النص المفهرس

صفحات 141-160

الموطأ
وفى هذا الحديثٍ مِن الفقهِ إجازةُ ذبيحةِ المرأةِ ، وعلى إجازةِ ذلك جمهورُ التمهيد
العلماءِ والفقهاءِ بالحجازِ والعراقِ ، وقد رُوِىَ عن بعضِهم أنَّ ذلك لا يجوزُ منها
إلَّا على حالِ الضرورةِ، وأكثرُهم يُجِيزون ذلك - وإن لم تكُنْ ضرورةٌ - إذا
أخْسَنتِ الذَّبحَ، وكذلك الصبىُ إذا أطاق الذبحَ وأُحْسَنه. وهذا كلُّه قولُ
مالكِ ، والشافعيّ ، وأبى حنيفةً، وأصحابِهم ، والثورىِّ، والليثِ بنِ سعدٍ ،
والحسنِ بنِ حَىٍّ (١)، وأحمدَ، وإسحاقَ ، وأبى ثورٍ، ورُوِى ذلك عن ابنٍ
عباسٍ، وجابرٍ، وعطاءٍ، وطاؤُسٍ، ومجاهدٍ، والنخعىّ (١).
وأمَّا التذكيةُ بالحَجَرِ ، فمُجتمَعٌ أيضًا عليها ، إذا فَرَى الأَوْدَاجَ ، وأَنْهَرَ الدمَ ،
وقد مضَى القولُ مُستَوْعَبًا فيما يُذَكَّى به وما لا يجوزُ الذكاةُ به، وفيما يُذَكَّى مِنَ
الحيوانِ الذى قد أدرَكَه الموتُ وما لا يُذَكَّى منه؛ وما للعلماءِ فى ذلك كلِّه مِن
المذاهبٍ ، وتأويلُ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُ﴾ [المائدة: ٣]. مُسْتَوْعَبًا
ذلك كلُّه، مُمَهَّدًا مُهَذَّبًا فى بابِ زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ مِن كتابنا
هذا٢) ، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك ههُنا. وقد مضَى هناك حديثُ الشعبىِّ، عن
محمدِ بنِ صفوانَ ، أو صَيْفِىٌّ ، قال: اصْطَدْتُ أْنَيْن، فَذَكَتْتُهما بمروةٍ ،
فَأَتَيْتُ بهما النبيَّ وَّهِ، فَأمَرِنِى بأكلِهماً) . وحديثُ عَدِىِّ بنِ حاتِم، قال :
قلتُ : يا رسولَ اللهِ ، أرأيتَ إن أصاب أحدُنا صيدًا، وليس معه سكينٌ، أَيَذْبَحُ
القبس
(١) فى ق: ((جنى)).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٥٥٢، ٨٥٥٤، ٨٥٥٥)، وسنن البيهقى ٩/ ٢٨٣، وفتح البارى
٩ / ٦٣٢، وتغليق التعليق ٤ /٥١٦.
(٣) تقدم ص ١٢٥ - ١٣٨ .
(٤) تقدم تخريجه ص ١٣٦، ١٣٧.
١٤١

الموطأ
التمهيد بالمَرْوَةِ وبشقِّ العَصَا؟ قال: ((أَنْهِرِ الدمَ - أو أَنْزِلِ الدَّمَ - بما شِئْتَ، واذْكُرِ اسمَ
اللهِ))(١) . والمَرْوَةُ: فلقةُ الحَجَرِ لا خِلَافَ فى ذلك.
وحديثُ رافِعٍ بنٍ خَدِيجٍ عن النبى عليه السلام: (( ما أنْھَر الدمَ ، وذُکِر اسمُ
اللهِ عليه فكُلوا، ما خَلا السِّنَّ والعَظمَ)). الحديث(٢) .
وقد أجمَعُوا على أن ما مرّ مرورَ الحديدِ ولم يَثْرُدُ(١) فجائزٌ الذكاةُ به ،
وأجْمَعُوا على أن الظَّفُرَ إذا لم يكنْ منزوعًا، وكذلك السّنُّ، فلا يجوزُ الذكاةُ به ؛
لأنه حَنْقٌ، وهذا أصلُ البابِ ، والحمدُ للهِ .
وأَوْلَى ما قِيل به فى ذلك عندَنا ، ما أخبرناه عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ یوسفَ ،
قال: أخبرنا يوسفُ بنُ أحمدَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو العُقَيلُّ ، قال :
حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عيسى ، قال: حدَّثنا أصْرَمُ بنُ
حَوْشَبِ الھَمْدَانُ ، عن الحسنِ بنِ عطاءٍ، عن جعفر بن محمدٍ ، عن أبيه ، عن
علىِّ بنِ أبى طالِبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن لم يُدْرِكْ أَحَدَ الثلاثةِ فلا
ذكاةً له : أن تَطْرِفَ بعينٍ، أو تَرْكُضَ بِرِجْلٍ، أَوْ تَمْصَعَ بِالذَّنَبِ)).
وهذا الحديثُ وإن كان إسنادُه لا تقومُ به حُجَّةٌ ، فإن قولَ جمهورِ العلماءِ
بمعناه - على ما ذكرنا فى بابٍ زيدِ بنِ أسلمَ(٤) - يُوجِبُ السكُونَ إليه ، واستدلَّ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٣٧ .
(٢) تقدم تخريجه ص ١٣٨.
(٣) ثرد الذبيحة: إذا قتلها من غير أن يفرى أوداجها. التاج (ث ر د).
(٤) ينظر ما تقدم ص ١٢٦ - ١٢٨ .
١٤٢

