النص المفهرس
صفحات 61-80
الموطأ
وادَّخِروا، وأَتَجِروا)). ومعناه: اتَّخِذوا الأَجْرَ فيما تتَصَدَّقُون به منها . يُبَيِّنُّ ذلك التمهيد
حديثُ عمرةَ، عن عائشةَ المتَقدِّمُ ذِكْرُه؛ فيه: ((فكلوا، وتَصَدَّقوا،
وادَّخِروا)). ومعناهما عندِى واحدٌ. واللهُ أعلمُ .
وأمَّا قولُه: ((فَكُلوا، وتَصَدَّقوا، وادَّخِروا)). على لفظِ الأمرِ، فإِنَّ معناه
الإباحَةُ لا الإِيجابُ ، وهكذا كلُّ أمرٍ يأْتِى فى الكتابِ والسُّنَّةِ بعدَ حَظْرٍ ومَنْعٍ
تقَدَّمَه ، فمعناه الإباحةُ لا غيرُ، ألا ترَى أَنَّ الصَّيدَ لما حُظِرَ على المحرمِ، ومُنِع
منه، ثم قيل له بعدَ أنْ حَلَّ: اصْطَدْ إذا(١) حَلَلْتَ. كان ذلك إباحةٌ له فى
ج
الاصطيادِ، لا إيجابًا لذلك عليه، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا حَلْثُمْ فَاصْطَادُواْ﴾
[المائدة: ٢]. ومثلُ ذلك: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَانْتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ﴾
[الجمعة: ١٠]. وهو كثيرٌ فى القرآن والسنَّةِ. والحمدُ للهِ . وهذا أصلٌ جَسیمٌ فى
العلم، فقِفْ عليه، وإذا كان هذا كما ذكَرْنا، فجائزٌ للمُضَحِّى أنْ يَأْكُلَ أُضْحِيَّتَه
كلَّها ، وجائزٌ أنْ يَتَصَدَّقَ بها كلِّها، وجائزٌ أنْ يَدَّخِرَ وألَّ يَدَّخِرَ، وعلى هذا جماعةٌ
العلماءِ ، إلّا أنَّهم يَسْتَحِبُون للمُضَحِّى أنْ يَأْكُلَ ويتصدَّقَ ، ويكرهون له ألا يَتصدَّقَ
منها بشىءٍ. وكان الشافعىُّ رحِمه اللهُ يَسْتَحِبُّ أنْ يأْكُلَ من أُضْحِيَّتِهِ ثُلثَها ،
ويتصدَّقَ بِثُلُثٍ ، ويدَّخِرَ ثُلْنًا، على ما جاءَ فى الحديثِ. وكان غيرُه يَسْتَحِبُّ
أن يتَصدَّقَ بنصْفٍ، ويأكُلَ نِصْفًا؛ لقولِ اللهِ فى البُذْنِ: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ
اُلْقَانِعَ وَالْمُعْتَزَّ﴾ [الحج: ٢٨]. وأمَّا مالكٌ رحِمه اللهُ، فلم يَحُدَّ فى ذلك
القبس
(١) فى س: ((إذ)).
٦١
الموطأ
التمهيد حدًّا(١)، وكان يَسْتَحِبُّ أنْ يأكُلَ منها ويتصدَّقَ من غيرِ أن يَحُدَّ فى ذلك حدًّا .
حدَّثنى أحمدُ بنُّ عمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ علىٍّ ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيسٍ ، قال: حدَّثنا يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا مَعنُ
ابنُ عيسى ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن أبى الزَّاهِرِيَّةِ، عن مجُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ ، عن
ثوبانَ قال: ذَبَح رسولُ اللهِ نَِّ ضَحِيَّتَه، ثم قال: ((يا ثوبانُ ، أَصلِحْ لَحْمَ هذه
الأُضْحِيةِ)). فلم أزلْ أُطْعِمُه منها حتى قدِمِ المدينةَ(٢) .
ءُ
ففى هذا الحديثِ ادِّخارُ لَحْم الأضحيةِ، وفيه الضَّحِيَّةُ فى السَّفَرِ .
وأما قولُه: ((ونَهَيْتُكم عن الانْتِباذِ، فَانْتَبِذُوا، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ)). فإنَّ
ذلك عندَ أهلِ العلم محمولٌ على أنَّ النَّهْىَ عنها معناه لسرعةِ الشِّدَّةِ فيها ، ولهذا
ثبت على كراهيةِ الانْتِباذِ فيها جماعةٌ من العلماءِ؛ لقولِه ◌َلّ فى الحديثِ
النَّاسِخِ: ((وكلُّ مسكرٍ حرامٌ)). وكرِهوا الانْتباذَ فيها خَوْفًا من مواقعةٍ ".
المسكرِ. واللهُ أعلمُ. فإنِ انْتَبَذ أحدٌ فى شىءٍ منها ولم يَشْرَبْ مُسْكِرًا، فلا
حرجَ عليه. والأُوعِيَةُ التى نُهِىَ عن الانتباذِ فيها هى الدُّبَّاءُ(٤)، والنَّقِيرُ(٥)،
القبس
(١) فى س: ((شيئا)).
(٢) أخرجه مسلم (٣٥/١٩٧٥) من طريق معن بن عيسى به، وأخرجه أحمد ٧٤/٣٧، ١٠١
(٢٢٣٩١، ٢٢٤٢١)، ومسلم (١٩٧٥) عقب الحديث (٣٥)، وأبو داود (٢٨١٤)، والنسائى
فى الكبرى (٤١٥٦) من طريق معاوية بن صالح به .
(٣) فى م: ((موافقة)).
(٤) الدباء: القرع، واحدها دُبَّاءة . النهاية ٢ / ٩٦.
(٥) النقير: أصل النخلة ينقر وسطه ثم ينبذ فيه التمر، ويلقى عليه الماء ليصير نبيذًا مسكرًا. النهاية
١٠٤/٥.
٦٢
الموطأ
والحَنْتَمُ (١)، والمزَقَّتُ(٢)، والمقَيِّرُ، والجَرُ()، وما كان مثلَها. وبذكرِ هذه التمهيد
الأوعيةِ ورَدتِ الآثارُ فى كراهيةِ النَّبيذِ فيها. وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ وعبدُ اللهِ بنُ
عباسٍ لا " تِريانِ الانْتِباذَ) فى شىءٍ منها بحالٍ؛ لِمَا رَوَيا (٥) عن النبيِّ وَلِّ من
التَّهْىِ عنها وعن نَبِيذِ الجَرِّ، وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: الجَرُّ كلَّ ما يُصْنَعُ من
مَدَرٍ (١) . وكانا لا يُجِيزانِ التَّبِيذَ إلَّا فى الجلودِ ، بعضُهم يقولُ : أَسْقِيَةُ الأُدَمِ .
