النص المفهرس

صفحات 301-320

الموطأ
کتابُ العقيقة
ما جاء فى العقيقةِ
٠٢٠
١٠٩٢ - مالك، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن رجلٍ من بنى ضَمْرَةً، عن
أبيه ، أنه قال: سُئل رسولُ اللهِ وَلَه عن العَقيقةِ، فقال: ((لا أُحِبُ
العُقوقَ)). وكأنه إنما كرِه الاسمَ، وقال: ((مَن وُلِد له ولدٌ فَأَحَبَّ أن
ينشكَ عن ولدِهِ فَلْيفعَلْ)) .
مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن رجلٍ من بنى ضعْرةَ ، عن أبيه ، أَنَّه قال: سُئِل التمهيد
رسولُ اللهِ وَ عن العَقِيقَةِ، فقال: ((لا أُحِبُّ العُقُوقَ)). وكأنَّه إنَّما كرِهِ
الاسمَ، وقال: ((من وُلِد له ولدٌ فأحبّ أنْ يَنْسُكَ عن ولدِه فلْيَفْعَلْ))(١).
القبس
بابُ العقيقةِ
قال مالكٌ: سُئِل رسولُ اللهِ إِّهِ عن العقِيقةِ، فقال: ((لا أُحبُّ العُقُوقَ)). وكأنَّه
كَرِه الاسمَ . وأدخَل مالكٌ هذا الحديثَ مقطوعًا مجهولاً، وفى ((صحيحِ البخارىِّ))
أن النبىَّ وَِّ قال: ((مع الغلامِ عَقيقَةٌ، فَأَهَرِيقُوا عنه دمًا، وأمِيطُوا عنه الأَذَى))(٢).
(١) الموطأ برواية ابن زياد (٣٤)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٥٩)، وبرواية يحيى بن بكير (١٦/١٣ ظ
- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٨٣). وأخرجه أحمد ٢١١/٣٨ (٢٣١٣٤)، وأبو القاسم
الجوهرى فى مسند الموطأ (٣٦٥)، وأبو نعيم فى المعرفة (٧١٤٦)، والبيهقى ٣٠٠/٩ من طريق مالك
به .
(٢) سيأتى تخريجه ص ٣٠٥، ٣٠٦.
٣٠١

الموطأ
التمهيد
روَى هذا الحديثَ ابنُ عيينةَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن رجلٍ من بنى ضَمرةً ،
عن أبيه، أو عن عمّه، هكذا على الشكِّ (١) . والقولُ فى ذلك قولُ مالكِ، واللهُ
أعلمُ . ولا أعلمُه رُوِى معنَى هذا الحديثِ عن النبيِّ ◌َّ إلّا من هذا الوجهِ، ومن
حديث عمرو بنٍ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ وَله، واختُلِف فيه على
عمرو بن شعيبٍ أيضًا . ومن أحسنٍ أسانيدِ حديثه ما ذكره عبدُ الرزاقِ (١) ، قال:
أخبَرنا داودُ بنُ قيسٍ ، قال : سمِعتُ عمرو بن شعيبٍ يُحدِّثُ ، عن أبيه، عن
جدِّه قال: سُئِل النبىُ وَّه عن العقيقة، فقال: (( لا أحبُّ العُقوقَ)). كأنَّه كرِه
القبس
وقال النبيُّ نَّه فى العقيقة: ((عن الغلامِ شاتانٍ متكافئتانٍ، وعن الجاريةِ شاءٌ ، تُذْبُ
عنه يومَ السَّابعِ، ويُعْلَقُ رأسُه، ويُدَمَّى))(١). قال العلماءُ: قولُه: ((يُدَمَّى)). من
تصحيفٍ قتادةً، وإنما هو (يُسَمَّى)) (١)؛ لأنه ثبت عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((وأَمِيطُوا
عنه الأذى)) (). ولا أذى أعظمُ مِن تلطيخ الدم، وفى ((الصحیحین)) أنه چیء
بابنِ أبي طلحةً إلى النبيِّ(َّرِ، فسمَّاه وحتَّكه). ولم يذكُرْ عقيقةً. وقد روَى
النسائيُ أن النبيَّ وَلَهعقَّ عن الحسنِ بكبشٍ". وروى الترمذىُّ أنه أُذّن فى أذنه حین
(١) أخرجه أحمد ٥٠/٣٩ (٢٣٦٤٤)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٠٥٧)، والبيهقى ٣١٢/٩
من طریق سفیان به .
(٢) عبد الرزاق (٧٩٦١).
(٣) ينظر ما سيأتى فى تخريجه ص ٣١١ - ٣١٧.
(٤) ينظر ما سيأتى ص٣١٥ - ٣١٧ .
(٥) البخارى (٥٤٧٠)، ومسلم (٢١٤٤) .
(٦) روى النسائى (٤٢٢٤) من حديث بريدة أن رسول اللَّه وَّل عق الحسن والحسين. وروى أيضًا
(٤٢٣٠) من حديث ابن عباس قال: عق رسول اللَّه وَلِّ عن الحسن والحسين رضى اللَّه عنهما
بكبشين كبشين . وينظر ما سيأتى ص٣١١ .
٣٠٢

