النص المفهرس

صفحات 201-220

١٠٨٢ - مالكٌ، عن زيد بن أسلمَ ، عن سعدِ الجارىِّ، مولى عمرَ الموطأ
ابنِ الخطابٍ ، أنه قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ عن الحِيتانِ يَقتُلُ بعضُها
بعضًا ، أو تَمُوتُ صَرَدًا، فقال: ليس بها بأسٌ . قال سعدٌ: ثمَّ سألتُ
عبدَ اللهِ بنَ عمرو بنِ العاصى ، فقال مِثلَ ذلك .
١٠٨٣ - مالكٌ، عن أبى الزنادِ ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ،
عن أبى هريرةَ وزيدِ بنِ ثابتٍ ، أنهما كانا لا يَرَيانِ بما لفَظَ البحرُ
بأسًا(١).
وطَفا مِن السمكِ. ومَن قال: طعامُه ما أَلْقاه مَيْتًا. أجاز ذلك، ونبيِّنُ ذلك فى الاستذكار
هذا البابِ إن شاء اللهُ .
مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن سعدٍ (١) الجَارِىِّ مولى عمرَ بنِ الخطابِ ، أنه
قال : سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ عن الحيتانِ يقتُلُ بعضُها بعضًا ، أو تموتُ صَرَدًا ()،
فقال : ليس بها بأسٌ . قال سعدٌ: ثم سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو بنِ العاصى ، فقال
(٤)
مِثْلَ ذلك(٤).
القبس
(١) الموطأ برواية ابن زياد (١١٥)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/١٣ ظ - مخطوط).
(٢) فى ح، هـ: ((سعيد)). وينظر التاريخ الكبير ٦٦/٤.
(٣) تموت صردا: أى تموت من البرد. ينظر النهاية ٣/ ٢١.
(٤) الموطأ برواية ابن زياد (١١٣)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٥٠)، وبرواية يحيى بن بكير
(١٥/١٣و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٦٠). وأخرجه البيهقى ٢٥٥/٩ من طريق مالك به .
٢٠١

الموطأ
١٠٨٤ - مالك، عن أبى الزِّنادِ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أن
ناسًا من أهل الجارٍ قدموا فسألوا مروانَ بنَ الحكم عمَّا لفَظ البحرُ،
فقال: ليس به بأسٌ . وقال : اذهبوا إلى زيدِ بنِ ثابتٍ وأبى هريرةَ
فسَلُوهما، ثمَّ ائتونى فأخبرونى ماذا يقولان. فأتَوهما فسألوهما ،
فقالا : لا بأسَ به . فأتَوا مروانَ فأخبَروه ، فقال مروانُ : قد قلتُ لكم .
الاستذكار
مالكٌ، عن أبي الزنادِ ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أن ناسًا مِن أهلٍ
الجارِ (١) قدِموا فسألوا مروانَ بنَ الحكم عما لفَظ البحرُ، فقال: ليس به بأسّ .
وقال: اذهبوا إلى زيد بن ثابتٍ (١) وأبى هريرةَ فاسألوهما، ثم ائْتُونى فأخبرونى
ماذا يقولان . فأتَوْهما فسألوهما ، فقالا: لا بأسَ به . فأتوا مروانَ فأخبَروه ، فقال
مروانُ : قد قلتُ لكم().
(٢)قال أبو عمرَ : اختلف العلماءُ فى أكلِ الطَّافِى مِن السمكِ، وفى كلِّ ما
عدا السمكَ مِن حيوانِ البحرِ ؛ فقال مالكٌ: لا بأسَ بأكلِ كلِّ حيوانٍ فى
البحرِ(١) ، ولا يحتاجُ شىءٌ منه إلى ذَكَاةٍ، وهو حلالٌ حيًّا ومَيًِّا. إلا أنه گَرِهُ"
القبس
(١) فى ح، والتاريخ الكبير: (الحجاز)). والجار: مدينة على ساحل بحر القُلزم بينها وبين المدينة يوم
وليلة : معجم البلدان ٥/٢.
(٢) فى الأصل: ((سالم)).
(٣) الموطأ برواية ابن زياد (١١٧)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/١٣ و - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (٢١٦٢)، وأخرجه البخارى فى تاريخه ١٨٤/٢ من طريق مالك به .
(٤ - ٤) سقط من ح ، هـ .
(٥) فى الأصل: ((الأكل لبحر)). والمثبت مما تقدم فى ٤٨٨/٢، وينظر تفسير القرطبى ٣١٩/٦.
٢٠٢

الموطأ
خنزيرَ الماءِ، وقال: أنتم تُسَمُّونه خنزيرًا. وقال ابنُّ القاسم: لا أُرَى خنزيرَ الاستذكار
الماءِ حرامًا . وقال ابنُ أبى ليلى نحوَ قولِ مالك فى ذلك. وهو قولُ الأوزاعىِّ،
ومجاهدٍ ، قال ابنُ أبى ليلى: كلُّ شيءٍ فى البحرِ مِن الضِّفْدِعِ، والسَّرَطانِ(٢) ،
وحيَّةِ الماءِ، وغيرِها حلالٌ، حيًّا ومَيًّا. وقال الأوزاعىُّ: صيدُ البحرِ كلُّه حلالٌ ،
وكلُّ ما مسكنُه وعيشُه فى الماءِ. قيل: والتمسامح؟ قال : نعم. واختُلِف عن
الثورىِّ؛ فروى عنه مثلُ قولِ مالكٍ . وروِى عنه أنه لا يؤكلُ مِن صيدِ البحرِ إلا
السمكُ ، وما عداه فلا بد أن يُذْبحَ . وروَى عنه أبو إسحاقَ الفَزَارِىُّ، أنه لا يؤكلُ
منه غيرُ السمكِ . وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِهِ ، قالوا : لا يُؤْكلُ شىءٌ مِن حيوانٍ
البحرِ إلا السمكُ، ولا يؤكلُ الطَّافِى مِن السمكِ. وكَرِه الحسنُ بنُ حىٍّ أكلَ
الطَّافِى مِن السمكِ. وقال الليثُ بنُ سعدٍ: ليس بمَيتةِ البحرِ بأسّ . قال : ويؤكلُ
كلبُ الماءِ، وتُرْسُ(٢) الماءِ، ولا يؤكلُ إنسانُ الماءِ، ولا خنزيرُ الماءِ. وقال
الشافعىُ: ما يعيشُ فى الماءِ حلِّ أكلُه ، وأخذُه ذكاتُه، ولا بأسَ بخنزيرِ الماءِ .
وقال أبو ثورٍ : السّرّطانُ، والشُلَحفاةُ ، وما كان مثلَها ، لا يكونُ بحِلِّ إلا بالذكاةِ ؛
لأنهما يعيشانِ فى البَرّ حِينًا. قال: وما لا يعيشُ فى البرِّ، فهو مثلُ السمكِ(١).
:
قال أبو عمرَ : احتجَّ مَن لم يُجِزْأُكلَ الطافى من السمكِ بحديثٍ إسماعيلَ
ابنِ أميةَ، عن أبى (٤) الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((ما ألقَى
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ .
(٢) فى الأصل: ((السلطن)). والسرطان: حيوان بحرى من القشريات العشريات الأرجل. الوسيط (س رط ).
(٣) فى الأصل: ((ترض))، وفى م: ((قرص)). والمثبت مما تقدم فى ٤٨٨/٢.
(٤) فى الأصل، م: ((ابن)).
٢٠٣