الموطأ
جماعةٌ مِن أهلِ العلم بهذا الحديثِ على صحَّةٍ ما ذهب إليه فقهاءُ الأمصارِ ، التمهيد
وهم: مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، والأوزاعىُ، والثَّورىُّ، مِن جوازِ أَكْلٍ
ما ذُبِح بغيرِ إِذْنِ مالكِه، ورَدُّوا به على مَن أتَى مِن أكْلِ ذبيحةِ السارقِ والغاصبِ
إذا ذَبَحا بغيرِ إذنِ المالكِ، وممَّن ذهَب إلى كراهيةِ أكلِ ذبيحةِ السارقِ() ومَنْ
أشبهه ؛ داودُ، وإسحاقُ، وتقَدَّمَهم إلى ذلك عكرمةُ(٢)، وهو قولٌ شَاذٌ
عندَ أهلِ العلمِ لم يُعَرِّجْ عليه فقهاءُ الأمصارِ، لحديثِ نافعٍ هذا .
وقد ذكَر ابنُ وهبٍ فى ((مُوَطَّئِهِ)) ياثْرِ حديثٍ مالكِ عن نافعٍ هذا ، قال ابنُ
وهبٍ : وأخْتَرنى أَسامةُ بنُ زيدِ الليثىُ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ
كعبِ بنِ مالكِ، عن أبيه، أنه سأل رسولَ اللهِ وَ لِّ عنها، فلم يَرَ بها بأساً" .
ومِمَّا يُؤْكِّدُ هذا المذهبَ، حديثُ عاصمِ بنِ كُلَيْبِ الجَزْميِّ(٤)، عن أبيه،
عن رجلٍ مِن الأنصارِ، عن النبيِّ وَِّ فِى الشَّاةِ التى ذُبِحتْ بغيرِ إذنِ ربِّها ، فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَطْعِمُوها الأسَارَى))(٥) وهم مِمَّنْ تجوزُ عليهم الصدقةُ
بمثلها، ولو لم تكنْ ذَكِيَّةً ما أطْعَمها رسولُ اللهِ وَلته .
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٨٥٦٧).
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل عقب الأثر (٣٠٠٤)، والطيرانى ٧٣/١٩، ٨٣ (١٤٤،
١٦٩) من طريق ابن وهب به .
(٤) فى الأصل، ق، م: ((الحرمى)). وينظر تهذيب الكمال ٥٣٧/١٣.
(٥) أخرجه أبو داود (٣٣٣٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٠٨/٤، والدارقطنى ٢٨٥/٤،
٢٨٦، والبيهقى ٣٣٥/٥.
١٤٣

١٠٦٩ - مالك ، عن ثور بن زید الدِّیلیّ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ،
الموطأ
أنه سُئل عن ذبائح نصارى العربِ ، فقال: لا بأسَ بها . وتَلا هذه الآيةً:
﴿وَمَنْ يَتَوَلَُّم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
الاستذكار
مالك ، عن ثورٍ بن زید الدِیلیِّ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ، أنه سُئِل عن ذبائحِ
نصارى العربِ، فقال: لا بأسَ بها . وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَمَن يَتَوَلَُّ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ
مِنْهُمَّ﴾(١).
قال أبو عمر: هذا الحدیثُ تَزْوِیه ثورُ بنُ زیدٍ ، عن عكرمةً، عن ابنٍ
عباسٍ، وكذلك رواه الدَّرَاوَرْدِىُّ وغيرُهُ(١) ، وهو محفوظٌ عن ابنِ عباسٍ من
وُجُوهٍ ؛ منها ما ذكَره عبدُ الرزاقِ (٢) ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن عاصم، عن
عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، وتلا: ﴿وَمَن يَتَوَُّ مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ﴾ .
قال(٤): وأخبرنى معمرٌ، عن عطاءِ الخُرَاسانيٌّ ، قال : لا بأسَ بذبائحِهم،
ألا تسمعُ قولَ (١) اللهِ يقولُ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾ [البقرة: ٧٨].
قال (١) : وأخبرَنا معمرٌ، قال: سألتُ الزهرىَّ عن ذبائح نصارى العربِ ،
القبس
(١) الموطأ برواية ابن زياد (٦٩)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٥٤)، وبرواية يحيى بن بكير
(١٣/١٣و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٤٠). وأخرجه البيهقى ٢١٧/٩، وفى المعرفة
(٥٥٥٦) من طريق مالك به .
(٢) أخرجه الشافعى ٢٨١/٤، والبيهقى ٢١٧/٩ من طريق الدراوردى به .
(٣) عبد الرزاق (٨٥٧٣، ١٠٠٣٧، ١٢٧١٨).
(٤) عبد الرزاق (٨٥٧٢، ١٠٠٤٢، ١٢٧١٧).
(٥) ليس فى مصدر التخريج .
(٦) عبد الرزاق (٨٥٧١، ١٠٠٤٠، ١٢٧١٦).
١٤٤

الموطأ
فقال : مَن انتحَل دينًا فهو مِن أهلِه . ولم يرَ بذبائحِهم بأسًا .
الاستذكار
وروَى عطاءُ بنُ السائبِ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كُلُوا مِن
ذبائحِ بنى تَغْلِبَ، وتزوَّجوا نساءَهم، فإن الله تعالى يقولُ: ﴿وَمَن يَتَوَلَُّ مِّنْكُمْ
فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ﴾(١).
قال أبو عمرَ : على هذا أكثرُ العلماءِ، إلا أن يُسمِّىَ النصرانىُّ مِن العربِ أو
غيرِ العربِ المسيح على ذبيحتِه؛ فإن قال : باسم المسيح. أو ذبَح لآلهتِه ، أو
لعيدِه ، فإنهم اختَلَفوا فى ذلك اختلافًا كثيرًا نذكُرُه فى هذا البابِ إن شاء اللَّهُ.
فأما نصارى العربِ ، فمذهبُ علىّ بنِ أبى طالبٍ فى بنى تَغْلِبَ وغيرِهم
مِن٢ْ نصارى العربِ(٣) ، وقد قيل: إنه خَصَّ بنى تَغْلِبَ بألّا تُؤْكَلَ ذبائحُهم.
روَى معمرٌ، عن أيوبَ ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبِيدةَ السَّلْمانيّ، أن عليًّا كان
يكرهُ ذبائحَ نصارى بنى تَغْلِبَ ويقولُ : إنهم لا يَتمسَّكون مِن النصرانيةِ إلا
بِشُرْبِ الخمر().
وقالت بهذا طائفةٌ ؛ منهم عطاءٌ وسعيدُ بنُ جبيرٍ. وهو أحدُ قولَى الشافعىِّ .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ١٦١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٧/٤ (٦٥١٣)، وابن جرير
فى تفسيره ١٣٢/٨، ٥٠٩ من طريق عطاء بن السائب به .
(٢ - ٢) سقط من: ح ، هـ .
(٣) كذا فى النسخ، ولعل هنا سقط تقديره : ألا تؤكل ذبائحهم . أو عبارة غيرها بمعناها . وينظر
مصنف عبد الرزاق (١٢٧١٤).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨٥٧٠، ١٠٠٣٤، ١٢٧١٣).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٠٠٣٢، ١٢٧١٢).
١٤٥
( موسوعة شروح الموطأ ١٠/١٣)

