النص المفهرس
صفحات 381-400
الموطأ التمهيد يحِلُّ لأحدٍ أخذُه فى الغزوٍ قبلَ المقاسم ، إلا ما أجمَعُوا عليه مِن أكلِ الطعامِ فى أرضِ العدوِّ ، ومن الاحتطابِ والاصطيادِ ، وهذا أولَى ما قيلَ به فى هذا البابِ ، وما خلَفه مما جاءَ عن بعضٍ أصحابِنا وغيرِهم فليس بشىءٍ ؛ لأن عمومَ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. يُوجِبُ أنْ يكونَ الجميعُ غنيمةً ، خمسُها لمَن سمَّى اللهُ ، وأربعةُ أخماسِها لمَن شَهِدَ القتالَ من البالغين الأحرارِ الذكورِ ، فلا يحِلُّ لأحدٍ منها شىءٌ إلا سهمُه الذى يقعُ له فى المقاسمِ بعدَ إخراجٍ الخمس المذكورِ ، إلا أن الطعامَ خرَج بدليلٍ إخراجِ رسولِ اللهِ وَّ له عن جملةِ ذلك، فمن ذلك حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مُعقَّلٍ فى الجرابِ بالشحم(١)، وحديثُ عتبةَ بنِ غزوانَ فى السفينةِ المملوءةِ بالجَوزِ(٢)، وحديثُ ابنِ أبى أوفَى: كنا مع رسولِ اللهِ وَّ بخيبرَ، يأتى أحدُنا إلى الطعامِ مِن الغنيمةِ فيأخُذُ منه حاجته(٢) . وأجمعَ العلماءُ على أنَّ أكلَ الطعامِ فى دارِ الحربِ مباح ، وكذلك العلفُ ما داموا فى دارِ الحربِ ، فدلَّ على أنه لم يدخُلْ فى مرادِ اللهِ من الآيةِ التى تلَوْنَا، وما عدَا الطعامَ فهو داخلٌ تحتَ عمومٍ قولِه: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ الآية . إلا أن للأرض حكمًا سنذكره فى القبس (١) أخرجه أحمد ٣٤٧/٢٧، ١٧٣/٣٤، ١٨٠ (١٦٧٩١، ٢٠٥٥٥، ٢٠٥٦٧)، والبخارى (٣١٥٣، ٤٢١٤، ٥٥٠٨)، ومسلم (١٧٧٢). (٢) أخرجه الطبرانى ١١٣/١٧ (٢٧٧). (٣) أخرجه عبد الرزاق (٩٣٠٤)، وأبو داود (٢٧٠٤)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٥٢/٣، والبيهقى ٦٠/٩. ٣٨١ الموطأ التمهيد غيرِ هذا الموضعُ مِن كتابِنا هذا إن شاءَ اللهُ . وقد رُوِى عن الزُّهرىِّ أنه قال: لا يؤخذُ الطعامُ فى أرضِ العدوِّ إلا بإذنِ الإمامِ . وهذا لا أصلَ له؛ لأن الآثارَ المرفوعةَ تخالفُه ، ولم يقلْ به فيما علِمتُ غيرُه. ومن الآثارِ فى ذلك ما ذكَره البخارىُّ(٢)، قال: حدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حدّثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، عن أيوب ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، قال : كنا نُصِيبُ فی مغازِينا العسلَ والعنبَ فتأكُلُه ولا نرفعُه . قال أبو عمرَ : ما يُخرَجُ به من الطعامِ إلى دارِ الإسلامِ، وكان له قيمةٌ ، فهو غنيمةٌ، وكذلك كلُّ(٢) قليلٍ وكثيرٍ غيرَ الطعامِ، فهو غنيمةٌ؛ لأنهم لم يُجمِعوا على شىءٍ منه. وروَى ثوبانُ، عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: «مَن فارقَ الروح منه الجسدَ وهو برىءٌ من ثلاثٍ دخلَ الجنةَ؛ الكِبرُ، والغُلولُ، والدَّينُ)). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ ابنُ وضاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا أبانٌ (٤) العطارُ وهمَّامٌ، عن قتادةَ، عن سالم بنِ أبي الجعدِ ، عن مَعْدانَ بنِ أبی طلحةً، عن ثوبانَ، عن النبيِّ وَّلِ أنه قال: ((مَن فارقَ منه الروحُ الجسدَ وهو برىءٌ من ثلاثٍ دخلَ الجنةَ؛ الكِبرُ، والغُلولُ، والدَّينُ))(٥). القبس (١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٤٤٣) من الموطأ . (٢) البخارى (٣١٥٤). (٣) سقط من: م. (٤) فى ق: (( ابن)). (٥) أخرجه أحمد ٥٣/٣٧، ١٠٩ (٢٢٣٦٩، ٢٢٤٣٤) عن عفان به . ٣٨٢ الموطأ وروَى رُويفعُ بنُ ثابتٍ، عن النبيِّ وَ لِ أنه قال: ((من كان يؤمنُ باللهِ واليوم التمهيد الآخرِ فلا يأخذْ دابَّةً من المَغنم فيركبَها حتى إذا أنقصَها ردَّها فى المغانمِ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخرِ فلا يلبَسْ ثوبًا مِن المغنم حتى إذا أخلقه ردَّه فى (١) المغانمِ))(١). وهذا غايةٌ فى التحذيرِ والمنع، وأما قولُهُ وَلَّهِ: ((والذى نَفْسِى بِيَدِه، إنَّ الشَّمْلَةَ التى أَخَذَها يومَ خَيْبَرَ مِن المَغانمِ، لم تُصِبْها المَقاسِمُ، لتَشْتَعِلُ عليه نارًا)). ثم قال للذى جاء بالشّراكِ أو الشراكين: ((شِراكٌ أو شِرَاكان من نارٍ)). ففى قولِه هذا كلِّه دليلٌ على تعظيم الغُلولِ، وتعظيم الذُّنبِ فيه، وأظنُّ حقوقَ الآدميين(٢) كلَّها كذلك فى التعظيم، وإن لم يقطع على أنه يأتى به حاملًا له كما