الموطأ
الاستذكار البحر أو جزَر عنه فكّلوا، وما طَفا فلا تأكُلوا)) (١). وهذا الحديثُ رواه الثورىُّ
وحمادُ بنُ سلمةً، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ موقوفًا (٢).
وروى عن علىٍّ بنِ أبى طالبٍ ، أنه قال: الجرادُ والحيتانُ ذكِىٌّ كلُّه ، إلا ما
مات فى البحرِ فهو مَيْتَةٌ (١).
ورؤَى قتادةُ، عن الحسنٍ وسعيدِ بنِ المسئَّبِ ، أنهما كرِها الطافىَ مِن
السمكِ .
وشعبةُ ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ مثلَه .
وروی الثوریُّ وشریڭٌ ، عن عبد الملك بن أبی بشيرٍ ، عن عكرمةً ، عن ابنِ
عباسٍ ، قال : أشهدُ على أبى بكر الصديقِ لسمعتُه يقولُ: السمكةُ الطافيةُ حلالٌ
لمَن أراد أكلَها (٣).
وروَى أبو الزبير، عن عبد الرحمنِ مولى بنى مخزوم، قال: قال
أبو بكرٍ رضى الله عنه: ما فى البحرِ شىءٌ إلا قد ذَّاه الله لكم(٤) .
قال أبو عمرَ : الحجةُ فى هذا البابِ حديثُ أبى هريرةً (٥) ، وحديثُ الفِراسىِّ
عن النبيِّ وَ ل أنه قال فى البحرِ: ((هو الطَّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتُه)). رواه الليثُ بنُّ
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٢ / ٤٩٠.
(٢) تقدم تخريجه فى ٤٩٠/٢، ٤٩١.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٨٠/٥، ٣٨١، والطحاوى فى شرح المشكل ٢١٠/١٠، ٢١١،
والدارقطنى ٢٦٩/٤، والبيهقى ٢٥٣/٩ من طريق الثورى به، وأخرجه الدارقطنى ٢٦٩/٤،
والبيهقى ٢٥٢/٩ من طريق شريك به .
(٤) أخرجه أبو عبيد فى الطهور (٢٣٩) من طريق أبى الزبير به .
(٥) تقدم فى الموطأ (٤٠).
٢٠٤

قال مالكٌ: لا بأسَ بأكلِ الحيتانِ يَصِيدُها المجوسيُّ؛ لأن رسولَ الموطأ
اللهِ وَّ قال فى البحرِ: ((هو الطَّهُورُ مَاؤُه، الحِلَّ مَيْتَتُه)) .
قال مالكٌ : وإذا أكِل ذلك مَيئًا ، فلا يَضُرُّه مَن صادَه .
سعدٍ ، عن جعفرِ بنِ ربيعةً، عن بكرٍ (١) بنِ سَوادةَ، عن مسلم بنِ مَخْشيٍّ ، أنه حدَّث الاستذكار
أن الفِراسيَّ قال: كنتُ أصيدُ فى البحرِ الأخضرِ على أَزْماثٍ، وكنتُ أحمِلُ قِرِبةً لى
فيها ماءٌ، فإذا لم أتوضأُ من القِربةِ رفقَ ذلك بى وبقِيت لى، فجئتُ رسولَ اللهِ مَّل ،
فقصَصتُ ذلك عليه، فقال: ((هو الطَّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتُه))(٢) .
فإن قيل : إنهما حديثان غيرُ ثابتين؛ لأن سعيدَ بنَ سلمةَ مجهولٌ ، ولأن
يحيى بنَ سعيدٍ يَرويه عن المغيرةِ بنِ أبي بردةً (١) عن النبيّ عليه السلامُ . قيل :
حديثُ جابٍ ثابتٌ مجتمَعٌ على صحتِه. وفيه أن أصحابَ() رسولِ اللهِ وَله
وجَدوا حوتًا يُسمَّى العنبرَ، أو دابةً ، فأكّلوا منها بضعةَ عشَرَ يومًا ، ثم قدموا على
رسولِ اللهِ وَ له فأخبَروه، فقال: ((هل معكم من لحمِه(٥) شىءٌ؟)). وهذا يدُلُّ
على جوازٍ أكلِه لغيرِ المُضطرّ الجائع. وقد ذكرنا طرقَ هذا الحديثِ فى
((التمهيدِ)) ١١، ويأتى فى موضعِه من هذا الكتابِ(١) ، إن شاء اللهُ.
قال مالكٌ: لا بأسَ بأكلِ الحيتانِ يصيدُها المجوسيُّ؛ لأن رسولَ اللهِ وَله
القبس
(١) فى ح، هـ: ((بكير)). وينظر تهذيب الكمال ٢١٤/٤.
(٢) تقدم تخريجه فى ٢ / ٤٨٤.
(٣) بعده فى الأصل، م: ((عن أبيه)). وقد تقدم على الصواب فى ٤٨٣/٢، وينظر ٤٨٤/٢ .
(٤) ليس فى: الأصل .
(٥) فى الأصل: ((لحمها)).
(٦) تقدم تخريجه فى ٤٩٢/٢، ٤٩٣.
(٧) تقدم ص ١٧٣، ١٧٤.
٢٠٥
٦