الموطأ
الاسمَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، يَتْسُكُ أحدُنا عن ولدِه؟ فقال: ((مَن أَحَبَّ التمهيد
منكم أن يَنْسُكَ عن ولدِهِ فَلْيَفْعَلْ؛ عن الغلامِ شاتانِ مُكافِئتانٍ، وعن الجاريةِ
شاءٌ )) .
وقد رُوِى عن النبيِّ وَلّ فى العقيقةِ آثارٌ سنذكُرُها هلهنا إن شاء اللهُ
تعالی .
وفى هذا الحديثِ كراهيةُ ما يَقبُحُ معناه من الأسماءِ، وكان رسولُ اللهِ وَّ
يُحبُّ الاسمَ الحسنَ، ويُعجِبُه الفأَلُ الحسنُ. وقد جاء عنه فى حربٍ، ومُرّةَ ،
ونحوِهما ، ما رواه مالكٌ وغيرُه، وذلك معروفٌ ستراه فى بابِه من كتابنا هذا (١
إن شاء اللهُ . وكان الواجبُ بظاهرِ هذا الحديثِ أن يُقالَ للذبيحةِ عن المولودِ :
وُلِدُ (١) . وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. فصارت تلك سُنَّةً، ولقد فعلتُها بأولادِى، واللهُ القبس
يَهَبُ الهُدَى. وثبت أن النبىَّ ◌َّهِ أَمَر فاطمةَ بحلقٍ شعرِ رأسٍ بنيها ، وأن تتصدَّق بزِنتِه
فضةٌ(). وكانتِ الجاهليةُ تَحْلِقُ رأْسَ المؤلودِ، وتُلَطِّحُه بالدم، فشرَع النبيُّ وَّل
التصَدُّقَ بزنتِه فضَّةٌ (٥)، وقال العلماءُ: يُلَطَّخُ بِالخَلوقِ(١) رأسُه . وقال علماؤنا رحمةُ
اللهِ عليهم : العقيقةُ أختُ الأضحيةِ فى الصفةِ والجنسِ والسلامةِ ، ولكن قال مالك:
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٨٨٨) من الموطأ .
(٢) الترمذى (١٥١٤).
(٣) سيأتى تخريجه ص٣١٩ .
(٤ - ٤) ليس فى : د .
(٥) سقط من : ج .
(٦) الخلوق : هو طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب ، وتغلب عليه
الحمرة والصفرة . النهاية ٧١/٢ .
٠
٣٠٣

الموطأ
:
نَسِيكةٌ . ولا يقالَ لها: عَقيقةٌ. ولكنِّى لا أعلمُ أحدًا من العلماءِ مال إلى ذلك ولا
التمهيد
قال به ، وأظنُّهم، واللهُ أعلمُ، ترَكوا العملَ بهذا المعنَى المدلولِ عليه من هذا
الحديثِ ، لِما صَحَّ عندَهم فى غيرِه من لفظِ العقيقةِ؛ وذلك أنَّ سَمُرةَ بنَ جُندُبِ
رَوَى عن النبيِّ وَّ أَنَّه قال: ((الغلامُ مُرتهَنٌّ بعَقيقتِه، تُذبَحُ عنه يومَ سابعِه)) .
وروَى سلمانُ الضَّبيُّ عن النبيِّ وَّأَنَّه قال: ((مع الغلامِ عَقيقَتُه، فأهَرِيقوا عنه
دمًا ، وأمیطوا عنه الأذى ))(١) . وهما حديثانِ ثابتانِ ، إسنادُ كلّ واحدٍ منهما خيرٌ
من إسنادٍ حدیث زیدِ بنِ أسلمَ هذا .
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : أملَى
علينا علىّ بنُ عبدِ العزيزِ بمكةً فى المسجدِ الحرامِ ، قال: حدَّثْنا مُعلَّى بنُ أسدٍ ،
القبس إِنما يكونُ رأسٌ واحدٌ عن الذكر والأنثى، لا يُفَضَّلُ فى ذلك الذكرُ. وتُكْسَّرُ
عظامُها؛ خلافًا لما كانت تقولُه الجاهليةُ : إنها لا يُكْسَرُ لها عظْم. وتكلَّمنا يومًا
بالمسجدِ الأقصى مع شيخنا أبى بكرِ الفِهْرىِّ، فقال : إِذا ذيَح الرجلُ أضحيتَه يومَ
الأضحى يَعُقُّ(١) بها عن ولدِه لم تُجْزِئْه؛ لأن المقصودَ من العقيقةِ إراقةُ الدم، كما
هو فى الأضحيةِ ، فأمّا لو ذبَح أضحيتَه يومَ النحرِ وأقام بها سنةَ الوليمةِ فى عرسِه أجزأه ؛
لأن المقصودَ من" الأضحيةِ إراقةُ الدمِ، وقد وقَع موقعَه، والمقصودَ من الوليمةِ إقامةٌ
السُنَّةِ بالأكلِ ، وقد وُجِد ذلك الفعلُ.
(١) سيأتى ص ٣٠٥، ٣٠٦.
(٢) فى ج، م: (( فعق)).
(٣ - ٣) سقط من: ج، م .
٣٠٤

1.
الموطأ
قال : أخبرنا سلَّامُ بنُ أبى مُطيع، قال : حدَّثنا قتادةُ، عن الحسنِ، عن سَمُّرةَ التمهيد
قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الغلامُ مُرتَهَنٌّ بعقيقتِه، تُذْبَحُ عنه يومَ السابعِ،
ويُحلَقُ رأْسُه، ويُسمَّى))(١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهيرٍ ، قال: أخبرنا عفانُ ، قال: حدَّثنا أبانٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ ، عن
الحسنِ، عن سَمُرةَ، أَنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: (( كلُّ غلام مُرتَهَنٌ بعقيقتِه، تُذْبَحُ عنه
يومَ سابعِه، ويُماطُ عنه الأَذَى، ويُسمَّى))(١).
قال أحمدُ بنُ زهير : وحدَّثنا أبی ، قال : حدَّثنا قُریشُ بنُ أنسٍ، عن حبیبٍ
ابنِ الشَّهيدِ ، قال : قال لى ابنُ سيرينَ : سلِ الحسنَ ممَّن سمِع حديثَ العقيقةِ؟
فسألته عن ذلك، فقال : من سَمُرةً(٣) .
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثْنا
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضى، قال: حدَّثنا حجَّاجُ بنُ مِنهالٍ، قال :
حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، قال : أخبرنا أيوبُ، وقتادةُ، ويونسُ، وهشام،
وحبيبُ بنُ الشَّهيدِ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن سلمانَ بنِ عامرِ الضَّبيِّ،
أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((مع الغلامِ عَقيقتُه، فأهَرِيقوا عنه دمًا، وأمِيطوا
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (٦٨٢٩) عن على بن عبد العزيز به ، وأخرجه الطبرانى (٦٨٢٩) ، وأبو نعيم
١٩١/٦ من طريق سلام به .
(٢) أخرجه أحمد ٣٥٦/٣٣ (٢٠١٨٨) عن عفان به .
(٣) أخرجه البخارى عقب الحديث (٥٤٧٢)، والترمذى عقب الحديث (١٨٢)، والنسائى
(٤٢٣٢) من طريق قريش به .
٣٠٥
( موسوعة شروح الموطأ ٢٠/١٣ )

