النص المفهرس

صفحات 121-140

الموطأ
وقال عوفُ بنُ الخَرِعِ(١):
التمهيد
سَنَنَّ تحيّر حولَ خَوضِ المبكِرِ
بَثَّوا (٢) المغيرةَ فى السَّوادِ كأنَّها
قال يعقوبُ: يقولُ: فَّقوا الخيلَ ، فكأنَّها إبلٌ جاءَتْ سَنَنًا ، ثم تفَرَّقَتْ حولَ
حوضِ المُبكِرِ ، والمبْكِرُ : الذى يَشْقِى إِلَه بُكرَّةً، يقالُ: أَبَكَر الرجلُ، وبكر وابتكر.
ومن هذا أيضًا حديثُ عبيدِ بنِ عُميرٍ قال: إنَّ فى الجنَّةِ لشجرةً لها
ضُروعٌ كضُروع البقرِ، يُغَذَّى بها ولدانُ الجنَّةِ، حتى إنَّهم ليَسْتَنُّون كاسْتِنَانِ
البِكارةِ ) . والبِكارةُ صِغارُ الإبلِ. ومن هذا أيضًا قولُهم فى المثلِ السائرِ:
اسْتَنَّتِ الفِصالُ حتى القَرْعَى (٤). يُضْرَبُ هذا المثلُ للرجلِ الضعيفِ يرَى
الجُلَداءَ يفعَلون شيئًا فِيَفعلُ مثلَه .
فكأنّه قال: ولو قطَعَتْ حَبلها الذى ژُبِطَتْ به، فجعلَتْ تَجرِی وتعدُو من
شَرَفٍ إلى شَرَفٍ - يريدُ من كُدْيَةٍ إلى كُدْيَةٍ - كان ذلك كلُّه حسناتٍ
لصاحبِها ؛ لأنَّه أراد باتِّخاذِها وجهَ اللهِ .
وأمَّا قولُه: ((شَرَفًا أو شَرَفَيْنِ)). فالشَّرَفُ ما ارتفَع من الأرضِ. وأمَّا قولُه:
(تَغَنِّيًا وتَعقُّفًا)). فإِنَّه أراد استغناءً عن الناسِ وتعَفِّقًا عن السُؤالِ، يقالُ منه: تغَنَّئْتُ
بما رزَقَنِى اللهُ تَغَنِيًا، وتَغانَيْتُ تَغانِيًا، واسْتَغْنَيْتُ استِغناءً. كلُّ ذلك قد قالَتْه
القیس
(١) بياض فى ص٤، وفى س: ((الجزح))، وفى م، ونسخة كما فى حاشية س: ((الجزع)).
والمثبت من كتاب المعانى الكبير لابن قتيبة ٩٧٠/٢، ٩٧١، والبيت فيه، وينظر معجم الشعراء ص ١٢٥.
(٢) فى س، م: ((بنو).
(٣) أخرجه ابن معين فى تاريخه ٤١٩/٣، وابن أبى الدنيا - كما فى الديباج للسيوطى ٣٢١/٥.
(٤) القرعى : جمع قريع، مثل مرضى ومريض ، وهو الذى به قَرَع، وهو بثر أبيض يخرج بالفصال .
والمثل فى مجمع الأمثال ١٠٦/٢، والمستقصى فى أمثال العرب ١/ ١٥٨.
١٢١

الموطأ
التمهيد العربُّ فى ذلك. قال الشاعرُ(١):
:
ونحن إذا مِتْنا أشدُّ تَغانِيا
كِلانا غَنِىٌّ عن أخيه حَياتَه
وقال الأعشى(٢):
وكنتُ امْرَأْ زمَنًا بالعراقْ عفيفَ(٢) المناخ طويلَ التَّغَنْ
وعلى هذا المعنَى قال ابنُ عيينةَ رحِمه اللهُ ( فى تفسيرِ ) قولِ رسولِ اللهِ
وَلَه : (ليس منَّا من لم يَتَغَنَّ بالقرآنِ)) (٥) . يقولُ: يَشْتَغْنى به.
وأمَّا قولُهُ وَّلِهِ: ((ولم يَنسَ حقَّ اللهِ فى رِقابِها)). فللعلماءِ فى ذلك ثلاثةُ
أقوالٍ ؛ قال منهم قائلون: معناه(١) حُسنُ مِلْكَتِها، وتَعَهُّدُ شِبَعِها، والإحسانُ
إليها ، ورُكوبُها غيرَ مَشْقوقٍ عليها، كما جاء فى الحديثِ: ((لا تَتَّخِذوا ظُهُورَها
كَراسِيٍّ»(١). وخصَّ رِقابَها بالذِّكرِ؛ لأنَّ الرَّقَابَ ()والأعناقَ تُسْتَعارُ کثیرًا فى
موضعٍ الحقوقِ اللَّازِمةِ والفُروضِ الواجبةِ، ومنه قولُه عزَّ وجلّ: ﴿فَتَحْرُِ
القبس
(١) نسبه أبو عبيد فى غريب الحديث ١/ ١٧٢، وفى اللسان (غ ن ى) إلى المغيرة بن حبناء، ونسبه
فى الأغانى ١٢٨/١٣ إلى الأبيرد، ونسبه فى ذيل الأمالى ص ٧٣ إلى سيار بن هبيرة.
(٢) ديوانه ص ٢٥.
(٣) فى ص ٤، س: ((خفيف)).
(٤ - ٤) فى ص ٤، م: ((يفسر)).
(٥) أخرجه البخارى (٧٥٢٧) من حديث أبى هريرة .
(٦) فى س: ((معناها)).
(٧) أخرجه أحمد ٣٩٢/٢٤ (١٥٦٢٩)، والدارمى (٢٧١٠)، وابن خزيمة (٢٥٤٤) من حديث
معاذ بن أنس .
(٨ - ٨) سقط من: م.
١٢٢٠

