغلبُ من طَبِعِه أَنَّه لا
يَعدُو فليس ممَّا عنَاه رسولُ اللهِ وَلّ بقولِه هذا، وإذا لم يكنْ يَعدُو فلا بأسَ
القبس
(١) عبد الرزاق (٢٠٤٧٤) - ومن طريقه البيهقى ١٩٤/٢ - وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (٩٢-
زوائد نعيم ) عن معمر به .
(٢) فى م: ((أحدكم)).
(٣) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٧٥٩٦) من طريق بقية به مختصرًا.
٢٣٢

الموطأ
بأكلِهِ. واحتجُوا بحديثِ الضَّبْعِ فى إباحةِ أكلِها (١) وهى سَبْعٌ، وهو حديثٌ التمهيد
انفرَد به عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبى عمَّارٍ ، وقد وثَّقَه جماعةٌ من أئمَّةِ أهلِ
الحديثِ، وروَوْا عنه حديثَه هذا، واحتجُوا به، قال علُّ بنُ المدينىِّ:
عبدُ الرحمنِ بنُ أبى عمَّارٍ ثقةٌ مکیٌّ .
حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّر مذىُّ، قال: حدَّثنا ابنُ
أبى مريمَ ، قال : حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أُميَّةَ ، وابنُ
لجريج، وجريرُ بنُ حازمٍ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُبيدِ بنِ عُميرٍ حدَّثهم ، قال : أخبرنى
عبدُ الرحمنِ بنُّ أبى عمَّارٍ ، أَنَّه سألَ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ عن الصَّبُع، فقال: آكُلُهَا؟
قال : نعم. قال: أَصَيدٌ هىَ؟ قال: نعم. قال: أسمِعتَ ذلك من رسولِ اللهِ
وَالقر؟ قال: نعم(٢).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُ وضَّاحِ ، قال : حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبى شيبةَ ، قال : حدّثنا و کیتٌ ، عن جريرِ بنِ
حازمٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عُبيدِ بنِ عُميرٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبى عمَّارٍ ، عن جابرٍ
القبس .
(١) فى الأصل، م: ((أكله)).
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢/ ١٦٤، والدارقطنى ٢٤٦/٢، والبيهقى ٣١٨/٩، ٣١٩
من طريق ابن أبى مريم به، وأخرجه أحمد ٧٢/٢٢ (١٤١٦٥)، وابن ماجه (٣٢٣٦)، وأبو يعلى
(٢١٢٧) من طريق إسماعيل بن أمية به، وأخرجه أحمد ٣١٦/٢٢، ٣٤٣ (١٤٤٢٥،
١٤٤٤٩)، والترمذى (٨٥١، ١٧٩١)، والنسائى (٢٨٣٦، ٤٣٣٤) من طريق ابن جريج به .
٢٣٣

الموطأ
التمهيد قال: جعَل رسولُ اللهِ وَ﴿ِ الضَّبُعَ مِن الصَّيْدِ، وجعَل فيه إذا أصابَه المحرِمُ
گَبِئًا(١).
واحتجُوا أيضًا بما ذكره ابنُ وهبٍ وعبدُ الرَّزَّاقِ(١) جميعًا، قالا : أخبرنا ابنُ
مجريج، أنَّ نافعًا أخبره، أنَّ رجلًا أخبَر عبدَ اللهِ بنَ عمرَ أنَّ سعدَ بنَ أبی وقّاصٍ
كان يَأْكُلُ الضِّبَاعَ، فلم يُنكِرْه عبدُ اللهِ بنُ عمرَ .
وقال ابنُ وهبٍ ، عن ابنٍ لهيعةً، عن أبى الأسودِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ،
أنَّه سمِع عروةَ بنَ الزبيرِ يقولُ : ما زالَتِ العربُ تَأْكُلُ الضَّبْعَ، ولا ترَى بأكلِها
بأسًا .
قالوا: والضَّبْعُ سَبُعٌ، لا يُخْتَلَفُ فى ذلك، فلمَّا أجاز رسولُ اللهِ وَه
وأصحابُه أکلھا ، علمنا أنّ نھیه عن أکلِ کلِّ ذی ناپٍ من السِّباعِ لیس من جنسٍ
ما أباحَه، وإنَّما هو نوعٌ آخرُ، واللهُ أعلمُ، وهو ما الأُغلبُ فيه العَداءُ على الناسِ.
