النص المفهرس

صفحات 201-220

الموطأ
لا تقتُلُوا (١) امرأةً، ولا عَسِيفًا))(٢). ولفظُ الحديثِ وسياقُه لأبى داودَ. وقال التمهيد
أحمدُ بنُّ زهيرٍ فى حديثه: ((الحَقْ خالدًا، فقُلْ له: لا تقتُلُوا ذُرِّيَّةً ولا عَسِيفًا)).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أَصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدِئٍّ، عن
سفيانَ ، عن أبى الزِّنَادِ ، عن المُرَقِّعِ بنِ صَيْفِىٌّ ، عن حنظلةَ الكاتِبِ قال: كُنَّا مع
رسولِ اللهِ وَ لّ فِى غَزَاةٍ، فمرَرنا بامرأةٍ مقتولةٍ والناسُ مجتمِعونَ عليها ، ففرَجُوا
له، فقال: ((ما كانت هذه تقاتِلُ، الحَقْ خالدًا، فقُلْ له: لا تقتُلْ ذُرِّيَّةً ولا
عَسِيفًا))(٢). لم يُخرِّجْ أبو داودَ هذا الإسنادَ، وخرَّج الأولَ.
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُّ
إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمدِ الفَرْوِىُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ
إسماعيلَ بن أبى حبيبةَ الأَشْهَلُّ(١) ، عن داودَ بنِ الخُصينِ، عن عكرمةً ، عن ابنِ
عباسٍ، أنَّ النبيَّ وَّرِ كان إذا بعَث جيوشَه قال: ((اخرُجُوا باسم اللهِ ، تُقاتلون
القبس
(١) فى ن: ((تقتل)).
(٢) أخرجه البيهقى ٨٢/٩ من طريق محمد بن بكر به . وهو عند أبى داود (٢٦٦٩). وأخرجه
البخارى فى تاريخه ٣١٤/٣، والنسائى فى الكبرى (٨٦٢٥) من طريق أبى الوليد الطيالسى
به .
(٣) أخرجه أبو عبيد فى الأموال (٩٥)، والنسائى فى الكبرى (٨٦٢٧)، وابن حبان (٤٧٩١) من
طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٨٢/١٢، وأحمد ١٥١/٢٩.
(١٧٦١٠)، وابن ماجه (٢٨٤٢) من طريق سفيان به .
(٤) فى النسخ: ((الأسلمى)). وينظر تهذيب الكمال ٤٢/٢.
٢٠١

الموطأ
التمهيد فى سبيلِ اللهِ، لا تَغدِرُوا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تقتُلُوا الولدانَ ولا أصحابَ
(١)
الصوامعِ))(١).
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال : حدَّثنا أبو
داودَ، قال: حدَّثنا التُّفَئِلِىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَلَمةَ، وقرأتُ على
عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ
عبدِ الواحدِ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ
سعدٍ (١) ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ
الزبير، عن عروةً، عن عائشةً، قالت : لم يُقتَلْ من نسائهم - يعنِى نساءً بنى
قريظةَ - إلا امرأةٌ واحدةٌ . قالت عائشةُ : واللهِ إنها لعندِى تَحدَّثُ معى وتضحَكُ
ظَهْرًا وبَطْنَا، ورسولُ اللهِ وَلَهِ يقتُلُ رجالَهم بالشّوقِ(٢)، إِذْ هتَف هاتفٌ
باسمِها : أين فلانةُ؟ قالت: أنا واللهِ . قلتُ ، ويلَكِ! ما لكِ؟ وما شأنُكِ؟
قالت : أُقْتُلُ . قلتُ : ولِمَ؟ قالت : حدثٌ أحدثْتُه. فانطُلِقٍ بها فضُرِبَت ◌ُثُقُها .
فکانت عائشةُ تقولُ : ما أنسی عَجیی مِن طِيبٍ نفسِها ، و کثرة ضحكها ، وقد
عرَفتْ أنها تُقتَلُ(٤) . ولفظُ الحديثِ لحديثِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ ، والمعنى واحدٌ
سواءٌ .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٦١/٤ (٢٧٢٨)، والبزار (٤٨٠٦)، وأبو يعلى (٢٥٤٩) من طريق إبراهيم بن
إسماعيل به .
(٢) فى م: ((سعيد).
(٣) فى ق، م: ((بالسيوف)).
(٤) أبو داود (٢٦٧١). وأخرجه أحمد ٣٨٣/٤٣ (٢٦٣٦٤) من طريق إبراهيم بن سعد به،=
٢٠٢
٠