الموطأ
رَقَبَقٍ﴾ [النساء: ٩٢، المجادلة: ٣]. وقولُ رسولِ اللهِ وَ لَه: ((من فارَق (١) الجماعةَ التمهيد
فقد خلَعْ رِبِقةً الإسلامِ مِن عُنُقِه))(١) . وكثُر عندَهم استعمالُ ذلك واسْتِعارَتُه،
حتى جعَلوه فى الرِّباع والأموالِ، ألا ترَى إلى قولٍ كُثِيرٍ(٢):
غمرُ الرّداءِ إذا تبَسَّم ضاحكًا غَلِقَتْ لضَحْكَتِهِ رِقَابُ المالِ
قال أبو عمرَ: ومن ذهَب فى تأويلٍ قولِهِ مَله : ((ولم يَنْسَ حقَّ اللهِ فى
رِقابِها)) . إلى حسنِ الثَّملَّكِ والتَّعَهُّدِ بالإحسانِ، فهو ، واللهُ أعلمُ، مذهبُ من
قال : إِنَّ المالَ ليس فيه حقٌّ واجبٌ سوَى الزكاةِ . ولم يرَ فى الخيلِ زَكاةً ، وهو
قولُ جمهورِ العلماءِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ، قال: حدَّثنا أبى ، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا بَقِىٌّ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحَيْم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا عمِّى
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قالا جميعًا: حدَّثنا أبو بكرٍ بِنُ أبى شَيْبَةً ، قال: حدَّثنا أبو
الأحوَصِ، عن أبى إسحاقَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: من أدَّى زكاةً
مالِهِ فلا بجناحَ عليه ألَّ يَتَصَدَّقَ(٤).
القبس
(١) فى س: ((خالف)).
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٢) من الموطأ .
(٣) ديوانه ص ٢٨٨.
(٤) ابن أبى شيبة ١١٦/٣، ١٩١. وأخرجه سعيد بن منصور (٩٣٠ - تفسير)، والبيهقى ١٣٣/٤
من طريق أبى الأحوص به .
١٢٣

الموطأ
. التمهيد
وعلى هذا مذهبُ أكثرِ الفقهاءِ، أَنَّه ليس فى الأموالِ حقٌّ واجبٌ غيرَ
الزكاةِ . ومن حُجَّتِهم ما ذكره ابنُ وهْبٍ ، عن عمرٍو بن الحارثِ ، عن درّاجِ أبى
الشَّمْحِ، عن ابنٍ (١) حُجَيْرَةَ الخَوْلانِيِّ، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَّه قال:
((إذا أدَّيْتَ زكاةَ مالِكَ فقد قَضَيْتَ ما عليك))(١) .
وقال آخرون: معنَى قولِه ذلك، إطراقُ فَحْلِها، وإفقارُ ظَهْرِها (١)، وحَملٌ
عليها فى سبيلِ اللهِ . وإلى هذا ونحوِه ذهَب ابنُّ نافع فيما أظُنُّ ؛ لأَنَّ يحتى بنّ
يحتِى قال : سألتُ عبدَ اللهِ بنَ نافع عن حقِّ اللهِ فى رقابها وظُهورِها ، فقال : يُريدُ
ألا ينسَى أَنْ يَتَصَدَّقَ للهِ ببعضِ مَا يَكْتَسِبُ عليها . وهذا مذهبُ من قال: فی
المالِ محُقُوقٌ سِوَى الزكاةِ . وَممَّن قال ذلك؛ مجاهدٌ، والشعبىُّ، والحسنُ.
ذكَر إسماعيلُ القاضى، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا
سُفيانُ، عن منصورٍ وابنٍ أبى نَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿فِيِّ أَّوَلِمْ حَقٌ
مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤]. قال: سوَى الزكاةٍ() ..
قال : وحدَّثنا أبو بكر وعلىٌّ ، قالا : حدّثنا ابنُ فُضیلٍ ، عن بیانٍ ، عن عامٍ
قال : فى المالِ حقٌّ سوَى الزكاةٍ(٤) . وزادَ فيه إسماعيلُ بنُ سالم، عن الشعبىِّ
قال : تَصِلُ القَرابَةَ ، وتُعطِى المساكِينَ .
القبس
(١) سقط من: س. وينظر تهذيب الكمال ٥٤/١٧.
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٤٩/٨.
(٣) إفقار الظهر: إعارته للركوب. النهاية ٤٦٢/٣.
(٤) ابن أبى شيبة ١٩١/٣.
١٢٤

الموطأ
قال: وحدَّثنا أبو بكر، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى حَيَّانَ، قال: حدَّثنا التمهيد
مُزاحِمُ بِنُ زُفَرَ قال: كنتُ جالسًا عندَ عطاءٍ فأتاه أعرابِىٌّ فسألَه: إنَّ لى إبلًا ، فهل
علىَّ فيها حقٌّ بعدَ الصدقةِ؟ قال : نعم(١).
قال: وحدَّثنا أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلَى، عن هشامٍ، عن الحسنِ
قال : فى المالِ حقٌّ سوى الزكاةٍ (١).
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدّثنا
عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ زيدٍ (٢) القاضِى بمصرَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رَوْحِ
أبو يزيدَ(٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ قريبِ الأصمعىُ، قال: حدَّثنا المباركُ بنُ
فَضالةَ، قال: سمِعْتُ الحسنَ يُحَدِّثُ ، عن قيسٍ بنِ عاصمِ المنْقِىِّ، وكان
ممَّن نزَل البصرةَ من أصحابِ رسولِ اللهِ وَّهِ، أَنَّه لما قدِم على رسولِ اللهِ وَله
فرآه(٤) قال: ((هذا سيِّدُ أهلِ الوَبَرِ)). قال: قلتُ : يا رسولَ اللهِ، ما خيرُ المالِ ؟
قال: ((نعمَ المالُ الأربعون، والأكثرُ السُّّونَ، وويلٌ لأصحابِ المِئِينَ، °ويلٌ
لأصحابِ المِئِينَ )، إلّا من أدَّى حقَّ اللهِ فى رَسْلِها ونَجْدَتِها (١)، وأفقَرَ ظَهْرَها،
القبس
(١) ابن أبى شيبة ١٩١/٣.
(٢) فى ص ٤، م: ((زفر)). وينظر ما تقدم فى ٥٦/٨.
(٣) بعده فى س: ((الزارع))، وبعده فى ص: ((الدراع)).
(٤) سقط من: م.
(٥ - ٥) سقط من: ص ٤، م.
(٦) رسلها ونجدتها: يريد الشدة والرخاء، يقول: يعطى وهى سمان حسان يشتد على مالكها
إخراجها، فتلك نجدتها، ويعطى فى رسلها وهى مهازيل مقاربة. الصحاح (ر س ل).
١٢٥