هذا قولُ الشافعىِّ ومَن تابَعه. قال الشافعىُّ: ذو النَّابِ المحَرَّم أكلُه هو الذى
يعدُو على الناسِ؛ كالأسَدِ ، والنَّمِرِ، والذِّئبِ. قال: ويُؤْكلُ الضَّبْعُ والثَّعلبُ.
وهو قولُ الليثِ بنِ سَعدٍ . وقال مالكٌ وأصحابُه: لا يُؤْكَّلُ شىءٍ من سباعٍ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٧٧/٤. وأخرجه ابن ماجه (٣٠٨٥)، وابن خزيمة (٢٦٤٦)، والحاكم ٤٥٢/١
من طريق وكيع به، وأخرجه الدارمى (١٩٨٤)، وأبو داود (٣٨٠١)، والطحاوى فى شرح المعانى
١٦٤/٢، وابن حبان (٣٩٦٤) من طريق جرير بن حازم به .
(٢) عبد الرزاق (٨٦٨٣).
٢٣٤

الموطأ
التمهيد
الوحوشِ كُلُّها، ولا الهُّ الوَحشىُّ ولا الأهلىُّ؛ لأنه سَبْعٌ. قال: ولا يؤكَلُ
الضَّبْعُ، ولا الثَّعَلَبُ (١) ، ولا شىءٌ من سِباعِ الوَحشِ، ولا بأسَ بأكلِ سباعٍ
الطيرِ . زاد ابنُ عبدِ الحكم فى حكايته قولَ مالكِ ، قال : وكلُّ ما يَفتَرِسُ ويأكلُ
اللَّحمَ، ولا يرعَى الكَلَّ، فهو سَبْعٌ لا يُؤْكَلُ، وهذا يُشبِهُ السِّباعَ التى نهَى
رسولُ اللهِ وَِّ عن أكلِها. وروَى عن أَشْهَبَ بنِ (١) عبدِ العَزِيزِ أَنَّه قال: لا بأسَ
بأكلِ الفِيلِ إذا ذُكِّىَ . وقال ابنُ وهبٍ : وقال لى مالِكٌ: لم أسمَعْ أحَدًا من أهلِ
العِلْمِ قديمًا ولا حديثًا بأرْضِنا يَنْهَى عن أكلِ كلِّ ذِى مِخلبٍ من الطيرِ . قال :
وسمِعتُ مالِكًا يقولُ : لا يُؤْكَلُ كلُّ ذى نابٍ من السّباع . قال ابنُ وهبٍ : وكان
الليثُ بنُ سعدٍ يقولُ : يُؤْكَلُ الهرُّ والثعلبُ .
قال أبو عمرَ : أمَّا اختلافُ العلماءِ فى أكلِ كلِّ ذى مِخْلَبٍ من الطيرِ وما
يَأْكُلُ(٣) الجيَفَ، فسنذْكُرُه فى بابِ نافِعٍ ، عن ابنِ عمرَ من كتابنا هذا، إن شاء
اللهُ، عندَ قولِ رسولِ اللهِ وَهُ: ((خمسٌ فَواسِقُ يُقْتَلْنَ فى الحِلِّ والحَرَمِ)).
فذكَر منها الغُرَابَ والحِدَأَةَ، وذلك أَوْلَى المواضع بذِكرِهُ(٤) . وباللهِ العونُ لا
شريكَ له . وأمَّا الآثارُ المرفوعةُ فى النَّهْىِ عن أكلِ كلِّ ذى مِخلَبٍ من الطيرِ ،
فأكثرُها معلُولةٌ(٥)، وسنَذْكُرُها فى بابٍ نافِعٍ إن شاء اللهُ .
القبس
(١) بعده فى م: ((والضرب)).
(٢) فى م: ((عن)).
(٣) بعده فى الأصل، م: ((منه)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٤٥٦/١٠ - ٤٥٩، ٤٦٣ - ٤٦٥.
(٥) فى الأصل، م: ((معلومة)).