الموطأ
التمهيد عنه الأذَى))(١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ زُهيرٍ ، قال: حدَّثنا أبو غسَانَ ، قال : أخبرنا إسرائيلُ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
المختارِ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبى هريرةَ قال: سمِعتُ النبىّ،وَلَِّ يقولُ:
((الغلامُ مُرتَهَنَّ بعقِيقَتِهِ)) (١).
فھذا لفظُ العقيقةِ قد صحَّ عن النبىّ پټ من وجوہِ ثابتةٍ أُثبت من حديث زيد
ابنِ أسلمَ هذا، وعليها العلماءُ، وهو الموجودُ فى كُتبِ الفقهاءِ وأهلِ الأثَرِ فى
الذَّبيحةِ عن المولودِ ((العقيقةُ)) دونَ ((النسيكَةِ)) .
وأمّا العقيقةُ فى اللُّغةِ، فزعَم أبو عُبيدٍ(٣) ، عن الأصمعىِّ وغيرِهِ، أنَّ أصلَها
الشَّعَرُ الذى يكونُ على رأسِ الصبىِّ حينَ يُولَدُ . قال: وإنَّما سُمِّيتِ الشاةُ التى
تُذْبَحُ عنه عَقيقَةً؛ لأنَّه يُحلَقُ عنه ذلك الشعَرُ عندَ الذبح . قال : ولهذا قيل فى
الحديثِ: ((وأميطوا عنه الأذى)). يعنى بالأذَى ذلك الشعَرَ. قال أبو عبيدٍ:
وهذا ممَّا قلتُ لك: إنَّهم ربَّما سمّوا الشىءَ باسم غيرِه إذا كان معه، أو من
سبَبِهِ ، فسُمِّيتِ الشاةُ عقيقةً لعقيقَةِ الشَّعَرِ، وكذلك كلُّ مولودٍ من البهائم ، فإنَّ
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (١٠٤٨)، والبيهقى ٢٩٨/٩ من طريق حجاج به .
(٢) أخرجه البزار (١٢٣٦ - كشف) عن إسرائيل به، وأخرجه الحاكم ٢٣٨/٤ من طريق عبد الله
ابن المختار ، ولفظه عندهما كلفظ الحديث السابق.
(٣) غريب الحديث لأبى عبيد ٢٨٤/٢.
٣٠٦

الموطأ
الشعَرَ الذى يكونُ عليه حينَ يُولَدُ عقيقةٌ وعِقَّةٌ. قال زهيرٌ يَذْكُرُ حمارَ التمهيد
(١)
وَخْشٍ():
عليه من عقيقَتِه ◌ِفاءُ(١)
أَذلك أم "أقبُ البطنِ" بجَأْبٌ
( يعنى صغارَ الوَرِّ"
وقال ابنُ الرّقاع فى العِقَّةِ يَصفُ حِمارًا(٥) :
واجْتَابَ أُخرَى جديدًا بعدَ مَا ابْتَقَلا
تَحَشَرَتْ عِقَّةٌ عنه فأنْسَلَها
قال : يريدُ أنَّه لما فُطِم من الرضاع، وأكَل البَقْلَ، أَلقَى عَقيقتَه، واجتابَ
أُخرَى، وهكذا زعَموا يكونُ . قال أبو عبيدٍ : العِقَّةُ والعقيقةُ فى الناسِ والحُمُرِ،
ولم يُسمَعْ فى غيرِ ذلك .
قال أبو عمر: هذا کلُّه کلام أبی عبيدٍ وحکایته، وما ذكره فى تفسیرِ
العقيقةِ ، وقد أنكَر أحمدُ بنُ حنبل تفسيرَ أبى عبيدِ هذا للعقيقَةِ، وما ذكره عن
الأصمعىِّ وغيرِه فى ذلك، وقال: إِنَّما العقيقةُ الذبحُ نفسُه. قال: ولا وجهَ لما
القبس
(١) ديوان زهير ص ٦٥.
(٢ - ٢) فى م، ورواية للديوان: ((شتيم الوجه)).
(٣) الأقب: الضامر، وجأبٌ: غليظ ، وجابة المدرى غير مهمور: الظبية حين بدا قرنها، وعقيقته :
وبره، وعفاء: صغار الوبر وصغار الريش، وهو هلهنا شعر الحمار الذى ولد وهو عليه. شرح ديوان
زهير ص ٦٥.
(٤ - ٤) فى ص ٤: ((والعفاء الشعر الكثير والقب يعنى صغار الإبل)).
(٥) البيت لابن الرقاع فی اللسان (ع ق ق)، وغير منسوب فی (ج و ب، ح س ر).
٣٠٧