الموطأ
التمهيد وأَطْرَقَ فَحْلَها، ومنَح غزِيرَتها، ونحَر سَمِينَها، فأطعَم القانعَ والمعْتَّ)). وذكَر
تمامَ الحديثِ (١).
فقد جعَل رسولُ اللهِ وَِّ فى الماشيةِ حقًّا سوى الزكاةِ، وهذا بيِّنّ فی
حديثٍ جابرٍ أيضًا .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ ، حدَّثنا أبو
بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا يَعْلَى بنُ عُبَيدٍ ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبى سليمان ،
عن أبى الزئَيرِ، عن جابرٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَّلتر : ((ما من صاحبٍ إِبلٍ، ولا
بقرٍ، ولا غنم ، لا يُؤَدِّى حَقَّها، إلَّا أَقْعِدَ لها يومَ القيامةِ بقَاع قَرْقَرِ ، تَطَّؤُه ذاتُ
الظِّلْفِ بظِلْفِها، وَتَنْطَحُه ذاتُ القَوْنِ بِقَرْنِها، ليس فيها يومَئذٍ جمَّاءُ، ولا
مكسورةُ القَوْنِ)) . قالوا: يا رسولَ اللهِ ، وما حقُّها؟ قال: ((إطراقُ فخْلِها، وإعارةُ
دَلْوِها، ومَنْحُها، وحَلْبُها على الماءِ، وحملٌ عليها فى سبيلِ اللهِ)(٢).
وقال آخرون : أراد بقولِه : ((ولم ينسَ حقَّ اللهِ فى رِقابِها ولا ظُهورِها)).
الزكاةَ الواجبةَ فيها . ولا أعلمُ أحدًا من فقهاءِ الأمصارِ أو ◌َب الزكاةَ فى الخيلِ
إلّا أبا حنيفةً وشيخَه حمادَ بنَ أبى سليمانَ . وخالَف أبا حنيفةً فى ذلك صاحِباه
أبو يوسفَ ومحمدٌ، وسائرُ فقهاءِ الأمصارِ. فأمَّا أبو حنيفةَ فكان يقولُ : إذا
القبس
(١) أخرجه البخارى فى الأدب (٩٥٣)، والحارث بن أبى أسامة (٤٧٠ - بغية)، والطبرانى ٣٤٠/١٨
(٨٧٠)، والحاكم ٦١٢/٣ من طريق الحسن البصرى به.
(٢) ابن أبى شيبة ٢١٣/٣. وأخرجه الدارمى (١٦٥٧) من طريق يعلى به، وأخرجه مسلم (٢٨/٩٨٨)
من طريق عبد الملك به .
١٢٦

الموطأ
كانت الخيلُ سائمةً ، ذُكورًا وإناثًا يَطْلُبُ نَسْلَها، فالزكاةُ فيها ، عن كلِّ فرسٍ التمهيد
دينارٌ. قال : وإن شاءَ قوَّمَها، وأعطَى عن كلٌّ مِائتَىْ درهم خمسةَ دَراهمَ .
قال أبو عمرَ: هذا يدُلُّ على ضعفٍ قولِه ؛ لأنَّ المواشِىّ التى تَجِبُ فيها
الزكاةُ لا يجوزُ تَقْوِيمُها عندَ أحدٍ من أهلِ العلمِ. وحُجَّةٌ من لم يُوجبِ الزكاةَ فى
الخيل قولُه وَلَه: ((ليس على المسلم فى عبدِه ولا فرسِهِ صدقةٌ)). وسيأتى هذا
الحديثُ فى مَوْضِعِه من كتابِناً(٢) هذا إن شاء اللهُ. وروَى علىّ عن النبيِّ وَ لِّ أنَّه
قال: ((عَفَوْتُ لكم عن صدقة الخیلِ والرقيقِ)) (١) . وقال الثوریُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ
حسنٍ: نهَى رسولُ اللهِ وَلِّ أنْ يُؤْخَذَ من الخيلِ شىءٌ(٢) . ولم يَتْلُغْنا أنَّ أحدًا من
الخلفاءِ الراشدين أخَذ من الخيلِ صدقةً ، إلّا خبرٌ رُوِى عن عمر بن الخطابِ
فيه اضطرابٌ، وعن عثمانَ فيهِ خَبَرٌ مُنقِطِعٌ. ورُوِىَ عن علىٍّ وابنِ عمرَ أنْ لا
صدقةً فى الخيلِ) . وبذلك قال علماء التابعين ، وفقهاءُ المسلمينَ ، إلّا ما ذكرنا
من قولٍ أبى حنيفةً ، وهو قولٌ ضعيفٌ .
فأمَّا الذى رُوِى عن عمرَ وعثمانَ؛ فروَى عبدُ الرزاقِ ، عن ابن جريجٍ،
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٦١٧) .
(٢) تقدم تخريجه فى ٤٩١/٨، ٤٩٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٦٨٨٣) عن الثورى به .
(٤ - ٤) سقط من : ص ٤ .
وينظر أثر على وابن عمر فى مصنف عبد الرزاق (٦٨٨١)، والأموال لأبى عبيد ص ٥٦٣،
والمحلى ٣٣٩/٥.
(٥) تقدم تخريجه فى ٥٠٣/٨ .
١٢٧