وبعضُهم يقولُ : الجِلْدُ الموكَأَ عليه. ونحوُ هذا. وابنُ عباسٍ هو الذى روَى
حديثَ وَقْدِ عبدِ القَيْسِ، وفيه النَّهْىُ عن الشربِ فى الدُّبَّاءِ، والنَّقيرِ، والمقَيَّرِ،
وبعضُهم يقولُ : المُزَقَّتِ والحَنْتَم. وفى ذلك الحديثِ أنَّهم قالوا : يا رسولَ
اللهِ ، أرأيتَ إنِ اشْتَدَّ فى الأسْقِيَةِ؟ قال: ((فصُبُّوا عليه الماءَ)). قالوا: يا رسولَ
اللهِ! فقال لهم فى الثالثة أو الرابعةِ: ((أهَرِيقوه)). ثم قال: ((إنَّ اللهَ حرَّم الخمرَ
والميسِرَ، وكلُّ(٧) مسكرٍ حرام))(٨).
القبس
(١) الحنتم: جرار مدهونة خضر كانت تحمل الخمر فيها إلى المدينة ، ثم اتسع فيها فقيل للخزف
كله: حنتم. واحدتها حنتمة. النهاية ١/ ٤٤٨.
(٢) المزفت: هو الإناء الذى طلى بالزفت، وهو نوع من القار، ثم انتبذ فيه. النهاية ٣٠٤/٢.
(٣) الجر والجرار: جمع جرة، وهو الإناء المعروف من الفخار، وأراد بالنهى عن الجرار المدهونة؛
لأنها أسرع فى الشدة والتخمير. النهاية ١/ ٢٦٠.
(٤ - ٤) فى ك ١: ((ينتبذان)).
(٥) فى ك ١، م: ((روينا)).
(٦) أخرجه عنهما أحمد ٣٠٦/٥، ٤٦٢، ٩/ ١٠٨، ٨١/١٠ (٣٢٥٧، ٣٥١٨، ٥٠٩٠،
٥٨١٩)، ومسلم (١٩٩٧)، وأبو داود ( ٣٦٩٠، ٣٦٩١)، والنسائى (٥٦٣٥، ٥٦٣٦).
(٧) فى س: ((قال كل)).
(٨) أخرجه أحمد ٤٦٤/٣، ٢٧٩/٤، ٢٨٠ (٢٠٢٠، ٢٤٧٦)، والبخارى (٥٣، ٥٢٣، =
٦٣
الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : ففى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ النَّهْىَ عن ذلك خَشْيَةً مُواقعةٍ
الحرام ، واللهُ أعلمُ ، وإذا كان ذلك كذلك، فواجبٌ أن تكونَ الكراهيةُ باقيةً
على كلِّ حالٍ ؛ لأنَّ الخشيةَ أبدًا غيرُ مرتفعةٍ ، ويكونُ على هذا المعنَى قولُه
وَله : «فانْتَبِذوا فيما بدا لكم)). كشفًا عن المرادِ، لا أنَّه نَسْخٌ أباح فيه ما حَرَّمَ
قبلُ، هذا ما يَحْضُرُنى من التأويلِ فيه، وبالله التوفيقُ .
وممَّا يَدُلُّ على أنَّ الوَجْهَ ما ذَكَوْنا، ما خرَّجه أبو داودَ، عن مُسَدَّدٍ ، عن
یحیی القَطَّانِ ، عن الثورىِّ ، عن منصورٍ ، عن سالم بنِ أبی الجعْدِ ، عن جابر بنِ
عبدِ اللهِ قال: لما نهَى رسولُ اللهِ وَّهِ عن الأوعيةِ قالت الأنصارُ: إِنَّه لا بُدَّلنا .
قال: ((فلا إذنْ))(١).
وهذا حديثٌ صحيحٌ، ويَدُلُّ على ذلك أيضًا اخْتِلافُ الفقهاءِ فى هذا
البابٍ ، مع عِلْمِهم بهذا الحديثِ وروايتهم له . وذكر ابنُ القاسم ، عن مالك ،
أنَّه كَرِهِ الانْتِبَاذَ فى الدُّبَّاءِ والمَزَقَّتِ ، ولا يَكْرَهُ غيرَ ذلك.
قال أبو عمرَ : هذا لِما خَشِىَ من سُرعةِ الفسادِ إِلى النَّبيذِ فى هذينِ الظَّرْفَيْنِ.
واللهُ أعلمُ . وكَرِهَ الثورِىُّ الانتِباذَ فى الدُّبَّاءِ، والحَنْتَم، والنَّقَيرِ، والمُزَقَّتِ . وقال
الشافعیُ : لا أکرهُ من الأنبذة ، إذا لم یکنِ الشرابُ يُسكِرُ، شيئًا بعدَ ما سُمِّی فی
القبس
= ١٣٩٨، ٣٠٩٥)، ومسلم (١٧)، وأبو داود (٣٦٩٢، ٣٦٩٦)، والترمذى (١٥٩٩،
٢٦١١)، والنسائى (٥٠٤٦، ٥٧٠٨)، وابن خزيمة (٣٠٧، ١٨٧٩)، ولفظ: ((أرأيت إن اشتد
فى الأسقية)). عند أحمد وأبى داود فى الموضع الثانى .
(١) أبو داود (٣٦٩٩).
٦٤
الموطأ
التمهيد
الآثارِ؛ من الحَنْتَمِ ، والنَِّيرِ، والدُّبَّاءِ، والمزَفَّتِ.
قال أبو عمرَ : قد أحاط عِلْمُنا بأنَّ مالكًا، والثورىَّ، والشافعيَّ، روَوُا الآثارَ
الناسخةَ المذكورةَ فى هذا البابِ، وعنهم رَوَيْناها ، فلا وجهَ لكَراهِيتِهم الانتِباذَ
فى هذه الأوعيةِ مع سُرْعَتِهم إلى القولِ بما صَحَّ عندَهم من الآثارِ المسندةِ ،
إلَّا ما ذكَرْنا، وبالله التوفيقُ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : لا بأسَ بالانتباذِ فى
جميع الأوانى. وحجَّتُهم الآثارُ التى ذُكِر فيها النَّسْخُ لما قبلَها ، ورَوَوْا عن أنسٍ
أَنَّه كان يُتْبَذُ له فى جَرَّةٍ خَضْرَاءَ (١) . وهو أحدٌ من روَى النَّهْىَ عن نَبِيذِ الجَرِّ ، فدَلَّ
ذلك على أنَّه مَنْشُوخٌ .