الموطأ
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو التمهيد
داودَ ، قال : حدَّثنا سعيدُ بنُ منصورٍ ، قال: حدَّثنا هشيم، قال : حدّثنا حجَّاجٌ ،
قال : حدَّثنا قتادةُ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ
وَلِّ : ((اقْتُلُوا شيوخَ المشركين، واستخْيُوا شَرْخَهم))(١).
قال أبو عمرَ : ((شَرْخَهم)). يعنِى غلمانَهم وشّنَهم الذين لم يبلُغُوا الحُلُمَ
ولم يُنْبِتُوا. وأجمَعوا أَنَّ رسولَ اللهِ وَلّ قَلَ دُرَيْدَ بنَ الصِّمَّةِ يومَ حُنينٍ؛ لأنَّه كان
ذا رأي ومَكِيدَةٍ فى الحربِ(١) ، فمَن كان هكذا مِن الشيوخ قُتِل عندَ الجميعِ ،
ومن لم يكنْ كذلك فمختلَفٌ فى قتلِه مِن الشيوخِ .
واختلف الفقهاءُ أيضًا فى رمي الحصنِ بالمَنجنيقِ إذا كان فيه أطفالُ
المشركين، أو أُسارَى المسلمين ؛ فقال مالكٌ : لا يُؤْمَى الحصنُ، ولا تُحَرَّقُ
سفينةُ(٢) الكفارِ إذا كان فيها(٤) أَسارَى المسلمين؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَوْ
تَزَّيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]. قال: وإنما
القبس
= وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ٧٩/١٩، ٨٠، والحاكم ٣٥/٣، ٣٦، والبيهقى ٨٢/٩ من طريق
ابن إسحاق به .
(١) أخرجه البيهقى ٩٢/٩ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٢٦٧٠)، وسعيد بن
منصور (٢٦٢٤). وأخرجه أحمد ٣٧٩/٣٣ (٢٠٢٣٠)، والرويانى (٨٠٢)، والطبرانى (٦٩٠٠)
من طريق هشيم به .
(٢) ينظر صحيح مسلم (٢٤٩٨)، وسنن البيهقى ٩/ ٩٢.
(٣) فى ق: ((سقيفة)).
(٤) فی ق: (فیهم )) .
٢٠٣

الموطأ
التمهيد صُرِف النبيُّ وَ ﴿ عنهم لما كان فيهم مِن المسلمين، لو تزَيَّل الكفارُ مِن
المسلمين لعُذِّب الكفارُ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثورىُّ: لا بأسَ برمي
حصونِ المشركين وإن كان فيهم أَسارَى مِن المسلمين ، وأطفالٌ مِن المسلمين
أو المشركين، ولا بأسَ أن يحَرَّقَ الحصنُ ويُقصَدَ به المشركون ، فإن أصابوا
واحدًا مِن المسلمين بذلك فلا دِيَةً ولا كفارةً . وقال الثورىُّ: إن أصابوه ففيه
الكفارةُ، (( ولا ديةً). وقال الأوزاعىُّ: إذا تَتَرَّسَ الكفارُ بأطفالِ المسلمين لم
يُزْمَوْا؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَتُ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾
الآية [الفتح: ٢٥]. قال: ولا يُحرَّقُ المركبُ فيه أُسارَى مِن المسلمين. قال:
ويُؤْمَى الحصنُ بالمنجنيقِ وإنْ كانَ فيه أُسَارَى مسلمون ، فإن أصاب أحدًا مِن
المسلمين فهو خَطَأْ ، فإن جائُوا مُتَتَرّسينَ بهم رُمُوا، وقُصِدَ بالرمي الكفارُ(١).
وهو قولُ الليثِ . وقال الشافعىُ: لا بأسَ برَمي الحصنِ وفيه أَسارَى وأطفالٌ،
ومَنْ أُصِيبَ فلا شىءَ فيه، وإنْ تَتَّسُوا ففيه قولان؛ أحدُهما ، يُؤْمَون . والآخرُ،
لا يُؤْمَون، إلا أن يكونَ يَقْصِدُ المُشْرِكَ، وَيَتَوَخَّى جَهْدَه ، فإنْ أصاب فى هذه
الحالِ مسلمًا وعَلِم أنَّه مسلمٌ فالديةُ مع الرقبةِ، وإنْ لم يعلَمْه مسلمًا فالرقبةُ
وحدّها .
قال أبو عمرَ: مِن سُنَّةِ رسولِ اللهِ وَالِ﴾ الغَارُ على المشر کین صباحًا وليلًا ،
وبه عمِل الخلفاءُ الرَّاشدونَ ، ورَوَى جُنْدُبُ بنُ مَكيثٍ الجُهَنِىُّ قال: بعَث
القبس
(١ - ١) فى ن: ((والدية)).
(٢) فى الأصل، ق، م: ((العدو)).
٢٠٤