الموطأ
تحريمُ أكلِ كلِّ ذى نابٍ من السباعِ
الاستذكار قال فى البحرِ: ((هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتُه))(١).
قال مالكٌ: فإذا أكَل ذلك مَيْتًا ، فلا يضرُّه مَن صادَه .
قال أبو عمر: علی قولِه(١) جمهور العلماء. وفیما ذكرنا فى هذا البابِ ما
يُبيِّنُ لك مذاهبَهم فى ذلك. واللهُ الموفِّقُ للصوابِ .
القولُ فى الأطعمةِ: قال اللهُ تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَِّثَ﴾
القبس
[الأعراف: ١٥٧]. واختُلِف فى تفسيرِها؛ فقيل: هى المحرَّمةُ شرعًا. وقيل: هى
المستخبئةُ جِبلَّةً وطبعًا على العمومِ وعندَ الناسِ، لا على الخصوصِ وعندَ بعضٍ
الأشخاصِ. وقد قيل للنبىِّ وَّهِ: أحرام هو الضَّبُّ؟ قال: ((لا، ولكنَّه لم یکنْ بأرضٍ
قَومى، فأَجِدُنى أعاقُه) (١) . يشيرُ إلى كراهيةِ الاعتيادِ، وهى مخالفةٌ لكراهيةِ أصلٍ
الاستخباثِ، وقال اللهُ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالَّمُ وَلَمُ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اُللَّهِ
بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُوَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣]. فحرَّم اللهُ تعالى فى هذه الآيةِ عشَرةً ترجِعُ
إلى أربعةٍ وهى: الميتةُ، والدُ، ولحم الخنزيرِ، وما أَهِلَّ لغيرِ اللهِ به؛ لأن قوله: ﴿وَمَا
ذُيِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. داخلٌ فى قولِ اللهِ: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾) . والمنخنقةُ
وأخواتُها داخلةٌ فى الميتةِ إن لم تُدْرَكْ ذكاتُها، وقال تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَا أُوْحِىَ
(١) قال أبو عمر فى التمهيد ٤٣٩/٢٤ من النسخة المطبوعة: ((وأمَّ قولُ مالك: لا بَأْسَ بأَكلٍ صيدٍ
المجوسِىِّ؛ لأَنَّ رسولَ اللَّهِ بَلَهِ قال فى البحرِ: ((هو الطَّهُورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتُه)). فقد مضَى ذكرُ
هذا الحديثِ فى بابٍ صفوانَ بنِ سُلْمٍ، ومضَى القولُ فى معَانِيه ، وما للعُلماءِ فيه مِن المذاهبِ هناك
(تقدم فى ٤٧٩/٢ - ٤٩٣)، ومضى فى بابٍ وَهبٍ بنِ كَيْسانَ (سيأتى فى شرح الحديث (١٧٩٦)
من الموطأ) تصحيحُ ذلك أيضًا والحمدُ للَّهِ)).
(٢) فى ح، هـ ، م: ((هذا)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٨٧٤).
(٤ - ٤) سقط من : ج ، م .
٢٠٦

١٠٨٥ - مالكٌ، عن ابن شهاب، عن أبى إدريسَ الخَولانىِّ، عن الموطأ
أبى ثَعلبةَ الخُشَنِيِّ، أن رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((أكلُ كُلِّ ذِى نَابٍ مِنَ
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبى إدريسَ الخَوْلانِيٌّ ، عن أبى التمهيد
ثعلبةَ الخُشَنىِّ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((أكْلُ كلِّ ذى نابٍ مِن
إِلَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوَ دَمَا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيرِ القبس
فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ نِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ،﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فذكَر الأربعةَ التى ترجِعُ
إليها الآيةُ المتقدمةُ، ورُوِى عن ابنِ عباسٍ أن هذه الآيةَ مِن آخرِ ما نزَل مِنِ القرآنِ ،
فقال البغداديون مِن أصحابنا: إن كلَّ ما عداها حلالٌ لكنه يُكرَّهُ أكلُ السباعِ. وعندَ
(١) قال أبو عمر: ((واسم أبى إدريس هذا عائذ الله بن عبد الله، لا يختلفون فى ذلك، وهو
مشهور بكنيته، من أهل الشام، من ساكنى دمشق، من كبار التابعين بها . قال أبو مسهر: كان
أرفع التابعين فى العلم بدمشق ممن صحب أبا الدرداء أبو إدريس الخولانى. قال: وكان عالم أهل
الشام بعد أبى الدرداء. حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال : حدثنا
أحمد بن زهير، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنى أبى،
عن ابن إسحاق، عن الزهرى، عن أبى إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولاني، وذكر ابن أبى
خيثمة أيضا، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنا سفيان، عن الزهرى، عن أبى إدريس الخولانى،
قال: أدركت عبادة بن الصامت ووعيت عنه، وأدركت أبا الدرداء ووعيت عنه، وأدركت شداد
ابن أوس، وفاتنى معاذ. وحدثنى خلف بن القاسم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمر الدمشقى
بدمشق، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: حدثنا الوليد بن عتبة ، قال: حدثنا ابن أبى السائب، عن
أبيه، عن مكحول، قال: ما رأيت مثل أبى إدريس. وقال أبو زرعة: قلت لعبد الرحمن بن
إبراهيم - يعنى دحيما - : أى الرجلين عندك أعلم؛ جبير بن نفير الحضرمى، أو أبو إدريس
الخولانى؟ قال: أبو إدريس عندى المقدم. ورفع من شأن جبير لإسناده وأحاديثه، ثم ذكر أبا
إدريس فقال: له من الحديث ما له، ومن اللقاء، واستعمال عبد الملك إياه على القضاء بدمشق)).
تهذيب الكمال ١٤/ ٨٨، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٢٧٢.
٢٠٧

الموطأ السِّبَاعِ حَرَامٌ)).
التمهيد السّباعِ حرامٌ)) (١).
هکذا قال یحیی فی هذا الحديث بهذا الإسنادٍ : « أکلُ کلّ ذی نابٍ مِن
السّباعِ حرامٌ)). ولم يُتَابِعه على هذا أحدٌ مِن رُواةٍ ((الموطأُ)) فى هذا الإسناد
فقهاءِ الأمصارِ؛ منهم مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وعبدُ الملكِ ، أن أکل کلِّ ذی
القبس
نابٍ مِن السباعِ حرامٌ . وليس يمتنعُ أن تقعَ الزيادةُ بعدَ قولِه: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوْحِىَ
إِلَىَّ مُحَرَّمًا﴾. بما يُرِدُ من الدليلِ فيها كما قال النبىُّ وَ له: ((لا يَحِلَّ دمُ امْرِئُّ مسلمٍ
إِلَّ يإِحْدَى ثلاثٍ))(١). فذكَر الكفرَ، والزِّنى، والقتلَ، ثم قال علماؤنا: إن أسبابَ
القتلِ عشَرةٌ بما ورَد مِن الأدلةِ، إذ النبىُّ وَ لَوإنما يخبِرُ عمَّا وصَل إليه مِن العلمِ عن
البارئ سبحانه وتعالى، وهو يمحو ما يشاءُ ويثبِتُ ، وينسَخُ ويقرِّرُ.
وقد ثبت عن النبيِّ وَلِّأنه قال: ((أكْلُ كُلِّ ذى نابٍ من السّباعِ حَراٌ» . ورُوِى
أنه نهى عن أكلِ كلِّ ذى نابٍ مِن السباعِ، وكلِّ ذى مِخْلَبٍ مِن الطيرِ(١) . والأوّلُ
أصحُ، وتحريم أكلٍ كلِّ ذى نابٍ من السباعِ هو صريحُ المذهبِ ، وبه ترجَم مالكٌ
فى ((الموطأ) حينَ قال: تَحرِيمُ أكْلٍ كُلِّ ذِى نابٍ من السِّباعِ. ثم ذكَر الحديثَ
(١) الموطأ برواية على بن زياد (٩٦)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٤٣)، وبرواية أبى مصعب
(٢١٧٦). وأخرجه الدارمى (٢٠٢٣)، والبخارى (٥٥٣٠)، ومسلم (١٤/١٩٣٢)، وأبو داود
(٣٨٠٢)، والترمذى (١٤٧٧) من طريق مالك به .
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٠٦/٥.
(٣) بعده فى ج . م: « وروى مسلم عن معن عن مالك رضى الله عنه نهى عن كل ذي ناب من
الطير)).
والحديث تقدم تخريجه فى ٤٥٨/١٠، ٤٥٩ .
٢٠٨