يأتى بالغُلولِ، واللهُ أعلمُ. وقد ترَكَ رسولُ اللهِ نَّهِالصلاةَ على الرجلِ الذى غلّ الخَرَزَاتِ ، وهی لا تساوی درهمین ، عقوبةً له ، وسیأتی هذا الحديثُ فى بابٍ يحيى بن سعيدٍ(٢) إن شاء اللهُ . وأما الشَّمْلةُ فكساءٌ مُحْمَلٌ (٤)، وقال الخليلُ(٥): اشتملَ بالثوبِ أَدَارَه على جسدِه. قال: والاسمُ الشَّملَةُ. قال: والشَّملةُ كساءٌ ذو خَمْلٍ. وقال الأخفشُ : الشَّملةُ الإزارُ من الصوفِ . القبس (١) أخرجه أحمد ١٩٩/٢٨، ٢٠٧ (١٦٩٩٠، ١٦٩٩٧)، والدارمى (٢٥٣١)، وأبو داود (٢١٥٩). (٢) فى م: ((الأميين)). (٣) تقدم فى الموطأ (١٠٠٢). (٤) الخَقل: هدب القطيفة ونحوها مما ينسج ويفضل له فضول. التاج (خ م ل). (٥) ينظر العين ٢٦٦/٦ . ٣٨٣ الموطأ ٠ التمهيد وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ الغالَّ لا يجبُ عليه حرقُ متاعِه؛ لأن رسولَ اللهِ وَ لَه لم يحرِّقْ رَحْلَ الذى أخذَ الشملةَ ولا متاعَه، ولا أحرقَ متاعَ صاحبِ الخَرَزَاتِ، ولو كان حرقُ متاعِه واجبًا، لفعَله وَلَّه حينئذٍ، ولو فعَله لنُقِلَ ذلك فى الحديثِ. وقد رُوِىَ عن النبيِّ بَلَه أنه قال: ((منْ غَلَّ فأحرِقُوا متاعَه ، واضرِبُوه)). روَاه أسدُ بنُ موسَى وغيرُه، عن الدَّرَاوَزْدِىِّ، عن صالحِ بنِ محمدِ بنِ زائدةً، عن سالم، عن ابنِ عمرَ (١) . وقال بعضُ رواةِ هذا الحديثِ فيه: ((فاضرِبُوا عُنقَه، وأُحرِقُوا متاعَه)). وهو حديثٌ يدورُ على صالحِ بنِ محمدٍ ابنِ زائدةً، وهو ضعيفٌ لا يُحتُ به . وقد اختلفَ العلماءُ فى عقوبةِ الغالٌ؛ فذهَب مالكٌ، والشَّافعىُ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهم، واللَّيثُ بنُ سعدٍ ، إلى أنَّ الغالَّ يُعاقَبُ بالتَّعزيرِ، ولا يُحرَّقُ متاعُه. وقال الشَّافعىُّ وداودُ بنُ علىٍّ: إن كان عالمًا بالنَّهي عُوقِبَ. وهو قولُ اللَّيثِ. قال الشَّافعىُّ: وإنما يُعاقَبُ الرَّجلُ فى بدَنِهِ لا فی مالِه . قال أبو عمرَ : اختلافُ العلماءِ فى العقوبةِ فى المالِ دونَ البدَنِ ، أو البدنِ دونَ المالِ ، قد ذكَّرْنَاه فى غيرِ هذا المكانِ . وقال الأوزاعىُّ: يُحرَّقُ متاعُ الغالِ كلُّه إلا سلاحَه، وثيابَه التى عليه ، وسَرْجَه، ولا تُنْتَزَعُ منه دائَتُه ، ويُخْرَقُ سائرٌ متاعِه كلِّه، إلا الشىء الذى غَلَّ؛ فإنه لا يُحرَقُ ويُعاقَبُ مع ذلك. وقولُ أحمدَ وإسحاقَ كقولِ الأوزاعيِّ فى هذا البابِ كلِّه. ورُوِىَ عن الحسنِ البصرِىِّ أنه القبس (١) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٤٢٤٠) من طريق الدراوردى به . ٣٨٤ الموطأ قال: يُحرَّقُ رحْلُه كلُّه، إلا أن يكونَ حيوانًا أو مصحفًا(١). وممن قال: يُحرَقُ التمهيد رحلُ الغالٌ ومتاعُه. مكحولٌ وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ، وحبّةُ من ذهَب إلى هذا القولِ حديثُ صالح المذكورُ، وهو عندَنا حديثٌ لا يجبُ به انتهاكُ حرمةٍ ، ولا إنفاذُ حكم ، مع ما يُعارِضُه من الآثارِ التى هى أقوَى منه . فأمَّا روايةٌ من روَى : ((فاضرِبُوا عنقه، وأحرِقُوا متاعَه)). فإنه يُعارِضُه قولُه ◌ِلّهِ: (( لا يَحِلُّ دمُ امرئ مسلم إلا بإحدَى ثلاثٍ)) الحديث(٢). وهو ينفى القتلَ فى الغُلولِ. ورَوَى ابنُ (٣ جريج، عن أبى٣) الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ وَلَّه قال: ((ليس على الخَائِنِ ، ولا على المُنتَهِبِ ، ولا على المُخْتَلِسِ قطع)) (٤). وهو أيضًا يُعارضُ حديثَ صالحٍ بنِ محمدِ بنِ زائدةً ، وهو أقوَى منه من جهةٍْ) الإسنادِ، والغَالُ خائنٌ فى اللغةِ والشريعةِ، وقال الطحاوىُّ: لو صَحَّ حديثُ صالحِ المذكورُ احتمَلَ أنْ يكونَ كان حينَ كانت العقوباتُ فى الأموالِ ، كما قال فى مانعِ الزكاةِ: ((إِنَّا آخذُوها وشَطْرَ مالِهِ عَزْمَةً من عَزَمَاتِ اللهِ))(١). وكما روَى أبو القبس (١) أخرجه عبد الرزاق (٩٥٠٨)، وسعيد بن منصور (٢٧٣٠)، وابن أبى شيبة ٥٢/١٠، ١٢ /٠٤٩٦ (٢) أخرجه أحمد ١١٩/٦، ١٢٠ (٣٦٢١)، ومسلم (١٦٧٦)، وأبو داود (٤٣٥٢)، والترمذى (١٤٠٢) من حديث ابن مسعود . (٣ - ٣) سقط من: م. (٤) أخرجه أبو داود (٤٣٩١ - ٤٣٩٣)، والترمذى (١٤٤٨)، وابن ماجه (٢٥٩١)، والنسائى (٤٩٨٧، ٤٩٨٨) من طريق ابن جريج به . (٥ - ٥) فى م: ((من حجة)). (٦) أخرجه أحمد ٢٢٠/٣٣، ٢٤١ (٢٠٠١٦، ٢٠٠٤١)، وأبو داود (١٥٧٥)، والنسائى = ٣٨٥ ( موسوعة شروح الموطأ ٢٥/١٢ ) الموطأ التمهيد هريرةَ، فى ضالّةِ الإبل المكتومةِ: ((فيها غرامَتُها ومثلُها معها)) (١). وكما روَى عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصى فى الثَّمَرِ المُعَلَّقِ: ((غَرَامَةُ مِثلَيهِ، وَجَلَداتٌ نَكالٌ))(٢). وهذا كلُّه منسوخٌ. قال أبو عمرَ : الذى ذهَب إليه مالكٌ ، والشافعىُ، وأبو حنيفةً، ومن تابَعَهم فى هذه المسألةِ، أولَى مِن جهةِ النَّظرِ، وصحيح الأثرِ، واللهُ أعلمُ . وأجمعَ العلماءُ على أنَّ على الغالُ أن يُدَّ ما غَلَّ إلى صاحبِ المقاسمِ إِنْ وَجَدَ السبيلَ إِلى ذلك، وأنه إذا فعَل ذلك ، فهى توبةٌ له ، وخروجٌ عن ذنبه. واختلفُوا فيما يَفعلُ بما غلَّ إذا افترَقَ أهلُ العَشْكَرِ، ولم يصِلْ إليهم ؛ فقال جماعةٌ من أهلِ العلمِ: يدفعُ إلى الإمامِ خُمُسَه، ويتصدَّقُ بالباقِى. هذا مذهبُ الزهرىِّ، ومالكِ، والأوزاعىّ ، واللَّيثِ ، والثَّورىِّ. ورُوِىَ ذلك عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، ومعاويةً ابنِ أبى سفيانَ، والحسَنِ البصرىِّ، وهو يُشبِهُ مذهبَ ابنِ مسعودٍ، وابنٍ عباسٍ، لأَنَّهما كانا يَرَيان أن يُصدَّقَ بالمالِ الذى لا يُعْرَفُ صاحِبُه(٢). وذكر بعضُ الناسِ عن الشَّافعىِّ أنه كان لا يَرَى الصدقةَ بالمالِ الذى لا يُعرَفُ صاحِبُه، وقال : کیف یتصدّقُ بمالٍ غيرِه ! وهذا عندِی معناه فيما يُمكنُ وجودُ صاحبِهِ ، والوصولُ إليه، أو إلى وَرَثَّتِهِ، وأما إنْ لم يكُنْ(٤) شَىْءٌ مِن ذلك، فإن الشَّافعىَّ القبس = (٢٤٤٨) من حديث معاوية بن حيدة . (١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٥٩٩)، وأبو داود (١٧١٨)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٤٦/٣، والبيهقى ٦/ ١٩١. (٢) أخرجه أبو داود (١٧١٠، ٤٣٩٠)، وابن ماجه (٢٥٩٦)، والنسائى (٤٩٧٤). (٣) ينظر تفسير القرطبى ٢٦١/٤، والمغنى ١٧١/١٣، ١٧٢. (٤) فى الأصل، م: ((يمكن)). ٣٨٦ ١٠٠٥ - مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، أنه بلَغه عن عبدِ اللهِ بنِ الموطأ عباس ، أنه قال: ما ظهَر الغُلُولُ فى قومٍ قطُ إلا أُلقِىَ فى قلوبِهم الرُّعْبُ، ولا فشا الزِّنى فى قومٍ قطُّ إلا كثُر فيهم الموتُ، ولا نقَص قومٌ المكيالَ والميزانَ إِلا قُطِعَ عنهم الرزقُ ، ولا حكَم قومٌ بغيرِ الحِّ إلا فشا فيهم الدمُ، ولا ختَر قومٌ بالعهدِ إلا سُلِّط عليهم العدوُ. رحِمَهُ اللهُ لا يَكْرَهُ الصدقةَ به حينئذٍ إِنْ شاءَ اللهُ . التمهيد ذكَر سُنَيْدٌ ، حدَّثنا أبو فَضالةَ، عن أزهرَ بنِ عبدِ اللهِ ، قال: غَزَا مالكُ بنُ عبدِ اللهِ الخَتْعَمِىُّ أَرضَ الرومِ، فَغَلَّ رجلٌ مائةَ دينارٍ ، فَأَتَى بها معاويةً بنَ أبى سفيانَ ، فأَتَى أَنْ يقْبَلَها ، وقال: قد نفَرَ الجيشُ وتفرَّقَ. فخرَجَ فَلَقِىَ عُبادةَ بنَ الصَّامتِ، فذكر ذلك له، فقال: ارجِعْ إليه، فقُل له: خُذْ خُمُسَها أنت . ثم تصدَّقْ أَنت بالبقيّةِ ، فإن اللهَ عالمٌ بهم جميعًا. فَأَتَّى معاويةَ، فأخبرَه، فقال: لأن كنتُ أنا أفتيتُك بهذا، كان أحبَّ إلىَّ مِن كذا وكذا. وقد أجمَعُوا فى اللَّقَطَةِ على جوازِ الصدقةِ بها بعدَ التعريفِ وانْقطاع صاحِبِها، وجعلُوه إذا جاء مُخيّرًا بينَ الأَجْرِ والضَّمانِ ، وكذلك الغصُوبُ . وباللهِ التوفيقُ . وروَى مالكٌ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أنه بلَغه عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ، أنه قال : ما ظهَر الغُلُولُ فى قومٍ قَطُ إلا أُلْقِى فى قلوبهم الرعبُ، ولا فشَا الرِّنَى فى قومٍ قطُّ(١) إلا كثُر فيهم الموتُ، ولا نقَص قومٌ المكيالَ والميزانَ إِلا قُطِع عنهم القبس (١) ليس فى: الأصل، ف، ر. ٣٨٧ الموطأ . التمهيد الرزقُ، ولا حكم قومٌ بغيرِ الحقِّ إلا فشا فيهم الدمُ، ولا ختَرُ قومٌ بالعهدِ إلا سُلِّط عليهم العدوُ (١) . قال أبو عمرَ : وهذا حديثٌ قد رُوِّيناه مُتَّصِلًا عن ابنِ عباسٍ، ومثلُه - واللهُ أعلم - لا يَكُونُ رأيًا أبدًا . حدّثنا أحمدُ بنُ إبراهیمَ ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حکم ، قالا : حدثنا محمدُ ابنُّ معاويةً، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفضلُ بنُ الحُبابِ الجُمَحِىُّ القاضى