الموطأ
رسولُ اللهِ وَله غالبَ بنَ عبدِ اللهِ الليثىَّ، ثم أحَدَ بَنِى خالدِ بنِ عوفٍ، فى سَرِيَّةِ التمهيد
كنتُ فيهم ، وأَمَرَه أنْ يَشُنَّ الغارَةَ على بَنِى المُلَوِّحِ بالكَديدِ. قال: فشَنَنًا عليهم
الغَارةَ ليلاً(١) . ومعلوم أنَّ الغارَةَ يتلَفُ فيها من دَنَا أَجَلُه، مسلمًا كان أو مشركًا ،
وطفلًا وامرأةٌ ، ولم يمنَع رسولَ اللهِ بِهِ قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ
مُؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَتٌ﴾ الآية . ونهيُه عن قتلِ النساءِ والولدانِ - مِن الغارَةِ،
وهذا عندِى محمولٌ على أنَّ الغارَةَ إنما كانت ، واللهُ أعلمُ ، فی حصنٍ وبلدٍ لا
مسلمَ فيه فى الأغلبِ ، وأمَّا الأطفالُ مِن المشركين فى الغارَةِ ، فقد جاءَ فيهم
حديثُ الصَّغْبِ بن حثَّامَةً، وهو حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو بنِ السَّرْحِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن
الزهرىٌّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن ابنِ عباسٍ، عن الصَّغْبِ بنِ جَثَّمَةً، أنَّه
سأل رسولَ اللهِ وَ لَّ عن الدارِ مِن المشركينَ يُبَيْتُون، فيُصابُ مِن ذرارِيِّهم
ونسائهم، فقال رسول الله چلآل: «هم منهم)). قال : و کان عمرُو بنُ دینارٍ
يقولُ: ((هم من آبائهم)). قال الزهرىُّ: نَهَى رسولُ اللهِ وَ لِّ بعدَ ذلك عن قتلِ
النساءِ والولدانٍ(٢).
قال أبو عمرَ: جعَل الزهرىُّ حديثَ الصَّغْبِ بنِ جَثَّمَةً منسوخًا بنهي
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٦٩/٢٥ - ١٧١ (١٥٨٤٤)، وأبو داود (٢٦٧٨).
(٢) تقدم تخريجه فى ٨/ ١٨١.
٢٠٥

الموطأ
٩٨٧ - مالك، عن يحيى بن سعيدٍ ، أن أبا بكر الصدِّيقَ بعَث
التمهيد رسولِ اللهِ وَّله عن قتل النساءِ والولدانِ، وغيرُه يجعَلُه محكَمًا غيرَ منسوخ،
ولكنَّه مخصوصٌ بالغارةِ وتركِ القصدِ إلی قتلهم ، فیکونُ النھی حينئذٍ یتوجّهُ إلی
من قصَد قتلَهم ، وأمَّا مَن قصَد قتلَ آبائِهم على ما أَمِرَ به من ذلك ، فأصابَهم
و(هُو لا) يريدُهم، فليس ممن توجّهَ إليه الخطابُ بالنهي عن قتلِهم على مثلٍ
تلك الحالٍ ، ومِن جهةِ النظرِ لا يجبُ أنْ يتوجّهَ النَّهىُ إلَّا إلى القاصِدِ؛ لأنَّ
الفاعلَ لا يستحقُّ اسمَ الفاعلِ (٢) حقيقةً دونَ مجازٍ إلَّ بالقصدِ والنَّةِ والإرادَةِ، ألا
ترَى أنَّه لو وجَب عليه فعلُ شىءٍ ففعَلَه وهو لا يريدُه ولا ينوِيه ولا يقصِدُه ولا
يذكُرُه، هل كان ذلك يُجْزِئُ عنه مِن فعلِه، أو يُسمَّى فاعلًا له؟ وهذا أصلٌ
جسيمٌ فى الفقهِ ، فانْهَمْه .
وأما قولُهُ وَلِّ: ((هم من آبائِهم)). فمعناه: حكمُهم حكمُ آبائِهم ، لا دِيَةً
فيهم ولا كفَّارةَ ، ولا إثمَ فيهم أيضًا لمن لم يقصِدْ إلى قتلِهم ، وأمَّا أحكام أطفالٍ
المشركين فى الآخرة ، فليس من هذا البابِ فى شىءٍ. وقد اختلَفَ العلماءُ فى
حكم أطفالِ المشركين فى الآخرةِ ، وقد ذكّرنا اختلافَهم ، واختلافَ الآثارِ فى
ذلك فی باب أبى الزنادِ من كتابنا هذا(٢) . والحمدُ للهِ .
الاستذ کار
مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، أن أبا بكرٍ الصدِّيقَ بعَث جيوشًا إلى الشام،
القبس
(١ - ١) فى م: ((هؤلاء)).
(٢) فى الأصل، ن، م: ((الفعل)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ١٦٠/٨ - ١٧٣، ١٧٦ - ١٩١.
* هنا ينتهى الخرم فى المخطوط ((ر)) والمشار إليه فى ١٥٧/١١.
٢٠٦