٢٣٥

الموطأ
التمهيد
والحُجَّةُ لمالكِ وأصحابِهِ فى تحريم أكلٍ كلٌّ ذى نابٍ من السّباعِ، عُمومُ
النهي عن ذلك، ولم يَخُصَّ رسولُ اللهِ وَّ سَبُعًا من سَبْع، فكلّ ما وقَع عليه
اسمُ سَبْعٍ فهو داخِلٌ تحتَ النَّهْي على ما يُوجِبُه الخِطَابُ وتَعْرِفُه العربُ من
لسانِها فى مُخاطَباتِها ، وليس حديثُ الصَّبُع ممَّا يُعارَضُ به حديثُ التَّهْىِ عن
أكلِ كلِّ ذى نابٍ من السّباع ؛ لأَنَّه حديثٌ انفرد به عبدُ الرحمنِ بنُ أبى
عمَّارٍ، وليس بمَشْهُورٍ بنقلِ العِلْمِ، ولا ممَّن يُحْتَجُّ به إذا خالَفَه مَن هو أَثْبَتُ
منه . وقد رُوِى النَّهْىُ عن أكلٍ كلِّ ذِى نابٍ من السِّباع من طُرُقٍ مُتواتِرَةٍ عن
أبى هريرةَ، وأبى ثعلبةً(١١)، وغيرِهما، عن النبيِّ وََّ، روَى ذلك جماعةٌ من
الأئمَّةِ الثّقاتِ الذين تَشْكُنُ النَّفْسُ إلى ما نقَلُوه، ومُحَالٌ أن يُعارَضُوا بحديثٍ
ابنِ أبى عمَّارٍ .
ذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، عن معمر، عن الزهرىِّ قال: الثعلبُ سبُعٌ لا يُؤْكَلُ .
قال معمرٌ: وقال قتادةُ : ليس بسَبُعٍ .
ورخَّص فى أكلِه طاوسٌ وعطاءٍ من أجلِ أنَّه يُؤْذِى(١) . وأمَّا العراقيُون ؛ أبو
حنيفةً وأصحابُه، فقالوا: ذُو النابِ من السّباعِ المنهِىُّ عن أكْلِه ؛ الأسَدُ ،
والذِّئبُ، والنَّمِرُ، والفهدُ، والثعلبُ، والضَّبُعُ، والكلبُ، والسّنَّورُ(٤) البَرِّىُّ
القبس
٠
(١) تقدم فى الموطأ (١٠٨٥).
(٢) عبد الرزاق (٨٧٤١، ٨٧٤٣).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٧٤٢، ٨٧٤٤)، والأوسط لابن المنذر ٣١٤/٢.
(٤) السنور: حيوان أليف من الفصيلة السنورية ورتبة اللواحم ، من خير مآكلِه الفأر ، ومنه أهلى
وبری. الوسيط (س ن ر).
٢٣٦

الموطأ
والأهلِىُّ، والوَثْرُ(١) . قالوا: وابنُ عِرْسٍ(٢) سَبْعٌ من سِباعِ الهَوام، وكذلك الغِيلُ، التمهيد
والدُّبُّ، والضَّبُّ(٢)، واليَرْبُوعُ(٤). قال أبو يوسفَ: فأمَّا الوَبْرُ فلا أُحْفَظُ فيه شيئًا
عن أبى حنيفةً، وهو عندى مثلُ الأرنبِ ، لا بأسَ بأكلِه ؛ لأَنَّه يَعْتَلِفُ البُقُولَ
والنَّبَاتَ . وقال أبو يوسفَ فى السّنْجَابِ(٥)، والفَتَكِ(٦)، والسُّورِ(٢): كلُّ ذلك
سَبْعٌ مثلُ الثعلبِ وابنِ عِرْسٍ .
قال أبو عمرَ: أَمَّا الضَّبُّ فقد ثَبَت عن النبيِّ وَلَه إجازةُ أكلِه (٨). وفى ذلك
ما يَدُلُّ على أنَّه ليس بسَبُعِ يَفْتَرِسُ . واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) الوبر: حيوان من ذوات الحوافر فى حجم الأرنب ، أطحل اللون ؛ أى بين الغبرة والسواد ، قصير
الذنب، يحرك فكّه السفلى كأنه يجتر، ويكثر فى لبنان، والأنثى وبرة، والجمع وَيْر، وُبور ،
ووبار. الوسيط (و ب ر).