الموطأ
خاصَّةً ، وإنما لفظُ حديثِ مالك، عن ابنٍ شهابٍ ، عن أبى إدريسَ، عن أبى التمهيد
ثَعْلَبةَ، عن النبيِّ وََّ، أَنَّ نَهَى عن أكلِ كُلِّ ذِى نابٍ مِن السّباع. وأمَّا اللفظُ
الذى جاء به يحيى فى هذا الإسنادِ ، فإنَّما هو لفظُ حديثِ مالكٍ، عن إسماعيلَ
ابنِ أبى حكيم، عن عَبِيدَةَ بنِ (١) سفيانَ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلَه . وقد
ذكَوْناه فى بابٍ إسماعيلَ مِن هذا الكتابِ ، وذكَرْنا الحُكْمَ فى التحريمِ والنّھي،
وما جاء فى ذلك مِن افتِراقِ المعانى واجتماعِها، وما للعلماءِ فى ذلك مِن
المذاهبِ هناكَ، والحمدُ للهِ(٢) . وأبو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِئُ قد ذكَوْناه فى كتابِنا فى
((الصحابةِ)) (٢) بما يُغْنى عن ذكْرِه ههُنا.
القبس
وعقّبه بعدَ ذلك بأن قال: وهو الأَمْرُ عندَنا. فأخبر أن العملَ اطَّرد مع الأثرِ .
وقد اختلف العلماءُ إذا خالَف العملُ الأثرَ. فمنهم من قدَّم الأثرَ، وهم الأكثرُ،
ومنهم مَن طرَح الأثرَ وقدَّم العملَ، وهو مالكٌ، والنخعىُ، وقد قال النخعىُّ: لو
وجَدْتُ أصحابَ محمدٍ يتوضئون إلى الكُوعين لتوضأْتُ كذلك(٤). وصدَق ؛ لأنهم
بعدَ النبيِِّ وَ لَّ لا يتركون العملَ بما سَمِعوا إذا ثبت سماعُهم له إلا عن دليلٍ آخرَ مثلِه .
وفيه تفصيلٌ طويلٌ بِنَّاه فى أصولِ الفقهِ .
معارضةٌ : قال الله تعالى حينَ ذكَر ما حرَّم: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ . وقال تعالى:
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. فإذا ذبَح النصرانىُّ فى عيدِه
وللمسيحِ وأهلُّ به لغيرِ اللهِ، فقد اختُلِف فيه كما قدَّمْنا، وتعلَّق مَن منَعه بأن قوله: ﴿وَمَا
(١) بعده فى النسخ: ((أبى).
(٢) ينظر ما سيأتى ص ٢١٧ - ٢٣٢.
(٣) ينظر الاستيعاب ١٦١٨/٤.
(٤) ذكره ابن حزم فى الإحكام ٢٦٣/٦.
٢٠٩
ے
( موسوعة شروح الموطأ ١٤/١٣)

الموطأ
التمهيد
وهذا الحديثُ رواه جماعةُ أصحاب ابن شهابٍ عنه فیما علِمْتُ بمثلِ روايةٍ
مالك سواء فى إسنادِه ومتنه، أنَّ رسولَ اللهِ ێ نَھی عن اكْلِ كلِّ ذی نابٍ مِن
السّباع. إلَّا أبا أويسٍ فإنه وافَقهم فى الإسنادِ وخالَفَهم فى المتنِ ، فزاد فيه ألفاظًا
ستَذْكُرُها هلهنا إن شاء اللهُ(١).
وممَّن رَوَاه عن ابنٍ شهابٍ كروايةِ مالكِ سواءً؛ مَعمرٌ()، وابنُ عيينةَ(٢)،
ويُونسُ(٤)، وعُقَيِلٌ(٢) ، وعبدُ العزيزِ بنُ أبى سلمةَ، وشُعَيْبُ بنُ أبى حمزةَ،
والليثُ بنُ سعدٍ. وزادَ فيه صالحُ بنُ أبى الأخضَرِ، عن ابنٍ شهابٍ : وَطْءَ
ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. تخصيصٌ لعموم قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ . والصحیحُ أنه
القبس
لا يخُصُّه؛ لأن النصرانىَّ لا يذبَحُ إلا للهِ، إلا أنه جَهِل فى اعتقادِهِ أن المسيح هو اللهُ،
بخلافِ المشركين فإنهم يَذْبحون للنُّصُبِ مع اعتقادِهم أنها غيرُ اللهِ .
وأما قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. فهو عالمٌّ فى جميع أجزائِها إلا فى الشّعرِ
فإنه ليس بميتٍ ، وإلا فى الجلدِ فى حالةِ الدباغِ وجوازِ الانتفاعِ كما تقدَّم .
وأما قولُه تعالى: ﴿وَلَمُ الْخِزِيرِ﴾. فإن العلماءَ اختلفوا فى جلدِه؛ فقال
مالكٌ: لا يُباعُ ، لكن لا بأسَ بالانتفاعِ بجلدِه بعدَ الدباغ. وبه قال
أبو يوسفَ، وخالَفه ١) جميعُ العلماءِ فى ذلك فقالوا: لا يَحِلُّ ذلك فى حالٍ . وتعلَّق
(١) سيأتى تخريجه ص٢١٢، ٢١٣.
(٢) سيأتى تخريجه ص٢١٢ .
(٣) سیأتی تخريجه ص ٢١٤.
(٤) سيأتى تخريجه ص ٢١٤، ٢١٥.
(٥) فى م: ((يباح)).
(٦) فى ج: ((خالف)).
٢١٠