الموطأ
التمهيد قال: أخبرنى عمرُو بنُ دينار١ٍ)، أنَّ محُيِّئَّ(٢) بنَ يعلَى أخبَره، أنَّه سمِع يَعلَى بنَ
أَمَّةً يقولُ : ابتاعَ عبدُ الرحمنِ بِنُ أُمَّةَ أَخو يَعلَى بِنِ أُمَّةً من رجلٍ من أهلِ اليمنِ
فَرَسًا أُنْثَى بمائةٍ قَلوصٍ، فندِم البائعُ، فلحِق بعمرَ ، فقال : غصَبَنِى يَعْلَى وأخوه
فرسًا لى. فكتَب إلى يَعلَى أَنِ الْحَقْ بى. فأتاه، فأخبره الخبرَ، فقال عمرُ بنُّ
الخطابِ: إِنَّ الخيلَ لَتَبْلُغُ هذا عندَكم؟ فقال: ما عَلِمْتُ فرسًا قبلَ هذا بلَغ
هذا. قال عمرُ: فنأخُذُ من أربعينَ شاةً شاةً ولا نأْخُذُ مِن الخيلِ شيئًا! خُذْ من
كلِّ فرسٍ دِينارًا . قال: فضرّب على الخيلِ دينارًا دينارًا .
وعن ابن جريج، قال : أخبرنى ابنُّ أبى حسينٍ، أَنَّ ابنَ شهابٍ أخبره ، أنَّ
عثمانَ كان يُصَدِّقُ (٧) الخيلَ، وأنَّ السائبَ بنَ يزيدَ أخبره أنَّه كان يأتِى عمرَ بنَ
الخطابِ بصدقةِ الخيلِ. قال ابنُ أبى حسينٍ : قال ابنُ شهابٍ: لم أَعْلَمْ أنَّ
وسولَ اللهِ وَلِّ سنَّ صدقةَ الخيلِ(٤) .
وقد ذكَّر معمرٌ، عن أبى إسحاقَ وغيرِهِ كلامًا معناه: عن عمرَ ، أَنَّ أهلَ
الشامِ ألُّوا عليه فى أخذِ الصدقةِ من خَيْلِهِم وعَبِيدِهم، فكان يأْخُذُها منهم ،
وكان يَرْزُقُهم مثلَ ذلك من الأجرِيَةِ(٥) . قال: فلمَّا كان مُعاويةُ حسب ذلك ،
القبس
(١ - ١) كذا فى النسخ. وينظر ما تقدم فى ٥٠٣/٨
(٢) فى النسخ: ((جبير))، وفى مصدر التخريج: ((يحيى)). وينظر ما تقدم فى ٥٠٣/٨
(٣) بعده فى س: ((على)).
(٤) عبد الرزاق (٦٨٨٨).
(٥) فى م: ((الأجرية)). والأجربة جمع الجريب؛ وهو مكيال قدر أربعة أقفزة. الوسيط (ج ر ب).
١٢٨

ما
الموطأ
فإذا الذى كان يُعْطِيهم أكثرُ من الذى كان يأخُذُ منهم، فتَرَك ذلك ولم يأْخُذْ التمهيد
منهم شيئًا ولم يُعطِهم شيئًا(١).
(٢)
قال أبو عمرَ : الخبرُ فى صدقةِ الخيلِ عن عمرَ غيرُ صحيح من حديثٍ
الزهرىِّ(٢) ، وقد رُوِى من حديثِ مالكِ أيضًا .
حدَّثنى محمدٌ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ عمرَ الحافظُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ
الشافعىُّ، حدَّثنا معاذُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسماءَ، حدَّثنا
مُجُوَيْرِيَّةُ ، عن مالك ، عن الزهرىِّ، أَنَّ السائبَ بنَ يزيدَ أخبَره قال : لقد رأيتُ أبى
يُقَيِّمُ الخيلَ ، ثم يدْفَعُ صدقتَها إلى عمرَ رضِى اللهُ عنه(٤).
وهذا حُجَّةُ أبى (٥) حنيفةَ ومعنى قولِه. واللهُ أعلمُ. تفََّ به مجُوَيْرِيةُ عن
(٦)
مالك(٢) .
وأمَّا قولُه: ((ورجلٌ ربطها فَخْرًا ورياءً ونِواءً لأهلِ الإسلام)). فالفخرُ والرِّياءُ
معروفانٍ، وأمَّا النّواءُ، فهو مصدرُ: ناوَأْتُ الرجلَ(٧) مُناوَأَةٌ ونِواءً، وهى
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٦٨٨٧) عن معمر به .
(٢) سقط من: ص ٤، م.
(٣) بعده فى ص ٤: ((وغيره)).
(٤) الدار قطنى فى غرائب مالك - كما فى الدراية فى تخريج أحاديث الهداية ١/ ٢٥٥ - وأخرجه ابن أبى
عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٨٦٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٦/٢ من طريق عبد الله بن محمد به .
(٥) فى ص٤، م: ((لأبى )).
(٦) بعده فى ص٤، م: ((وجويرية ثقة)).
(٧) فى ص ٤، م: ((العدو)).
٠
١٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٩/١٢ )

الموطأ
التمهيد المساماةُ(١) . قال أهلُ اللغةِ: أصلُه من: ناء إليك ونُؤْتَ إليه ، أى: نهَض إليكَ
ونَهَضْتَ إليه، قال بشرُ بنُ أبى خازمٍ(٢):
لا طائشِ رَعِشٍ ولا وقَّافٍ
بَلَّتْ قُتيبةُ فى النِّواءِ بفارسٍ
وقال أعشَى باهِلَةً(١):
يومًا فقد كنتَ تسْتَغْلى وتَنْتَصِرُ
إِمَّا يُصِبْكَ عدوٌّ فى مُناوَأَةٍ
وقال أوسُ بنُ حجرٍ() :
إذا أنتَ ناوأتَ الرِّجالَ فلم تَنُؤْ
إذا ما استوَى قَوْناكَ لم يَهْتَضِمْهُما
ولا يَستَوِى قرنُ النِّطاحِ الذى به
وقال جريرٌ():
للناسِ ظُلْمًا ولا للحربِ إِذْهَانا
إِنِّى امرؤٌ لم أُرِد فيمن أناوِتُه
بِقَرْنَيْنْ عَزَّتْكَ (٥) القرونُ الكواملُ
عزيزٌ ولم يَأْكُلْ ضعيفَكَ(٦) آكلُ
تَنوءُ وقَرِنٌّ كلَّما قُمْتَ مائلُ
القبس
(١) فى ص ٤، م: ((المساواة)).
(٢) ديوانه ص ١٦٠.
(٣) خزانة الأدب ١٩٥/١.
(٤) البيت الأول والثالث فى اللسان (ن وأ) بدون نسبة .
(٥) فى ص ٤: ((غزتك))، وفى م: ((غرتك)).
(٦) فى ص ٤، م: ((صفيفك)).
(٧) ديوانه ١٦٦/١.
١٣٠