(٢) ابن عِرس: دويئة كالفأرة تفتك بالدجاج ونحوه. الوسيط (ع ر س).
(٣) الضب : حيوان من جنس الزواحف غليظ الجسم خشنه وله ذنب عريض خشن، يكثر فى
صحارى الأقطار العربية . الوسيط (ض ب ب).
(٤) اليربوع: حيوان من الفصيلة اليربوعية ، صغير على هيئة الجرذ، وله ذنب طويل ينتهى بخصلة
من الشعر، وهو قصير اليدين طويل الرجلين . الوسيط (ر ب ع).
(٥) السّنجاب: حيوان أكبر من الجرذ، له ذنب طويل كثيف الشعر، يرفعه صعدا، يضرب به المثل
فى خفة الصعود، ولونه أزرق رمادى. الوسيط (سنجب).
(٦) الفنك : ضرب من الثعالب ، فروته أجود أنواع الفراء، وتسمى فراؤه فنكًا أيضا . الوسيط
(ف ن ك).
(٧) فى م: ((السنور)). والشَّمُّورُ: حيوان ثديى لَيْلِىٌّ مِن الفصيلة السَّمورية، من آكلات اللحوم،
٢
يتخذ من جلده فرو ثمين، ويقطن شمالئَ آسية. الوسيط (س م ر).
(٨) سيأتى فى الموطأ (١٨٧٣ - ١٨٧٥).
٢٣٧

الموطأ
التمهيد
ذكَر عبدُ الرَزَّاقِ (١) ، قال: أخبرنى رجلٌ من ولدِ سعيدِ بنِ المسَيَّبِ ، قال:
أخبرنى يحيى بنُ سعيدٍ قال: كنتُ عندَ سعيدِ بنِ المسَيَّبِ ، فجاءَه رجلٌ من
غَطَفانَ، فسأله عن الوَرَلِ (٢) ، فقال: لا بأسَ به، وإن كان معكم منه شىءٌ
فَأَطْعِمُونا منه. قال عبدُ الرَّزَّاقِ: والوَرَلُ شِبْهُ الضَّبِّ.
وأجاز الشعبىُ أكلَ الأسدِ والفيلِ، وتلا: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَ
مُحَرَّمًا﴾ الآية(٢). وقد كرِه أكلَ الكلبِ والتَّداوِىَ به(٤)، وهذا خلافٌ منه
واضطرابٌ. وكرِه الحسنُ وغيرُه أكلَ الفِيلِ(٥)؛ لأنَّهُ ذُونابٍ، وهم للأسدِ أشدُ
كراهِيَةً. وكرِه عطاءٌ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، أكلَ الكلبِ (١) . ورُوِى عن النبىِّ
وَلَهُ فِى الكلبِ، قال: ((طُعْمَةٌ جاهليّةٌ، وقد أغنَى اللهُ عنها)) (١).
وذكر ابنُ عيينةً، عن سُهيلٍ بن أبى صالحٍ، عن (يزيدَ بنِ عبدِ اللهُ
القبس
(١) عبد الرزاق (٨٧٤٧).
(٢) الورل: حيوان من الزَّافات، طويل الأنف والذنب، دقيق الخصر، لا عقد فى ذنبه كذنب
الضب، وهو أطول من الضب وأقصر من التمساح، يكون فى البر والماء، يأكل العقارب والحيات
والحرابى، والعرب تستقذره فلا تأكله. الوسيط (ور ل).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٧٦٩)، والنحاس فى ناسخه ص٤٣٥.
(٤) سيأتى تخريجه ص ٢٤٠، ٢٤١.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٨٧٧٠).
(٦) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٧٤٠).
(٧) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٣٤٤٩)، والطبرانى ٣٦/٢٥ (٦٣) من حديث
ميمونة. وأخرجه أحمد ١١١/٢٣ (١٤٨٠٢) من حديث جابر.
(٨ - ٨) كذا فى النسخ ونسخ المصنف، وعند الحميدى: ((عبد الله بن يزيد)). هو الصواب. ينظر
التاريخ الكبير ٢٢٧/٥، والجرح والتعديل ٥/ ٢٠٠، والثقات ١٣/٧، وما تقدم ص ٢١٣ .