فأمّا الآثارُ فى هذا البابِ ، فحدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال :
حدَّثنا سعيدُ بنُ منصورٍ ، قال: حدَّثنا فُلَئِحُ بنُ سليمانَ، عن محمد بن عمرو
العُتْوارِىِّ، قال: حدَّثنى أبى، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ مرَّ به، فقال له : أين أصبحْتَ
غاديًا يا أبا عبدِ الرحمنِ؟ قال: أردتُ أبا سعيد الخدرىَّ. قال: فانطَلَقْتُ معه،
فقال له ابنُ عمرَ: يا أبا سعيدٍ ، ما حَدِيثٌ بلَغَنِى عنك أنَّك تُحَدِّثُهُ(١) عن رسولٍ
اللهِ وَِّّه فى لحومِ الأُضَاحِىِّ وادِّخَارِها بعدَ ثلاثٍ، وفى زيارةِ القبورِ، وفى
الأَنْبِذَةِ؟ فقال أبو سعيدٍ: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((نَهَيْتُكم عن لحومٍ
القبس
(١ - ١) فى س: ((الأثر المسند)).
(٢) أخرجه النسائى (٥٧٥٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٢٩/٤.
(٣) فى م: ((تحدث به)).
٦٥
( موسوعة شروح الموطأ ٥/١٣ )
الموطأ
التمهيد الأضاحِيِّ وادِّخارِهَا بعدَ ثلاثٍ، فقد جاء اللهُ بالسَّعَةِ ، فكلوا، وادَّخِروا ما بدَا
لكم، وكنتُ نَهَيْتُكم عن زيارة القبورِ ، فإن زُرْتُموها فلا تقولوا هُجْرًا، ونھَيتُكم
عن الأنبذَةِ ، فاشْرَبوا كما بَدا لكم، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ)) (١).
وروَى(٢) واسعُ بنُ حََّانَ، عن أبى سعيدٍ، عن النبيِّ وَلِّ نحوَهُ(١).
وأخبرنى أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا وهْبُ بنُ مسَرَّةَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ
هارونَ ، عن حمادٍ بنِ زيدٍ ، قال: حدَّثنا فَرقدُ السَّبَخِىُ، قال : حدَّثْنا جابرُ بنُ
يزيدَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه: ((إِنِّى كنتُ نَهَيْتُكم
عن زيارة القبورِ ، وإنَّه قد أُذِنَ لمحمدٍ فى زيارة قبرٍ أُمِّه، فزورُوها تُذَكّوكم
الآخرةَ، ونَهَيْتُكم عن هذه الأوعيةِ، وإِنَّ الأوعيةَ لا تُحِلُّ شيئًا(٤) ولا تُحَرِّمُه ،
فاشْرَبوا فيها، ونَهَيْتُكم عن لحومِ الأضاحِىِّ فوقَ ثلاثٍ، فاحبِسوا ما بَدا
(٥)
لكم))(٥).
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٤٩/١٨ (١١٦٠٦) من طريق فليح به .
وبعده فى م: ((وأما حديث على بن أبى طالب فسنذكره بعد فى هذا الباب إن شاء الله وأما
حديث ابن مسعود)) .
(٢) فى ك ١، م: ((فروى)).
(٣) أخرجه أحمد ٤٢٩/١٧ (١١٣٢٩)، وعبد بن حميد (٩٨٣ - منتخب)، والطحاوى فى
شرح المعانى ٤ /١٨٦، ٢٢٨ من طريق واسع به .
(٤) بعده فى ك ١، م: ((منها)) .
(٥) ابن أبى شيبة ٣٤٣/٣، ٥١٩/٧. وأخرجه أحمد ٣٤١/٧ (٤٣١٩)، وأبو يعلى (٥٢٩٩) من
طريق يزيد بن هارون به .
٦٦
الموطأ
( وأخبرنى١) عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا التمهيد
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: حدَّثْنا مُعَرِّفُُ بنُ واصلٍ، عن
مُحاربٍ بِنِ دِثَّارٍ ، عن ابنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (( نهَيتُكم
عن ثلاثٍ، وأنا (١ آمركم بهنَّ؛ عن زيارة القبورِ ، فزوروها، فإنَّ فی زيارتها
تذكِرَةٌ ، ونهَيتُكم عن الأشربةِ أن تشرَبوا إلّا فى ظروفٍ الأدَم، فاشرَبوا فى كلِّ
وعاءٍ ) غيرَ أَلَّا تشرَبوا مسكرًا، ونَهَيْتُكم عن لحوم الأضاحِيِّ أنْ تأكلُوها بعدَ
ثلاثٍ ، فكُلُوا ، واستمتعوا بها فى أشفارٍ كم))(٥) .
ورؤَى الثورىُّ ، عن علقمةَ بنِ مَرْتَدٍ ، عن سليمانَ بنِ بُرَيْدَةَ ، عن أبيه ، عن
النبيِّ وَِّ مثلَه، قال: ((كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارة القبورِ، فقد أَذِن لمحمدٍ فى
زيارةٍ قبرٍ أَمِّهِ ، فَزُورُوها ما بَدا لكم ؛ فإنَّها تُذَكِّرُ الآخرةَ ، ونَهَيْتُكم عن لحومٍ
الأضاحِيِّ أن تأكلُوها فوقَ ثلاثٍ ، وإنَّما أردنا بذلك أنْ يوسِّعَ أهلُ السَّعَةِ على من
لا سعَةً له، فكُلُوا ممَّا بَدا لكم، ونَهَيْثُكم عن الظُروفِ، وإنَّ الظُروفَ لا تُحِلُّ
شيئًا ولا تُحرِّمُه، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ))(١).
القبس
(١ - ١) فى س: ((وأما حديث بريدة فأخبرنى)).
(٢) فى ك ١، س: ((معروف)).
(٣) فى م: ((إنى)).
(٤) فى س: ((إناء)).
(٥) أبو داود (٣٢٣٥، ٣٦٩٨). وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٢٨/٤ من طريق أحمد بن
يونس به، وأخرجه مسلم ١٥٨٥/٣ (٦٥/٩٧٧)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٢٨/٤ من طريق
معرف به .
(٦) أخرجه أحمد ١٢٢/٣٨ (٢٣٠١٦)، ومسلم ١٥٨٥/٣ (٦٤/٩٧٧)، والترمذى (١٠٥٤،
١٥١٠، ١٨٦٩) من طريق الثورى به .
٦٧
الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : قد تقدَّم القولُ فى أنَّ هذا القولَ إباحةٌ ، فمن شاء انتَذ ، ومن
شاء لم يَنْتَبِذْ ، ومَن شاء زارَ القبورَ، ومَن شاء لم يَزُرْ.
وروی عبدُ الرحمنِ بنُ جابرٍ، عن أبيه ، أنَّ رسولَ اللهِ مُّلآل قال: « کنتُ قد
نَهَيْثُكُمْ أنْ تَنتَبِذُوا فى الدُّبَّاءِ، والحَنْتَمِ، والمُقَيْرِ، والمُؤَفَّتِ، فانْتَبِذوا، ولا أُحِلُ
(١)
مسکًا))(١).