:
الموطأ
الاستذ کار
وأما اختلافُ العلماءِ فيما ذبَح النصارى لكنائسِهم وأعيادِهم، أو ما سَمَّوا
عليه باسمٍ(١) المسيح؛ فقال مالكٌ: ما ذبحوه لكنائسِهم أكرَهُ أُكلَه، وما سُمِّی
عليه اسمُ المسيحِ لا يُؤْكَلُ. والعربُ عندَه فى ذلك والعجمُ سواءٌ. وقال
الثورىُّ: إذا ذبَح وأهَلَّ به لغيرِ اللهِ كَرِهتُه. وهو قولُ إبراهيمَ(١). قال سفيانُ:
وبلَغنا عن عطاءٍ أنه قال: قد أُحَلَّ اللَّهُ ما أَهِلَّ لغيرِ اللهِ ؛ لأنه قد علِم أنهم سيقولون
هذا القولَ، وقد أحَلَّ ذبائحَهم (١).
ورُوِى عن أبى الدرداءِ وعبادةَ بنِ الصامتِ ، قالا: لا بأسَ بما ذبَح النصارى
لكنائسِهم ومَوْتاهم. قال أبو الدرداءِ: طعامُهم كلُّه لنا حِلِّ، وطعامُنا لهم
حِلّ(٤) . وإلى هذا ذهَب فقهاءُ الشاميين؛ مكحولٌ، والقاسمُ بنُ مُخَيمِرةَ،
وعبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابٍ ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ، والأوزاعىُّ ، وقالوا :
سواءٌ سمَّى النصرانىُّ المسيحَ على ذبيحتِه أو سَمَّى جرجسَ أو ذبَح لعيدٍ أو
كنيسةٍ ، كلُّ ذلك حلالٌ ؛ لأنه كتابٌّ ذبَح بدينِهِ ، وقد أحَلُّ اللهُ ذبائحهم فى
كتابِه . وقال المُزنئُ ، عن الشافعىّ: لا تَحِلَّ ذبيحةُ نصارى العرب . ورُوِی ذلك
عن عمرَ وعلىٍّ ".
وروَى قيسُ بنُ الربيعِ ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن زاذانَ ، عن عليٍّ ، قال :
القبس
٠
(١) ليس فى : الأصل، ح ، هـ ، م .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠١٨٥).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠١٨٤).
(٤) ينظر تفسير ابن جرير ١٣٨/٨.
(٥) ينظر سنن البيهقى ٢١٦/٩، والمحلى ١٠٧/٨.
١٤٦
-٠
٠

١٠٧٠ - مالكٌ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ عباس كان يقولُ: ما فَرَى الموطأ
الأوداجَ فَكُلُوه .
١٠٧١ - مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنه
إذا سمِعتَ النصرانيَّ يقولُ: باسم المسيح. فلا تأكُلْ، وإذا لم يُسَمِّ فَكَلْ ، فقد الاستذكار
أحَلَّ اللهُ ذبائحَهم" .
وعن عائشةَ قالت: لا تأكُلْ ما ذُبِح لأعيادِهم(٢) . وعن ابنٍ عمرَ مثلُهُ(٣).
وعن الحسنٍ وميمونِ بنِ مِهْرانَ ، أنهما كانا يَكْرَهان ما ذبَح النصارى لأعيادِهم
وكنائسِهم وآلهتهم(١). وقد قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: كان مالكٌ یکرهُهمِن غیرِ
أن يُوجِبَ فیه تحریمًا .
وذكَر عبدُ الرزاقِ (٤) ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن عمرو بنٍ ميمونِ بنِ مِهْرانَ،
أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كان يُوكِّلُ بقومٍ مِن النصارى قومًا مِن المسلمين إذا ذبحوا
أن يُسَمُوا اللَّهَ، ولا يتركوهم أن يُهِلُّوا لغيرِ اللَّهِ .
مالكٌ ، أنه بلَغه أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ كان يقولُ: ما فَرَى الأَوْدَاعَ فَكُلوه (٥).
مالكٌ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنه كان يقولُ: ما
القبس
(١) ذكره ابن حزم ١٠٧/٨ من طريق قيس به .
(٢) ذكره ابن حزم ١٠٧/٨.
(٣) ينظر المحلى ١٠٧/٨، والمغنى ٢٩٥/١٣.
(٤) عبد الرزاق (٨٥٨١، ١٠١٨٦).
(٥) الموطأ برواية ابن زياد (٤٧)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/١٣و - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (٢١٤٨).
١٤٧
٠٠

الموطأ كان يقولُ: ما ذُبح به إذا بضّع فلا بأسَ به ، إذا اضطُرِرتَ إليه .
الاستذكار ذُبِح به إذا بَضَعَ فلا بأسَ به، إذا اضطُرِرتَ إليه(١).
قال أبو عمرَ : أما قولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ : إذا اضطُرِرتّ إليه . فكلامٌ ليس
على ظاهرِهِ، وإنما معناه ألا يُذبحَ بغيرِ المُدَى والسكاكينِ وقاطع الحديد
اختيارًا. وقد مضَى القولُ فى معنى هذين الحديثين. وأصلُ هذه المسألةِ أن كلُّ
ما خرَق برقَّتِه أو قطَع بحَدِّه أَكِلِ ما ذُكِّى به؛ لأنه يعملُ عملَ الحديدِ . قال عمرُ
ابنُ الخطابِ: لِيُذَكُ لكم الأسَلُ؛ النَّبْلُ، والرّماحُ(). وسيأتى القولُ فيما قتَل
المِغْراضُ فى بابِهِ بعدَ هذا إن شاء اللَّهُ.
وروی الثوریُّ، عن أبيه ، عن عَبایةَ بنِ رفاعةً ، عن رافع بن خديج، قال :
قلنا : يا رسولَ اللهِ ، إنا نخافُ أن نَلْقى العدوَّ غدًا وليس معنا مُدِى، أفنذبح
بالقَصَبِ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما أنهَرَ الدمَ وذُكِر اسمُ اللهِ عليه فكلوا ،
ليس السّنَّ والظَّفُرَ؛ أما السّنّ فَعَظْم، وأما الظُّفُرُ فمُدّى الحبشةِ)) ().
وهذا الحديثُ أصلُ هذا البابِ مع ما قدَّمنا فى البابِ قبلَه ، وباللهِ توفيقُنا .
وممن استثنى السِّنَّ والظَّفُرَ على كلِّ حالٍ(٤)؛ الأوزاعىُ، والشافعىُّ، وأحمدُ ،
القبس
(١) الموطأ برواية ابن زياد (٤٨)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٤٢)، وبرواية يحيى بن بكير
(١٣/١٣و، ١٣ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٤٩).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٨٥٣٣، ٨٥٣٤)، وابن أبى شيبة ٣٩١/٥، ٣٩٢، والطبرانى (٥١)،
والحاكم ٣/ ٨١، والبيهقى ٩/ ٢٤٨.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٦١٨)، والترمذى عقب الحديث (١٤٩١)، والطحاوى فى شرح المعانى
١٨٣/٤ من طريق سفيان الثورى به، وتقدم ص ١٣٨ من طريق سعيد بن مسروق الثورى .
(٤) بعده فى س: ((الثورى و)).
١٤٨