٢٣٨

الموطأ
الشَّغْدِىِّ قال: سألتُ ابنَ المسيَّبِ عن أكلِ الضَّبْع، فقال: إنَّ أكلَها لا التمهيد
،(١)
يَصلُعُ(١).
ومعمرٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه ، أنَّه سُئِل عن أكلِ الْيَرْبُوعِ، فلم يَرَ به
بأسًا(٢).
قال مَعْمَرٌ: وسألْتُ عطاءً الخُراسانىَّ عن اليَرْبُوعِ، فلم يَرَ به بأسا(٣).
قال: وأخبرنا ابنُ طاوسٍ، عن أبيه، أنَّه سُئِل عن أكلِ الوَيْرِ، فلم يَرَ به
(٤)
بأسًا (٤) .
وقال ابنُ وهب : أخبرنى عبدُ العزيزِ بنُ محمد المدنئُ ، قال : بلَغنی عن
عامٍ الشعبىِّ قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَّر عن أكلِ لحمِ القِرْدِ .
قال أبو عمرَ: وكَرِهه ابنُ عمرَ، وعطاءٌ، ومكحولٌ، والحسنُ، ولم
يُجِيزُوا بَيْعَه .
وقال عبدُ الرَّزَّاقِ (٥) ، عن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ: سُئِلَ مجاهدٌ عن أكلِ القِرْدِ،
فقال: ليس من بهيمة الأنعامِ .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٨٨)، والحميدى (٣٩٧) عن ابن عيينة به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٠/٥، ٤٠١ من طريق معمر به.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٩٠) - وعنه ابن أبى شيبة ٤٠١/٥ - عن معمر به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣٧/٨ من طريق معمر به .
(٥) عبد الرزاق (٨٧٤٥) .
٢٣٩

الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ: لا أعلمُ بينَ علماءِ المسلمين خِلافًا أنَّ القردَ لا يؤكلُ، ولا
يجوزُ بْعُه ؛ لأنَّه ممَّا لا منفعةً فيه، وما علمتُ أحدًا ازْخَصَ فی أکلِه ، والكلبُ
والفِيلُ وذُو النابِ كلُّه عندى مثلُه، والحُجَّةُ فى قولِ رسولِ اللهِ وَِّ لا فى قولٍ
غيرِهِ، وما يَحتاجُ القِرِدُ ومثلُه أن يُنْهَى عنه؛ لأنَّه يَنْهَى عن نفسِه بزَجْرِ الطّباع
والنفوس لنا عنه ، ولم يَبلُغْنا عن العربِ ولا عن غيرِهم أكلُه، وقد زعم ناسٌ أنَّه لم
يكنْ فى العربِ من يَأْكُلُ الكلبَ إِلَّا قومٌ(١) من فَقعَسَ، وفى أحدِهم قال الشاعرُ
الأسَدِىُّ(٢):
يا فَقْعَسِىُّ لِمْ أَكَلْتَه لِمَهْ .
لو خافَكَ اللهُ عليه حَرَّمَهْ
فما أكَلْتَ لَحْمَه ولا دَمَهْ
قال أبو عمرَ : معنى قوله: لو خافَكَ اللهُ عليه حَرَّمَه . أنَّ الكلبَ عندَه كان
مَّا لا يَأْكُلُهُ أحَدٌ، ولا يُخافُ أحدٌ على أكلِهِ إِلَّ المضطَرَّ، واللهُ عزَّ وجلَّ لا
يَخافُ أحدًا على شىءٍ ، ولا على غيرِ شىءٍ ، ولا يَلحَقُّه الخوفُ جَلَّ وتعالَى عن
ذلك. وأظنُّ الشعرَ لأعرابيٌ لا يَقِفُ على مثلِ هذا من المعانى. واللهُ أعلمُ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثْنى أبى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
يُونسَ ، قال: حدَّثنا بَقىُ بنُ مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال :
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((منهم نفر).
(٢) هو سالم بن دارة الغطفانى، والرجز فى الحيوان ٢٦٧/١، ١٥٩/٢، ٤١/٤، والبخلاء ص .
٢٣٤، واللسان (روح). وفى الحيوان فى الموضع الأخير: وقد قال الشاعر للأسدى الذى ليم بأكل
الكلب .
٢٤٠