الموطأ
التمهيد قال أبو عبيدٍ . واحتَجَّ بعضُ المتأخّرين لأحمدَ بنِ حنبل فى قولِه هذا بأن قال : ما
قال أحمدُ من ذلك فمعروفٌ فى اللغةِ ، لأَنَّ يقالُ: عَقَّ. إذا قطَع . ومنه يقالُ :
عقَّ والدَيْه . إذا قطَعهما .
قال أبو عمرَ: يَشهَدُ لقولِ أحمدَ بنِ حنبلِ قولُ الشاعرِ(١):
وأولُ أرضٍ مسَّ جلدِى تُرابُها
بلادٌ بها عَقَّ الشبابُ تَائِمی
يريدُ أنَّه لما شَبَّ قُطِعَتْ عنه تَمائِمُه .
ومثلُ هذا قولُ ابنِ مَّدَةً، واسمُه الَّمَّاحُ(١):
وقُطِّعْن عنِّى حينَ أدرَكَنى عقلى
بلادٌ بها نِيطَت عَلَىَّ تَمَائِمی
وقولُ أحمدَ فى معنَى العقيقةِ فى اللُّغةِ أولَى من قولٍ أبى عُبيدٍ وأقربُ
وأصوَبُ . واللهُ أعلمُ .
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ قولُهُ وَِّهِ: ((من وُلِد له ولدٌ فأحبّ أن
يَنْسكَ عن ولدِهِ فَلْيَفْعَلْ))(١). دليلٌ على أنَّ العقيقةَ ليست بواجبةٍ ؛ لأنَّ الواجبَ
لا يقالُ فيه: من أحبَّ فَلْيَفْعَلْه. وهذا موضعٌ اختلف العلماءُ فيه؛ فذهَب أهلُ
الظَّاهرِ إلى أنَّ العقيقةَ واجبةٌ فرضًا؛ منهم داودُ بنُّ علىّ وغيرُه . واحتجُوا لؤُجوبِها
بأنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ أَمَر بها وفعَلها، وكان بُرِيدَةُ الأُسلَمِىُّ يوجِبُها، وشَبَّهها
القبس
(١) البيت فى اللسان (ع ق ق) غير منسوب. وفيه: ((تميمتى)). بدلًا من: ((تمائمى)).
(٢) البيت له فى الشعر والشعراء ٢/ ٧٧٢.
(٣) بعده فى ص ٤: (وفى ذلك)).
٣٠٨

الموطأ
بالصلاةٍ ، فقال: الناسُ يُعرَضون يومَ القيامةِ على العقيقةِ كما يُعرَضون على التمهيد
الصلواتِ الخمسِ ) . وكان الحسنُ البصرىُّ يذهَبُ إلى أنَّها واجبةٌ عن الغلامِ
يومَ سابعِه، فإِنْ لم يُعَقَّ عنه عقَّ عن نفسِه(٢) . وقال الليثُ بنُ سعدٍ: يُعَقُّ عن
المولودِ فى أيَّامِ سابعِه فى أيُّها شاء، فإن لم تتهيّأُ لهم العقيقةُ فى سابعِه ، فلا بأسَ
أنْ يُعَقَّ عنه بعدَ ذلك، وليس بواجبٍ أنْ يُعَقَّ عنه بعدَ سبعةِ أَيَّامٍ . وكان الليثُ
يَذْهبُ إلى أنَّها واجبةٌ فى السبعةِ الأيام. وكان مالكٌ يقولُ: هى سُنَّةٌ واجبةٌ
يجبُ العملُ بها . وهو قولُ الشافعىِّ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ ، وإسحاقَ ، وأبى ثورٍ ،
والطبرىِّ. قال مالكٌ: لا يُعَقُّ عن الكبيرِ، ولا يُعَقُّ عن المولودِ، إلَّا يومَ سابعِه
ضَحْوَةً ، فإن جاوَز يومَ السابعِ، لم يُعَقَّ عنه. وقد رُوِى عنه أَنَّه يُعَقُّ عنه فى(٢)
السابعِ الثانى . قال : ويُعَقُّ عن اليتيم، ويَعُقُّ العبدُ المأذونُ له فى التِّجارةِ عن
ولدِهِ ، إِلَّ أن يمنَعَه سيِّدُه. قال مالكٌ: ولا يُعَدُّ اليومُ الذى وُلِدَ فيه، إلَّا أن يُولَدَ
قبلَ الفجرِ من ليلةٍ ذلك اليومِ . ورُوِىَ عن عطاءٍ: إن أخطَأهم أمرُ العقيقةِ يومَ
السابع، أحببتُ أن يُؤَخِّروه إلى يومِ السابعِ الآخرِ () . ورُوِى عن عائشةً أنها
قالت : إن لم يُعَقَّ عنه يوم السابع ، ففى أربعَ عشرةَ ، فإن لم یکنْ ، ففى إحدى
وعشرين . وبه قال إسحاقُ بنُ راهُويَه. وهو مذهبُ ابنِ وهبٍ، قال ابنُ
وهبٍ : قال مالكُ بنُّ أنسٍ : إن لم يُعَقَّ عنه فى يومِ السابعِ، عُقَّ عنه فى السابعِ
القبس
(١) أخرجه الرويانى (٤٥) .
(٢) ينظر المحلى ٣٢٢/٨.
(٣) فى ص ٤: (يوم).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٦٩).
(٥) أخرجه الحاكم ٢٣٨/٤ .
٣٠٩

الموطأ
التمهيد الثانى. وقال ابنُّ وهبٍ: ولا بأسَ أن يُعَقَّ عنه فى السابع الثالثِ. وقال مالكٌ: إن
مات قبلَ السابع لم يُعَقَّ عنه. ورُوِى عن الحسنِ مثلُ ذلك(١) . وقال الليثُ بنُ
سعدٍ فى المرأةِ تَلِدُ ولَدَين فى بَطنٍ واحدٍ ، أَنَّه يُعَُّ عن كلِّ واحدٍ منهما .
قال أبو عمرَ: ما أعلمُ عن أحدٍ من فقهاءِ الأمصارِ خلافًا فى ذلك . واللهُ
أعلمُ .
وقال الشافعىُّ: لا يَعُقُّ المأذونُ له المملوكُ عن ولدِه، ولا يُعَقُّ عن اليتيمِ
كما لا يُضَخَّى عنه. وقال الثورىُّ: ليستِ العقيقةُ بواجبةٍ، وإن صُنِعت
فحسنٌ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: هى تطوٌُّ، كان المسلمون يَفعَلونها ،
فنسخها ذَبحُ الأضحَى ، فمن شاء فعَل، ومن شاء لم يفعَلْ. وقال أبو الزِّنادٍ:
العقيقةُ من أمرِ المسلمين الذين كانوا يكرهون تركه.
قال أبو عمرَ : الآثارُ كثيرةٌ مرفوعةٌ عن الصحابة والتابعين وعلماءِ المسلمين
فى استحباب العمل بها ، وتأکیدِ سُنَِّها ، ولا وجه لمن قال : إن ذبح الأضحى
نسخها .
واختلفوا فى عددٍ ما يُذْبَحُ عن المولودِ من الشِّياهِ فى العقيقةِ عنه؛ فقال
مالكٌ: يُذْبَحُ عن الغلام شاةٌ واحدةٌ، وعن الجاريةِ شاةٌ ؛ الغلامُ والجاريةُ فى
ذلك سواء .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٧٨).
٣١٠