الموطأ
ما يُكرَهُ من الذبيحةِ فى الذكاةِ
١٠٧٢ - مالك، عن یحیی بنِ سعیدٍ ، عن أُبی مُرّةَ مولی عقِیلِ بنِ
أبى طالب ، أنه سأل أبا هريرةَ عن شاةٍ ذُبحت فتَحرَّكُ بعضُها ، فأمَره أن
يَأْكُلَها ، ثمّ سأل عن ذلك زيدَ بنَ ثابتٍ ، فقال : إن الميتةَ لَتتحرّكُ.
ونهاه عن ذلك .
وإسحاقُ ، والحسنُ بنُ حَىٍّ. وقال مالكٌ: ما بَضَع مِن عَظْم أو غيرِهِ ذُكِّىَ به. الاستذكار
وقال الكوفيُّون : السّنُّ والظَّفُرُ المنزوعَان لا بأسَ بالتذكية بهما إن شاء اللهُ .
بابُ ما يُكرهُ فى الذبيحة من الذکاةِ
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن أبى مُرَّةَ مولى عَقِيلٍ بنٍ أبى طالبٍ ، أنه
سأل أبا هريرةَ عن شاةٍ ذُبِحَت فتحَرَّكُ بعضُها ، فأمَرَه أن يأكلَها ، ثم سأل زيدَ بنَ
ثابتٍ ، فقال: إن المَيْتَةَ لتتحرّكُ. ونهاه عن ذلك (١).
ذكَر ابنُ وهبٍ هذا الخبرَ فى ((موطئِهِ)) عن مالكِ بإسنادِه، وقال فى
آخرِهِ : سألتُّ مالكًا عن ذلك فقال : إذا كان شيئًا خفيفًا فقولُ زيدِ أحَبُّ إلىّ،
وإن كان جرَى الروحُ فى الجسدِ فلا بأسَ بأكلِها .
قال ابنُ وهبٍ : أُخبرنى يونسُ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ ،
القبس
(١) الموطأ برواية ابن زياد (٥٣)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٥٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١٤/١٣ و -
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٦٦). وأخرجه البيهقى ٢٥٠/٩ من طريق مالك به .
١٤٩

قال يحيى : وسُئل مالكٌ عن شاةٍ تردَّت فكُسِرت ، فأدرَكَها
الموطأ
صاحبُها فذبَحها ، فسال الدمُ منها ولم تتحرّكْ . فقال مالك : إن كان
ذبَحَها ونفَسُها يجرِى، وهى تَطْرِفُ ، فَلْيأكُلُها .
الاستذكار أنه كان يقولُ: الذكاةُ فى العينِ تطرِفُ، وَالذَّنَبِ يتحرّكُ، والرّجْلِ تركُضُ(١).
قال: وأخبرنى يونسُ، عن ربيعةً، قال: ما أدركتَ مما أكّل السَّبُعُ حيًّا
فَكُلْه . يريدُ إذا أدركتَ ذكاتَه .
وفى ((الموطأُ)): سُئِل مالكٌ عن شاةٍ تَرَدَّت فكُسِرَتْ، فأدرَكها صاحبُها
فذبَحها ، وسال الدمُ منها ولم تتحرّكْ. فقال مالكٌ: إن كان ذبَحها ونَفَسُها
يجرِى، وهى تطرِفُ ، فليأكُلُها .
قال أبو عمرَ: " على قولٍ مالكِ هذا فى ((الموطأُ)) أكثرُ العلماءِ. وهو قولُ
علىّ، وأبى هريرةَ ، وابنٍ عباسٍ (١)، ومَن ذُكِرِ معهم فى البابِ قبلَ هذا مِن الصحابةِ ،
والتابعين، وأئمةِ الفَتْوى مِن الفقهاءِ . وقد اختلف فى ذلك أصحابُ مالكٍ ، واختلف
فيه قولُ الشافعىِّ . وقد ذكرنا فى البابِ قبلَ هذا كثيرًا مِن معنى هذا البابِ .
وذگر حمادُ بنُ سلمةً ، عن یوسفَ بنِ سَغدٍ()، عن یزیدَ مولی عَقِيلِ بنِ أبی
طالبٍ، قال: كانت لى عَنَاقٌ كريمةٌ، فكرِهتُ أن أذبحَها، فلم ألبثْ أن
تَرَدَّت، فأمْررتُ الشفرةَ على أُوْدَاجِها، فركَضَت بِرِجْلِها، فسألتُ زيدَ بنَ)
القبس
(١) ذكره البيهقى ٢٥٠/٩ عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب به.
(٢ - ٢) سقط من: ح ، هـ .
(٣) تقدم تخريجها ص١٢٧ .
(٤) فى الأصل، م: ((سعيد)). وينظر التاريخ الكبير ٣٧٣/٨، تهذيب الكمال ٤٢٦/٣٢.
١٥٠

