النص المفهرس
صفحات 261-280
الموطأ موسى ، والأوزاعِىُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ ، وعبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ. التمهيد وقال سليمانُ بنُ موسى : لا نَفَلَ فى أوَّلِ شىءٍ يُصابُ مِن المغنَم . وأنكر أحمدُ ابنُ حنبلٍ هذا، وقال: النَّفَلُ يكونُ مِن(١) كلِّ شيءٍ. وبه قال إسحاقُ . قال أبو عمرَ : لا فرقَ عندَ جماعةٍ فقهاءِ الأمصارِ وأهلِ النظَرِ والأثَرِ بينَ أوَّلِ مَغْنَمِ وغيرِهِ، وجائزٌ للإمامِ أنْ يُنفِّلَ مِن العَينِ وغيرِها على قَدرِ اجتهادِه، ولا حُجَّةَ لمن جعَل ذلك فى أوَّلِ مَغْنَم أو نَفاه عن أوَّلِ مَغْنَم إلَّ التَّحكّمُ ، وليس قولُه فى ذلك بشىءٍ، وأمَّا قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَعْلَمُوَأْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. فجعَل الخُمُسَ لمن سَمَّى فيها، وجعَل الأربعةَ أخماسٍ للمُوجِفِين ، فإنَّ العلماءَ وإن اختلفوا فى تفصِيلِ معانِى هذه الآيةِ، وقَسْمِ الخُمُسِ فيها، وحُكّم الأنفالِ على حَسبٍ ما ذكرنا، فإِنَّهم لم يختَلِفوا فى أنَّ الآيةَ ليست على ظاهرِها ، وأنَّها يدخُلُها الخُصوصُ ، فممَّا خَصُّوها به پإجماع أن قالوا : سَلَبُ المقتولِ لقاتلِه إذا نادَى الإِمامُ بذلك. ومنهم مَن يجعَلُ الشَّلَبَ للقاتِلِ على كلِّ حالٍ ، نادَى الإِمامُ به أو لم يُنادِ ، لا يَشرَكُه فيه غيرُه مِن الموجِفِينَ، ولا يُخَمَّسُ (١) السَّلَبُ عندَ أكثرِهم، وسنُبيِّنُ ذلك وُ جُوهَه فی بابِ يحيى بن سعيدٍ ١ إن شاء اللهُ. ومعلومٌ أنَّ الشَّلَبَ مِن الغَنِيمةِ ، فدَلَّ ما ذكرنا عنهم أنَّه مخصوصٌ عندَهم مِن مجملَةٍ ما غَنِموا. ومِن ذلك أيضًا النَّفَلُ، قد القبس (١) فى ظ، ى: ((فى)). (٢) فى م: ((يختص)). (٣) ينظر ما سيأتى ص ٢٩٨ - ٣١٢. ٢٦١ الموطأ التمهيد أجمعوا أنَّ الآيةَ مخصوصةٌ بما فعَل رسولُ اللهِ وَلِّ مِن الأنفالِ فى غَزَواتِه ، إلَّا أنهم اختَلَفوا؛ فقال قائلون: الأنفالُ مِن الخُمُسِ ؛ لأنَّ المُوجِفِين قد استحَقُّوا الأربعةَ أخماسٍ . وهذا قولُ مالكِ وغيرِهِ ، قالوا : لا يكونُ النَّقَلُ مِن رأسِ الغَنِيمةِ، ولا قبلَ القتالِ ؛ لأَنَّه قِتَالٌ على الدنيا . قالوا : وإذا كان مِن رأسِ الغَنِيمةِ كان مِن مالٍ الموجِفِين وأهلِ الخُمُسِ جميعًا . وقال آخرونَ: لا يكونُ النَّفَلُ إِلَّ مِن خُمُسٍ الخُمُسِ؛ سَهم النبيِّ وَ﴿َ. وهذا مذهَبُ الشافعىِّ وجماعةٍ، ذهبوا إلى أنَّ الخُمُسَ مقْسومٌ على خمسة أسهم أحدُها خمُسُ النبيِّ وََّ. وقال آخرون: لا نَفَلَ إِلَّا مِن رأسِ الغَنِيمةِ قبلَ أن تُحرِّزَ الغَنِيمَةُ ، فإذا أُحرِزت استَحقَّها أهلُها المُوجِفُون (١) وأهلُ الخُمُسِ. وهو قولُ الكوفيين وجماعةٍ قد ذكرناهم . وقال آخرون: النَّفَلُ جَائِرٌ قبلَ إحرازِ الغَنِيمَةِ وبعدَها؛ لأنَّ النبيَّ ◌َ لآل قد فعل ذلك كلَّه، وأجازَه(١) لمن فعَله، وثبت ذلك عنه. ومِمَّن قال بهذا؛ الأوزاعىُّ، والشافعىُّ، وجماعةٌ مِن الشاميِّين والعراقيين. ومِن ذلك أيضًا الأرضُ واخْتِلافُهم فيها ، وفى قِسْمَتِها ، وتوقيفِها، وقد ذكرنا ذلك فى بابِ ابنِ شهابٍ ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ مِن كتابِنا هذا، فلا وجه لإعادته هلهنا. وهذا كلَّه مِن اختِلافِهم فيما ذكرنا ، إجمائعٌ منهم على أنَّ الآيةَ مخصوصةٌ ، فيها ضَمِيرُ الأنفالِ ، وأنَّها مردُودَةٌ إلى الإمامِ على اجتهادِهِ ، فإن شاء نَقَّلَ قبلُ وإنْ شاء نَفَّل(٢) بعدُ ، على القبس : (١) بعده فى ى: ((عليها)). (٢) فى الأصل: ((اختاره)). (٣) ليس فى : الأصل، م. ٢٦٢ الموطأ قَدرِ (١) ما يَراه مِن الاجتهادِ للمسلمين ، والسَّلَبُ مِن النَّفَلِ عندَ جميعِهم كما التمهيد قال ابنُ عباسٍ(٢)، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. وفى هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ النَّفَلَ يجتهِدُ فيه الإمامُ على حسَبٍ ما ثبَت مِن أفعالِ النبيِّ وَّ فى ذلك. واللهُ أعلمُ . روَى الثورىُّ، وعبدُ(١) اللَّهِ بنُ جعفرِ بنِ نَجيحِ، وجماعةٌ ، من عبدِ الرحمنِ ابنِ الحارثِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عِيَّاشِ بنِ أبى ربيعةً، عن سليمانَ بنِ موسى الأشدقِ، عن مكحولٍ، عن أبى سلَّم الباهليّ، عن أبى أمامة الباهليّ صاحِبِ النبيِّ وَّهِ، عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ قال: خرَج رسولُ اللهِ وَّةِ إلى بدرٍ فَلَقِى العَدُوَّ، فلمَّا هزَمهم اللهُ اتَّبَعَتهم طائفةٌ مِن المسلمين تُقاتِلُهم ، وأحدَقت طائفةٌ برسولِ اللهِ وَه، واستَولَت طائفةٌ على العسكرِ والنَّهْبِ، فلمَّا (٢ نَفَى اللهُ العدُؤَّ و" رجَع الذين طلَبوهم، قالوا: لنا النَّفَلُ، نحن طلَبنا العدُوَّ، وبنا نفاهم اللهُ تعالى وهزَمهم. وقال الذين أحدَقوا برسولِ اللَّهِ وَلَّ: ما أنتم بأحَقَّ منَّا ، بل هو لنا، نحن أحدَقنا برسولِ اللَّهِ وَ لا يَنَالُ العَدُوُّ منه غِرَّةً. وقال الذين استولوا على العسكرِ والنَّهْبِ: واللَّهِ ما أنتم بأحقَّ به منا، بل هو لَنا ، نحن أخذناه واستَولينا القبس (١) فى ی: ((حسب)). (٢) سيأتى فى الموطأ (٩٩٨). (٣) فى ى، م: ((عبيد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٩/١٤. (٤ - ٤) فى ى: (( كفى الله تعالى)). (٥) فى الأصل: ((آخرون)). ٢٦٣ الموطأ التمهيد عليه. فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾. فقسَمه رسولُ اللَّهِ وَلّ بينَهم ). قال أبو عمرَ: لا يختَلِفُ العلماءُ أنَّ بعدَ هذا نزَلت: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنِ شَىْءٍ﴾ الآية. فَأَحْكَم اللهُ أَمْرَ الغَنِيمَةِ، وبيَّن رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ المرادَ بما نَصَّ(١) به فى السَّلَبِ وغيرِهِ ، وإنَّما جاء اختِلَافُ العلماءِ فى هذا البابِ علی حَسَبِ ما روَوْا فيه . واللهُ أعلم . وأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ المذكورُ فى هذا البابِ فلا يحتمِلُ تَأْوِيلًا ، ولا له إلَّا وَجٌ واحدٌ ، وذلك أنَّهم نُفِّلوا بعيرًا بعيرًا بعدَ سُهْمانِهم، فدَلَّ على أنَّ ذلك(٢) مِن غيرِ سُهْمانِهم، ولا موضِعَ لغيرِ السّهْمانِ إِلَّ الخُمُسُ، على روايةِ أكثرِ أصحابٍ نافعٍ لهذا الحدیثِ ، لا علی رِوَايةِ ابنِ إسحاقَ . وممَّا احتَجَّ به من رأى النَّفَلَ من الخمُسِ لا مِن رأسِ الغَنيمةِ ، حديثُ معاويةً مع عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ، وذلك أنَّ معاويةً لما غزًا عامَ المَضيقِ (٤) فَغَنِم، أرسَل إلى القبس (١) أخرجه سعيد بن منصور (٩٨٢ - تفسير)، والبيهقى ٥٧/٩ من طريق عبد الله بن جعفر بن نجیح به . (٢) فى ى: ((قضى)). ٠ (٣) بعده فى ی: (( كان)). (٤) فى م: ((المضيف)). وعام المضيق هو الذى غزا فيه معاوية بن أبى سفيان مضيق القسطنطينية فى زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وكان ذلك سنة اثنتين وثلاثين. وينظر تاريخ الطبرى ٤/ ٣٠٤، والبداية والنهاية ٢٤٣/١٠. ٢٦٤ الموطأ عُبادةَ بنِ الصامتِ بِيِرْذَونٍ (١) مِن المَغنَم ، فردَّه عُبادةُ ، فقال له معاويةُ : ما أنت التمهيد وذلك؟ قال عُبادةُ : إِنَّك لم تكنْ معنا فى غزوةٍ كذا وكذا، إذْ جاء رجلٌ إلى النبىِِّ نَّه فقال: يا رسولَ اللهِ، أعطِنى عِقالًا. فقال له رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لا طاقةً لك بعِقالٍ مِن نارٍ، ولكنْ إذا حَمَّسنا فتَعالَ أُعْطِكَ))(٢). قالوا: فهذا نصّ على أنَّ النَّفَلَ لا يكونُ مِن رأسِ الغَنِيمةِ. وقال غيرُهم: يحتَمِلُ أن يكونَ مِن سِهامِ المُوجِفِينَ ، ويحتَمِلُ أن يكونَ مِن الخُمُسِ؛ يكونُ مِن أحدِهما، و "أَيُّهما كان فمعلومٌ أهلُه، وإذا جاز أن يكونَ مِن الخُمُسِ والخُمُسُ لأهْلِه ، جاز أن يكونَ مِن سِهَامِ المُوجِفينَ وإن لم يكنْ من ١ رأسِ الغَنِيمةِ . واحتَجُوا أيضًا بحديثِ محمدِ بنِ سِيرينَ، أَنَّ أَنسَ بنَ مالِكِ كان مع عُبيدِ اللَّهِ ابنِ أبى بكرةَ فى غَزَاةٍ، فأصابُوا سَبِيًّا (٥) ، فأراد عبيدُ اللَّهِ أن يُعطِىَ أنسًا مِن السَّبِيُ(١) قبلَ أن يُقْسَمَ، قال أنس: لا ، ولكنِ اقْسِمْ ثم أُعْطِنِى مِن الخُمُسِ. فقال عُبِيدُ اللَّهِ: لا ، إِلَّ مِن جميعِ الغَنَائِمِ. فَأتَى أنسٌ أن يَقبَلَ، وأَتَى عُبِيدُ اللَّهِ أن يُعطِيَه القبس (١) فى م: ((يريدون)). والبرذون يطلق على غير العربى من الخيل والبغال؛ عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، قوى الأرجل، عظيم الحوافر. ينظر الوسيط (برذن). (٢) أخرجه أحمد ٤٠٥/٣٧ (٢٢٧٣٩) بنحوه . (٣) فى م: ((أو)). (٤) سقط من : م. (٥) فى م: ((شيئا)). (٦) فى م: ((الشىء)). ٢٦٥ الموطأ التمهيد مِن الخُمُسِ(١) . وهذا عن(٢) أنسٍ بحضرَةٍ جِلَّةٍ مِن العلماءِ، ورُبَّما كان هناك غيرُه مِن الصحابةِ ، ولم يُؤْوَ عن واحِدٍ منهم نَكِيرٌ لذلك، فهذا الاختلافُ قديم فى هذا البابٍ ، وباللهِ التوفيقُ. وحَسبُكَ بقولِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ : كان الناسُ يُعطَونَ النَّفَلَ مِن الخُمُسِ(٣) . وأمَّا حديثُ حبيبٍ بنِ مسلمةَ الذى احتَجَّ به مَن جعَل النَّفَلَ مِن غيرِ الخُمُسِ، وجعَله مِن رأسِ الغَنِيمةِ قبلَ إحرازِها ، فحدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال : حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدثنا مُطَّلِبُ بنُ شعيب ، قال: حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : حدثنا معاویةُ بنُ صالح، عن العلاءِ، عن مكحول، عن زيادٍ بن جاريةَ، عن حبيبٍ بن مسلمةَ، أَنَّ رسولُ اللّهِ وَلِّ نَفَّل الرّيُعَ بعدَ الخُمُسِ فى البَدْأَةِ ، وَقَّل الثُّلُثَ بعدَ الخُمُسِ فى الرّجِعَةِ(٤). ففى هذا الحديثِ أنَّ النَّفَلَ كان مِن غيرِ الخُمُسِ . واللهُ أعلمُ . قال أبو عمرَ: كان أعدَلَ الأقاويلِ عندِی، واللهُ أعلمُ ، فى هذا البابِ أن القبس (١) أخرجه عبد الرزاق (٩٣١٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٤٢/٣، والبيهقى ٣٤٠/٦ من طریق ابن سیرین به . (٢) فى ى، م: ((من)). (٣) سيأتى فى الموطأ (٩٩٩). (٤) أخرجه الطبرانى فى مسند الشاميين (١٥١٨، ٣٥٥١) من طريق مطلب بن شعيب به، وأخرجه ابن زنجويه فى الأموال (١١٧٦)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣/ ٢٤٠، والطبرانى (٣٥٢٥) من طريق عبد الله بن صالح به، وأخرجه أحمد ٩/٢٩ (١٧٤٦٥)، وأبو داود (٢٧٤٩) من طريق معاوية بن صالح به . ٢٦٦ % الموطأ يكونَ النَّفَلُ مِن خُمُسِ الخُمُسِ؛ سَهْمِ النبيِّ بَّهِ، لولا أنَّ فى حديثِ ابنِ عمرَ التمهيد هذا ما يَدُلُّ على أنَّه لم يكن ذلك مِن خُمُسِ الخُمُسِ، وذلك (١) أن تُنَزَّلَ تلك السَّرِيةُ على أنَّهم كانوا عشَرَةً مِثَالًا، ومعلومٌ أنَّك إذا عَرَفتَ ما للعشَرةِ، عَرَفتَ ما للمائةِ ، وما للألفِ ، وأَزْيَدَ ، فمِثالُ ذلك أن تكونَ الشَّرِيةُ عشَرةً ، أصابوا فى غَنِيمتِهم مائةً وخمسِين بعيرًا ، خرَج منها خُمُسُها ثلاثون بعِيرًا وصار لهم مِائَةٌ وعِشرونَ، قُسِمت على عشَرَةٍ، وجَب لكلِّ واحِدٍ اثنا عشَرَ، اثْنَا عشَرَ بعيرًا ، ثم أُعطِىَ "القومُ مِن الخُمُسِ بعيرًا بعيرًا، فهذا على مذهَبِ مَن قال: النَّفَلُ مِن مجملةِ الخُمُس٢ِ)؛ لأنَّ خُمُسَ ثلاثين لا يكونُ فيه عشَرَةُ أُبعِرَةٍ . وقد يحتَجُ من قال : إنَّ ذلك يحتَمِلُ أن يكونَ مِن خُمُسِ الخُمُسِ . بأن يقولَ: جائزٌ أن يكونَ هناك ثِيابٌ ومتائٌ غيرُ الإِبلِ، فَأُعطِىَ من لم يَتْلُغْه البعيرُ قيمةَ البعيرِ مِن غيرِ ذلك مِن العُرُوضِ. ومِن حُجَّةِ الشافعىِّ ومَن قال بقولِه: إنَّ النَّفَلَ لا يكونُ إِلَّ مِن خُمُسِ الخُمُسِ؛ سَهْم النبيِّ وَِّ. ما ذَكَرَه أبو عبدِ اللَّهِ المروزِىُّ (١) رحِمه اللهُ، قال : حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهیم ، قال : حدثنا وهبُ بنُ جریرٍ ، قال : حدثنى أبى ، قال : سمِعتُ محمدَ بنَ إسحاقَ يقولُ : حدثنى الزهرىُّ، عن سعيدِ بنِ (٤) المسيبٍ ، عن جبيرِ بنِ مُطعِم قال: لما قسم النبىُّ وَّسَهمَ ذِى القربى بينَ بنى هاشِمٍ وبنى المطّلبِ، أَتَيْتُه أنا وعثمانُ فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، هؤلاء بنو هاشمِ، القبس (١) بعده فى ى: ((على)). (٢ - ٢) فى ى: ((الخمس لا من خمس الخمس)). (٣) المروزى فى السنة (١٥٩). وسيأتى ص ٣٥٢، ٣٥٣. (٤) فى ى: ((من)). ٢٦٧ الموطأ التمهيد لا يُنكَرِ فضلُهم لِما وضَعك اللَّهُ منهم ، أفرأيتَ بنى المطلِبِ، أعطَيتَهم ومَنَّعتَنَا ، ونحن وهم مِنك