الموطأ
والحجّةُ له ولمن قال بقوله فى ذلك ما حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: التمهيد
حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا أبو معمرٍ عبدُ اللهِ بنُ
عمرٍو، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن عكرمةَ، عن ابنٍ
عباسٍٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَّعقَّ عن الحسن والحسينِ كبشًا كبشًا().
وروَى جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، أنَّ فاطمةَ ذبَحت عن حسنٍ وحسینٍ
كبشًا كبشًا .
وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ يَعُقُّ عن الغِلمانِ والجوارِى من وَلَدِه شاةً شاةً ". وبه
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ علىٍّ بنِ حسينٍ، كقول مالكِ سواءً.
وقال الشافعىُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ : يُعَقُّ(١) عن الغلامِ شاتان ،
وعن الجارية شاةً. وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وعائشةً(٢) ، وعليه جماعةُ أهلِ
الحديث .
وحجَّتُهم فى ذلك ما حدَّثناه أبو القاسم عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قراءةً منِّى
عليه ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) أبو داود (٢٨٤١). وأخرجه ابن الجارود (٩١٢)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٠٣٩)،
والطبرانى (٢٥٦٧)، والبيهقى ٢٩٩/٩ من طريق أبى معمر به.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٠٩٥).
(٣) سقط من : ص ٤.
(٤) ينظر المحلى ٣١٧/٨.
٣١١
:

الموطأ
التمهيد
مُسدَّدٌ، وحدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصرٍ قراءةً منِّى عليه أيضًا - واللَّفظُ له -
قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذىُّ، قال:
حدَّثنا الحميدىُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، قال : أخبرنا عمرُو بنُ دینارٍ ،
قال : أخبرنى عطاءُ بنُ أبى رباح ، أَنَّ حبيبةَ بنتَ ميسرةَ الفِهْرِيَّةَ مولاتَه أخبرته،
أنَّها سمِعت أمَّ كُرزِ الخُزاعيَّةَ تقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّله قال فى العقيقةِ:
((عن الغلامِ شاتانِ مُكافِئتان، وعن الجارية شاةً))(١).
وعندَ ابنِ عيينةَ أيضًا فى هذا الحديثِ إسنادٌ آخرُ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبى
يزيدَ ، عن أبيه ، عن سِبَاعِ بنِ ثابتٍ ، عن أمّ كُرْزٍ، حدَّثنيه سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال :
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا التِّرمذىُّ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ ، قال :
حدَّثنا سفيانُ ، قال: حدَّثنَى عُبيدُ اللهِ بنُ أبى يزيدَ ، قال: أخبرنى أبى، أنَّه سمِع
سِبَاعَ بنَ ثابتٍ يُحدِّثُ، أَنَّه سمِعِ أُمَّ كُرْزِ الكَعبيَّةَ تقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَل
يقولُ: ((أقِرُّوا الطيرَ على مَكِناتِها(١)). قالت: وسمِعتُهُ وَّ لَيقولُ: ((عن الغلامِ
القبس
(١) أخرجه ابن حزم ٣١٥/٨ من طريق محمد بن إسماعيل به. وهو عند الحميدى (٣٤٦).
وأخرجه أبو داود (٢٨٣٤) عن مسدد به، وأخرجه أحمد ١١٦/٤٥ (٢٧١٤٢)، والنسائى
(٤٢٢٧)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٠٤١) من طريق سفيان به.
(٢) فى ص ٤: ((مكانها)). قال ابن الأثير: المكنات فى الأصل بيض الضباب، واحدتها مَكِنة،
بكسر الكاف وقد تفتح، يقال: مكنت الضبة وأمكنت ... وقيل: المكنات بمعنى الأمكنة، يقال:
الناس على مكناتهم وسكناتهم، أى: على أمكنتهم ومساكنهم. ومعناه أن الرجل فى الجاهلية كان
إذا أراد حاجة أتى طيرا ساقطاً أو فى وكره، فنفّره، فإن طار ذات اليمين مضى لحاجته، وإن طار
ذات الشمال رجع، فنهوا عن ذلك. النهاية ٤ /٣٥٠.
٣١٢

الموطأ
شاتانٍ ، وعن الجاريةِ شأةٌ ، ولا يَضُرُكم ذُكرانًا كُنَّ أَو إناثًا))(١) .
التمهيد
هكذا قال ابنُ عيينةَ فى هذا الحديثِ ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبى يزيدَ ، عن أبيه .
وخالَفه حمَّادُ بنُ زيدٍ ، فلم يقلْ : عن أبيه .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال : حدَّثنا مُسدَّدٌ ، قال : حدثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أُبی
يزيدَ، عن سِبَاعِ بنِ ثابتٍ، عن أمّ كُرْرٍ قالت: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((عن الغلامِ
شاتان مِثْلانٍ، وعن الجارية شاةٌ))(١) . قال أبو داودَ: هذا هو الصحيحُ ، وَهِم ابنُ
(٣)
عيينةَ فيه(٣) .
قال أبو عمرَ : لا أدرى من أين قال هذا أبو داودَ؟ وابنُ عُيينةَ حافظٌ ، وقد
زاد فى الإسنادِ ، وله عن عبيدِ اللهِ بنِ أبی یزیدَ، عن أبيه، عن سِباعِ بنِ ثابتٍ ،
عن أُمّ كُوْزٍ، ثلاثةُ أحاديثَ .
وحدَّثنا بحديثٍ حمادِ بنِ زيدٍ أيضًا، عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قراءةً مِنِّى
عليه ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا
مُسدَّدٌ ، قال : حدّثنا حمادُ بنُ زیدٍ . فذكره بإسنادِهِ حرفًا بحرفٍ .
القبس
(١) الحميدى (٣٤٥، ٣٤٧) - ومن طريقه الحاكم ٢٣٧/٤، وأخرجه أحمد ١١٣/٤٥
(٢٧١٣٩)، وأبو داود (٢٨٣٥) من طريق سفيان به .
(٢) أبو داود (٢٨٣٦). وأخرجه أحمد ١١٩/٤٥ (٢٧١٤٣)، والدارمى (٢٠١١)، والبيهقى
٣٠١/٩ من طريق حماد به .
(٣) لفظ أبى داود فى السنن: ((هذا هو الحديث، وحديث سفيان وهم)).
٣١٣