الموطأ
" ثابتٍ، فقال: إن الميتَ يتحرّكُ بعدَ موتِه، فلا تأكلُها(٢).
الاستذكار
قال أبو عمرَ) : لا أعلمُ أحدًا مِن الصحابةِ قال بقولٍ زيدٍ هذا، وقد قال
علىّ ، وابنُ عباسٍٍ ، وأبو هريرةَ ، وجماعةُ التابعين ، أنه إذا ذُبِحت وفيها حياةٌ بان
ذلك منها ؛ بأن تطرِفَ بعينها، أو تُحرِّكَ ذَنَبَها، أو تضرِبَ بيدِها أو رجلَيها ، فهى
ذ کیةٌ جائزٌ أکلُها . وقد ذكرنا ذلك عنهم فى الباب قبلَ هذا . وذكرنا عن مالك
ما فيه كفايةٌ، والحمدُ للهِ .
وقال محمدُ بنُ مسلمةَ: إذا قطَع السَّبْعُ حلقومَ الشاةِ ، أو قصَم(١٢) صُلْبَها ،
أو شقَّ بطنَها فأخرَج مِعَاها ، أو قطَع عنقَها ، لم تُذَكَّ ، وفى سائرٍ ذلك تُذكَّى إذا كان
فيها حياةٌ . وذكر ابنُ حبيبٍ عن أصحابِ مالكِ خلافَ ذلك فى التى شُقَّ بطنُها أنها
تُذكَّى . وقال إسحاقُ بنُ منصورٍ : سمِعتُ إِسحاقَ بنَ راهُويه يقولُ فى الشاةِ يَعْدُو
عليها الذئبُ ، فيَتْقُرُّ بطنَها ، ويُخرِجُ المَصَارِينَ حتى يُعلَمَ أنها لا يعيشُ مثلُها ، قال:
السُّنَّةُ فى ذلك ما وصَف ابنُ عباسٍ؛ لأنها وإن خرجت مَصَارِينُها ، فإنها حيةٌ بعدُ ،
وموضعُ الذكاةِ منها سالمٌ. قال: وإنما يُنْظَرُ عندَ الذبح أهى حَيَّةٌ أم ميتةٌ؟ ولا يُنْظَرُ
هل يعيشُ مِثْلُها؟ وكذلك المريضةُ التى لا يُشَكُّ فى أنه مرضُ موتٍ، جائزٌ ذَكَاتُها
إذا أُدرِكَت فيها حياةٌ . قال : وما دامت فيها الحياةُ فله أن يذكِّيَها . قال: ومَن قال
خلافَ هذا فقد خالَف السُّنَّةَ مِن جمهورِ الصحابةِ وعامةِ العلماءِ .
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ .
(٢) تقدم ص ١٣٣.
(٣) فى الأصل، م: ((قسم)).
١٥١

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : هذا مذهبُ أبى حنيفةً وأصحابِهِ فى أصلِ مذهبهم. وقد
روَى أصحابُ ((الإملاءِ)) عن أبى يوسفَ، أنه إذا بلَغ التَّرَدِّى، أو النَّطْحُ، أو
الضربُ مِن الشاةِ ، حالًا لا تعيشُ مِن مثلِه، لم تُؤْكَلْ وإن ذُكِّيت قبلَ الموتِ .
و کذلك قولُ الحسن بن حىٍّ . وذكر ابنُ سماعةً ، عن محمدٍ : إن کان یعیشُ
مثلُه اليومَ أو نحوَهُ(١) أو دونَه، فذَكَّاها حَلَّتْ، وإن كانت لا تَبْقى إلا كبقاء
المذبوحِ لم تُؤْكَلْ . واحتجَّ بأن عمرَ بنَ الخطابِ رضِى اللهُ عنه كانت جِرَاحتُه
مُتلفةً ، وصحَّتْ أوامره ونفذت عهودُه ، ولو قتله قاتلٌ فى ذلك الوقتِ كان عليه
القَوَدُ. وقال الأوزاعىُ: إذا كان فيها حياةٌ وذُبِحت أُكِلت. قال: والمَصْبُورَةُ(١) ..
إذا ذُبِحَت لا تُؤْكَلُ. وقال الليثُ : إذا كانتِ حَيَّةً وقد أُخرَجِ السَّبُعُ جوفَها
أُكِلت ، إلا ما بانَ منها . وهذا قولُ ابنِ عباسٍ.
حدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنى إسماعيلُ بنُ محمدٍ ، قال:
حذَّثنى عبدُ الملكِ بنُ بحرِ الجَلَّابُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ إسماعيلَ
الصائغُ، قال: حدَّثنى سُنَيَدُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنی جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ ،
عن الرُّكَينِ بنِ الربيعِ بنِ عُمَيلةً، عن أبى طلحةَ الأسَدىِّ، قال : سأل رجلٌ ابنَ
عباسٍ قال : كنتُ فى غنمٍ ، فَعَدا الذئبُ فبقَر شاةً منها، فوقَع قُصْبُها بالأرضِ،
القبس
(١) فى الأصل، م: ((مثله )).
(٢) المصبورة: المحبوسة على الموت، وكل ذى روح يصبر حيًّ ثم يرمى حتى يقتل فقد قتل صبرًا.
اللسان (ص ب ر).
(٣ - ٣) فى النسخ: ((حازم)). والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٥٤٠/٤.
١٥٢