بالبصرة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ وأبو الوليدِ ، جميعًا عن شُعبةً، قال: أخبرنى الحكمُ، عن الحسنِ بنِ مسلمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال : ما ظهَر البغىُ فى قوم قطَّ إلا ظهَر فيهم المُوتانُ(٢)، ولا ظهَر البخْسُ فى الميزانِ فى قوم إلا ابْتُلُوا بالسَّنَةِ، ولا ظهَر نَقْضُ العهدِ فى قومٍ إلا أُدِيل(٤) منهم عدؤُهم(٥) . القبس (١) فى ر: ((غدر)). وهما بمعنى. (٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٦٢)، وبرواية يحيى بن بكير (٤/٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٢٧). (٣) الموتان: الموت الكثير الوقوع. النهاية ٤/ ٣٧٠. (٤) الإدالة: الغلبة . النهاية ٢ / ١٤١. (٥) أخرجه أبو عمرو الدانى فى الفتن (٣٢٢) من طريق الفضل بن الحباب به، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٢٢/١ من طريق شعبة به مختصرا . ٣٨٨ الموطأ الشهداءُ فى سبيلِ اللهِ ١٠٠٦ - مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ ، أن رسولَ اللهِ نَّهِ قال: ((والذى نفسى بيدِه، لَوَدِدْتُ أنى أُقَاتِلُ فى سبيلٍ اللهِ فَأُقْتَلُ، ثمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيا فأُقْتَلُ)). فكان أبو هريرةَ يقولُ ثلاثًا : أَشْهَدُ باللهِ . مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ التمهيد قال: ((والذى نفسِى بيدِه، لوَدِدْتُ أَنَّى أُقَاتِلُ فِى سَبيلِ اللهِ فَأَقْتَلُ، ثُمْ أُحْيَا فَأُقْتَلُ ، ثُمْ أُخْيَا فَأَقْتَلُ)) . فكان أبو هريرةَ يقولُ ثلاثًا: أشْهدُ باللهِ(١) . القبس الشهداءُ فى سبيلِ اللهِ تقدَّم تعديدُهم، وأخبرَ النبيُّ وَّ عن فضلهم بأنه يأتى يومَ القيامةِ وجُرحُه يَشْعَبُ دمًّا ؛ اللونُ لونُ الدم) ، والريح ريح المسكِ ()، وهذا معنى كونِه شهيدًا؛ لأنه يأتى بشاهدِه معَه، وعلى هذا أدخَله مالكٌ، وأدخَل أيضًا قولَه لشهداءٍ أُحُدٍ: ((هؤلاء أَشهَدُ عليهم)) (4) . فيكونُ الأولُ فعيلًا بمعنى فاعلٍ، ويكونُ الثانى فعيلًا بمعنى مفعولٍ ، (١) فى النسخ: ((لله)). والمثبت من مصادر التخريج. والحديث فى الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٠١)، وبرواية يحيى بن بكير (٤/٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٢٨). وأخرجه البخارى (٧٢٢٧)، وأبو عوانة (٧٣١٨) من طريق مالك به . (٢) فى د: ((الزعفران)). (٣) سيأتى فى الموطأ (١٠٠٨). (٤) سيأتي فى الموطأ (١٠١١). ٣٨٩ الموطأ التمهيد فى هذا الحديثِ إِباحَةُ الْيَمينِ باللهِ على كُلِّ ما يعتَقدُه المرءُ مِمَّا يحتاج فيه إلى يَمينٍ ، وممَّا لا يحتَاجُ إليها ، ليس بذلك بأُسٌّ على كُلِّ حالٍ ؛ بدليلٍ هذا الحديثِ؛ لأنَّ فى اليمينِ باللهِ توحِيدًا وتعظيمًا، وإنَّما يُكرهُ الحِنثُ والاستخفَافُ . وفيه إباحةُ تَمَنِّى الخَيرِ والفضلِ مِن رحمةِ اللهِ بما يُمكِنُ وما لا يُمكِنُ. وهذا الحدیثُ إِنَّما معناه الذی مِن أجله خرج ، فضلُ الجهادِ ، وفضلُ القتلِ فی سبیلٍ اللهِ ، وفضلُ الشَّهادةِ ، وقد علِمْنا أنَّ ذلك لا يُحيطُ به كِتابٌ ، فكيفَ أن يُجمَعَ فى بابٍ . واللهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ . القبس وقد تضمَّن حديثُ أبى قتادةَ فى فضلِ الشهادةِ (١) فائدةً حسنةً، وهى أنها تُكَفِّرُ كلَّ خطيئةٍ إلا الدَّينَ(١)؛ يعنى إلّ حقوقَ الآدميينَ، وذلك أن الله عزَّ وجلَّ بفضلِه يغفرُ جميعَ الذنوبِ المتعلّقةِ بحقّه، ويُقِی للعبادِ حقوقهم بعدلِه حتى يتناصَفوا فيها، وقد بيًّّا كيفيةَ التناصُفِ بينَ العبادِ فى المعادِ فی کتبٍ الأصولِ . (١ - ١) فى ص، ص ١٧: ((حال)). (٢) فى م: ((الشهداء)). (٣) سيأتى فى الموطأ (١٠١٠) . (٤) فى م: ((يكفر)). (٥) فى م: ((من)). (٦) فى م: ((كتاب)). ٣٩٠ ١٠٠٧ - مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ ، أن الموطأ رسولَ اللهِ وَّلَه قال: ((يضحَكُ اللهُ إلى رجلينِ يَقُلُ أحدُهما الآخَرَ، كلاهما يدخُلُ الجنةَ ؛ يُقاتِلُ هذَا فى سبيل اللهِ فيُقتَلُ، ثمَّ يتوبُ اللهُ على القاتلٍ فيُقاتِلُ فِيُستشْهَدُ)). مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِ التمهيد قال: (( يضحَكُ اللهُ عزَّ وجلَّ إِلَى رجلين يَقْتُلُ أحدُهما الآخرَ، كلاهما يدخُلُ الجنةَ؛ يُقاتِلُ هذا فى سبيلِ اللهِ فَيُقتَلُ، ثُمَّ يتُوبُ اللهُ على القاتِلِ فِيُقاتِلُ فیُستَشهَدُ))(١). معنَى هذا الحديثِ عندَ جماعةِ أهلِ العلم أَنَّ القاتِلَ الأوَّلَ كان كافرًا ، وتوبتُه المذكورَةُ فى هذا الحديثِ إسلامُه؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ كُلَّ مَن قُتِلَ فى سبيلِ اللهِ فهو فى الجنةِ لا مَحالةً إن شاءَ اللهُ . حدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال : حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُّ زيدٍ ، عن أيوبَ ، عن محمدِ بنِ سيرينَ ، عن أبى العَْفَاءِ، عن عمرَ بنِ القبس (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٢٩). وأخرجه البخارى (٢٨٢٦)، والنسائى (٣١٦٦)، وابن حبان (٢١٥) من طريق مالك به. ٣٩١ الموطأ التمهيد الخطابٍ . فذكَر حديثًا سمِعه يقولُ : قال : وأُخرَى تقولونها ، يعنى فى مغازِيكم هذه، لِمَن قُتِل: قُتِل فلانٌ شهيدًا. أو: مات فلانٌ شهيدًا. ولعلَّه أن يكُونَ قد أَوْقَرَ دَقَّتَيْ راحلتِه ذهبًا أو وَرِقًا (١) يبتغِى الدنيا - أو قال: التجارةَ - فلا تقولوا ذاكم، ولكِنْ قولوا كما قال النبيُّ عليه السَّلامُ(١): ((مَن قُتِل فى سبيلِ اللهِ أومات فهو فى الجنة))(٣). وكذلك الآثارُ المتقدِّمةُ كلُّها تدُلُّ على ذلك ، واللهُ أعلمُ ، وذلك على قَدرِ النِّيَاتِ، وكلُّ مَن قاتَلَ لتكُونَ كلمةُ اللهِ هى(٤) العُليا، وكلمَةُ الذين كفروا الشُّفلى ، فهو فى الجنةِ إن شاء اللهُ . وأمَّا قولُه: ((يضحَكُ اللهُ)). فمعناه يرحَمُ اللهُ عبدَه ذلك(١)، ويَتلقَّاه بالرّوح والراحَةِ والرّحمةِ والرَّأَفةِ، وهذا مَجازٌ مفهومٌ(١)، وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ فى القبس (١) بعده فى ص، ص ١٧: ((فلا)). (٢) بعده فى الأصل، م: ((و)). (٣) أخرجه البيهقى ٦ / ٣٣٢، ١٦٨/٩ من طريق سليمان بن حرب به، وأخرجه الحميدى (٢٣)، وأحمد ٤١٩/١ (٣٤٠)، والنسائى (٣٣٤٩) من طريق أيوب به. (٤) ليس فى: الأصل، ص ١٧، م. (٥) فى الأصل، ص ١٦، م: ((عند ذاك)). (٦) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ما وصف الرسول وَلي به ربه عز وجل من الأحاديث الصحاح وجب الإيمان بها كذلك ... وقوله وَالر: ((يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة)) ... فإن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به فى كتابه العزيز، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط فى فرق الأمة .= ٣٩٢ ١٠٠٨ - مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أن الموطأ رسولَ اللهِ وَلِ قال: ((والذى نفسى بيدِه، لا يُكَلَمُ أحدٌ فى سبيلِ اللهِ ، واللهُ أعلمُ بمَن يُكْلَمُ فى سبيله ، إلا جاء يومَ القيامةِ وجرحه يثْعَبُ دمًا ؛ اللونُ لونُ دم ، والريح ريحُ مِسكٍ)) . السابِقِين الأوَّلينَ والتَّابِعِين لهم بإحسانٍ: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٠] . وقال التمهيد فى المجرمين: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]. وأهلُ العلمِ يَكرَهون الخوضَ فى مثلِ هذا وشِبهِه مِن التَّشبيهِ كلُّه فى الرّضا والغضبِ ، وما كان مثلَه مِن صفاتِ المخلوقين ، وباللهِ العصمةُ والتوفيقُ . مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأَعرج، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللّهِ وَله قال: ((والَّذِى نَفْسِى بِيدِهِ، لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِى سبيلِ اللهِ ، واللهُ أعلمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فى سبيلِه ، إِلَّا جَاءَ يومَ القيامةِ وُجُرْحُه يَثْعَبُ دَمًا؛ اللونُ لونُ دمٍ ، والرِّيحُ ريحُ (١) مِشْكٍ))(١). القبس = مجموع الفتاوى ١٣٨/٣ - ١٤١. وقال ابن قيم الجوزية: وقوله: ((فيظل يضحك)). هو من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التى لا يشبهه فيها شىء من مخلوقاته، كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة فى أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها، كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها. زاد المعاد ٣/ ٦٧٩، وينظر مختصر الصواعق المرسلة ٢٢/١ - ٢٧. وينظر ما تقدم فى ٢٤٣/٧ - ٢٥٢، ٢٥٨. (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٣٠). وأخرجه البخارى (٢٨٠٣)، وابن حبان (٤٦٥٢)، والبيهقى ١١/٤ من طريق مالك به. ٣٩٣ الموطأ التمهيد هذا مِن أَحْسَنِ حديثٍ فى فضلِ الغزوِ فى سبيلِ اللهِ ، والخَضِّ على التُّبُوتِ عندَ لقاءٍ العدوِّ. وأمّا قولُه: ((لا يُكْلَمُ)). فمَعْنَاه: لا يُجْرَحُ أُحَدٌ فى سبيلِ اللهِ . والكُلُومُ الجِرَائحُ؛ مَعْرُوفٌ ذلك فى لسانِ العربِ معرفةٌ يُسْتَغْنَى بها عن الاستشهادِ عليها بشىءٍ . ومِن أَمْلَح ما جاءَ فى ذلك قولُ حَسَّانَ بنِ ثابتٍ يَصِفُ امرأةٌ ناعمةً طَرِيَّةً ، زعَمَ أَنَّ الذِّرَّ لو مَشَى عليها لجرَحَها جراحًا تَصِيحُ منها وتندُبُ نَفْسَها ، فقال(١) : لو يدِبُّ الْحَوْلِيُّ مِن وَلَدِ الذَّرِّ عليها لِأَنْدَبَتْها الكُلُومُ(٢) وأمّا قولُه: ((يَثْعَبُ دَمَّا)). فمَغْنَاه: يَنْفَجِرُ دَمًّا. وأمَّا قولُه: ((فِى سبِيلٍ اللهِ)) . فالمرادُ به الجهادُ والغزؤُ وملاقاةُ أهلِ الحَرْبِ مِن الكفارِ. على هذا خرَج الحديثُ، ويدخُلُ فيه بالمَعْنَى كلُّ مَن خرَجَ فى سبيلٍ بِرّ وحَقِّ وخيرٍ مما قد أباحَه اللهُ؛ كقتالِ أهلِ البَغْيِ ()؛ الخوارج واللَّصُوصِ والمحاربين، أو أمرٍ بمعروفٍ أو نَهْي عن منكرٍ، أَلَا تَرَى إلى قولِ رسولِ اللّهِ وَلِ: ((مَنْ قُيِلَ دونَ ماله فهو شهيدٌ))(٢) . وفى قولِهِ بَّهِ: ((واللهُ أعلمُ بمَن يُكْلَمُ فِى سبيلِهِ)). دليلٌ على أنْ ليس كلُّ مَن خرَجَ فى الغزوِ تكونُ هذه حالَه حتى تَصِحَّ نِيَّتُه، ويَعْلَمَ اللهُ مِن قلبِه أنَّه خرَجَ القبس (١) ديوانه ص ٨١. (٢) الذر: صغار النمل؛ يقول: لو يدب الصغير من ولد الذر على جلدها لأثر فيه وجرحه . ينظر الديوان. (٣) بعده فى ص ١٦: ((و)). (٤) أخرجه البخارى (٢٤٨٠)، ومسلم (٢٢٦/١٤١) من حديث عبد الله بن عمرو. ٣٩٤ الموطأ يريدُ وَجْهَه ومَرْضَاتَه، لا رِيَاءً ولا سُمْعَةً ولا مُبَاهَاةٌ(١) ولا فَخْرًا. التمهید وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ الشهيدَ يُتْعَثُ على حَالِهِ التى قُبِضَ عليها ، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ ذلك فى كُلِّ مَيِّتٍ ، واللهُ أعلمُ ، يُتْعَثُ على حَالِه التى ماتَ فيها ، إِلَّ أنَّ فَضْلَ الشهيدِ المقتولِ (١) فى سبيلِ اللهِ بين الصَّفَّيْن أن يكونَ رِيحُ دَمِه كريحِ المسكِ، وليس كذلك دَمُ غيرِه . ومَن قال: إنَّ المَوْتَى جُمْلَةٌ يُتعَثُون علی هیئاتِهم . اخْتَجَّ بحدیثِ يَخْتَی بنِ أُّوبَ ، عن ابنِ الهادِی ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبى سلمةَ)، عن أبى سعيدِ الخُدْرِىِّ، أَنَّه لمَّا حضَرَتْه الوفاةُ دَعَا بثيابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَها، ثم قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ نَّهِ يقولُ: ((إنَّ المَيِّتَ يُبْعَثُ فى ثيابِهِ التى يموتُ فيها))(٤). وهذا قد يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ أبو سعيدٍ سَمِعَ الحديثَ فى الشَّهِيدِ فتأوَّلَه على ء العمومِ، ويكونَ الميّتُ المذكورُ فى حديثه هو الشهيدَ الذى أَمِرَ أَنْ يُزَمَّلَ بثيابِهِ ويُدْفَنَ فيها ، ولا يُغْسَلَ عنه دَمُه ، ولا يُغَيَّرَ شىءٌ مِن حَالِه ؛ بدلیلِ حدیثِ ابنِ عَبَّاسٍ وغيرِهِ عن النبيِّ بَ لّهِ أَنَّه قال: ((إنَّكم مَحْشُورُون يومَ القيامةِ حُفَاةً عُرَاةً غُولًا(٥) - ثم قَرَأَ -: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدٍُ وَهْدًا عَلَيْنَأَ إِنَّا كُنَ القبس (١) فى ص، ص ١٧: ((مماراة)). (٢) ليس فى: الأصل، ص ١٦. (٣ - ٣) فى م: ((مسلمة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٠/٣٣. (٤) أخرجه أبو داود (٣١١٤)، وابن حبان (٧٣١٦)، والبيهقى ٣٨٤/٣ من طريق يحيى به. (٥) الغزل: جمع الأعْرل، وهو الأقلف. النهاية ٣٦٢/٣. ٣٩٥ الموطأ التمهيد فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وأَوَّلُ مَن يُكْسَى يومَ القيامةِ إِبْرَاهِيمُ)) .. فلهذا الحديثِ وشِئْهِه تأوَّلْنَا فى حديثٍ أبى سعيدٍ ما ذكّوْنَا . واللهُ أعلمُ . وقد كانَ بعضُهم يتأَوَّلُ فى حديثِ أبى سعيدٍ ؛ أَنَّه يُثْعَثُ على العَمَلِ الذى يُخْتَمُ له به ، وظاهِرُه على غيرِ ذلك . واللهُ أعلمُ . وقد اسْتَدَلَّ جماعةٌ مِن