بمنزلةٍ . فقال: ((إنَّ بنى المطَّلِبِ لم يُفارِقونى فى جاهليةٍ ولا إسلامٍ، وإنَّما بنو هاشم وبنو المطلِبِ شىءٌ واحدٌ )). وشبَّك رسولُ اللَّهِ وَلِّ بِينَ أصابعِه. قال: فقسَم رسولُ اللّهِ مَّه بِينَهم خُمُسَ الخُمُسِ. وكان مالكٌ رحِمه اللهُ لا يَرَى قِسمَةَ الخُمُسِ أخماسًا، وقال: الخُمُسُ مِن الغَنِيمَةِ، وحُكمُه محُكمُ الفَىْءِ الذى لم يُوجَفْ عليه بخيلٍ ولا رِ كابٍ ممَّا أفاء اللهُ على المسلمين . قال: ويُجعَلُ الخُمُسُ والفَىْءُ جميعًا فى بيتِ المالِ. قال: ويُعطَى أقرباءُ رسولِ اللَّهِ وَ له على ما يَرَى الإِمامُ ويَجتهِدُ فى ذلك ، فإن تكافأ أهلُ البلدانِ فى الحاجَةِ بُدِىَ بالذين فيهم المالُ ، وإن كان بعضُ البلدانِ أشَدَّ حاجةٌ نُقِلَ إليهم أكثرُ المالِ . وكان مالكٌ يَرَى التفضِيلَ فى العطاءِ على قدرِ الحاجةِ ، ولا يُخرَجُ عندَه مالٌ مِن بلدٍ إِلى غيرِه حتى يُعطَى أهلُه ما يُغنِيهم على وجهِ النَّظَرِ والاجتهادِ . قال: ويجوزُ أن يُجِيزَ الوَالِى على وَجْهِ الدِّينِ أو لأمرٍ يَرَاه قد استُحِقَّ به الجائِزَةُ . قال : والفَىْءُ حلالٌ للأغنياءِ. وقال الشافعىُّ: يُقْسَمُ الخُمُسُ على خمسةِ أسْهُمٍ . وهو قولُ الثورىِّ وجماعةٍ ، قالوا: سَهُمُ النبىِّ وََّ مِن الخُمُسِ خُمُسُ الخُمُسِ، وما بَقِى للطبقاتِ الذين سمَّاهم اللَّهُ، وسَهمُ ذِى القُربى عندَهم باقٍ لقرابةِ رسولِ اللَّهِ وَلَهُ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: يُقْسَمُ الخُمُسُ على ثلاثةِ أَسهُم؛ للفقراءِ، والمساكِينٍ، وابنِ السبيلِ. وأسقَطوا سهمَ النبىِّ بَلِلّهِ وسَهمَ ذِى القُربى بعدَه، وزعَموا أنَّ سَهمَ ذِى القربى كان لإدخالِ السُّرورِ على النبيِّ الََّ فى حياتِه القبس ٢٦٨ الموطأ و(١)قَرابتِه؛ لأَنَّه مُضَمَّنٌّ فيه(٢) ، فلمَّا مات ارتَفَع سَهمُه وسَهمُ قَرابتِه. واحتَجُوا التمهيد باتِّفاقِ الخلفاءِ الرَّاشدين الأربعةِ على مَنع قَرابةِ رسولِ اللَّهِ وَلِهِ. كذا ذكروا. قالوا : وما كانوا مع فضلهم وتُقاهم لِيَمنَعوا أحدًا حظًا وجب له، فكيف وقد قاتلوا العربَ فيما وجَب للمساكينِ مِن الزَّكَوَاتِ إلى أشياءَ مِن فضائِلِهم؟ وقيامُهم بالحقِّ لا يُحصَى ، فكيف يَمنَعون ذَوِى القُربى ؟ قال أبو عمرَ : أمَّا ما ذكَروا مِن فَضلِهم وقِيامِهِم بالحقِّ فصِدقٌ، وأمَّا مَنعُهم سهمَ ذى القُربى فباطلٌ ، وقد بيَّنَّا ذلك فى حديثِ ابنِ شِهابٍ، عن عروةً(١) مِن هذا الكتابِ . وقال محمدُ بنُ جريرٍ: يُقْسَمُ الخُمُسُ على أربعةِ أسهم ؛ لأنَّ سَهمَ النبىِّ وَ مَرُدُودٌ على مَن سُمِّى معه فى الآيةِ، قياسًا على ما أجمَعوا عليه فيمَن عُدِم مِن أهلِ سُهْمانِ الصدقةِ(٤) . قال أبو عمرَ: للكَلامِ فى قَسمِ الخُمُسِ وإيرادِ ما للعلماءِ فى ذلك مِن الأقوالِ موضعٌ غيرُ هذا، والقولُ فيه يطولُ ، وإنَّما ذكرنا منه هلهنا طرفًا دلَّ على محكمِ الخُمُسِ ، وحكمٍ خُمُسٍ الخُمُسِ ، لِمَا جَرَى فى الحديثِ المذكورِ فى هذا البابِ مِن أَنَّ الَّفَلَ فيه كان مِن خُمُسِ الخُمُسِ، أو مِن ◌ُملةِ الخُمُسِ، أو مِن رأسِ الغَنِيمةِ، على حسَبٍ ما ذكرنا مِن اختِلافِهم فى ذلك، فبيَّنَّا وجهَ الخُمُسِ وخُمُسِه ، وسنذكُرُ أحكامَه ، وما للعلماءِ فى ذلك مِن الأقوالِ ، ووُجُوهَ القبس (١) فى ى: ((فى)). (٢) فى ى: (( به)). (٣) سيأتى فى شرح الحديث (١٩٣٩) من الموطأ . (٤) فى ى، م: ((الصدقات)). ٢٦٩ الموطأ ٩٩٣ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيّبِ يقولُ: كان الناسُ فى الغزوِ إذا اقتسموا غنائمَهم يَعدِلون البعيرَ بعَشْرِ شِيَاهِ . التمهيد الاحتجاج فى ذلك والاعتلالِ فى بابٍ عبدِ ربِّه بن سعيدٍ ) إن شاء اللهُ تعالى. ن وذكَر مالكٌ فى هذا البابِ عن يحيى بن سعيدٍ ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسئَّبِ الاستذكار يقولُ: كان الناسُ فى الغزوِ إذا اقتسموا غنائمَهم يَعْدِلون البعيرَ بعَشْرِ شِياهٍ(١) . قال أبو عمرَ: فى هذه المسألةِ جوازُ قسمةِ الحيوانِ المختلِفِ الأجناسِ بعضِه ببعض على اختلافٍ أجناسِه . وبه قال الشافعىُّ، ولا رِبا عندَه فى شىءٍ مِن الحيوانِ بعضِه ببعضٍ نقدًا ولا