١
الموطأ
وأمَّا قولُه: ((الآيةُ الجامعةُ الفاذَّةُ)). فالفاذُّ هو الشَّاذُ، والفاذَّةُ الشَّاذَّةُ ، قال التمهيد
ابنُ الأعرابيّ: يقالُ: ما يَدَعُ فى الحربِ فلانٌ شادًّا ولا فاذًّا. أى: أنَّه شُجاع لا
يَلْقَاه أحدٌ إلَّ قتَله، ويقالُ: فَاذَّةٌ وفذَّةٌ، وفاذٌّ وفذٌّ، ومنه قولُ النبيِّ وَلَّهِ: ((صلاةُ
الجماعةِ تَفْضُلُ صلاةَ الفَذِّ)(١).
قال أبو عمرَ: يعنى، واللهُ أعلمُ، أَنَّها آيَةٌ منفرِدةٌ فى(٢) الخيرِ والشَّرٌ، ولا(٣)
آيَةً أُعمُّ منها؛ لأنَّها آيَةٌ (٤) تَعُمُ كلَّ خيرِ وكلَّ شرّ. فأمَّا الخيرُ، فلا خلافَ بينَ
المسلمين أنَّ المؤمِنَ يرَى فى القيامةِ ما عمِل من الخيرِ، ويُثَابُ عليه . وأمَّا
الشَّرْ، فللهِ أن يَعفوَ(٥)، وله أن يُعاقِبَ، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. ولما نزَلتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾
[النساء: ١٢٣]. بكى أبو بكرٍ، وقال: يا رسولَ اللهِ ، أكلُّ ما نعملُ نُجزَى به؟ فقال له
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يا أبا بكرٍ، ألستَ تَمرَضُ؟ ألستَ تَنْصَبُ؟ ألستَ تُصِيبُكَ
اللُّوَاءُ؟ فذلك ما تُجْزَوْن به فى الدنيا))(١). وقال ◌َ: ((المرضُ كفَّارةٌ))(٧).
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٢٨٨).
(٢) بعده فى ص ٤، م: ((عموم)).
(٣) بعده فى م: ((أعلم)).
(٤) سقط من: ص ٤، م.
(٥) فى ص ٤، م: ((يغفر)).
(٦) أخرجه أحمد ٢٢٩/١ - ٢٣١ (٦٨، ٦٩)، وأبو يعلى (٩٨ - ١٠١)، وابن حبان
(٢٩١٠، ٢٩٢٦).
(٧) أخرجه رزين - كما فى مشكاة المصابيح (١٥٨٦).
١٣١ .

الموطأ
التمهيد و((ما يُصيبُ المؤمنَ من مصيبةٍ إلَّا كفِّر بها من خطاياه)) (١).
وقولُه فى الحُمُرِ فى هذا الحديثِ مثلُ قولِهِ وَّهِ: ((فى كلِّ ذى كَبِدٍ رطبةٍ
أجرٌ))(٢). وكان الحُمَيْدِىُّ رحِمه اللهُ يقولُ: إن اتَّخَذْتَ حمارًا فانظُرْ كيف
تَتَّخِذُه، أمَّا الخيلُ فقد جاء فيها ما جاء.
وفى هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ، دليلٌ على أنَّ كلامَه ذلك فى الخيلِ كان
بوحي من اللهِ؛ لأَنَّه قال فى الحُمُرِ: ((لم يَنْزِلْ علىَّ فيها شىءٌ إلَّ الآيةُ الجامعةُ
الفادَّةُ)). فكأنّ قولَه فى الخيلِ نزَل عليه . واللهُ أعلمُ. ألا ترَى إلى قولِه: ((لقد
◌ُوتِبْتُ الليلةَ فى الخيلِ))(٤) . وهذا يَعْضُدُ قولَ من قال: إنَّهُ(٥) لا يتكلَّمُ فى
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ
شىءٍ إِلَّا بوحي. وَلا: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَ (٣)
يُؤْعَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. واحتجَّ بقوله: ((أُوتِيتُ الكتابَ ومثلَه معه))(٩) . وبقولٍ
عبدِ اللهِ بنِ عمرو: يا رسولَ اللهِ، أكْتُبُ كلَّ ما أسْمَعُ منك؟ قال: ((نعم)).
قال: فى الرّضا والغضبِ؟ قال: ((نعم، فإِنِّى لا أقولُ إلَّا حقًّا))(٧).
القبس
(١ - ١) فى س: ((يصيبه)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٨١٨).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٧٩٥).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٠٢٥).
(٥) بعده فى ص ٤، م: ((كان)).
(٦) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٠٨٦) من الموطأ.
(٧) أخرجه أحمد ٥٧/١١، ٥٨، ٤٠٦، ٥٢٣، ٥٢٤ (٦٥١٠، ٦٨٠٢، ٦٩٣٠)، والدارمى
(٥٠١)، وأبو داود (٣٦٤٦).
١٣٢
L_

الموطأ
٩٨١ - مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ معمرٍ
الأنصارىِّ، عن عطاء بن يسارٍ، أنه قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((أَلَا
أُخبرُكم بخيرِ الناسِ منزلًا؟ رجلٌ آخِذٌ بعِنانٍ فرسِه يُجاهِدُ فى سبيلٍ
اللهِ، أَلَا أُخِرُكم بخيرِ الناسِ منزلًا بعدَه؟ رجلٌ مُعْتَزِلٌ فى غُنَيمةٍ له؛
يُقِيمُ الصلاةَ، ويُؤْتِى الزكاةَ، ويعبدُ اللهَ لا يُشركُ به شيئًا)).
مالكٌ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ معمرٍ الأنصارىِّ، عن عطاءِ بنِ التمهيد
يسارٍ، أَنَّه قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((أَلَا أَخْبِرُ كم بخَيْرِ الناسِ منزِلًا؟ رجلٌ آخِذٌ
بِعِنانِ فرسِه يجاهدُ فى سبيلِ اللهِ ، ألا أخْبِرُكم بخيرِ الناسِ منزلةً بعدَه ؟ رجلٌ
مُعتزلٌ فى غُنَيْمَةٍ له؛ يَقِيمُ الصلاةَ، ويؤتى الزكاةَ، ويُعْبُدُ اللهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا)(١).
هذا حديثٌ مُرسلٌ من روايةِ مالكٍ لا خِلافَ عنه فيه ، وقد يتصلُ من وجوهٍ
ثابتةٍ عن النبى ێ ، من حديث عطاء بن يسارٍ وغيره، وسنذ گرُ ذلك فی آخرِ
الباب إن شاءاللهُ ، وهو مِن أحسنٍ حدیث یُزْوَی فی فضلِ الجهادِ ، وفى الجهادِ
من الفضائلِ على لسانِ رسولِه ◌َّ ما لا يكادُ يُحصَى، قد مَرَّ منها كثيرٌ فى كتابنا
هذا، وليس هذا على شرطِنا موضِعَ ذكرِها .
حديثٌ: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَا أُخْبِرُكم بخيرِ الناسِ منزلةً)) إلى آخرِه. أما القبس
قولُه: ((رجلٌ آخِذٌ بعِنانِ فرسِه)) . فهو خيرُ الناسِ فى كلِّ زَمانٍ وأوانٍ ، وحالةٍ ومكانٍ .
وأما قولُه: ((رجلٌ مُعْتَزِلٌ فى غُنَيْمَةٍ)) (١) . فالمرادُ به فى وقتِ الفتنةِ ، وإلا فالجماعةُ ،
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٠٧).
(٢) فى م: ((غنيمته)).
١٣٣