أهلِ العلم بهذا الحديثِ وما كان مِثْلَه فى سُقُوطٍ غَسْلِ الشهيدِ المقتولِ فى دارِ الحربِ بينَ الصَّفَّيْن، ولا حاجةَ بنا إلى الاستدلَالِ فى تَرْكٍ غَسْلِ الشهداءِ المَوْصُوفِين بذلك مع وُجُودِ النَّصِّ فيهم ، وسيَأْتِى ما للعلماءِ فى غَسْلِ الشهداءِ ، والصَّلاةِ عليهم، فى بلاغاتِ مالكِ من هذا الكتاب) إن شاءَ اللهُ . أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، أخبرنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثَنا أبو داودَ ، حدَّثَنَا أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ ، حدَّثَنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، حدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قال : سمِعتُ عبدَ رَبِّه يُحَدِّثُ عن الزُّهرِىِّ، عن ابنِ جابِرٍ، عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن النبيِّ ◌َِّ، قال فى قَتْلَى أُحُدٍ : ((لا تَغْسِلوهم؛ فإِنَّ كُلَّ مجرحٍ - أو دَمٍ - يَقُوحُ مِسْكًا يومَ القيامةِ)). ولم يُصَلِّ عليهم(٢) . القبس = (١) أخرجه أحمد ٤١٨/٣ (١٩٥٠)، والبخارى (٣٣٤٩)، ومسلم (٥٨/٢٨٦٠). (٢) سيأتى ص ٤٢٩ - ٤٣٦. (٣) أحمد ٩٧/٢٢ (١٤١٨٩). ٣٩٦ الموطأ قال أبو داودَ: الذى تَفَرَّدَ به مِن هذا الحديثِ قولُه: ((لا تَغْسِلُوهم)). التمهيد واخْتُلِفَ عن الزُّهْرِىِّ فى الإسْنَادِ فى هذا المَعْنَى ، وقد ذكرنا بعضَ ذلك فى بلاغاتٍ مالكِ (١) . والحمدُ للهِ . وزَعَمَتْ طائفةٌ بأَنَّ فى هذا الحديثِ دليلًا على أنَّ الماءَ إذا تَغْيََّتْ رائِحَتُه بشىءٍ من النَّجاساتِ ولَوْنُه لم يَتَغَيَّرْ ؛ أنَّ الحكمَ للَّائحةِ دونَ اللَّوْنِ ، فَرَعَمُوا أَنَّ الاعتبارَ باللَّوْنِ فى ذلك لا مَعْنَى له ؛ لأُنَّ دَمَ الشهيدِ يومَ القيامةِ يَجِىءُ ولَوْنُهَ كلونٍ الدماءِ ، ولكنَّ رائِحَتَه فصَلَتْ بَيْنَه وبينَ سائرِ الدماءِ، وكان الحُكْمُ لها؛ فاسْتَدَلُّوا فى زَعْمِهم بهذا الحديثِ على أنَّ الماءَ إذا تغيَّرَ لَوْنُه لم يَضُرَّهِ ، وهذا لا يُفْهَمُ " منه مَغْنَى تَشْكُنُ النَّفْسُ إليه، ولا فى الدَّمِ مَعْنَى الماءِ فِيُقَاسَ عليه٢، ولا يَشْتَغِلُ بمثلٍ هذا الفقهاءُ(٢) ، وليس مِن شَأْنِ أهلِ العلمِ اللَّغْزُ(٤) به وإشْكَالُه، وإنَّما شَأَنُهم إِيضَاحُه وبَيَانُه ، وبذلك أُخِذَ الميثاقُ عليهم: ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. والماءُ لا يَخْلُو تَغَيُُّه مِن أَنْ يكونَ بنَجَاسَةٍ أو بغيرِ نجاسةٍ ، فإن كان بنجاسةٍ ، فقد أجْمَعَ العلماءُ على أنَّه غيرُ طاهرٍ ولا مُطَهِّرٍ ، القبس (١) سيأتي تخريجه ص ٤٣١ . (٢ - ٢) فى ص، ص ١٧: ((ولا يعقل وليس من كلام أهل العلم ولا مذاهبهم)). (٣) فى ص، ص ١٧، م: ((من له فهم، وإنما اخترت هذه الطائفة بأن البخارى ذكر هذا الحديث فى باب الماءِ، والذى ذكره البخارى لاوجه له يعرف)). (٤) فى ص، م: ((اللغو)). (٥) بعده فى ص، ص ١٧، م: ((وفى كتاب البخارى أبواب لو لم تكن فيه كان أصح لمعانيه . والله الموفق للصواب)». ٣٩٧ الموطأ ١٠٠٩ - مالكٌ، عن زيد بن أسلمَ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان يقولُ : اللهمَّ لا تجعَلْ قتلى بيدِ رجلٍ صلَّى لكَ سجدةٌ واحدةٌ يُحاتجنى بها عندَكَ يومَ القيامةِ . التمهيد وكذلك أجْمَعُوا أَنَّه إذا تَغَيَّرَ بغيرِ نَجَاسَةٍ أَنَّه طاهِرٌ على أَصْلِه ، وقال الجمهورُ: إِنَّهُ ) غيرُ مُطَهِّرٍ. إِلَّا أن يكونَ تَغَيُّه مِن تُزْيَّهُ(٢) وحَمْأَتِهِ. وما أَجْمَعُوا عليه فهو الحَقُّ الذى لا إِشْكَالَ فيه ولا الْتِبَاسَ معه . وقد ذكَرنَا حُكْمَ الماءِ عندَ العُلَماءِ ، واجْتَلَبْنَا مذاهبهم فى ذلك، والاعتلالَ لأقوالهم، فى بابٍ إسحاقَ بنِ أبى طلحَةً(١) مِن کتابِنا هذا، والحمدُ للهِ . الاستذكار وذكَر مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ رضِى اللهُ عنه كان يقولُ : اللهمَّ لا تجعَلْ قتلى بيدِ رجلٍ صلَّى لك سجدةً واحدةً يُحامجنى بها عندَك .