الموطأ
فأخذتُ " ظِرَارًا من الأَظِرَّةِ)، فضربتُ بعضَه ببعضٍ، فصار لى منه كهيئة الاستذكار
السكين، فذَكَّيْتُها (١) به ، فقطعتُ العروقَ ، وأهرقتُ الدمَ . قال : انظرْ ما أصابَ
الأرضَ منها فاقطَعْه وازْمٍ به ، فإنه قد مات، وكُلْ سائرَها(٣).
وقال الشافعىُّ: إذا شُقَّ بطنُ الشاةِ ، واستُوقِن أنها تموتُ إن لم تُذَكَّ
فِذُكِّيتْ ، فلا بأسَ بأكلِها . وقال المُزَنىُ: وأحفظُ له أنها لا تُؤْكَلُ إذا بلغ ذلك
منها مبلغًا لا بقاءَ لحياتِها إلا كحياةِ المذبوح. وقال فى البُوَيطيّ: إذا انخنَقت
الشاةُ ، أَو تردَّت، أو وُقِذْت، أو نُطِحت، أو أكلَها السَّبُعُ، فبلَغ ذلك منها مبلغًا
ليس لها معه حياةٌ إلا مدةً قصيرةً ، والروحُ قائمٌ فيها ، ذُكِّيت وأُكِلت ، رُجِيت
حياتُها أو لم تُرجَ، وهى كالمريضةِ ( التى لا) تُرجَى حياتُها .
قال أبو عمرَ : أجمَعوا فى المريضةِ التى لا تُرجى حياتُها أنَّ ذبحها ذکاةٌ لها
إذا كانت فيها الحياةُ فى حينٍ ذبحِها، وعُلِم ذلك منها بما ذكَّروا ؛ مِن حركةٍ
يدِها، أو رِجْلِها، أو ذَنَيِها، ونحو ذلك. وأجمعوا أنها إذا صارت فى حالٍ
التَّزْعِ، ولم تُحَرِّكْ يدًا ولا رِجْلًا أنه لا ذَكَاةَ فيها ، فكذلك ينبغى فى القياس أن
يكونَ حكمُ المُتَرَدِّيَةِ وما ذُكِر معها فى الآيةِ . واللَّهُ أعلمُ .
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م ((ظررا من الأرض)). والظرار: حجر صلب محدَّد، ويجمع أيضًا على
ظُرَر. ينظر النهاية ١٥٦/٣، ١٥٧.
(٢) فى الأصل، ح، هـ، م: ((فذبحتها)).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور - كما فى المحلى ١٩٤/٨ - وابن أبى شيبة ٣٩١/٥ عن جرير بن
عبد الحميد به، وأخرجه عبد الرزاق (٨٦١٣) من طريق ركين به .
(٤ - ٤) سقط من: ح، هـ، م.
١٥٣

الموطأ
ذكاةُ ما فى بطنِ الذبيحةِ
١٠٧٣ - مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أنه كان يقولُ:
إذا نُحرتِ الناقةُ ، فذكاةُ ما فى بطنِها فى ذكاتِها إذا كان قد تم خلقُه
ونبَت شَعَرُه ، فإذا خرج من بطنٍ أُمِّه ذُبح حتى يخرُجَ الدمُ من جوفِه .
٠٠
الاستذكار
بابُ ذكاةٍ ما فى بطنِ الذبيحةِ
مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أنه كان يقولُ: إذا نُحِرت الناقةُ ،
فَذَكَاةُ ما فى بطنِها فى ذَكَاتِها إذا كان قد تمَّ خلقُه، ونبَت شَعَرُه ، فإذا خرَج مِن
بطنٍ أمُّه ذُبِح حتى يخرُجَ الدمُ مِن جوفِهِ ".
قال أبو عمرَ: لم يُرِدِ ابنُ عمرَ بذبحِ الجنينِ ههنا شيئًا مِن الذَّكاةِ ؛ لأن
المیت لا یُذكّی، وإنما أراد خروج الدم من جوفه، ولو کان خرَج حیًّا لم تکنْ
ذكاةُ أُمِّه ذكاةً له، بإجماعٍ مِن العلماءِ.
القبس
ذكاةُ ما فى بطنِ الذبيحةِ
جاء فى الأثرِ: ((ذكاةُ الجَنينِ ذكاةُ أَمِّهِ))(١). واتفَق الرواةُ على رفع ((الذكاةِ))
الأولى، واختلفوا فى رفع ((الذكاةِ)) الثانيةِ ونصبِها وطال بينهما النزاعُ، وقد
أَوضَحناها فى ((مسائلِ الخلافِ)). والأمرُ فيها قريبٌ، قال الشافعىُ(١): ذكاةُ الأُمّ
تُجزِئُ. قال ( أبو حنيفةً): لا بُدَّ من ذبحِه. قال مالكٌ (٥): يُذْبَحُ إذا تَمَّ خَلْقُه؛ لأنها
تكونُ نفسًا أُخرى مُودَعةً فى الأُولى ، فأما إذا لم يَتَمَّ خلقُه فهو كعضوٍ مِن أعضائِها،
(١) الموطأ برواية ابن زياد (٤٩)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٥١)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/١٣ و -
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٤٤). وأخرجه البيهقى ٣٣٥/٩ من طريق مالك به.
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٥٨، ١٥٩ .
(٣) فى ج، م: (( أبو حنيفة)).
(٤ - ٤) فى ج، م: ((مالك)).
(٥) فى ج، م: ((الشافعى وغاص على الصواب)).
١٥٤

١٠٧٤ - مالكٌ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُسَيطِ اللَّيْشِئِ، عن سعيدِ الموطأ
ابنِ المسئَّبِ ، أنه كان يقولُ : ذكاةُ ما فى بطنِ الذبيحةِ فى ذكاةٍ أُمّه ،
إذا كان قد تمّ خلقُه ، ونبَت شَعَرُه .
مالكٌ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُسَيْطِ الليثىّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنه الاستذكار
كان يقولُ : ذَكَاةُ ما فى بطنِ الذبيحةِ فى ذَكَاةِ أُمِّه ، إذا كان قد تمَّ خلقُه ، ونبَت
(١)
شَعَرُه(١).
القبس
ولا يُذكَّى العضوُ الواحدُ مرتين. والصحيحُ عندى أنه إنْ خرَج حيًّا ذُكّىَ، وإن خرَّج
ميتًا لم يُذَّ؛ لأن غيرَ ذلك فيه لا يمكنُ ، وذَبْحُهُ بعدَ موتِهِ لا يُفيدُ .
(١) الموطأ برواية ابن زياد (٥٠)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٥٢)، وبرواية يحيى بن بكير
(١٥/١٣و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٤٥).
قال أبو عمر فى التمهيد من النسخة المطبوعة ٧٦/٢٣، ٧٧: ((مالك ، عن يزيد بن قسيطٍ ،
عن سعيد بن المسيب ، أنه كان يقول: ذكاة ما فى بطن الذبيحة ذكاة أمه ، إذا كان قد نبت شعره
وتم خلقه. وقد روى عن النبى وَالقر: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)). جابر، وابن عمر، وأبو سعيدٍ، وأبو
أيوب ، بأسانيد حسانٍ، وليس فى شىءٍ منها ذكر شعرٍ، ولا تمام خلقٍ . وبقول سعيد بن المسيب
يقول مالك: إن تم خلقه وأشعر، أكل، وإن لم يتم خلقه، لم يؤكل. وقال الثورى، والليث بن
سعدٍ، والأوزاعى، وأبو يوسف، ومحمد، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وداود: يؤكل الجنين
بذكاة أمه إن كان ميتًا. ولم يذكروا تمام خلقٍ ولا شعرٍ. وروى عن ابن عباسٍ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ يَهِيمَةُ
اُلْأَنْعَمِ﴾ [المائدة: ١]. قال: الجنين. وقال أبو حنيفة وزفر: لا يؤكل إلا إن كان حيا فيذكى. وهو
قول إبراهيم النخعى. وقال الحسن فى قوله: ﴿أُِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾. قال: الشاة، والبقرة،
والبعير. وروى أبو إسحاق، عن الحارث، عن على، وأيوب ، عن نافع، عن ابن عمر، قالا : ذكاة
الجنين ذكاة أمه إذا أشعر. وهذا القول ليس فيه رد للآثار المرفوعة ، بل هو تفسير لها، وهو أولى ما
قيل به فى هذا الباب ؛ لأنه إذا لم يتم خلقه، ولا نبت شىء من شعره، فهو فى حكم مضغة الدم .
والله أعلم، وهو الموفق للصواب)) .
١٥٥