.م
الموطأ
التمهيد
وأَما قولُه : ((خَيْرُ الناسِ بعدَهُ رجلٌ مُعْتَزِلٌ فِى غُنَئِمَةٍ له )) . ففى ذلك حضّ
على الانفرادِ عن الناسِ واعتزالِهم والفرارِ عنهم ، ولستُ أدرى فى هذا الكتاب
موضعًا أولَى بذكرِ العزلةِ وفضلها من هذا الموضع، وقد فضَّلها رَسُولُ اللَّهِ وِهِ
كما ترى، وفضَّلها جماعةُ العلماءِ والحكماءِ لاسيَّما فى زمنِ الفتنِ وفسادٍ
الناسِ، وقد يكونُ الاعتزالُ عن الناسِ مرةً فى الجبالِ والشِّعابِ ، ومرةً فى
السواحلِ والرّباطِ ، ومرةً فى البيوتِ، وقد جاء فى غيرِ هذا الحديثِ: ((إذا
كانتِ الفتنةُ، فأخْفِ مكانَك، وكُفَّ لسانَك)). ولم يَخُصَّ موضعًا من
موضعٍ، وقد قال عقبةُ بنُ عامٍ لرسولِ اللهِ وَله: ما النجاةُ يا رسولَ اللهِ؟ فقال:
(يا عقبةُ، أَمْسِكْ عليك لسانك، وليسَعْك بيتُك، وابكِ على خطيقَتِك))(١).
وبمثلِ هذا أوْصَى ابنُ مسعودٍ رجلًا قال: أوْصِنى(١).
وقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيّ، وحدَّثنا
سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ
العبسىُّ ، أخبرنا وكيع، عن الأعمشِ، عن مسلمِ البَطينِ، عن عدَسَةً قال: مَرَّبنا
القبس والجمعةُ ، وإفاضةُ العلم، وإقامةُ الحدودِ ، وإظهارُ الشعائرِ، هو معنى الدينِ، ولمّا
كان هذا قليلاً "فى الخَلْقِ" فى الأزمنةِ، خرَج كلامُ النبيِّ بَّرِ على الغالبِ.
(١) أخرجه أحمد ٥٦٩/٢٨، ٥٧٠ (١٧٣٣٤)، والترمذى (٢٤٠٦).
(٢) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٣٠)، وهناد فى الزهد (٤٦١)، والبيهقى فى الشعب
(٨٤٤) .
(٣ - ٣) ليس فى : د.
١٣٤

الموطأ
ابنُّ مسعودٍ، فأُهْدِى له طيرٌ(١) ، فقال ابنُ مسعودٍ: وَدِدْتُ أَنِّى حيثُ صِيدَ هذا التمهيد
الطير(٢) لا يكلِّمْنى أحدٌ ولا أُكلِّمُه(٣).
وقال رسولُ اللهِ وَّلِهِ لعبدِ اللهِ بنِ عمرو(٤): ((إذا رَأَيتَ الناسَ مَرِجَتْ
عُهُودُهم، وَخفَّتْ أَمانَاتُهم، فالزَمْ بيتَك، (وامْلِكْ عليكْ) لسانَك، وخُذْ ما
تعرِفُ، ودَغْ ما تُنْكِرُ))(٩).
وقالت عائشةُ: كان أولُ ما بُدِئَ به رسولُ اللهِ وَلِّ مِن الوحي الرؤيا
الصادِقَةَ ، ثم حُبِّبَ إليه الخلاءُ، فكان يَمْكِّثُ الأيامَ فى غارِ حِرَاءٍ يَتَعَبَّدُ ، ويتَزوَّدُ
لذلك مِن عندٍ خَدِيجَةً، فيَتْقَى الأَيامَ ذَوَاتِ العَدَدِ ، ثم يَرْجِعُ إلى خديجةً
فتُزَوِّدُه ، فلم يَزَلْ كذلك حتى جاءه الوحىُّ.
ذكره معمرٌ وغيرُه، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائِشةً(٧).
القبس
(١) فى الأصل، م: ((طائر)).
(٢) فى الأصل، م: ((الطائر)).
(٣) أخرجه البيهقى فى الزهد الكبير (١١٩) من طريق إبراهيم بن عبد الله به . وهو عند وكيع فى
الزهد (٢٥٧). وأخرجه ابن المبارك (١٣ - زوائد نعيم)، وابن أبى شيبة ٣٠٢/١٣ من طريق
الأعمش به .
(٤) فى م: ((عمر)).
(٥ - ٥) فى ص ١٦: ((وأمسك)).
(٦) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٤) من الموطأ .
(٧) أخرجه عبد الرزاق (٩٧١٩)، وأحمد ١١٢/٤٣ - ١١٤ (٢٥٩٥٩)، والبخارى (٦٩٨٢)،
ومسلم (٢٥٣/١٦٠) من طريق معمر به.
١٣٥