نسيئةً. وهو قولُ أبى حنيفةً إلا فى النسيئةِ ، قال : تُقْسَمُ الإِبلُ والبقرُ والغنمُ والثيابُ كيف شاء أربابُها يدًا بيدٍ . وقال عیسی بنُ دینارٍ عن ابن القاسم : لیس العملُ علی حدیث سعیدِ بنِ المسيَّبِ هذا، ولكن تُقْسَمُ الإبلُ على حِدَةِ والغنمُ على حِدَةٍ بالقيمةِ، وكذلك سائرُ العُروضِ؛ يُقْسَمُ كلَّ جنسٍ على حِدَتِه بالقيمةِ، ولا يُقْسَمُ شىءٌ منها بالسهم، ولا ◌ُجعلُ جزءٌ مِن جنسٍ بجزءٍ مِن غيره، ذلك مكروة؛ لأنه لا یدِی أين يقعُ سهمُه. وهو عندَه مِن بابِ الغَرَرِ. وهذا خلافُ ظاهرِ العملِ) فى حديثٍ سعيدِ بنِ المسئَّبِ . القبس (١ - ١) فى م: ((يحيى)). (٢) سيأتى ص ٣٤٦ - ٣٥٨. (٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٥٥). (٤) سقط من : م . · ٢٧٠ . قال يحيى : سمِعتُ مالكًا يقولُ فى الأجيرِ فى الغزو : إنه إن كان الموطا شهد القتال ، و کان معَ الناس عند القتال ، و کان حدًّا ، فله سهمُه ، وإن لم يَفعَلْ ذلك فلا سهمَ له . قال: وسمِعتُ مالكًا يقولُ: وأَرَى أَلَّا يُقسَمَ إلا لمَن شهِد القتالَ من الأحرارِ . مسألةٌ : قال مالكٌ فى الأجيرِ فى الغزوٍ: إنه إن كان شهِد القتالَ(١) ، وكان الاستذكار حرًّا ، فله سهمُه ، وإن لم يفعلْ ذلك فلا سهمَ له . قال: وأرى ألّا يُقسَمَ إلا لمَن شهِد القتالَ مِن الأحرارِ . قال أبو عمرَ : اختلف العلماءُ فى الأجيرِ والتاجرِ ؛ فقولُ مالكِ فى الأجيرِ ما ذكّره فى ((موطئِه))، وقال فى غيرِ ((الموطأً)): لا يُسْهَمُ للتاجرِ ولا للأجيرِ إلا أن يُقاتِلوا . وقال الحسنُ بنُ حىٍّ: يُسْهَمُ للأجيرِ. وقال الليثُ بنُّ سعدٍ: مَن أسلَم فخرَج إلى العسكرِ؛ فإن قاتَل فله سهمُه، وإن لم يُقاتِلْ فلا شىءٍ(٢) له . قال : والأجيرُ إذا اشتغل بالخدمةِ عن حضورِ القتالِ، فلا شىءَ له. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه فى التاجرِ والأجيرٍ: إن قاتلوا استحقُّوا ، وإن لم يُقاتِلوا فلا شىءَ لهم . وهذا كقولٍ مالكٍ سواءً. وروَى الثورىُّ عن أشعثَ ، عن الحسنِ وابنٍ سيرينَ، قالا: يُشْهَمُ للأجيرٍ(٢) . قال الثورىُّ: إذا قاتل الأجيرُ أُسهم له، ورُفِع عمن القبس (١) بعده فى م: ((وكان مع الناس عند القتال)). (٢) فى الأصل، م: ((سهم). (٣) أخرجه عبد الرزاق (٩٤٥٦) عن الثورى به. ووقع فيه: ((لا سهم للأجير)). وهو خطأ، وينظر فتح البارى ٦/ ١٢٥. ٢٧١ الموطأ الاستذكار استأجره بقدر ما شُغِل عنه . وقال الأوزاعىُ وإسحاقُ : لا يُسھَمُ للعبدِ ولا للأجیرِ المستأجرٍ على خدمةِ القومِ. وذگر المُزنئُ عن الشافعى ، قال : ولو کان لرجل أجیر یریدُ الجهادَ معه ، فقد قيل: يُسهَمُ له. وقيل: لا يُسهَمُ له، إلا أن يكونَ قتالٌ فيقاتِلَ. وكذلكَ التجَّارُ إِن قاتَلوا ؛ قيل: يُسهَمُ لهم. وقيل: لا يُسهَمُ لهم. قال المُزنىُ: قد قال فى كتابٍ الأسارى: يُسهَمُ للتاجرِ إذا قاتَل . وهو أولى بأصلِه . قال أبو عمرَ: جمهورُ العلماءِ يرَون أن يُسهَمَ للتاجرِ إِذا حضَر القتالَ . وقال الأوزاعىُّ: لا يُسِهَمُ للبَيْطارِ، والشَّغَّابِ، والحدَّادِ، ونحوهم. وقال مالكٌ: يُسهَمُ لكلِّ مَن قاتَل إذا كان حرًّا . وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ . قال أبو عمرَ: مَن جعَل الأجيرَ كالعبدِ لم يُسهِمْ له، حضَر القتالَ أو لم يحضر، وجعل ما أخذه من الأجرة مانعًا له مِن الشُهمان . ومِن حُجَّتِه ما رواه عبدُ الرزاقِ (١) ، عن عبدِ العزيزِ بنِ أبى رَوَّادٍ ، قال: أخبرنى أبو سلمةَ الحِمْصىُّ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ قال لرجلٍ مِن فقراءِ المهاجرين : اخرُجْ معى يا فلانُ إِلى الغزو؟ قال: نعم. فوعَدهُ(١)، فلما حضَر الخروج دعاه، فأتى أن يخرج معه، فقال عبدُ الرحمنِ: أليس قد وعَدتنى؟ أَتُخلِفُنى؟ قال: ما أستطيعُ أن أخرجٌ . قال: وما الذى يمنعُك؟ قال: عيالى وأهلى. قال: فما الذى يُرضِيك حتى تخرُجَ معى ؟ قال : ثلاثةُ دنانيرَ. فدفَع إليه عبدُ الرحمنِ ثلاثةَ دنانيرَ على (١) أن يخرُجَ معه ، فخرَج معه ، فلما هزَموا العدوَّ، وأصابوا المغنمَ ، قال لعبدِ الرحمنِ : القبس (١) عبد الرزاق (٩٤٥٧). (٢) ليس فى : الأصل . (٣) فى الأصل، م: ((قبل)). ٢٧٢ الموطأ أُعطِنى نصيبى مِن المغنم. فقال عبدُ الرحمنِ: سأذكُرُ أمرَك لرسولِ اللهِ أَالتِ. الاستذكار فذكره له، فقال له رسولُ اللهِ وَةِ: «هذه الثلاثةُ دنانیرَ حظّه ونصیئُه مِن غزوتِه فى أمرٍ دنياه وآخرته)) . واختلفوا أيضًا فى العبدِ ؛ فقال مالكٌ: لا أعلمُ العبدَ يُعطَى مِن الغنيمةِ شيئًا . وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما، والثورىُّ، والأوزاعيُ: لا يُسهَمُ للعبد ، ولکن ◌ُرضَخُ له(١). قال أبو عمرَ: رُوِى عن الحكمِ بنِ عُتيبةَ، والحسنِ، وابنٍ سيرينَ ، وإبراهيمَ النخعىِّ، وعمرو بنٍ شعيبٍ، أن العبدَ إذا حضَر القتالَ أُسهِم له (٢) . ورُوِى عن عمرَ بنِ الخطابِ وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، أنهما قالا : لا يُسهَمُ للعبدِ ، وليس له فى الغنيمةِ نصيبٌ. ذكره أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً مِن طرقٍ عنهما () . حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ. وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بِنُ أبى(١) شيبةَ، قال: حدّثنا وكيق، قال : أخبرنا هشامٌ، عن محمدِ بنِ زيدِ بنِ مُهاجرِ بنِ قُنْفُذٍ ، عن عميرٍ مولى آبِى اللَّحْم قال : شهِدتُ مع مولاى خيبرَ وأنا مملوكٌ ، فلم يَقْسِمْ لى مِن الغنيمةِ شيئًا ، وأعطانى القبس (١) الرضخ: العطيّة القليلة، ومنه الرضخ من الغنائم؛ لأنه عطيّة دون السهم، ويقال: أرضخْتُ للرجل. إذا أعطيتَه قليلاً من كثير. التاج ( رض خ). (٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٤٠٧/١٢، والمحلى ٧/ ٥٣٩. (٣) ابن أبى شيبة ٤٠٦/١٢، ٤٠٧. (٤) سقط من: م . ٢٧٣ ( موسوعة شروح الموطأ ١٨/١٢ ) الموطأ الاستذكار مِن خُزْنِىٌّ المتاع سيفًا كنتُ أُجُه إذا تقدَّدتُّه(٢). قال أبو عمرَ: هذا حكمُ العبدِ فى الغزوِ والغنيمةِ . وأما القَسْمُ له فى الفيءِ والعطاءِ، فقد اختُلِف فيه عن عمرَ على قولَين، العلماءُ عليهما. روَى سفيانُ بنُ عيينةً، عن عمرو بنِ دينارٍ، عن الحسنِ بنِ محمدٍ ، عن مَخْلدِ الغِفارىِّ، أن ثلاثةَ مملوكِين لبنى غِفارٍ شهِدوا بدرًا مع رسولِ اللهِ وَلّهه فكان عمرُ يُعْطِيهم كلَّ سنةٍ ثلاثةَ آلافٍ لكلِّ رجلٍ منهم (١) . وسفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ ، قال: قدِم عمرُ بنُ الخطابِ مكةَ ، فَأَعْطَى الناسَ عشرةَ دراهمَ (عشرةَ دراهمَ))؛ فمَرَّ به عبدٌ ، فأعطاه عشَرةَ دراهمَ ، فلما ولَّى قالوا له: إنه عبدٌ ! قال: دَعُوه (٥) . قال أبو عمرَ: وأصحُ ما فى هذا البابِ عن عمرَ ، ما رواه سفيانُ بنُّ عيينةً ، عن عمرو بن دینارٍ ، عن ابن شهاب ، عن مالكِ بنِ أوسٍ بنِ الحدثانِ ، قال : قال عمرُ: ليس أحدٌ إلَّ وله فى هذا المالِ حقٌّ - ( يعنى الفىء٢ - إلا ما ملكت (٧) أيمانكم(٧) . القبس (١) الخُرثى: أثاث البيت، وأَشْقاطُه، أو أردأ المتاع والغنائم. التاج (خ ر ث). (٢) ابن أبى شيبة ٤٠٦/١٢. وأخرجه ابن ماجه (٢٨٥٥) من طريق وكيع به . (٣) أخرجه سعيد بن منصور (٢٧٨٠)، وابن أبى شيبة ٣١٢/١٢، ٣١٣، والطبرانى ٣٦٦/٢٠ (٨٥٣)، والبيهقى ٣٤٧/٦ من طريق سفيان به . (٤ - ٤) سقط من: ب ، م. (٥) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٣٣٣/٢ (١٦٠٨) من طريق سفيان بن عيينة به . (٦ - ٦) سقط من : ب ، س . (٧) أخرجه الشافعى ١٥٥/٤، والبيهقى ٣٤٧/٦ من طريق سفيان بن عيينة به. ٢٧٤ الموطأ الاستذكار ورواه عن ابن شهابٍ جماعةٌ كذلك، عن مالكِ بنِ أوسٍ، عن عمرَ بنِ الخطابِ (١) . وهو حديثٌ متصلٌ صحيحٌ. والاختلافُ فيه عن أبى بكرِ الصديقِ (٢) كذلك(٢). قال أبو عمرَ: مسألةُ الأجيرِ تُشبِهُ مسألةَ الجعائلِ، ولا ذِكرَ لها فى ((الموطأُ))، فنذكُرُها هلهنا. قال مالكٌ: لا بأسَ بالجعائلِ، ولم يَزَلِ الناسُ يُجاعِلون بالمدينةِ عندَنا، وذلك لأهلِ العطاءِ ومَن له ديوانٌ . وكرِه مالكٌ أن يؤاجرَ دابتَه أو فرسَه فى سبيلِ اللهِ ، وكرِه أن يُعطِيَه الوالى الجُعْلَ على أن يتقدَّمَ إِلى الحصنِ فيقاتِلَ . قال: ولا نكرهُ لأهلِ العطاءِ الجَعائِلَ؛ لأَن العطاءَ نفسَه مأخوذٌ على هذا الوجهِ . وقال الشافعىُّ : لا يجوزُ أن يغزوَ بُعْلٍ(٢) مِن رجلٍ يجعَلُه له، وإن غَزا به