الموطأ
الاستذكار
(١ قال أبو عمر : اختلف العلماءُ فى ذَكَاةِ الجنينِ ؛ فقال مالكٌ بما رواه عن ابنٍ
عمرَ وسعيدِ بنِ المسيَّبِ فى ذلك، قال: إذا تَمَّ خلقُه وأشعَر أُكِل، وإلا لم يُؤْكَلْ.
وقال أبو حنيفةً وزفرُ : لا يُؤْكَلُ الجنينُ إلا أن يخرُجَ حًّا مِن بطنِ أَمِّه، فيُذكَّى. وقال
أبو يوسفَ، ومحمدٌ، والثورىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ،
والحسنُ بنُ حَىٍّ: يُؤْكَلُ وإن كان ميتًا إذا ذُكِّيَت الأمُّ، وذَكَاةُ أَمِّه ذَكَاتُه) .
قال أبو عمرَ: روِى قولُ مالكٍ فى اعتبارِ إشعارِه وتمامِ خلقِه عن جماعةٍ مِن
أهلِ المدينةِ ، والحجازِ، وغيرِهم؛ منهم ابنُ عمرَ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ ، وابنُ
شهابٍ ، ومجاهدٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وقتادةٌ(٢).
ورؤَى معمر، عن الزهرىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكِ ، قال: كان
أصحابُ رسولِ اللهِ وَلِّ يقولون: إذا أشعَر الجنينُ فذَكَاتُّه ذَكَاةُ أُمِّه .
وحدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ عثمانَ ، قال :
حدَّثنى إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنى علىٍّ بنُ المَدِينىِّ، قال: حدّثنی ابنُ
عیینةً ، قال : حفظتُ مِن الزهرى ، عن ابنٍ کعب بن مالك ، أن أصحاب رسولٍ
اللهِ وَّ كانوا يقولون: إذا أشعَر الجنينُ فذّكَاتُه ذَكَاةُ أَمِّه . قال سفيانُ: وقال
أَبَانُ بنُّ تَغْلِبَ (٢) - وكان صاحبَ عربيةٍ -: إذا شئَّر(٤) الجنينُ. قال سفيانُ: فأمّا
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٦٤٠، ٨٦٤٢، ٨٦٤٣)، والمحلى ١٢٣/٨، وسنن البيهقى ٣٣٦/٩.
(٣) أبان بن تغلب بن رياح الجريرى أبو سعد - وقيل: أبو أمية - الربعى الكوفى المقرئ الشيعى،
صدوق فى نفسه وعالم كبير، بدعته خفيفة لا يتعرض للكبار، توفى سنة إحدى وأربعين ومائة . سير
أعلام النبلاء ٣٠٨/٦، والوافى بالوفيات ٣٠٠/٥.
(٤) فى النسخ: ((أشعر)). والمثبت من الكامل .
١٥٦

الموطأ
الذى حفظتُ أنا مِن الزهرىِّ: إذا أشعَر (١).
الاستذ کار
قال أبو عمرَ: قيل: أشعر. إذا تَمَّ خلقُه وإن لم يُشعِرْ. قال أبو عمرٍو
الشيبانيُ): المشعرُ التامّ الخَلْقِ الطويلُ.
ورؤَى أبو إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٌّ قال: ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أُمِّه إذا
(٣)
أشعر(٣).
ورُوِى مِثلُ قولِ الشافعيّ ومَن ذكّرنا معه عن إبراهيمَ النخعىِّ.
روَى الثورىُّ، عن منصورٍ ، عن إبراهيمَ، قال: ذكاتُه ذكَاةُ أُمِّه ، أشعَر أو لم
يُشعِرْ، إلا أن تَقذرَه (٤).
وابنُ عيينةً ، عن الحسن بنٍ عبيدِ اللهِ النخَعيِّ ، قال: سألتُ إبراهيمَ عن
جنينِ البقرة، فقال: هو ركنٌ مِن أركانِها(٥).
وابنُ مجرَيْجٍ، عن داودَ بنِ أبي عاصمٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنه
قال: كُلْه وإِن لم يُشْعِرُ .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٤١) - مقتصرًا على الشطر الأول - وابن عدى ٣٨٠/١ - مقتصرًا
على الشطر الثانى - من طريق ابن عيينة به .
(٢) إسحاق بن مرار أبو عمرو الشيبانى الكوفى اللغوى، نزيل بغداد، كان يعرف فى وقته بين العلماء
بصاحب ديوان اللغة والشعر. توفى عام عشرة ومائتين. تاريخ بغداد ٣٢٩/٦، وإنباه الرواة ١/ ٢٢١.
(٣) ذكره ابن حزم ١٢٢/٨، والبيهقى ٣٣٦/٩ عن الحارث به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٤٥)، والبيهقى ٣٣٦/٩ من طريق الثورى به.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٤٦)، والبيهقى ٣٣٦/٩ من طريق ابن عيينة به.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٤٧) عن ابن جريج به .
١٥٧