وروَى أبو بُرْدَةً بنُ نِيارٍ، عن النبيِّ وَِّ مثلَه أو نحوَه(٢)
٠
وقال عبدُ اللهِ بنُ المغَفَّلِ: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ وََّ حينَ نهَى عن نبيذِ
الجَرِّ، وشَهِدْتُه حينَ أمَر بشُرْبِه، فقال: ((اجْتَنِبوا المسكرَ))(٢).
أُخبرنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ محمدُ بنُ
القاسمِ بنِ شعبانَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباسِ، قال: حدَّثنا ابنُ الطائفیّ ،
قال: حدَّثنا زُهيرُ بنُ عَّادٍ، قال: حدَّثنى ضَمْرَةُ، عن عثمانَ بنِ عطاءٍ، عن أبيه ،
عن ابنِ بُرِيدَةً(٢)، عن أبيه، أن رسولَ اللهِ وَّهِ أَحلَّ نَبِيذَ الجَرِّ بعدَ أن حَرَّمَه (٥).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) أخرجه أبو عوانة (٧٩٥٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٢٨/٤، والبيهقى ٣١٠/٨، ٣١١
من طريق عبد الرحمن بن جابر به .
(٢) أخرجه النسائى (٥٦٩٣)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٢٨/٤.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٦٨/٧، وأحمد ٣٥٩/٢٧. (١٦٨٠٤)، والطحاوى فى شرح المعانى
٢٢٩/٤.
(٤) فى ك ١: ((بردة)) .
(٥) أخرجه الطبرانى فى مسند الشاميين (٢٤٤٣) من طريق ضمرة به .
م
٦٨٠
الموطأ
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا حجاج بنُ منهالٍ وسلیمانُ بنُ حربٍ ، قالا : التمهيد
٠
حذَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةً ، عن علىٍّ بنِ زيد ، عن ربيعةً بنِ النابِغَةِ ، عن أبيه، عن
علىّ بن أبى طالبٍ، عن النبيِّ نَّهقال: ((كنتُ نَهَيْتُكم عن الأوعيةِ، فانْتَبِذُوا
فيما بَدالكم ، وإيَّكم والمسكرَ، فكلُّ مسكرٍ حرام ، ونَهَيتكم عن زيارة القبورِ ،
فإنْ زُرْتُموها فلا تقولوا هُجْرًا))(١).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ
الخفَّافُ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ محمدِ الدَّقَّاقُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ
سَهْلٍ(٢) بنِ عسكرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ ، قال: حدَّثنا معمرٌ، عن عطاءٍ
الخُراسانىّ، عن عبدِ اللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((كنتُ
نَهَيْثُكم عن زيارة القبورِ ، فَزُورُوها فإنَّها تُذَكِّرُ الآخرةَ، ونَهَيْتُكم عن نَبِيذِ الجَرِّ،
فانْتَبِذُوا فى كلِّ وعاءٍ، واجتَنِبوا كلَّ مسكرٍ ، ونَهَيُكم عن لحوم الأضاحيِّ فوقَ
ثلاثٍ، فَكُلوا، وادَّخِروا، وتَوَّدوا))(٤) .
وحدَّثنى أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون ، قال : أخبرنا
القبس
(١) فى م: ((يزيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٣٤.
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٨٥/٤ من طريق حجاج به، وأخرجه أحمد ٣٩٧/٢،
٣٩٨ (١٢٣٦)، وأبو يعلى (٢٧٨) من طريق حماد بن سلمة به .
(٣) فى س: ((سهيل)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٥/٢٥.
(٤) عبد الرزاق (٦٧٠٨، ١٦٩٥٧) - ومن طريقه أحمد ١١٣/٣٨، ١١٤ (٢٣٠٠٥)، ومسلم
(٩٧٧) عقب الحديث (١٠٦).
٦٩
الموطأ
التمهيد شَرِيكُ بنُ عبدِ اللهِ، عن سِماكِ بنِ حَرْبٍ، عن ابنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه ، أَنَّ
رسولَ اللهِ وَ لِّ نْهَى عن زيارة القبورِ، ولحومِ الأضاحِىّ أنْ تُحْبَسَ فوقَ ثلاثٍ،
وعن الدُّبَّاءِ، والحَنْتَم، والنَّقِيرِ، والمُزَقَّتِ، ثم قال(١): ((إِنِّى كنتُ نَهَيْتُكم عن
زيارة القبورِ ، فزوروها فإِنَّها تُذَكِّرُ الآخرةَ، ونَهَيْتُكم عن لحومِ الأضاحِىِّ فوقَ
ثلاثٍ ، فَكُلوا، وأُطعِموا، وادَّخِرُوا، ونَهَيْتُكم عن الظُّروفِ، فانْتَبِذُوا فيما بَدا
لكم، واجْتَنِبوا كلَّ مسكرٍ)) (١).
وروَى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن سلمةَ بنِ كُهِيلٍ ، عن ابنِ بُرَيدةَ ، عن أبيهِ ،
أنَّ النبيََِّّهِ رِخَّصَ فى الظُّرُوفِ بعدَ أن نهَى عنها) . وانفرد به محمدُ بنُّ
إسحاقَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ ، وليس لسلمةَ عن ابنِ بُرَيْدَةَ غيرُ هذا الحديثِ .
قال أبو عمرَ : احتجَّ بعضُ مَن أجاز شربَ النَّبيذِ الصُّلْبِ بأحاديثِ هذا
البابِ ، وقالوا : هذه الأحاديثُ تَدُلُّ على أنَّ الذى نُهِى عنه من شربِ النَّبيذِ هو ما
أُسكِرَ شاربُه منه، وما لم يُشْكِرْه فليس بحرامٍ عليه. قالوا: والمسكِرُ مثلُ
المحَنْتَم من الأطعمةِ، والمْشِمِ، والموخِمِ، والمشْبعٍ، وهو ما أشْبَعَ من
الأطعمةِ وأَتْخَمَ ، ولا يقالُ لمن أَكَل لُقْمَةٌ واحدةً : أكَل ما يُتْخِمُه ويُشْبِعُه .
وأكثروا من القولِ فى هذا المعنَى ممَّا لا وجهَ لإيرادِه هُنا . وقالوا : قد قال
القبس
(١ - ١) فى س: ((عبد الرحمن)). وينظر تهذيب الكمال ٤٦٢/١٢.
(٢) سقط من: ك ١، م.
(٣) أخرجه النسائى (٥٦٩٤) من طريق يزيد بن هارون به .
(٤) أخرجه البزار (٤٤٣٦) من طريق محمد بن إسحاق به .