الموطأ
التمهید
وقال أبو داودَ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقولُ: ((مُكافِئتانٍ)): مُستويتانِ
مُتقارٍبَتان .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ
وضَّاحِ ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ نُميرٍ ، قال :
حدَّثنا داودُ بنُ قيسٍ، عن عمرو بنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال : سُئِل
رسولُ اللهِ لِهِ عن العقيقةِ، فقال: ((لا أُحبُّ العُقوقَ)). فقال: أى
رسولَ اللهِ ، إنَّما أسألُك عن أحدِنا يُولَدُ له المولودُ. فقال: ((مَن أَحبَّ أن
يَنسُكَ عن ولَدِه فليَفْعَلْ؛ عن الغلامِ شاتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ)) (١).
قال أبو عمرَ : انفرَد الحسنُ وقتادةُ بقولِهما : إنَّه لا يُعَقُّ عن الجاريةِ بشىءٍ،
وإنَّما يُعَقُّ عن الغلام فقط بشاةٍ(١). وأظُنُهما ذهبا إلى ظاهرٍ حديثٍ سلمانَ: ((مع
الغلامِ عَقيقتُه)) (١. وإلى ظاهرٍ حديثٍ سَمُرةَ: ((الغلامُ مُرتَهَنَّ بعقيقتِه))".
وكذلك انفرد الحسنُ وقتادةُ أيضًا بأنَّ الصَّبِىَّ يُمَسُّ رأسُه بقُطْنةٍ قد غُمِستْ فى
(٥)
دَمِ العَقيقَةِ (؟) .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٠/٨، وأحمد ٣٢٠/١١ (٦٧١٣)، وأبو داود (٢٨٤٢)، والنسائى
(٤٢٢٣) من طريق داود به .
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٩٦٨)، ومصنف ابن أبى شيبة ٥٧/٨، والمحلى ٣٢٤/٨.
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٠٥، ٣٠٦.
(٤) تقدم تخريجه ص ٣٠٤، ٣٠٥.
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٩٧١)، وسنن أبى داود (٢٨٣٧).
٣١٤

الموطأ
قال أبو عمرَ: أمَّا حَلْقُ رأسِ الصبىِّ عندَ العقيقةِ، فإنَّ العلماءَ كانوا التمهيد
يستحِبُّون ذلك، وقد ثبت عن النبيِّ نَّهِ أَنَّه قال فى حديثِ العقيقةِ: ((يُحْلَقُ
رأسُه، ويُسمَّى))(١). وقال بعضُهم فى هذا الحديثِ، وهو حديثُ سَمُرَةَ:
((يُحْلَقُ رأسُه، ويُدَمَّى))(٢). ولا أعلمُ أحدًا من أهلِ العلم(٢) قال: يُدَمَّى رأسُ
الصبىّ. إلَّا الحسنَ وقتادةَ، فإِنَّهما قالا: يُطْلَى رأسُ الصبىِّ بدَمِ العقيقةِ. وأنكر
ذلك سائرُ أهلِ العلم وكرِهوه، وحَّتُهم فى كراهيتِه قولُ رسولِ اللهِ اَ لَه فى
حديثٍ سلمانَ بنِ عامرِ الضَّبيِّ: ((وأمِيطوا عنه الأذَى)) (٤) . فكيف يجوزُ أنْ يُؤْمَّرَ
بإماطَةِ الأَذَى عنه، وأن يُحمَلَ على رأسِه الأذَى؟ وقولُهُ مَله: ((أَمِيطوا عنه
الأَذَى )). ناسخُ لِما كان عليه أهلُ الجاهليةِ من تَخْضِيبٍ رأسِ الصبىِّ بدمٍ
العقيقةِ .
رُوِى عن عائشةَ رضِى اللهُ عنها أنَّها قالت : كان أهلُ الجاهليةِ إذا
حَلَقوا رأسَ الصبىِّ وضَعوا دمَ العقيقةِ على رأسِه بقطنةٍ مغموسةٍ فى الدَّمِ،
فأمَرهم رسولُ اللهِ وَ لَهِ أَن يَجعَلوا مكانَ الدَّمِ خَلُوقًا(٥).
ورُوِى عن بُرَيدةَ الأُسلمىّ نحوُ ما رُوِى عن عائشةَ فى ذلك، حدَّثناه
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٣٠٤، ٣٠٥.
(٢) سيأتى تخريجه ص٣١٦، ٣١٧.
(٣) فى ص ٤: ((الظاهر)).
(٤) تقدم تخريجه ص ٣٠٥، ٣٠٦.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٦٣)، والبزار (١٢٣٩ - كشف)، وأبو يعلى (٤٥٢٦)، وابن حبان
(٥٣٠٨)، والبيهقى ٣٠٣/٩.
٣١٥