الموطأ
وكان يقالُ قديمًا: طُونِى لمَن خَزَنَ لسانَه، ووَسِعَه بيتُه، وبكَى على
خطيئته .
التمهيد
حدَّثنا محمدُ بنُ خَلِيفَةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: حدَّثنا
علُّ بنُ أزهر أبو الحسنِ الفَرْغَانِئُ بفرغَانَ ، قال : حدثنا عیسی بن یونسَ ، عن
ثورِ بنِ يَزِيدَ ، عن أبى يحيى سُلَيْمِ بنِ عامِرٍ قال: قال أبو الدرداءِ: نِعْمَ صَوْمَعَةُ
الرجلِ المسلم (١) بيتُه، يَكْفُّ فيه بَصَرَه ونَفْسَه وفَرْجَه، وإياكم والمجالسَ فى
الأسواقِ ، فإِنَّهَا تُلْفِى وتُلْهِى(٣) .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، حدَّثنا علىُّ بنُّ محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
داودَ ، حدَّثنا سُحنونٌ، حدَّثنا ابنُ وهبٍ ، أخبرنى مسلمُ بنُ خالِدٍ ، عن إسماعيلَ
ابنِ أميةَ، أَنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قال: إنَّ اليأسَ غِنَّى، وإن الطَّمَعَ فَقْرٌ حاضِرٌ، وإِنَّ
العُزْلَةَ راحَةٌ مِن خُلَطاءِ السوءِ) .
وقد رُوِى عن النبيِّ وَلّأنَّه قال: ((صوامعُ المؤمنينَ بُيُوتُهم)) . مِن مراسيلٍ
الحسنِ وغيرِه (١) .
القبس
(١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) أخرجه البيهقى فى الزهد الكبير (١٢٨) من طريق عيسى بن يونس به، وأخرجه وكيع فى الزهد
(٢٥١) ، وابن أبى شيبة ٣٠٩/١٣، ٣١٠ من طريق ثور به.
(٣) أخرجه وكيع فى الزهد (٢٥٠)، وابن أبى شيبة ٢٧٥/١٣ من طريق إسماعيل بن أمية به،
مقتصرا على آخره .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٢٨/١٣، وابن عدى ٢٢٧٩/٦، وأبو نعيم ١٩/٣ عن الحسن من =
١٣٦

الموطأ
وأخبرنا محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا التمهيد
محمدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ الصَّاغَانِىُ، قال: حدَّثنا سعيدُ
ابنُّ أبى مريمَ، أخبرنا ابنُ لَهِيعَةً، عن سَيَّارٍ (١) بنِ عبدِ الرحمنِ قال: قال لى بكيرُ
ابنُّ الأشجُّ: ما فعَلَ خالُك؟ قال: قلتُ: لَزِمَ البيتَ منذُ كذا وكذا. فقال: أمًا(٢)
إنَّ رجالاً مِن أَهْلٍ بدرٍ لَزِموا ◌ُيُوتَهم بعدَ قتلٍ عثمانَ فلم يَخْرُجوا إلَّا إلى ◌ُورِهم .
قال: وحدَّثنا محمدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ محمدِ بنِ
عبدِ اللهِ الرَّقَاشِىُّ، حدَّثنا محمدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنا شُعبَةُ ، عن إسماعِيلَ بنِ أبی
خالِدِ ، عن قَيْسٍ بنِ أبى حازِمٍ قال: قال طلحةُ بنُ عبيدِ اللهِ : أقلُّ لعَيْبِ الرجلِ
لُزُومُه بَيْتَه(٣).
وعن حذيفةً أنَّه قال: لوَدِدْتُ أَنِّى وجَدْتُ مَن يقومُ لِى فى مالى، فدَخَلْتُ
بَتِى، فأغلقتُ بابى، فلم يَدْخُلْ عَلَىَّ أحَدٌ ، ولم أخْرُجْ إلى أحَدٍ، حتى أَلحَقَ
باللَّهِ عزَّ وجلَّ(٤) . وقال غيره: طُوتَى لمن كان غَنِيًّا خَفِيًّا. وكان طاوسٌ يجْلِسُ
فى البيتِ ، فقيل له: لِمَّ تُكْثِرُ الجُلُوسَ فى البيتِ؟ فقال: حَيْفُ(٥) الأئمةِ وفَسادُ
القبس
= قوله، وأخرجه ابن حبان فى المجروحين ٢/ ٣٠٥، وابن عدى ٢٢٧٩/٦ من طريق الحسن، عن
أنس مرفوعًا .
(١) فى النسخ: ((يسار)). وهو سَيَّربن عبد الرحمن الصدفى المصرى. ينظر المؤتلف والمختلف ٣/ ١٢١٨،
والإكمال ٤/ ٤٢٤، وتهذيب الكمال ٣١٠/١٢.
(٢) فى م: ((ألا)).
(٣) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٢ - زوائد نعيم)، ووكيع فى الزهد (٢٥٤) من طريق إسماعيل به .
(٤) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٢٠ - زوائد نعيم)، والدانى فى السنن الواردة فى الفتن (١٢١).
(٥) فى ص، ص ١٦: ((خيفة)).
١٣٧

الموطأ
(١)
التمهيد الناس
قال أبو عمرَ : فَوَّ الناسُ قديمًا مِن الناسِ، فكيف بالحالِ اليومَ مع ظُهُورِ
فَسَادِهم وتَعَذَّرِ السَّلامَةِ منهم؟ ورَحِم اللهُ مَنصورًا الفَقِيهَ حيثُ يقولُ (٢):
والبُعْدُ منهم سَفِينَةْ
الناسُ بَخْرٌ عميقٌ
لنَفْسِكَ المِسْكِينَة
وقد نَصَحْتُكَ فانْظُرْ
وقال رجلٌ لسفيان الثورىِّ: أوْصِنِى. فقال: هذا زمانُ السكوتِ ولزوم
البيوتِ . وأخَذ هذا منصورٌ فقال(٣):
تِ وفى ملازمةِ البيوتْ
الخيرُ أجمَعُ فى السكُو
لك فاقْتَنِعْ بأقَلِّ قُوتْ
فإذا استوى لك ذا وذا
وقال منصورٌ أيضًا (٤):
ليس هذا زمانَ قولِكَ ما الحكْـ
والحَقِى بائِنًا بأهلِكِ أو أنـ
-مُ على مَن يقولُ أنتِ حَرَامُ
ـتَ عَتِيقٌ مُحَرَّرٌ يا غُلامُ
ةٍ عن شُبْهَةٍ وكيف الكلامُ
ومتى تُنْكَحُ المُصَابَةُ فى العِدَّ
فى حَرَامِ أصابَ سِنَّ غَزَالٍ
فتَوَلَّى وللغَزَالِ بُغَامُ
القبس
(١) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٤/ ٤.
(٢) البيتان فى التمثيل والمحاضرة ص ١٠٥، وبهجة المجالس ١/ ٦٧٥، ومعجم الأدباء ١٩/ ١٨٦.
(٣) البيتان فى شعب الإيمان ٤/ ٢٧٥، والزهد الكبير ٢/ ٩٠.
(٤) الأبيات فى بهجة المجالس ٣١٦/٢، ومعجم الأدباء ١٨٨/١٩.
١٣٨