٧٠
الموطأ
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((اشْرَبوا فى الظُّرُوفِ كلِّها ولا تَسْكَروا)) (١). بعد أن كان التمهيد
نَهاهم عن الانْتِياذِ فى بعضِها. قالوا : ومُحالٌ أن يقولَ رسولُ اللهِ : اشرَبوا ما لا
يُشْكِرُ قليلُه ولا كثيرُه، وإيَّاكم أن تَسْكَروا. لأنَّ هذا غيرُ جائزٍ أن يُضافَ مثلُه
إليه ؛ لأنَّ الحلوَ الذى لا يُسْكِرُ كثيرُه ولا قليلُه ، ليس يقالُ فى مثلِه : اشْرَبْ منه ،
ولا تَشْكَرْ. وأَتَوْا بضُروبٍ من خَطَأُ القولِ والتَّعَسُّفِ فى الاحتجاج بما لا يلزَمُ .
وفى قولِهِ نَّهِ: ((كلُّ مسكرٍ خمر، وكلُّ مسكٍ(٢) حرامٌ))(١). و((ما أسكر
كثيرُه فقليلُه حَرامٌ »(١). ما يَرْفَعُ الإشكالَ فيما ذكَرُوه ويُوهِمُ أَنَّ النَّهْىَ عن شربٍ
قليلِ الجِئْسِ من المسكرِ وكثيرِه، لا عن الفعلِ من فِعْلِ الشاربِ ، وخرَجَ القولُ
فى نَبِيذِ الظُّرُوفِ على خَوْفِ الشِّدَّةِ فيه على ما وصَفْنا ، وقد بيَّنَّا هذا المعنَى فى
(٤)
بابٍ إسحاقَ (٤).
وأمَّا قولُهُ وَّهِ فى الحديثِ: ((ونَهَيْتُكم عن زيارةِ القبورِ، فزُوروها، ولا
تقولوا هُجْرًا)). فإنَّ العلماءَ اخْتَلَفوا فى ذلك على وجْهَينِ؛ أحدُهما، أنَّ الإباحةَ
فى زيارة القبورِ إباحةُ عمومٍ، كما كان النَّهىُ عن زيارتها نَهْىَ عمومٍ، ثم ورَد
التَّسْخُ بالإباحةِ على العمومِ ، فجائزٌ للنساءِ والرجالِ زيارةُ القبورِ على ظاهرِ هذا
الحديثِ ؛ لأنَّه لم يَسْتَثْنِ فيه رجلًا ولا امرأةً .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٦٦، ٦٧ .
(٢) فى س، م: ((خمر)).
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٦٤١) من الموطأ .
(٤) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٦٤١) من الموطأ .
٧١
الموطأ
التمهيد
حدَّثنى خلفُ بنُ القاسم الحافظُ ، قال: حدَّثنا أبو علىٍّ سعيدُ بنُ السَّكَن،
قال: حدَّثنا يحتِّى بنُ محمدِ بنِ صاعدٍ، قال: حدَّثنا حُميدُ بنُ الربيعِ الخَزَّازُ(١) ،
قال : حدَّثنا يحيى بنُ اليمانِ ، قال: أخبرنا سفيانُ ، عن علقَمَةَ بنِ مَرثدٍ ، عن ابنِ
بريدةَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّزار قبرَ أُمُّه فى ألفٍ مُقَنَّع(٢). قال: فما رأيتُ
يومًا كان أكثرَ باكيًا من يومئذٍ (١٢) . قال أبو علىٍّ: قال لى ابنُ صاعدٍ: كان محُمَيْدٌ
لا يُحَدِّثُ بهذا الحديثِ إلَّا فى كلِّ سنَةٍ مرَّةً.
قال أبو عمرَ : زعم قومٌ أنَّ يحيى بنَ اليمانِ انفرَد بهذا الحديثِ ؛ لأنَّ
سائرَ أصحابِ الثورىِّ يَرْؤُونَه، عن الثورىِّ، عن علقمةً مرسلًا، والذى قال :
إِنَّ محُميدَ بنَ الربيع انفرَد بتوصيلِه؛ لأنَّ البَزَّارَ ذَكَره(٤) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ
ابنُ إبراهيمَ بنِ حَبيبٍ بنِ الشَّهيدِ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ اليمانِ، عن
سفيانَ، عن علقمةَ مرسلًا. وذكره البزَّارُ(٥) أيضًا، عن محُميدِ بنِ الربيعِ
مُتَّصِلا کما ذكرنا .
وقال آخرون: إنَّما اقْتَضَتِ الإِباحةُ زيارةَ القبورِ للرّجالِ دونَ(٦) النساءِ،
القبس
(١) فى ك ١: ((الحرار))، وفى س: ((الحراز)). وينظر الإكمال ١٨٣/١.
(٢) ألف مقنع: أى فى ألف فارس مغطى بالسلاح. النهاية ٤/ ١١٤.
(٣) أخرجه ابن شاهين فى الناسخ والمنسوخ (٦٥٤) من طريق حميد بن الربيع به، وأخرجه ابن
عدى ٢٦٩٢/٧، والحاكم ٢/ ٦٠٥، والبيهقى فى الشعب (٩٢٩٠) من طريق يحيى بن اليمان به .
(٤) البزار (٤٣٧٦).
(٥) البزار (٤٣٧٥).
(٦) فى ك ١، م: ((و)).
٧٢
الموطأ
فجائزٌ للرجالِ زيارةُ القبورِ، وغيرُ جائٍ ذلك للنِّساءِ؛ لِمَا خُصِّصَ به فى ذلك. التمهيد
واحتجُّوا لِما ذهبوا إليه ممَّا ذكَرنا عنهم، بحديثِ ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ بَهِ.
وهو ما حدَّثناه أبو القاسم خلفُ بنُّ القاسم ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ
ابنِ عبيدِ بنِ آدمَ بنِ أبى إياسٍ ، قال: حدَّثنا أبو معنٍ ثابتُ بنُّ نعيم ، قال: حدَّثنا
آدمُ بنُّ أبى إياسٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن محمدِ بنِ جُحادَةً، عن أبى صالحٍ،
عن ابنِ عباسٍ، قال: لعَن رسولُ اللهِ وَلِّ الزَّائراتِ للقبورِ، والمتَّخِذِينَ عليها
المساجد والشرج () .
وحدَّثنا أبو القاسم عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ عبدِ السلامِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال: حدَّثنا غُنْدَرٌ، قال:
حدَّثنا شعبةُ، عن محمدِ بنِ جحادةَ ، عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ قال : لعَن
رسولُ اللهِ وَ لَ زَوَّاراتِ القبورِ، والمتَّخِذين عليها المساجدَ والسُّرُجَ .
وحدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ ، عن
محمدٍ بنٍ جحادةً، عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ. فذكره سواءً(٢) .