فعليه أن يَرِدَّه ، ولا بأسَ أن يأْخُذَ الجُعْلَ مِن السلطانِ دونَ غيرِه؛ لأنه يغزو بشىءٍ مِن حقِّه . وقال أبو حنيفةَ: تُكرَهُ الجَعائِلُ ما كان بالمسلمين قوةٌ ، أو كان فى بيتِ المالِ ما يفِى بذلك، فأما إذا لم تكنْ بهم قوةٌ ولا مالٌ ، فلا بأسَ أن يُجَهِّزَ بعضُهم بعضًا، ويجعَلَ القاعدُ للشاخصِ(٤). وكرِهِ الثورىُّ والليثُ الجُعْلَ . وقال الأوزاعىُّ : إذا كانت نِيَّةُ الغازِى على الغزوٍ، فلا بأسَ أن يُعَانَ. القبس (١) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٠٣٩) عن معمر عن ابن شهاب به . (٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٤٠٨/١٢، ومسند أحمد ١٣٠/٤٢ (٢٥٢٢٩)، وسنن أبى داود (٢٩٥٢). (٣) فى م: ((فيأخذ الجعل)). (٤) فى النسخ: (للناهض)). والمثبت من مختصر اختلاف العلماء ٤٣٦/٣، وينظر السير لمحمد بن الحسن ص ١٤٩، ٢٤٨، والمبسوط للسرخسى ٧٥/١٠. ٢٧٥ ٠ الموطأ ما لا يجبُ فيه الخُهُسُ ٩٩٤ - قال یحیی : سمِعتُ مالگا يقول فيمن وُجِد من العدوِ على ساحلِ البحرِ بأرضٍ المسلمين، فزعَموا أنهم تُجَجَارٌ وأن البحرَ لفَظهم ، ولا يَعرِفُ المسلمون تصديقَ ذلك إلا أن مراكبهم تكشّرت، أو عَطِشوا، فنزَلوا بغيرِ إذنِ المسلمِين: أَرَى ذلك إلى الإمامِ يَرَى فيهم الاستذكار وقال الكوفيون: لا بأسَ لمَن أحسَّ مِن نفسِه جبنًا (١) أن يجهِّزَ الغازىَ، ويجعلَ له جُعْلًا لغزوِه فى سبيلِ اللهِ . قال أبو عمرَ: لمَّا كان الغازِى يستحقُّ(٢) سهمًا مِن الغنيمةِ مِن أجلٍ حضورِه القتالَ، استحالَ أن يَجِبَ(١) له مجُعْلٌ(٤) فيما فعله لنفسِه وأدائِه ما عليه مِن فرضِ الجهادِ وسُنَِّه . وسنذكُرُ محُكْمَ النساءِ إذا غَزَوْنَ ، هل يُسْهَمُ لهن، عندَ ذكرٍ أمِّ حرامٍ فى غزوها مع زوجِها عُبادةً فى البحرِ(٥) ، إن شاء اللهُ. بابُ ما لا یجبُ فیہ الخمس قال مالكٌ فيمَن وُجِد مِن العدوِّ على ساحلِ البحرِ بأرضِ المسلمين، فزعَموا أنهم (١) تُجَارٌ وأن البحرَ لَفَظَهم ، ولا يعرفُ المسلمون تصديقَ ذلك إلا أن مراكبهم تكسّرت ، أو عطِشوا، فنزَلوا بغيرِ إذنِ المسلمين: أرَى ذلك إلى القبس (١) فى الأصل، م: ((حينا)). (٢) فى الأصل، م: ((يتخذ)). (٣) فى الأصل، م: ((يجعل)). (٤) فى الأصل، م: ((جعلا)). (٥) سيأتى ص ٤٤٩، ٤٥٠ . (٦) بعده فى الأصل: ((من)). ٢٧٦ رأيُه ، ولا أَرَى لمَن أخَذهم فيهم خُمُسًا . الموطأ الإمامِ يرى فيهم رأيه، ولا أرى لمَن أخَذهم فيهم خُمُسًا (١). الاستذكار قال أبو عمرَ: يُروى: أو عطِبوا. ويُروى: أو عطِشوا. وهو أولى؛ ليختلفَ(٢) معنى اللفظَين بدخولٍ (٢) ((أو)) بينَهما . قال أبو عمرَ : الحكمُ فى هؤلاء بما يظهَرُ مِن أمرِهم، فإن لم يُرَ معهم سلاح ولا آلةُ حربٍ ، وظهَر متاعُ التجارةِ أو ما دلّ عليه، فحكمُ الإمامِ فيهم أن يَقبلَ منهم أو يَرُدَّهم إلى مأمنِهم ، وإن لم يظهَرْ مِن أمرِهم ما يدُلُّ على صدقِهم ، ولم يكنْ لأَهلِ بلدِهم صلحٌ، ولا عهدُ مهادنةٍ يَأْمَنون به، فهم فَىْءٌ ساقَه اللهُ إلى المسلمين لا خُمُسَ فيهم لأحدٍ ؛ لأنهم لم يُوجَفْ عليهم بخيلٍ ولا ركابٍ . وقد قيل : إنهم لمَن أخَذهم وقدَر عليهم وصاروا بيدِه، وفيهم الخُمُسُ قياسًا على الرِّكازِ الذى هو مِن مالِ الكفارِ . وقد وردت السُّنَّةُ بإيجابِ الخمسِ فيه ، فأُجْرِىَ مُجرَی الغنيمة وإن لم يُوجَفْ علیه بخیل ولا ر کابٍ ، فإن لم يصيروا بيدِ أحدٍ حتى ارتفع أمرهم إلى الإمامٍ، فلا خُمُسَ فيهم بإجماعِ، وهم فى بيتِ مالٍ المسلمين مع سائرِ الفىءٍ. ذكَر عبدُ الرزاقٍ (٤) ، عن ابن جريج، قال: سُئل عطاءٌ عن رجلٍ مِن أهلٍ الحربِ يأتى المسلِمَ بغيرِ عهدٍ ، قال: خَيِّرْه؛ إِمَّا أن تُقِرَّه، وإمَّا أن تُبْلِغَه مأْمنَه . قال ابنُ جريجٍ: وقال غيرُه: لا يُدُّه إن لم يكنْ له عهدٌ ، ولو جاء بغيرِ سلاحٍ . القبس (١) الموطأ برواية أبى مصعب (٩٥٩). (٢) فى م: ((لاختلاف)). (٣) فى الأصل، م: ((لدخول)). (٤) عبد الرزاق (٩٦٥٢). ٢٧٧ الموطأ ما يجوزُ للمسلمين أكلُه قبلَ الخُمُسِ ٩٩٥ - قال : سمِعتُ مالكًا يقولُ: لا أَرَى بأسًا أن يأْكُلَ المسلمون إذا دخلوا أرضَ العدوِّ من طعامِهم ، ما وجَدوا من ذلك كلِّه من قبل أن تقَعَ المقاسمُ . قال مالكٌ: وأنا أرَى الإِبلَ والبقرَ والغنمَ بمنزلةِ الطعامِ ، يأكُلُ منه المسلمون إذا دخَلوا أرضَ العدوّ كما يأكُلون من الطعامِ . قال مالكٌ: ولو أن ذلك لا يُؤْكَلُ حتى يحَضُرَ الناسُ المقاسمَ ويُقسَمَ بينَهم ، أضَرَّ ذلك بالجيوشِ . قال مالكٌ: فلا أَرَى بأسًا بما أَكِل من ذلك كلِّه، على وجهِ المعروفِ والحاجة إليه ، ولا أَرَى أن يَدَّخِرَ أحدٌ من ذلك شيئًا يَرجِعُ به الاستذكار بابُ ما يجوزُ للمسلمين أكلُه قبلَ الخمسِ قال مالكٌ: لا أرى بأسًا أن يأكلَ المسلمون إذا دخَلوا أرضَ العدوِّ مِن طعامِهِمٌ) . قال : وأرَى الإِبلَ والبقرَ والغنمَ بمنزلةِ الطعام ، يأكلون من ذلك كُلِّه ما وجَدوا من قبلٍ أن تقعَ المقاسمُ. قال: ولو أنَّ ذلك لا يؤكلُ حتى يُقْسَمَ بينَهم ، أضَرَّ ذلك بهم. قال: وإنما يأكلون منه ما يحتاجون إليه على وجْهٍ القبس (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٨ظ - مخطوط). ٢٧٨ . إلى أهلِه . الموطأ قال يحيى : وسُئل مالكٌ عن الرجلِ يُصيبُ الطعامَ فى أرضٍ العدوِّ، فيأكُلُ منه ويتزَوَّدُ، فيفَضُلُ منه شىءٌ ، أَيَصِلُغُ له أن يحَبِسَهُ فيأْكُلَه فى أهله ، أو يَبِيعَه قبل أن يقدم بلاده فينتَفِعَ بثمنه ؟ قال مالك : إِن باعه وهو فى الغزو ، فإنى أرَى أن يَجعَلَ ثَمنَه فى غنائم المسلمين، وإن بلغ به بلدَه ، فلا أَرَى بأسّا أن يأكُلَه وينتَفِعَ به إذا كان يسيرًا تافهًا . المعروفِ ( والحاجةٍ()، ولا يَدَّخِرُ أحدٌ منه شيئًا يرجعُ به إلى أهلِهُ(١). الاستذكار وسئل مالكٌ عمَّن تزَوَّد من الطعامِ بأرضِ الحربِ فى طريقِه ففضَل منه، أيحبِسُه فيأكلَه فى أهلِه، أو يبيعُه قبلَ أن يقدَمَ بلدَه فينتفعَ بثمنِه؟ فقال : إن باعه بأرضِ العدوِّ جعَل ثمنَه فى غنائمِ المسلمين، وإن بلَغ به بلدَه فلا أَرَى بأسًا أن يأكُلَه وينتفعَ به إن كان تافهًا يسيرًا، ما لم يَعتقدْه مالًاً(٣). قال أبو عمرَ: أجمَع جمهورُ علماءِ المسلمين على إباحةٍ أكلٍ طعامٍ الحريِين ما دام المسلمون فى أرضٍ الحربِ، يأخُذون (١) منه قدرَ حاجتِهم، وجاءت بذلك آثار مرفوعةٌ مِن قِبَل أخبار الآحادِ العدول مِن حدیثِ ابنِ عمرَ ، وحديثِ ابنِ مُغَفَّلٍ، وحديثِ ابنِ أبى أوفَى. وقد ذكرناها فى ((التمهيدِ))(٥). القبس (١ - ١) سقط من: م. (٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير ( ٥/٨ ظ - مخطوط )، وبرواية أبى مصعب (٩٤٧). (٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٤٨). (٤) فى الأصل، م: ((يأكلون )). (٥) سيأتى تخريجها ص ٣٨١، ٣٨٢. ٢٧٩ الموطأ الاستذكار وجملةُ قولٍ مالكٍ، والثورىِّ، وأبى حنيفةً، والأوزاعيّ، والليثِ بنِ سعدٍ، والشافعيِّ، أنه لا بأسَ أن يُؤْكلَ الطعامُ والعَلَفُ فى دارِ الحربِ بغيرِ إذنِ الإمامِ ، وكذلك ذبحُ الأنعامِ للأكلِ. وهو قولُ أحمدَ ، وإسحاقَ، وأبى عبيدٍ ، وأبى ثورٍ . وكان ابنُ شهابٍ الزهرىُّ لا يرى أخذَ الطعامِ فى دارِ الحربِ إلا بإذنِ الإمام. ذكَره عنه معمرٌ(١) وغيرُه، ولا أعلَمُ أحدًا قاله غيرَه . وروَى الثورىُّ عن مغيرةً، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يرخِّصون للغُزاةٍ فى الطعام والعَلَفِ(٢) . وكرِه الجمهورُ مِن أهلِ العلم أن يُخرَّجَ شىءٌ مِن الطعامِ إلى أرضٍ الإسلامِ إذا كانت له قيمةٌ ، أو كانت للناسِ فيه رغبةٌ ، وحَكَموا له بحكم" الغنيمةِ ، فإِن أخرَجه ردَّه فى المقاسم إن أمكنه ، وإلا باعَه وتَصَدَّق بثمنهِ. وقال الأوزاعىُّ: ما أخرَجه مِن ذلك إلى دارِ الإسلامِ فهو له أيضًا . قال أبو عمرَ : روَى (٤) عُبادةُ بنُ نُسَيٍّ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمِ ، عن معاذٍ ابنِ جبلٍ ، أنه قال : كُلوا لحمَ الشاةِ ، ورُدُّوا إِهابَها إلى المغنم، فإن له ثمنًا . وسنذكُرُ فى بابِ الغُلُولِ ما للعلماءِ مِن المذاهبِ فى قليلٍ ما لا يُؤْكَّلُ مِن الغنيمةِ ، والانتفاع بالأعيانِ منها فى دارِ الحربِ ، وبيعِ التافِهِ مِن فضلةِ الطعامِ ، القبس (١) أخرجه عبد الرزاق (٩٢٩٧) عن معمر به . (٢) أخرجه عبد الرزاق (٩٢٩٨) عن الثورى به. (٣ - ٣) فى م: ((الذى يحكم قسمة)). (٤) بعده فى الأصل، م: ((بشر بن عبادة عن)). ٢٨٠