الموطأ
التمهید
عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال:
حدَّثنا أحمدُ بنُ ثابتٍ ، قال: حدَّثنا علىَّ بنُ الحسينِ، قال: حدَّثنى أبى، قال :
حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ بُرِيدَةَ قال: سمِعتُ أبى بريدةَ يقولُ: كنَّا فى الجاهلية إذا وُلِد
لأحدِنا غلامٌ ذبح شاةً ولطَخ رأسَه بدَمِها ، فلمَّا جاء اللهُ بالإسلامِ كِنَّا نَذْبَحُ شاةً ،
ونَحْلِقُ رأسَه، ونَلْطَخُه بزعفرانٍ(١) .
قال أبو عمرَ: لا أعلمُ أحدًا قال فى حديثٍ سَمُّرةَ: ((ويُدَمَّى)). مكانَ:
((ويُسَمَّى)). إِلَّ هِمَّامًا .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن ، قال : حدّثنا محمدُ بنُ بکرِ بنِ
عبدِ الرزاقِ التمارُ بالبصرةِ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ
النَّمَرِىُّ، قال: حدَّثَنا همَّامٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن الحسنِ، عن سمُرةً، عن
رسولِ اللهِ وَلَّه قال: ((كلَّ غُلامِ رَهينةٌ بعقيقتِه، تُذْبَحُ عنه يومَ السابعِ،
ويُحْلَقُ رأسُه، ويُدَمَّى)). فكان قتادةُ إذا سُئِل عن الدَّمِ كيف يُصْنَعُ به؟
قال: إذا ذُبِحَتِ العقيقةُ أُخِذَت منها صُوفةٌ، واسْتُقبِلَت بها أودائجها، ثم
تُوضَعُ على يافوخ الصبىِّ "حتى يَسيلَ) على رأسِه ( مثلَ الخيطِ"، ثم
يُغْسَلُ رأسُه بعدُ ويُحلَقُ(٢). قال أبو داودَ: وقولُه: ويُدَمَّى. وهْمّ من
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٣٠٢/٩، ٣٠٣ من طريق محمد بن بكر به، وهو عند أبى داود (٢٨٣٤).
وأخرجه الطحاوى فى شرح المشكل عقب الحديث (١٠٣٧)، والحاكم ٢٣٨/٤ من طريق
الحسين بن واقد به .
(٢ - ٢) سقط من النسخ. والمثبت من سنن أبي داود.
(٣) أبو داود (٢٨٣٧). وأخرجه الطبرانى (٦٨٢٨)، والبيهقى ٣٠٣/٩ من طريق حفص به ، وأخرجه
أحمد ٢٧١/٣٣، ٣٦٠ (٢٠٠٨٣، ٢٠١٩٣)، والدارمى (٢٠٢١) من طريق همام به .
٣١٦

الموطأ
التمهيد
همَّامٍ (١) . وجاءَ تفسيرُه عن قتادةَ، وهو منسوٌ.
وأمَّا تَسْمِيَةُ الصبىِ، فإن مالكًا رحِمه اللهُ قال: يُسَمَّى يومَ السابع . وهو قولُ
الحسن البصرىِّ(١) . والحجَّةُ لهذا القولِ حديثُ سَمُرةَ، ( وقد ذكَرناه، وهو "
قولُه: ((تُذبَحُ عنه يومَ سابعِه، ويُسمَّى)) (١). يريدُ، واللهُ أعلمُ، ويُسمَّى يومَئذٍ . قال
مالكٌ: إن لم يَسْتَهِلَّ صارخًا لم يُسَمَّ . وقال ابنُ سيرينَ، وقتادةٌ ، والأوزاعىُّ : إذا وُلِد
وقد تمَّ خَلقُه، سُمِّى فى الوقتِ إِن شاء. ويَجوزُ أَنْ يُخْتَجَّ لمن قال بهذا القولِ بما رُوِى
عن النبيِّ وَّ أَنَّه قال: ((وُلِد لى الليلةَ غلامٌ، فسَمَّيتُه بإبراهيمَ))(١).
وعند مالك والشافعيِّ وأصحابِهما، وهو قولُ أبى ثورٍ: يُتَّقَى فى العقيقةِ من
العيوبِ ما يُتَّقَى فى الضَّحايا، ويُسْلَكُ بها مَسْلَكُ الضحايا، يُؤْكَلُ منها
ويُتَصَدَّقُ، ويُهدَى إلى الجيرانِ. ورُوِى مثلُ ذلك عن عائشةً (١) ، وعليه جمهورُ
العلماءِ . قال عطاءٌ : إذا ذَبَحتَ العقيقةَ فقلْ: باسم اللهِ ، هذه عقيقةُ فلانٍ . قال :
وتُطبَخُ وتُقَطَّعُ قطعًا، ولا يُكْسَرُ لها عظمٌ(١). وهو قولُ الشافعىِّ فى ألَّا يُكسَرَ لها
القبس
(١) قال الحافظ ابن حجر معلقًا على كلام أبى داود: قلت: يدل على أنه ضبطها ، أن فى رواية بهز
عنه ذكر الأمرين ؛ التدمية والتسمية ، وفيه أنهم سألوا قتادة عن هيئة التدمية ، فذكرها لهم ، فكيف
يكون تحريفًا من التسمية ، وهو يضبط أنه سأل عن كيفية التدمية ؟! التلخيص الحبير ٤/ ١٤٦.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٧٢)، وابن أبى شيبة ٥٣/٨.
(٣ - ٣) سقط من: ص ٤.
(٤) تقدم تخريجه ص ٣٠٤، ٣٠٥.
(٥) أخرجه أحمد ٣١٦/٢٠ (١٣٠١٤)، ومسلم (٢٣١٥)، وأبو داود (٣١٢٦) من حديث أنس.
(٦) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٥٤/٨، والمحلى ٣٢٣/٨.
(٧) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٥/٨، والبيهقى ٣٠٢/٩.
٣١٧