قال أبو عمرَ: ممكنٌ أنْ يكونَ هذا قبلَ الإباحةِ ، وتَوَقِّى ذلك للنِّساءِ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٦٣/٤، ٢٢٧/٥ (٢٦٠٣، ٣١١٨)، والحاكم ٣٧٤/١ من طريق غندر به ،
وأخرجه أحمد ٤٧١/٣ (٢٠٣٠)، وأبو داود (٣٢٣٦) من طريق شعبة به .
(٢) النسائى (٢٠٤٢)، وفى الكبرى (٢١٧٠). وأخرجه الترمذى (٣٢٠) عن قتيبة به، وأخرجه
ابن ماجه (١٥٧٥) من طريق عبد الوارث به .
٧٣
الموطأ
التمهيد المتجالَّاتِ أحبُّ إلىّ، وأمّا الشَّوابُ فلا تُؤْمَنُ الفتنةُ عليهنَّ وبهنَّ حيثُ خرَجن،
ولا شىءَ للمرأةِ أفضلُ من لُزومٍ قعرِ بيتِها ، ولقد كرِه أكثرُ العلماءِ خُروجَهُنَّ إلى
الصلواتِ ، فكيف إلى المقابرِ؟! وما أظنُّ سقوطَ فرضِ الجمُعةِ عنهنَّ إِلَّ دليلًا
على إمساكِهِنَّ عن الخروجِ فيما عداها . واللهُ أعلمُ .
واحتجَّ مَن أباحَ زيارةَ القبورِ للنساءِ بما حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال :
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ(١) بنُ داودَ، قال:
حدَّثنا أبو بكر الأثرمُ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ المنهالِ ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ
زُريع، قال: حدَّثنا بِسطامُ بنُ مسلمٍ ، عن أبى التَُّّحِ يزيدَ بنِ محُميدٍ ، عن عبدِ اللهِ
ابن أبى مُليكةً، أنَّ عائشةَ أقبلَتْ ذاتَ يومٍ من المقابرِ، فقلتُ لها: يا أُمَّ
المؤمنينَ ، من أين أقبلتِ ؟ قالت : من قبرٍ أُخَى عبد الرحمنِ بنِ أبى بكرٍ . فقلتُ
لها: أليس كان رسولُ اللهِ وَ لّ نهى عن زيارة القبورِ؟ قالت: نعم، كان نهَى
عن زيارتها ، ثم أمر بزيارتها (١) .
قال أبو بكرٍ: وحدَّثنا قبيصةُ، ("قال: حدَّثنا٢) سفيانُ، (٤) عن ابنٍ) مجريجٍ،
عن ابنِ أبى مليكةً قال: زارَتْ عائشةُ قبَ أخيها فى هَودجٍ(٥) .
القبس
(١) فى م: ((الحسن)).
(٢) أخرجه الحاكم ٣٧٦/١، والبيهقى ٧٨/٤ من طريق محمد بن المنهال به، وأخرجه البخارى فى
تاريخه ٢/ ١٢٥، وفى التاريخ الصغير ١١٥/٢ من طريق يزيد بن زريع به .
(٣ - ٣) فى س: ((بن أبى)).
(٤ - ٤) فى ك ١، م: ((بن)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٦٧١١)، وابن أبى شيبة ٣٤٣/٣، والترمذى (١٠٥٥) من طريق ابن
جريج به .
٧٤
٠٫٠٠
الموطأ
قال أبو بكرٍ: وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا نوحُ بنُ درَّاج، عن أبانِ بنِ التمهيد
تَغْلِبَ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ قال: كانت فاطمةُ بنتُ رسولِ اللهِ وَِّ تزورُ قبرَ
حمزةَ بنِ عبدِ المطلبِ كلِّ جمُعةٍ ، وعلَّمتْه بصخرةٍ(١).
قال أبو بكرٍ : وسمِعتُ أبا عبدِ اللهِ ، يعنى أحمدَ بنَ حنبلٍ، يُسألُ عن المرأةِ
تزورُ القبرَ ، فقال: أرجو إن شاء اللهُ ألا يكونَ به بأسٌ؛ عائشةُ زارَتْ قبرَ أخيها .
قال: ولكنَّ حديثَ ابنِ عباس أنَّ النبيَّ وَِّ لَعَن زَوَّارَاتِ القبورِ. ثم قال: هذا
أبو صالح ماذا؟ كأنَّه يُضعِّفُه. ثم قال: أرجو إن شاء اللهُ ("ألا يكونَ به بأسٌ)؛
عائشةُ زارَتْ قبرَ أخيها . فقيل لأبي عبدِ اللهِ : فالرجالُ ؟ قال: أمَّا الرجالُ فلا
بأس به .
قال أبو عمرَ : قد رُوِى حديثُ لعْنِ زوَّاراتِ القبورِ من غيرِ رواية أبى صالح
ومِن غیرٍ حدیثِ ابنِ عباسٍ .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا
عبدُ الملكِ بنُ بحرٍ ، قال: حدَّثنا موسَى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ
الوليدِ ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن عمرَ بنِ أبى سلمةً، عن أبيه، عن أبى هريرةً
(٣)
قال: لَعَن رسولُ اللهِ وَلَ زوَّارَاتِ القبورِ.
القبس
(١) ينظر عبد الرزاق (٦٧١٣) وفيه: عن جعفر بن محمد عن أبيه به .
(٢ - ٢) سقط من: ك ١، م.
(٣) أخرجه أحمد ١٦٤/١٤، ١٦٥ (٨٤٤٩، ٨٤٥٢)، وابن ماجه (١٥٧٦)، والترمذى
(١٠٥٦) من طريق أبى عوانة به .
٧٥
الشركةُ فى الضحايا ، وعن كم تُذْبَحُ البقرةُ والبدنةُ
الموطأ
١٠٥٩ - مالكٌّ، عن أبى الزُّبيرِ المكىِّ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، أنه
التمهید
وبه عن موسى بنٍ هارونَ ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ ، قال: حدَّثنا عبدُ
الجبارِ بنُ الوردِ ، قال: سمِعتُ ابنَ أبى مليكةَ يقولُ: ركِبَتْ عائشةُ، فخرَج إلينا
غُلامُها، فقلتُ: أين ذهبَتْ أُمّ المؤمنين؟ قال: ذهبت إلى قبرِ أخيها عبدٍ
الرحمنِ تُسلِّمُ عليه .
مالكٌ، عن أبى الزُّيرِ المكىِّ(١)، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّه قال: نحَرنا مع
القبس
الشّر کةُ فی الضحايا
(١) قال أبو عمر: ((واسم أبى الزبير هذا محمد بن مسلم بن تدرس مولى حكيم بن حزام، وقيل:
مولى محمد بن طلحة، والأول أصح وأكثر؛ سكن مكة، ومات بها سنة ثمان وعشرين ومائة، فى
خلافة مروان بن محمد، وهو ابن أربع وثمانين سنة. هذا قول الواقدى. وقال على بن المدينى :
مات أبو الزبير قبل عمرو بن دينار بسنة ، ومات عمرو بن دينار سنة ست وعشرين ومائة . قال أبو
عمر: كان أبو الزبير ثقة ، حافظًا ، روى عنه مالك، والثورى، وابن جريج، والليث بن سعد ، وابن
عيينة ، وجماعة من الأئمة، وكان شعبة يتكلم فيه، ولا يحدث عنه، ونسبه مرة إلى أنه كان يسىء
صلاته، ومرة إلى أنه وزن فأرجح، وهو عند أهل العلم مقبول الحديث، حافظ متقن، لا يُلتفت فيه
إلى قول شعبة. قال معمر: ليتنى لم أكن رأيت شعبة؛ جعلنى أنى لا أكتب عن أبى الزبير، ولا
أحمل عنه، وخدعنى. وقال يحيى بن معين: أبو الزبير ثقة. وقال أحمد بن حنبل : أبو الزبير ليس به
بأس. وروى هشيم، عن الحجاج بن أرطاة ، وابن أبى ليلى، عن عطاء، قال: كنا نكون عند جابر
ابن عبد الله، فيحدثنا، فإذا خرجنا من عنده، تذاكرنا حديثه، فكان أبو الزبير من أحفظنا
للحديث. وحدثناه خلف بن القاسم، حدثنا ابن المفسر، حدثنا أحمد بن على بن سعيد، حدثنا
أحمد بن منيع، حدثنا هشيم، قال، حدثنا ابن أبى ليلى والحجاج بن أرطاة ، قالا : قال عطاء.
فذكره. وذكره عبد الرزاق، قال : أنبأنا عمرو بن قيس، قال: كان عطاء بن أبى رباح وأصحابه إذا
قدم جابر، قدموا أبا الزبير أمامهم ليحفظ لهم. أخبرنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا عبد الرحمن
بن عمر البجلى، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: أخبرنا ابن أبى عمر، قال: سمعت سفيان بن عيينة=
٧٦
قال: نحَرْنا معَ رسولِ اللهِ وَهِ عامَ الحُدَيِيَّةِ البَدَنَ عن سبعةٍ، والبقرةَ الموطأ
عن سبعةٍ .
رسولِ اللهِ وَلِ عامَ الحديبيةِ البدنةَ عن سبعةٍ، والبقرةَ عن سبعةٍ (١).
التمهید
هذا حديثٌ صحيحٌ عندَ أهلِ العلم ، والحديبيةُ موضعٌ مِن الأرضِ فى أوَّلٍ
الخَرم ، منه حِلِّ، ومنه حَرٌ ، بينه وبينَ مكةً نحو عشَرةِ أميالٍ ، أو خمسةَ عشَرَ
ميلًا، وهو وادٍ قريبٌ مِن بَلْدَحِ على طريقٍ جدَّةً، ومنزلُ النبيِّ ◌َِّ بها معروفٌ
ومشهورٌ بينَ الحِلِّ والحرم، نزَله ◌ََّ، واضطُرِبَ به بناؤه حينَ صدَّه
المشركون عن البيتِ ، وذلك سنةً ستِّ مِن الهجرةِ، ونزَل معه أصحابُه ،
القبس
ذكَر مالكٌ فى البابِ حديثَ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ فى الاشتراكِ فى ذلك، وهو محمولٌ
على التطوُّع، إلا أن يكونوا أهلَ بيتٍ، فإن الشاةَ الواحدةَ تُجزِئُ عنهم؛ ألا تَرى إلى
قولِ النبيِّ بَّهِ: ((على أهلِ كلِّ بيتٍ أَضْحاةٌ)) (١). وإلى حديث أبى أيوبَ: كُنَّا
= يقول : ما نازع أبو الزبير عمرو بن دينار فى حديث قط إلا زاد عليه أبو الزبير. وأخبرنا أحمد بن
محمد، قال: حدثنا أحمد بن الفضيل، قال: حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثنا الحسن بن
الصباح، قال: حدثنا سفيان، عن أبى الزبير، قال: كان عطاء يقدمنى إلى جابر، فأتحفظ لهم
الحديث، وكان عطاء ربما سُئل عن شىء فيقول للسائل: سل أبا الزبير. لمالك عنه فى الموطأ من
حديث النبى وَّر ثمانية أحاديث متصلة مسندة)). تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٠٢، وسير أعلام النبلاء
٣٨٠/٥.
(١) الموطأ برواية على بن زياد (٩)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٣٩)، وبرواية يحيى بن بكير
(١٢/١٣ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٣٧٣، ٢١٢٩). وأخرجه أحمد ٣١/٢٢
(١٤١٢٧)، ومسلم (٣٥٠/١٣١٨)، وأبو داود (٢٨٠٩)، وابن ماجه (٣١٣٢)، والترمذى
(٩٠٤، ١٥٠٢)، والنسائى فى الكبرى (٤١٢٢) من طريق مالك به .
(٢) تقدم تخريجه ص ٥ .
٧٧
الموطأ
التمهيد فعسكرَت قريشٌ لصدِّ النبيِّ وَّهِ بِذى طَوِّى، وأتاه الحُلَيْسُ بنُ علقمةَ، أو ابنُ
زبَّانَ ، أحدُ بنى الحارثِ بنِ عبدِ مناةَ بنِ كِنانةَ ، فأخبره أنَّهم قد عسکروا بِذى
طَوِّى، وحَلَفوا ألّا يدخلَها عليهم عَنوةٌ أبدًا، وكان رسولُ اللهِ وَّةٍ قد قصَد مكةً
زائرًا للبيتِ ومعظِّمًا له، ولم يقصِدْ لقتالٍ قريش، فلمّا اجتمعوا لصدِّه عن
البيتِ ، بعَث إليهم عثمانَ بنَ عفانَ يخبرُهم أن رسولَ اللهِ وٍَّ لم يأتِ لحربٍ،
وإنَّما جاءَ زائرًا للبيتِ ومعظِّمًا لحرمتِه، فخرَج عثمانُ حتى أتَى مكةً ، فأخبرهم
بذلك، فقالوا له : إنْ شئتَ أنت أن تطوفَ بالبيتِ فطفْ، وأمّا محمدٌ فلا فى
عامِه هذا. فقال عثمانُ: ما كنتُ لأفعلَ حتى يطُوفَ رسولُ اللهِ وَه .