الموطأ
الحَبَالَى، وَلُحُومَ الحُمُرِ الأَهلِيَّةِ. بإسنادِهِ سَواءً، وسنذكُرُ أيضًا حديثَ صالحٍ إن التمهيد
شاء اللهُ(١).
القبس
" مالك رضي اللهُ عنه بعموم قولِه ): ((أَيُّما إِهَابٍ دُبِخ فقد طَهُرَ))(٢) . لأنه لا يكونُ فى
تحريمِه أعظمَ من الميتةِ التى كانت الجاهليةُ تأكلُها ، وكذلك قال مالكٌ: يباعُ شعر
الخِتْزِيرِ وينتفَعُ به؛ لأنه لا خِتْزِيرَّةَ فيه (١) . ومنَع من ذلك أصبغُ، والصحيحُ عندى
أنه لا يَحِلُّ شيءٌ مِن الخنزيرِ فى حالٍ مِنِ الأحوالِ، وإنما أَذِن رسولُ اللهِ وَِّ فِى
الدباغ فى جلدِ الميتةِ ؛ لأنه يخلُفُ الحياةَ، وقد روَى الدار قطنىُّ وغيرُه: ((دبَاغُ الأَديمِ
ذَ كاتُه))(١). والخنزيرُ خارجٌ عن هذا كلّه.
واختلَف علماؤنا فى الضَّبُع والثعلبِ ؛ فقال الشافعىُّ: هما حلالان . وقال أبو
حنيفةَ: هما حرامٌ. وكذلك قال ابنُ الجلَّابِ (١) من علمائِنا، وقال غيرُهم: ذلك
مكروة. وروى الدارقطنىُّ عن جابرٍ، أن النبىَّ مَّه قال: ((الضَّبُعُ صَيْدٌ، وفيها إذا
قتَلها المُخْرِمُ كبشٌ))(٨). وعمومُ قولِهِ وَّةِ: ((أْلُ كلِّ ذِى نابٍ مِن السِّاعِ حَراٌ)) .
أولى بالمحافظة عليه مِن الحدیثِ الذى لم يصِعّ .
(١) سيأتى تخريجه ص ٢١٥ .
(٢ - ٢) فى د: ((العلماء بقوله)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٠٨٩).
(٤) فى ج: (( يخرز)).
(٥) بعده فى د: (( كما لا موت فيه)).
(٦) الدارقطنى ٤٥/١ .
(٧) هو عبيد الله بن الحسين بن الحسن أبو القاسم بن الجلاب ، شيخ المالكية ، العلامة صاحب
كتاب ((التفريع))، له مصنف كبير فى مسائل الخلاف ، توفى قافلًا من الحج سنة ثمان وسبعين
وثلاثمائة . سير أعلام النبلاء ٣٨٣/١٦، وشجرة النور الزكية ٩٢/١.
(٨) الدارقطنى ٢٤٥/٢، وسيأتى تخريجه ص٢٣٣، ٢٣٤.
٢١١

الموطأ
التمهید
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُّ زُهيرٍ ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سليمانَ ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبى
سَلَمَةَ، عن الزهريِّ، عن أبى إدريسَ، قال: حدَّثنى أبو ثعْلَبةَ، وكان قد أدْرَك
النبىَّ بَّهِ وسَمِعَ منه، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلِّ يَنْهَى عن أكلِ كُلِّ ذی
نابٍ مِن السِّباعِ () .
وذكَرَ عبدُ الرزاقٍ (٢) ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن أبى إدريسَ الخَوْلانِيِّ،
عن أبى ثَعْلَبَةَ الخُشَنىِّ قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَلِّ عن أكْلِ كلِّ ذِی نابٍ مِن
السِّباعِ .
وكذلك رَواه سائِرُ مَن ذكّرْنا غيرَ أبى أُوَيْسٍ وصالحٍ بن أبى الأُخْضَرِ.
فأمَّا حديثُ أبى أُوَيْسٍ فحدَّثَنَاه سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُّ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مْلمةً،
قال: حدَّثنا أبو أَوَيْسٍ، عن الزهرىِّ، عن أبى إدريسَ الخَوْلانِيِّ، عن أبى ثَعْلَبةً
الخُشَنِىِّ قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَلَّهِ عن الخَطْفةِ(٢)، والتُّهْبَةِ، والمُجَثَّمَةِ(٤)،
القبس
(١) أخرجه أبو عوانة (٧٦٠٦)، والطبرانى ٢٠٩/٢٢ (٥٥٢)، وأبو نعيم فى الحلية ١٢٨/٥ من
طريق عبد العزيز بن أبى سلمة به .
(٢) عبد الرزاق (٨٧٠٤).
(٣) الخطفة: أى: ما يقطع من أطراف الشاة، وذلك أنه لما قدم المدينة وَ ليل رأى الناس يجبُون أسنمة
الإبل وألَيَات الغنم ويأكلونها. النهاية ٢ /٤٩.
(٤) المجئَّمة: هى كل حيوان يُنصب وثُرمى ليقتل، إلا أنها تكثر فى الطير والأرانب وأشباه ذلك مما
يجثم فى الأرض، أى يلزمها ويلتصق بها. النهاية ٢٣٩/١.
٢١٢

الموطأ
التمهيد
وعن أكْلِ كُلِّ ذى نابٍ مِن السّباعِ().
وهذا اللفظُ إنَّما يُحفظُ مِن حديثِ أبى الدَّرْداءِ، وهو حديثٌ لَيْنُ الإسْنادِ ،
رَواه عبدُ الرحيمِ بنُ سُليمانَ ، عن أبى أيُّوبَ الإفريقىّ ، عن صفوانَ بنِ سُليمٍ ،
عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبى الدَّرْداءِ، عن النبيِّ وَّ أَنَّه نَهَى عن أكْلِ
المجَثَّمَةِ ، والنُّهْبَةِ، والخَطْفَةِ، وعن أكلٍ كلٌّ ذى نابٍ مِن السِّبَاعِ. قال :
والمجَثَّمَةُ التى تُصبرُ(٢) بِالَّتِلِ(٣) .
وقد روَى الثورىُّ، عن سهيلٍ بنِ أبى صالح، عن "عبدِ اللهِ بن يزيدَ)
قال: أرسَلُونى إلى سعيدٍ بنِ المسَيَّبِ أسألُه عن لحومِ السّباع، فكَرِهها،
فقال شيخٌ عندَه: سمِعتُ أبا الدَّرْداءِ يقولُ: نَهَى رسولُ اللهِ إِ لَه عن كلٌّ
ذِى خَطْفَةٍ ، وعن كلِّ مُجَثَّمَةٍ، وعن كلِّ نُهْبَةٍ، وعن كلِّ ذِى نابٍ مِن
السّباعِ. فقال سعيدٌ : صدَقَ(٥).
قال أبو عمرَ : ما أدْرِى كيف مَخْرَجُ هذا الحديثِ عن سعيدِ بنِ المسَيَّبِ ؛
لأنَّ ابنَ شهابٍ کان یقولُ : لم أسمَغْ بحديثِ التّھی عن أکل کلّ ذی ناپٍ مِن
السّباعِ حتى قَدِمْتُ الشامَ .
القبس
(١) أخرجه الدارمى (٢٠٢٤)، وأبو عوانة (٧٦٠٦)، والطبرانى ٢٠٩/٢٢ (٥٥١)، والبيهقى ٣٣٤/٩
من طريق عبد الله بن مسلمة به .
(٢) فى م: (تصيد)) .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة فى مسنده (٥٠)، والترمذى (١٤٧٣)، والبزار (٤٠٩١) من طريق
عبد الرحيم به .
(٤ - ٤) فى النسخ: ((عبيد الله بن أبى يزيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢٣/١٢، ٢٢٤.
(٥) أخرجه أحمد ٣٧/٣٦ (٢١٧٠٦)، وابن حبان فى الثقات ١٣/٧ من طريق الثورى به .
٢١٣