الموطأ
التمهيد
إنَّما ذا زَمانُ كَدٍّ إلى المَوْ تِ وقوتٍ مُبْلِغِ والسَّلامُ
حدَّثنا محمدُ بنُ خَلِيفَةَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسَيْنِ، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الحَمِيدِ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبى الحارِثِ ، قال :
سمِعتُ أحمدَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ يُونُسَ يقولُ : سمِعتُ سفيانَ الثورىَّ يقولُ : ما
رَأَيْثُ لأَحَدٍ خَيْرًا مِن أَنْ يَدْخُلَ فى بُخٍ (١) .
وقال يحيى بنُ يمانٍ: قال لى سفيانُ: أَنْكِرْ مَن تَغْرِفُ ، ولا تَتَعَرَّفْ إِلى مَن
لا تَعْرِفُ .
وحدَّثنا محمدُ بنُ خليفةَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا
يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعِدٍ ، قال: سمِعتُ الحسينَ بنَ الحسنِ المروزِىَّ يقولُ :
سمِعتُ سفيانَ بنَ عيينةَ يقولُ : رأيتُ الثَّوْرِئَّ فى النومِ ، فقلتُ له : أوْصِنِى .
فقال : أقِلَّ مِن معرفةِ الناسِ، أَقِلَّ مِن معرفةِ الناسِ. قال ابنُ عيينةَ: كأنَّه مَلْدُوٌ
مِن مُجالسةِ الناسِ(١) .
وقال داودُ الطَّائِىُّ: فِرَّمِن الناسِ كما تَفِرُ مِن الأَسَدِ ، واستوحِشْ منهم كما تسْتَوْحِشُ
مِن السباعِ . ومِمَّا يُروَى للشافعيِّ رَحِمه اللـهُ، وزمَانُه لا مَحَالةَ خيرٌ مِن زَمانِتَا هذا(١):
ولَيْتَنَا لا نَرَى مِمَّنْ نَرَى أَحَدَا
ليتَ السباعَ لنا كانت مُجَاوِرَةً
القبس
(١) أخرجه البغوى فى الجعديات (١٨٤٥)، وأبو نعيم فى الحلية ٧/ ٢٥، ٢٦، والبيهقى فى الزهد
(١٤٣) من طريق أحمد بن عبد الله به .
(٢) أخرجه أحمد فى العلل ومعرفة الرجال ٣٧٢/١ (٢٣٦٧)، وابن أبى حاتم فى الجرح ١٢٠/١
من طريق ابن عيينة به .
(٣) الأبيات فى بهجة المجالس ٦٨١/١.
١٣٩

الموطأ
والناسُ ليس بِهَادٍ شَرُّهم أَبَدَا
إِنَّ السِّبَاعَ لتَهْدَا فى مَرابِضِها
التمهيد
تَعِشْ سَلِيمًا إذا ما كنتَ مُنْفَرِدًا
فاهْرُبْ بنَفْسِك واسْتَأْنِس بوَحْدَتِها
وقال الفضيلُ بنُ عياضٍ : أقِلَّ مِن مَعْرِفَةِ الناسِ، وليكُنْ شُغْلُك فى نَفْسِك.
وقال وُهَيْبُ بنُ الوردِ : خالَطْتُ الناسَ خمسين سنةً، فما وَجَدْتُ رجلًا غَفَر لى
ذنبًا فيما بينى وبينَه ، ولا وصَلنى إذا قَطَعْتُه، ولا سَتَرَ علَىَّ عورةٌ، ولا أَمِنْتُه إِذا
غَضِب ، فالاشْتِغالُ بهؤلاءِ حُمْقٌ. وقال مالكُ بنُ دينارٍ : قال لى راهِبٌ مِن
الرُّهْبانِ : يا مالكُ، إِنِ اسْتَطَعْتَ أن تَجْعَلَ بينكَ وبينَ الناسِ سُورًا مِن حَدِيد
فافعَلْ، وانظُرْ كُلَّ جَلِيسٍ لا تَسْتَفيدُ منه خَيْرًا فى دِينِكَ ، فانْبِذْه عنك .
حدَّثنا محمدُ بنُ خليفةَ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ ، حدَّثنا الفِزْيَابُ ،
حدَّثنا محمدُ بنُ المثَنَّى، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِیٍّ،
ووَهْبُ بنُّ جريرٍ، عن شعبةً، عن خُبَيْبٍ (١) بنِ عبدِ الرحمنِ، عن حفصٍ بنِ
عاصِمٍ قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: خُذُوا بحَظُكُم مِن العُزْلَةِ(١).
وكان سعيدُ بنُّ المسيبِ يقولُ: العُزْلَةُ عِبادَةٌ(٣) .
وذكَرَ عبدُ اللَّهِ بنُ خُبَيْقِ (٤)، قال: قال لى يُوسُفُ بنُ أسباطَ : قال لى
القبس
(١) فى ص، م: ((حبيب)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢٧/٨.
(٢) أخرجه البيهقى فى الزهد (١٢٠) من طريق يحيى به، وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (١١ -
زوائد نعيم) ، ووكيع فى الزهد (٢٥٣) من طريق شعبة به .
(٣) أخرجه أحمد فى الزهد ص ٣٨٣، والبيهقى فى الزهد (١٢١).
(٤) فى الأصل، ص، م: ((حبيق))، وفى ص ١٦: ((عباس)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر
الجرح والتعديل ٤٦/٥، وتكملة الإكمال ٣٩٨/٢.
١٤٠
. .