فاحتبسَته قريشٌ عندَها، فبلَغ رسولَ اللهِ وَِّ أنَّ عثمانَ قِيلَ، فقال رسولُ اللهِ
وَّ حِينَ بلَغه ذلك: ((لا نبرحُ حتى تُناجزَ القومَ)). ودَعا رسولُ اللهِ مَّ إِلى
البيعةِ ، فكانت بيعةُ الرِّضوانِ تحتَ الشَّجرةِ ، فكان الناسُ يقولون : بايعَهم على
القبس نُضَحِّى بِالشَّاةِ الوَاحِدَةِ عن أهلِ البَيْتِ ) . واشتراكُ أهلِ البيتِ فى ذلك رخصةٌ
ورِفْقٌ ، فأما اشتراكُ الأجانبِ فلا يكونُ فى إقامةِ السُّننِ وإنما يكونُ فى النوافلِ، وقد
روَى مسلمٌ عن جابرٍ: نحَرَ رسولُ اللهِ وَلِّ عن نسائِه وذَيَحُ. وإنما فعَل ذلك؛ إما
بأن أُدْخَلهم فى أهلِ البيتِ وهم منه، وإما بأنه كان فى التطوّع لا فى الفرائضِ
والسننِ، وإنما يكونُ الذبحُ عن الموجودِ لا عن المعدومِ، والحملُ فى حيّزِ العدمِ
حتى يثبتَ وجودُه بالولادةِ ، إلا أنه إن وُلِد فى اليومِ الثالثِ شُرِعت له الأضحيةُ ؛ لأنه
زمانُها ، فأما إذا كان فى البطنِ فلا يُذْكَرُ فى أهلِ البيتِ ولا يُفْرَدُ بضحيةٍ عنهم .
(١) سيأتى فى الموطأ (١٠٦٠).
(٢) مسلم (١٣١٩) .
٧٨
الموطأ
الموتِ . وكان جابرُ بنُ عبدِ اللهِ يقولُ: لم يبايعنا على الموتِ ، وإنَّما بايعَنا على التمهيد
ألّا نفر. ثم أتَى رسولَ اللهِ وَ لَّهِ أَنَّ الذى قيل مِن أمرٍ عثمانَ، وذكِرَ مِن قتلِه
باطلٌ، ثم بعَثتْ قريشٌ سهيلَ بنَ عمرٍو العامرىَّ إلى رسولِ اللهِ مَّلَه ، فصالحَه
عنهم على أنْ يرجعَ عامَه ذلك، ولا يدخلَ عليهم مكةَ ، وأَنَّه إذا كان عام قابلِ،
خرَجت قريشٌ عن مكةَ، فدخَلها رسولُ اللهِ وَلَه وأصحابُه، فأقاموا بها ثلاثًا .
إلى سائرِ ما قاضَوه وصالحوه عليه ممّا قد ذكره أهلُ السّيرِ ، فسمِّىَ عامَ القضيَّةِ ،
وهو عام الحديبيةِ، فلمّا فرَغ رسولُ اللهِ وَ لَه مِن الصُّلحِ قامَ إلى هديه فنحَره،
وحَلَّ مِن إحرامِه، وأمَر أصحابَه أنْ يَحِلُّوا، فنحر ونحَروا، وحلَقوا رءوسَهم ،
وقصَّرَ بعضُهم، فَدَعا للمحلِّقين ثلاثًا، وللمقصِّرين واحدةً، وحُلُّوا مِن كلِّ
شىءٍ، وكان رسولُ اللهِ وَ له قد أحرمَ يومئذٍ بعمرةٍ ؛ ليأمنَ الناسُ مِن حربِه،
وليعلموا أنَّه خرَج زائرًا للبيتِ ومعظِّمًا له .
واختُلِفَ فى موضعِ نحرِهِ نَّرِ هديَه، فقال قومٌ: نحَر فى الحِلِّ. وقال
آخرون: بل نخَر فى الحَرم . وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ
عَنِ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعُْوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلٌّ﴾ [الفتح: ٢٥]. وقالوا: كان بناءُ
رسولِ اللهِ الَّه فى الحِلِّ، وكان يصلِى فى الحَرمِ .
ذكَر محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزُّهرىِّ قال: كان بناءُ رسولِ اللهِ وَله
مضطربًا(١) فى الحِلِّ، وكان يصلِّى فى الحَرمِ(٣) .
القبس
(١) فى م: ((مضروبًا)). وكلاهما بمعنى.
(٢) ينظر سيرة ابن هشام ٣١٩/٢.
٧٩
الموطأ
وقال عطاءٌ: فى الخَرمِ نحَر رسولُ اللهِ مَلِّ هديه يومئذٍ (١). وكان عطاءٌ
التمهيد
قال أبو عمرَ: ظاهرُ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأْمَدِىَ مَعُْوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾.
ج
يقولُ : إذا بلَغ الهدىُ الحَرمَ، فقد بلَغ محِلَّهُ(١).
يُدُّ قولَ عطاءٍ. واللهُ أعلمُ. وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ مَجِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ
اٌلْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣].
واختلفَ الفقهاءُ فيمَن حصَره العدوُّ فى غيرِ الحَرمِ ؛ فقال مالك: المحصر
بعدگ ینحژ هدیه حیثُ حصِرَ ، فی الحرم وغيره . وهو قول الشافعى ، وداود بنِ
علىٍّ . وقال أبو حنيفةً: لا ينحرُ هديَه إلّ فى الحَرم. وقال عطاء: لا يحِلّ
المحصرُ إلّا أنْ ينحرَ هديه فى الحَرمِ. وقد روِىَ عنه إجازةُ نحرِ الهَدي للمُحصرِ
فى الحِلِّ والحَرمِ. وهو قولُ ابنِ مسعودٍ، وابنٍ عمرَ، وابنِ الزُّبِيرِ، وهو قولُ
مالكِ . والحجّةُ لمالكٍ(٢) أنَّ الهَدىَ تابعٌ للتَّحلُّلِ، قياسًا على مَن تَمَّ حَجُه، ألا
تَرى أنَّ مَن تمَّ حُّه نحَر بمِنَّى ، ومَن تمَّت عمرتُه نخَر بمكةَ ، فكذلك المحصَرُ
ينحرُ حيثُ يحِلُّ ، وكلُّ متحلِّلٍ فهديُه منحورٌ حيثُ يحِلُّ . واللهُ أعلمُ .
وقال مالكٌ: مَن حصَره المرضُ فلا يحِلُّه إِلَّ الطَّافُ بالبيتِ ، فإِنْ أُحصِرَ
بعدوِّ فإِنَّه ينحرُ هديَه حيثُ حُصِر، ويتحلَّلُ وينصرفُ ، ولا قضاءَ عليه، إِلَّا أَنْ
القبس
(١) ينظر الأم ١٥٩/٢.
(٢) ينظر ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٩٦.
(٣) فى م: ((لذلك)).
٨٠