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدّثنا
جعفرُ بنُ محمدِ الفِرْيائىُ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاح، قال: حدَّثْنَا سُفيانُ
ابنُّ عيينةَ، عن الزهرىِّ، عن أبى إدريسَ الخَوْلانيّ، عن أبى ثَعْلَبةَ الخُشَنِيِّ، أنَّ
النبيَِّ نَّ نَهَى عن أُكْلٍ كلٌّ ذى نابٍ مِن السّباعِ. قال سفيانُ: قال الزهرىُّ:
ولم أسْمَعْ هذا حتى أتيتُ الشامَ(١) .
وحدَّثنا يُونسُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا(٢)
محمدُ بنُ عُزيزِ الأيلىُ، قال: حدَّثنا سَلَامَةُ بنُ رَوْح، عن عُقيلِ بنِ خالدٍ ، قال :
قال ابنُ شهابٍ : أخبرنى أبو إدريسَ الخَوْلانِىُّ، وهو عائذُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ ، أنَّه
سَمِع أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِىَّ يقولُ : نَهَى رسولُ اللهِ ێ عن أکلِ كلِّ ذی نابٍ مِن
السّباعِ. قال ابنُ شهابٍ : ولم أسْمَعْ ذلك مِن عُلَمائِنا بالحجازِ حتى حدَّثنى به
أبو إدريسَ الخَوْلانيُ، وكان مِن فُقهاءِ أهلِ الشامِ " .
وحدَّثنا يُونُسُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ مُغِيثٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
معاويةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، قال : حدَّثنا جعفرُ بنُّ محمدِ بنِ المُسْتَفاضِ الفِزیابِىُّ ،
القبس
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٢٣٢) عن محمد بن الصباح به، وأخرجه الحميدى (٨٧٥)، وأحمد
٢٧٦/٢٩ (١٧٧٤٠)، والبخارى (٥٧٨٠)، ومسلم (١٢/١٩٣٢)، والترمذى (١٤٧٧)،
والنسائى (٤٣٣٦) من طريق سفيان به .
(٢) فى النسخ : ((وحدثنا)) .
(٣) أخرجه الطبرانى ٢١١/٢٢ (٥٦٣) من طريق محمد بن عزيز به، وأخرجه أحمد ٢٧٠/٢٩
(١٧٧٣٥)، وأبو عوانة (٧٦٠١)، والطيرانى ٢١١/٢٢ (٥٦٢، ٥٦٤) من طريق عقيل به.
.
٢١٤

الموطأ
قال : حدَّثنا إسحاقُ بنُ موسى الأنصارىُّ، قال: حدَّثنى أنسُ بنُ عِيَاضٍ، قَال: التمهيد
حدَّثنى يُونسُ بنُ يزيدَ الأيلىُّ، عن ابنِ شهابٍ، أَنَّه سُئل عن ألبانِ الأَثَّنِ وأبوالٍ
الإِيِلِ ومَرارَةِ السَّبُعِ، فقال: أمّا أبوالُ الإبلِ فقد كان المسلمونَ يتَداوَون بها ولا
يَرَوْن بها بأسًا، وأَمَّا ألبانُ الأَنُنِ فقد بلَغنا أنَّ رسولَ اللهِ وَلَ نَهَى عن لُحُومِها،
ولا أرى (١) ألبانَها التى تَخْرُجُ مِن لحُومِها ودِمائِها إلَّا نحوَها، واللهُ أعلمُ ، وأمَّا
مَرارَةُ السَّبُع فإِنَّه أَخْبَرَنى أبو إدريسَ الخولَانِىُ، أَنَّ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنىِّ أخبرَه، أنَّ
رسولَ اللهِ وَلَ نَّهَى عن أكْلِ كلِّ ذى نابٍ مِن الْسّباعِ، ولم أَسْمَعْ ذلك عن أحدٍ
مِن عُلمائِنا، فإن كان رسولُ اللهِ وَلِّ نَهَى عنها فلا خيرَ فى مَرَارَتِها(١).
وحدَّثنا يُونسُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا الفِرْيابىُ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ المثَنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبى بُكيرِ العَبْدِىُّ، عن صالح - وهو
ابنُ أبى الأُخْضَرِ - عن الزهرىِّ، عن أبى إدريسَ الخَوْلانيّ، عن أَبِى ثَغْلَبةَ
الخُشَنىِّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَّ نَهَى يومَ خيبرَ عن المتْعَةِ ، وأن تُوطأُ الحَبَالَى، وعن
لحومِ الحُمُرِ الأهليّةِ ، وعن أكلِ كلِّ ذى نابٍ مِن السّباعِ(٣).
ورواه صالحُ بنُ کیْسانَ ، عن ابن شهاب ، عن أیی إدریسَ الخولانیٌ ، عن
أبى تَعْلَبَةَ الخُشنيِّ قال: حَرَّم رسولُ اللهِ وَّلَهِلُحُومَ الحُمُرِ الأُهْلِيَّةِ. لم يَزِدْ على
القبس
(١) فى م: ((أدرى)).
(٢) أخرجه أبو نعيم فى مستخرجه - كما فى التغليق ٥١/٥ - من طريق أنس بن عياض به.
(٣) أخرجه أبو عوانة (٧٦٠٥)، والطبرانى ٢٢/ ٢١٠، ٢١١ (٥٦٠) من طريق صالح به .
٢١٥