(٤) يومَ القيامةِ(٤) . قال أبو عمرَ : فى سماع ابنِ القاسم : سُئل مالكٌ عن قولٍ عمرَ هذا ، فقال : يريدُ بذلك أنه ليس لغيرِ أهلِ الإسلامِ حُجَّةٌ عندَ اللهِ تعالى . قال أبو عمرَ: معنى قولٍ مالك الذى فَشَّر به قولَ عمرَ رضِى اللهُ عنه القبس (١ - ١) سقط من: ص، ص١٦، ص ١٧. (٢) فى ص ١٦: ((ترابه)). (٣) تقدم فى ٥٠٤/٢ - ٥٢٠. (٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٧/٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٦٥). وأخرجه ابن شبة فى تاريخ المدينة ٩٠٣/٣ من طريق مالك به . ٣٩٨ ١٠١٠ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن أبى سعيدٍ الموطأ المقبُرِىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ، عن أبيه، أنه قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ وَ لِّ فقال: يارسولَ اللهِ ، إن قُتِلتُ فى سبيلِ اللهِ صابرًا مُحتسِبًا، مُقبِلًا غيرَ مُديرٍ، أَيُكَفِّرُ اللهُ عنّى خطاياىَ؟ فقال رسولُ اللهِ وَلَه: ((نعم)). فلمَّأُ أَدبَرِ الرجلُ ناداه رسولُ اللهِ وَلَه، أو أمَر به فتُودِى له ، فقال له رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((كيفَ قلتَ؟)). فأعادَ عليه قولَه ، فقال له النبىُِّ نَّه: ((نعم، إلا الدَّينَ، كذلك قال لى جبريلُ)). الاستذكار عندى، واللهُ أعلَمُ، أن عمرَ أراد ألا يكونَ قتلُه بيدِ مؤمنٍ لا يُخَلَُّ فى نارٍ جهنمَ؛ الاسـ لأن المؤمنَ تكونُ له حُجَّةٌ بتوحيدِه وصلاتِهِ وسجودِهِ ، يَخرُجُ بذلك من النارِ قاتلُه بعدَ أن ينالَه منها مقدارُ ذنبِهِ ، فأراد أن يكونَ قاتلُه مُخلَّدًا فى النارِ ، وهذا لا يكونُ إلا فيمن لم(١) يَسْجُدْ للهِ سجدةٌ، ولم يعمَلْ من الخيرِ والإيمانِ مثقال ذرَّةٍ . وقد يحتمِلُ أن يكونَ قولُه : يُحامجنى بها عندَك يومَ القيامةِ. أن يقتُلَه مَن يتأوَّلُ فى قتلِه تأويلاً سائغًا فى ظاهرِ القرآنِ أو السنةِ، وإن كان فيه عندَ اللهِ مبطِلًا ، أو مخطئًا ، فيُخفَّفَ عنه بذلك . وأما الكافرُ، فلا يُقامُ له يومَ القيامةِ وزنٌّ، ولا تُسمَعُ منه حجَّةٌ؛ لأن حجَّتَه داحضةٌ ، ولا تأويلَ إلا لمؤمِنٍ موحَّدٍ ، واللهُ أعلمُ . مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدِ المقبُرِىِّ، عن عبدِ اللهِ التمهيد ابنِ أبى قتادةَ، عن أبيه، أنَّه قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ وَلَه فقال: القبس (١) بعده فى الأصل، م: ((يكن)). ٣٩٩ الموطأ التمهيد يا رسولَ اللهِ ، إِنْ قُتِلْتُ فى سبيلِ اللهِ صابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غيرَ مدبرٍ، أَيُكَفِّرُ اللهُ عنِّى خطاياىَ؟ فقال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((نعم)). فلمَّا أَدبَرِ الرجلُ ناداه رسولُ اللهِ وَّهِ، أَوْ أَمَر به فنودِى له، فقال له (١) رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((كيفَ قُلْتَ؟)). فأعاد عليه قولَه، فقال له النبيُّ وَّهِ: ((نعم، إلا الدَّينَ، كذلكَ قال لى جبريلُ))(٢). هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ عن مالكِ ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد ابنِ أبى سعيدٍ ، وتابَعه على ذلك جمهورُ الرواةِ لـ ((الموطأً)) عن مالكٍ، وممَّن تابَعه؛ ابنُ وهبٍ ١، وابنُ القاسم(٤)، ومُطَرِّفٌ، وابنُ بُكَثِيرٍ)، وأبو المصعبُِ، وغيرهم . وروَاه معنُ بنُ عيسى ، والقعنبيُّ ، جميعًا عن مالكٍ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ. لم يَذْكُرًا ) يحيى بنَ سعيدٍ، فاللهُ أعلمُ. وفى المُمْكِنِ أنْ يكونَ مالكٌ قد سمِعه مِن يحيى، عن سعيدٍ ، ثم سمِعه مِن سعيدٍ . وقد رواه اللیثُ بنُ سعدٍ وابنُ أبی ذئپٍ، عن سعيد بنِ أبی سعیدٍ . حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال: حدَّثنا القبس (١) ليس فى: الأصل، م. (٢) أخرجه الشافعى فى السنن المأثورة (٦٨٢)، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (١٨٧٤)، والطحاوى فى شرح المشكل ( ٨٢، ٣٦٥٦) من طريق مالك به . (٣) أخرجه أبو عوانة (٧٣٦٧)، والطحاوى فى شرح المشكل (٣٦٥٥) من طريق ابن وهب به. (٤) أخرجه النسائى (٣١٥٦) من طريق ابن القاسم به . (٥) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٧/٨ظ - مخطوط). (٦) الموطأ برواية أبى مصعب (٩٣٣) - ومن طريقه ابن حبان (٤٦٥٤)، وأبو القاسم الجوهرى فى مسند الموطأ (٨٠٨)، والبغوى فى شرح السنة (٢١٤٤). (٧) أخرجه أبو القاسم الجوهرى فى مسند الموطأ (٣٧٨) من طريق القعنبى به. (٨) فى م: ((يذكروا)). ٤٠٠