الموطأ
الاستذكار
وروَى ابنُّ المباركِ وغيرُه، عن مُجالدٍ بنِ سعيدٍ ، عن أبى الوَدَّاكِ جبرِ بنِ
نوفي، قال: سمِعتُ أبا سعيد الخدرىَّ يقولُ: سألتُ رسولَ اللهِ وَلّ عن
البقرةِ ، أو الناقةِ ، أو الشاةِ ، ينحَرُها أحدُنا فيجِدُ فى بطنها جنينًا ، أيأكلُه أم يُلْقِه؟
فقال: ((كُلوه إن شئتُم؛ فإِن ذَكَاتَه ذَكَاةُ أُمُّه))(١).
قال أبو عمرَ : ليس فى هذا الحديثِ المُسندِ اشتراطُ إشعارٍ ولا غيرِهِ.
وروَى ابنُّ المباركِ ، "عن ابن أبى ليلى، عن أخيه، ("عن أبيه)، أو عن
الحكم، عن(٤) عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى - الشكُّ مِن ابنِ المباركِ "(٥) - قال:
قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((ذكاةُ الجنينِ ذَكَاةُ أَمِّه، أشعَر أو لم يُشعِرْ))(١).
ورواه غيرُ ابنِ المباركِ ، عن ابنٍ أبى ليلى، عن عطيةً، عن أبى سعيد
الخدرىِّ(٧). وابنُ أبى ليلى سيئُ الحفظِ عندَهم جدًّا .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٥٠)، وأبو داود (٢٨٢٧)، وابن ماجه (٣١٩٩)، والبيهقى ٣٣٥/٩
من طريق ابن المبارك به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٧٩/١٤، وأحمد ٣٦٢/١٧ (١١٢٦٠)،
والترمذى (١٤٧٦) من طريق مجالد به .
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ. وابن أبى ليلى المذكور هنا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، وهو كما
سيذكر المصنف سيئ الحفظ جدًّا، وأخوه هو عيسى بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، وهو ثقة ، وأبوهما هو
عبد الرحمن بن أبى ليلى، تابعى ثقة. تهذيب الكمال ١٧/ ٣٧٢، ٦٢٩/٢٢، ٦٢٢/٢٥.
(٣ - ٣) ليس فى مصدر التخريج.
(٤) فى الأصل، م: ((بن)) . والحكم هو ابن عتيبة .
(٥) بعده فى م: ((عن عطية عن أبى سعيد الخدرى)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٤٩) عن ابن المبارك به .
(٧) أخرجه أحمد ١٢/١٨ (١١٤١٤)، وأبو يعلى (١٢٠٦) من طريق ابن أبى ليلى به.
١٥٨

الموطأ
ومِن حديثٍ زهيرِ بنِ معاويةَ، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ، أن رسولَ اللهِ وَله الاستذكار
قال: ((ذَكَاةُ الجنينِ ذَكَاةُ أَمِّه))(١) .
وأمَّا قولُ أبى حنيفةَ وَزُفَرَ فليس له فى حديثِ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ ولا
فى قولٍ أصحابِهِ ولا فى قولِ الجمهورِ أصلٌ. وزعم أبو حنيفةً أنه لم يَرَ ذَكَاةً
واحدةً تكونُ لاثنين، واستحالَ عندَه أن تكونَ ذكاةُ نَفْسٍ ذكاةَ نفسين . وهو
يرى أن مَن أَعتَق حاملًا ، فإن ◌ِتقَها عتقٌ لجنينِها ، فإذا جاز أن يكونَ عتقُ واحدٍ
عتقًا لاثنين، فغيرُ نكيرِ أن تكونَ ذَكَاةُ نفسٍ ذَكَاةَ نفسَين. " هذا من جهةٍ
القياسِ، فكيف والسُّنَّةُ مُغْنِيةٌ عن كلِّ رأي، وباللَّهِ التوفيقُ(١) .
وقد روى عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾
[المائدة: ١]. قال: الجنينُ . وعن الحسنِ قال: بهيمةُ الأنعامِ الشاةُ والبقرةُ
(٤)
والبعيرُ).
القبس
(١) أخرجه البغوى فى الجعديات (٢٦٦٥)، والحاكم ١١٤/٤، والبيهقى ٣٣٤/٩، ٣٣٥ من طريق
زهير بن معاوية به .
(٢ - ٢) سقط من: ح ، هـ .
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٤/٨، والبيهقى ٣٣٦/٩.
(٤) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٢/٨، ١٣.
١٥٩

الموطأ
کتابُ الصيدِ
تركُ ما قتَل المعراضُ والحجرُ
١٠٧٥ - مالكٌ، عن نافع ، أنه قال : رمَيتُ طائرين بحجرٍ وأنا
بالجُرْفِ فأصَبتُهما ؛ فأمَّا أحدُهما فمات ، فطرَحه عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ،
وأمَّا الآخَرُ فذهَب عبدُ اللهِ يُذِكِّيه بقَدُومٍ فمات قبل أَنْ يُذكِّيَه، قطرَحه
عبدُ اللهِ أيضًا .
الاستذكار
کتابُ الصيد
بابُ تركٍ ما قتَل المعراضُ(١) والحجرُ
مالكٌ ، عن نافعٍ، أنه قال: رمَيْتُ طائرين بحَجَرٍ وأنا بالجُوْفِ فأصبتُهما؛
فأمَّا أحدُهما فماتَ ، فَطَرَحَه ابنُ عمرَ، وأمَّا الآخرُ فذَهَب ابنُ عمرَ يُذَكِّيه بقَدُوم
فمات قبلَ أن يُذَكِّيَه، فطرَحَه عبدُ اللَّهِ أيضًا (٢).
بابُ الصيد
بـ
(١) المعرض: سهم يرمى به بلا ريش ولا نصل. وإنما يصيب بعرضه دون حده. النهاية ٢١٥/٣.
(٢) الموطأ برواية ابن زياد (١٣٦)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٥٥)، وبرواية يحيى بن بكير
(١٣/١٣ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٦٨). وأخرجه البيهقى ٢٤٩/٩ من طريق
مالك به .
١٦٠