الموطأ
التمهيد ذلك(١). و"صالح بنُّ أبى الأُخْضَرِ ليس ممَّن يُحْتَجُ به فى الزهرىِّ،
وصالحُ بنُّ كَيْسانَ وإن كان ثِقَةً فإنَّه أخْطَأ فى هذا؛ لأنَّ أصحابَ الزهرىِّ
الثّقاتِ؛ مالكٌ، وابنُ عيينةَ، ومعمرٌ، ويُونسُ، وعُقَيْلٌ، لم يَذْكُروا فى هذا
الإسنادِ غيرَ النَّهْي عن أكلٍ ذى النابِ مِن السّباعِ، وأمَّا تحريمُ الحُمُرِ
الأهليّةِ فإسنادُه قد تقَدَّم لابنِ شهابٍ، عن عبدِ اللهِ والحسنِ اثنَئ محمدٍ
ابنِ علىٍّ، عن أبيهما، عن علىّ، مِن رِوايَةِ مالكِ وغيرِه(١٢) . ولا يَصِحُ فيه
عنه غیر ما ذگونا هناك. و کذلك لا يصحُ عن ابن شهابٍ پاسنادِہ المذ کورِ
فى هذا البابِ إلّ ما قالَه مالكٌ ومَن تابَعَه، مِن التَّهْى عن أكلِ كلِّ ذِى
نابٍ مِن السِّباعِ دونَ تحريمِ الحُمُرِ الأهلِيَّةِ . وإنَّما يُوجَدُ لفظُ حديثٍ صالح
ابنِ أبى الأُخْضَرِ مِن مُرْسَلٍ سعيدِ بنِ مجبَيْرٍ (١)، ومِن مُرسَلٍ مكحولٍ(٥) . ولا
يَخْتَلِفُ أهلُ العلمِ بالحديثِ أنَّ حديثَ صالح بنٍ أبى الأخضرِ هذا خطَأْ
مقلوبُ الإسنادِ والمتنِ، منكٌ؛ لأَنَّ جَمَع فيه عن ابنٍ شهابٍ أحاديثَ
ثلاثةٌ ، ولا يَصِحُ عن ابنِ شِهابٍ فى تحريمِ الحُمُرِ الأهلِيَّةِ إِسْناءٌ إلَّ إِسْنادَ
مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبدِ اللهِ والحسنِ اثْنَى محمدِ بنِ علىٍّ بنِ أبى
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٨٢/٢٩ (١٧٧٤٧)، والبخارى (٥٥٢٧)، ومسلم (١٩٣٦) من طريق صالح
به .
(٢) فى النسخ: ((ورواه).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١١٦٨).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨٧٠٥) .
(٥) أخرجه محمد بن الحسن فى كتاب الآثار (٨١٧)، وعبد الرزاق (٨٧٠٦، ٩٤٨٩).
٢١٦

١٠٨٦ - مالكٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبى حَكيمٍ ، عن عَبيدةَ بنِ الموطأ
سُفيانَ الخَضرميِّ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلَه قال: («أكلُ كلِّ
طالبٍ، عن أبيهما، عن علىٍّ، عن النبيِّ بَّهِ. على ما مَضَى مِن ذلك فى التمهيد
كتابنا هذا. وكذلك رواه الحفّاظُ الأثباتُ مِن أصحاب ابن شهابٍ عنه،
وعندَ ابنِ شهابٍ أيضًا فى هذا البابٍ مِن غيرِ رِوايَةِ مالكٍ، حديثُ الرَّبِيعِ
ابنِ سَبْرةً(١، عن أبيه، عن النبيِّ وَلِّ. وقد ذكَرْنا ذلك فيما مَضَى مِن
كتابنا هذا (١). وأمَّا ما ذكّرَه ابنُ عيينةَ، ويُونسُ، وعُقَيلٌ، مِن كَلامِ ابنِ
شِهابٍ أنَّه لم يَشْمَعْ هذا الحديثَ حتى دخَل الشامَ . فصحيحٌ ثابتٌ مقبول
عندَ أهلِ العلمِ .
فهذا تَهذِيبُ ما فى هذا الحديثِ مِن جِهَةِ الإسنادِ والألفاظِ، وتمهيدُه .
وأمَّا القولُ فى معانيه فقد مضَى مُسْتَوْعَبًا مَبْسُوطًا مُمهَّدًا فى بابٍ إسماعيلَ بنِ
حكيم . والحمدُ للهِ .
مالكٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبى حَكِيمٍ (٢)، عن عَبيدةَ بنِ سُفيانَ الحَضرَمِىِّ ، عن
القبس
(١) فى النسخ: ((سمرة)).
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١١٦٨) من الموطأ.
(٣) قال أبو عمر: ((وهو مولى لبنى عدى بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى، وقيل: ولاء
إسماعيل لآل الزبير بن العوام، فالله أعلم. سكن المدينة ، وكان فاضلا ثقة، وتوفى بها سنة ثلاثين
ومائة ، وقيل: سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين ومائة . وهو حجة فيما روى عند جماعة أهل العلم. لمالك
عنه فى ((الموطأ)) من حديث النبى وَّر أربعة أحاديث؛ أحدها متصل مسند، والثلاثة منقطعة
مرسلة)). تهذيب الكمال ٦٣/٣.
٢١٧

الموطأ ذى نابٍ من السِّباعِ حراٌ)).
قال يحيى : قال مالكٌ: وهذا الأمرُ عندَنا .
التمهيد أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((أكلُ كلِّ ذى نابٍ من السّباعِ حرامٌ)) (١).
قال أبو عمرَ : عَبيدةُ بنُ سُفيانَ هذا من تابعِى أهلِ المدينةِ ، ثِقَةٌ حُجَّةٌ فِيمَا
نقَل، سمِع من أبى هريرةَ وأبى الجَعْدِ الضَّعْرِىِّ(١)، روَى عنه محمدُ بنُ عمرو ،
وبُكيرُ بنُ الأشجِّ، وإسماعيلُ بنُ أبى حكيمٍ .
وهذا حديثٌ ثَابِتٌ صحيحٌ مُجتمَعٌ على صِحَّتِه، وفيه من الفِقْهِ أَنَّ النھیَ
عن أكْلِ كلِّ ذى نابٍ من السِّباعِ نهىُ تحريم ، لا نَهْىُ أدبٍ وإرشادٍ ، ولو لم يأتِ
هذا اللفظُ عن النبيِّ ◌َ لكان الواجبُ فى النظرِ أن يكونَ نَهْيُه وَلِّ عن أكلِ
كلِّ ذِى نابٍ من السِّباعِ نَهْىَ تحريم، فكيف وقد جاء مُفسَّرًا فى هذا الخبرِ ؛ لأنَّ
الثَّهْىَ حقيقتُه الإبعادُ والزجرُ والانتهاءُ، وهذا غايةُ التحريم ؛ لأنَّ التحريمَ فى
كلامِ العربِ الحرمانُ والمنعُ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن
قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. أى: حرَّمناه رَضَاعَهُنَّ ومنَعناه منهنَّ، ولم يكنْ مَمَّن ◌َجَرِى
عليه عبادةٌ فى ذلك الوقتِ ؛ لِطفولته، والتَّهْىُ يَقتضِى معنَى المنع كلِّه. وتقولُ
القبس
(١) الموطأ برواية ابن زياد (٩٥)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٤٤)، وبرواية يحيى بن بكير
(١٦/١٣ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٧٥). وأخرجه أحمد ١٦٠/١٢ (٧٢٢٤)،
ومسلم (١٩٣٣)، والنسائى (٤٣٣٥)، وابن ماجه (٣٢٣٣) من طريق مالك به .
(٢) أبو الجعد الضمرى؛ قيل: اسمه أدرع. وقيل: عمرو بن بكر. وقيل: جنادة. له صحبة؛ بعثه
النبى ◌َّه يحشر قومه لغزوة الفتح ولغزوة تبوك. قُتل فى وقعة الجمل وكان مع عائشة رضى الله
تعالى عنها. تهذيب الكمال ١٨٨/٣٣، والإصابة ٦٥/٧.
٠٫٠
٢١٨