١٠٩٣ - مالك، عن جعفر بن محمدٍ ، عن أبيه، أنه قال: وزَنت
الموطأ
فاطمةُ بنتُ رسولِ اللهِ بَّهِ شْعَرَ حسنٍ وحُسينٍ، وزينبَ وأُمّ كُلثومٍ،
فَتَصدَّقت بزِنةِ ذلك فِضَّةٌ .
١٠٩٤ - مالكٌ، عن ربيعةً بن أبى عبدِ الرحمنِ ، عن محمدِ بنِ
علىّ بنِ الحسين، أنه قال: وزَنت فاطمةُ بنتُ رسولِ اللهِ وَ لِّ شْعَرَ
حسنٍ وحسينٍ ، فتَصدَّقت بزِنتِهِ فِضَّةً .
عظمٌ. وقد رُوِى عن عائشةَ أنَّها قالت: لا تُكسَرُ عظامُ العقيقةِ(١). وقال مالكٌ
وابنُ شهابٍ : لا بأسَ بكسرٍ عظامِها . وقال ابنُ جريجٍ: تُطبَخُ بماءٍ ومِلحِ أعضاءً
- أو قال: آرابًا - وتُهْدَى فى الجيرانِ والصديقِ، ولا يُتَصَدَّقُ منها بشىءٍ .
التمهيد
وأما حديثُ مالكِ فى هذا البابِ عن جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه ، أنه قال :
وزَنتْ فاطمةُ بنتُ رسولِ اللهِ وَّهِ شَعَرَ حسنٍ وحسينٍ، وزينبَ وأمّ كلثومٍ،
فتصدَّقت بزِئَةِ ذلك فضةٌ(٢) .
مالكٌ، عن ربيعةَ بنِ أبى عبد الرحمنِ، عن محمدِ بنِ علىِّ بنِ
الحسينِ، أنه قال: وزَنت فاطمةُ بنتُ رسولِ اللهِ نَِّ شعَرَ حسنٍ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٨/ ٥٥.
(٢) الموطأ برواية ابن زياد (٣٩)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٦١)، وبرواية يحيى بن بكير (١٧/١٣ و -
مخطوط)، وسقط منه: ((عن أبيه))، وبرواية أبى مصعب (٢١٨٥). وأخرجه أبو داود فى المراسيل
ص ١٩٧، والبيهقى ٣٠٤/٩ من طريق مالك به .
٣١٨

الموطأ
الاستذكار
وحسينٍ، فتصدَّقت بزِنَتِه فضةٌ(١).
وهذا الحديثُ قد رُوى عن ربيعةً، عن أنسٍ . وهو خطأ ، والصوابُ عن
ربيعةً ما فى ((الموطأ)).
رواه يحيى بنُ بُكيرٍ، قال: "حدَّثنى ابنُ لَهيعةَ، عن عُمارةَ " بنٍ غَزِيَّةَ، عن
ربيعةَ بنِ أبى عبد الرحمنِ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، أن رسولَ اللهِ وَلَّهِ أَمَر برأسٍ
الحسن والحسينِ يومَ سابعِهما فحُلِقٍ، وتصدَّق بوزنِه فضةٌ(٣) .
وذكَر عبدُ الرزاقِ (١)، عن ابنِ جريج، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ علىٍّ يقولُ:
كانت فاطمةُ ابنةُ النبيِّ وَلِّ لا يولَدُ لها وَلَدٌ إلا أَمَرَت برأسِه فحُلِق، وتصدَّقت
بوزن شعرِه وَرِقًا .
وروَى ابنُ عيينةَ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، عن أبى جعفرٍ محمدِ بنِ علىٍّ
مثلَه(٥) .
وهذا كان من فاطمةَ رضِى اللهُ عنها مع العقيقةِ عن ابنَيها حسنٍ وحسينٍ ؛
لأن رسولَ اللهِ وَّهِ عقَّ عن كلّ واحدٍ منهما بكبشٍ كبشٍ، وسنذكُرُ الحديثَ
القبس
(١) الموطأ برواية ابن زياد (٣٨)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٦٢)، وبرواية يحيى بن بكير (١٧/١٣ و -
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٨٦).
(٢ - ٢) فى م: ((حدثنى لهيعة بن عمارة)). وينظر تهذيب الكمال ٤٨٧/١٥، ٢٥٨/٢١.
(٣) أخرجه الطبرانى (٢٥٧٥)، وفى الأوسط (١٢٧)، والبيهقى ٢٩٩/٩ من طريق يحيى بن
بکیر .
(٤) عبد الرزاق (٧٩٧٣).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٧٤) عن ابن عيينة به .
٣١٩

الموطأ
الاستذكار فى البابٍ بعدَ هذا إن شاء اللهُ . وأهلُ العلم يستحبُّون ما جاء عن فاطمةً فى ذلك
مع العقيقةِ أو دونَها ، ويرَون ذلك على مَن لم يعُقَّ لقلةِ ذاتِ يدِه أو كَدَ، على
حسَبِ اختلافِهم فى وجوبِ العقيقةِ. وقال عطاءٌ: يُبدَأُ بالحلقِ قبلَ الذبحِ(١).
وأما اختلافُ العلماءِ فى وجوبِ العقيقةِ؛ فمذهبُ أهلِ الظاهرِ أن العقيقةً
واجبةٌ فرضًا؛ منهم داودُ وغيرُه، قالوا: لأن رسولَ اللهِ وَهِ أَمَر بها وعمِلها(١)،
وقال: ((الغلامُ مُرتَهَنٌّ بعقيقته)) (١). و((مع الغلام عقيقتُهُ)). وقال: ((عن
الجاريةِ شأةٌ ، وعن الغلام شاتان)) ). ونحوُ هذا من الأحاديثِ. وكان بُرَيْدةٌ(٦)
الأسلمىُ يوجِبُها، وشبَّهها بالصلاةِ. وقال : الناسُ يُعرّضون يومَ القيامةِ على
العقيقةِ كما يُعرَضون على الصلواتِ الخمسِ .
وكان الحسنُّ البصرىُّ يذهَبُ إلى أنها واجبةٌ عن الغلامِ يومَ سابعه،
قال: وإن لم يُعَقَّ عنه عَقَّ عن نفسِه إذا ملَك وعقَل. وحُجَّتُه ما رواه عن
ـَمُرةَ .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٧٠).
(٢) تقدم تخريجه ض ٣١١.
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٠٤ - ٣٠٦.
(٤) فى ح، هـ: ((عقيقة)).
والحديث تقدم تخريجه ص ٣٠٥ ، ٣٠٦.
(٥) تقدم تخريجه ص ٣١١ - ٣١٤.
(٦) فى النسخ: «أبو برزة)).
والأثر تقدم تخريجه ص ٣٠٨، ٣٠٩.
٣٢٠