الموطأ
العربُ : حرَّمْتُ عليك دُخولَ دارى. أى: منعتُكَ من ذلك. وهذا القولُ التمهيد
عندَهم فى معنى: لا تَدْخُلِ الدارَ. كلُّ ذلك منعٌ وتحريمٌ، ونهىٌ وحرمانٌ .
وكلُّ خبرٍ جاء عن رسولِ اللهِ وَّه فيه نهىٌّ، فالواجبُ استِعمالُه على التحريم،
إلّا أن يأتىَ معه أو فى غيرِه دليلٌ يُبَيِّنُ المرادَ منه أنَّه ندبٌ وأدبٌ ، فيُقضَى للدليلِ
فيه، ألا ترَى إلى نهى رسولِ اللهِ وَّ عن نكاحِ الشِّغارِ، وعن نكاحِ المحرِمِ،
وعن نِكاحِ المرأةِ على عمَّتِها أو خالتِها ، وعن قليلٍ ما أسكر كثيره من الأشريةِ ،
وعن سائرٍ ما نهى عنه من أبوابِ الرّبا فى البيوع، وهذا كلَّ نهى تحريم ، فكذلك
التَّهْىُ عن أكلِ كُلِّ ذى نابٍ من السِّباعِ. واللهُ أعلمُ. وقد اختلف أصحابنا فى
ذلك على ما سنُبيّنُه فى آخرِ هذا البابِ إن شاء اللهُ ..
وممَّا يدُلُّ على أنَّ ما روَاه إسماعيلُ بنُ أبى حكيم، عن عَبيدةَ بنِ سفيانَ ،
عن أبى هريرةَ فى هذا الحديثِ كما روَاه، ما حدَّثنَى به أبو عثمانَ سعيدُ بنُ
نصرٍ ، قال : حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ وضَّاح ، قال : حدثنا
أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدثنا حسينُ بنُ علىٍّ، عن زائدةَ، عن محمدِ بنِ
عمرٍو، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ حرَّمَ يومَ خيبرَ كلَّ ذى
نابٍ من السّباعِ، والمُجثَّمةَ ، والحِمارَ الأهلىَّ(١).
قال أبو عمرَ : وأمَّا ما جاء من النهي على جهةِ الأدبِ ، وحُسنِ المعاملةِ ،
والإرشادِ إلى البرِّ، فنهِيُّهُ وَّهِ عن أنْ يَمشىَ المرءُ فى نعلٍ واحدةٍ ، وأن يَقْرِنَ بينَ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣٩٧/٥، ٣٩٩، ٧٥/٨ مفرقًا. وأخرجه الترمذى (١٧٩٥)، والبيهقى ٣٣١/٩ من
طريق حسين به ، وأخرجه أحمد ٣٩٣/١٤ (٨٧٨٩) من طريق زائدة به ، وأخرجه أحمد ٢٤٧/١٥
(٩٤٢٢)، والترمذى (١٤٧٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٩٠/٤ من طريق محمد بن عمرو به.
٢١٩

الموطأ
التمهيد
تَمرتينِ فى الأكلِ، وأن يأْكُلَ من رأسِ الصَّحفةِ، وأن يشربَ مِن فِى السِّقَاءِ،
وغير ذلك مثلُه كثيرٌ، قد عُلمَ بمخرجِهِ المرادُ منه . وقد قال جماعةٌ من أهلِ
العلم: إِنَّ كلّ نهي ثبت عن النبيِّ وَّ فى شىءٍ من الأشياءِ، ففعَله الإنسانُ
مُنْتَّهِكًا لحرمتِهِ، وهو عالمٌ بالنَّهى ، غيرُ مُضطرّ إليه، أَنَّه عاصٍ آئم. واستدلّوا
بقول رسولِ اللهِ وَلٍ: ((إذا نهَيتُكم عن شىءٍ فانتَهُوا عنه، وإذا أمَرتُكُم بشىءٍ
فخُذُوا منه ما اسْتَطَعْتُم)) (١). فأطْلَق النهىَ ولم يُقَيِّدْه بصِفَةٍ، وكذلك الأمر لم
يُقيِّدْه إِلَّ بعدمِ الاسْتِطاعَةِ، فقالوا: إِنَّ من شَرِب من فى السّقاءِ، أو مَشَى فى نَعلٍ
واحدةٍ ، أو قَرَن بينَ تمرتينٍ فى الأكْلِ، أو أكَلَ من رأسِ الصَّحْفَةِ ، ونحو هذا،
وهو عالم بالنھي ، کان عاصيًا .
وقال آخرون : إنَّما نهى عن الأكْلِ مِن رأسِ الصحفةِ لأنَّ البركةَ تنزِلُ منها،
ونهَى عن القِرانِ بينَ تمرتينٍ لما فيه من سوءِ الأدبِ أن يأْكُلَ المرءُ مع جليسِه
وأكيلِه تمرتينٍ فى واحدٍ ، ويأخُذَ جليسُه تمرةً ، فمن فَعَل فلا حرجَ، وكذلك
النَّهىُ عنِ الشُّربِ من فى السّقاءِ خوفَ الهوامٌّ ؛ لأنَّ أفواه الأسقيةِ تَقْصِدُها
الهوام، وربما كان فى السّقاءِ ما يُؤْذِيه، فإذا جعَل منه فى إناءٍ رَآه وسلِم منه .
وقالوا فى سائرٍ ما ذكرنا نحوَ هذا ممَّا يَطولُ ذكرُه . وما أعلمُ أحدًا من العلماءِ
جعَل النهىَ عن أكلٍ كُلِّ ذى نابٍ من السّباع من هذا البابِ، وإنَّما هو مِن البابِ
الأوَّلِ، إلّا أنَّ بعضَ أصحابِنا زعُم أنَّ النَّهىَ عن ذلك نهىُ تَنَزُّهٍ وتَقَذٍُّ ، ولا أدرِى
ما معنَى قولِه: نهىُ تَنَزُّهِ وتَقَذَّرٍ . فإن أرادَ به نَهْىَ أَدبِ ، فهذا ما لا يُوافَقُ عليه ،
القبس
(١) سیأتی تخریجه ص ٢٢٨.
٢٢٠