الموطأ
جيوشًا إلى الشام ، فخرَج يَمشِى معَ يزيدَ بنِ أبى سفيانَ ، وكان أميرَ رُبع
من تلك الأرباع ، فزعَمُوا أَن يزيدَ قال لأبى بكرٍ: إِمَّا أن تَركَبَ ، وإِمَّا أن
أنزِلَ . فقال أبو بكر: ما أنت بنازلٍ ، وما أنا براكب ، إنى أحتسبُ
خُطاىَ هذه فى سبيلِ اللهِ . ثمّ قال له : إنَّكَ ستجدُ قومًا زعَموا أنهم
حبَّسوا أنفسَهم للهِ، فذرهم وما زعَموا أنهم حبَّسوا أنفسَهم له،
وستجدُ قومًا فحَصُوا عن أوساطِ رُءُوسِهم من الشَّعَرِ، فاضرِبْ ما
فحَصوا عنه بالسيفِ ، وإنى مُوصِيكَ بعَشْرِ ؛ لا تَقتُلَنَّ امرأةً ، ولا صبيًّا ،
ولا كبيرًا هَرِمًا ، ولا تَقْطَعَنَّ شجرًا مُثْمرًا، ولا تُخرِّبَنَّ عامرًا، ولا تَعْقِرَنَّ
الاستذكار
فخرَج يمشِى مع يزيدَ بنِ أبى سفيانَ ، وكان أميرَ رُبْعِ مِن تلك الأرباعِ ، فرعَموا
أن يزيدَ قال لأبى بكرِ: إِمَّا أن تركبَ ، وإِمَّا أن أنزلَ . فقال أبو بكر: ما أنت
بنازلٍ ، وما أنا براكبٍ ، إنى أحتسِبُ خُطاىَ هذه فى سبيلِ اللهِ . ثم قال له : إنك
ستجِدُ قومًا زعموا أنهم حَيَّسوا أنفسَهم للهِ، فذَرْهم وما زعموا أنهم حبَّسوا
أنفسَهم له، وستجِدُ قومًا فحَصُوا عن أوساطِ رُءُوسِهم مِن الشَّعَرِ (١) ، فاضرِبْ ما
فحَصوا عنه بالسيفِ ، وإنى مُوصِيك بعشْرٍ؛ لا تقتُلَنَّ امرأةً ، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا
هَرِمًا ، ولا تقطَعَنَّ شجرًا مُثمِرًا، ولا تُخرِّبنَّ عامرًا، ولا تَعقِرِنَّ شاةً ولا بعيرًا إلَّا
القبس
عارضةٌ : وعلى ذكرٍ يزيدَ بنِ أبى سفيانَ ، فإن أبا بكرٍ اختاره فى أمراءِ الأجنادِ ،
وبعثه إلى الشامِ ، فلما مات استخلَف أخاه معاويةَ ، فأقرّهُ عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ
(١) يريد : حلقوا الشعر عنها حتى بدا بياض جلودها، والعرب تشبّه رأس الأصلع الذى أفرط صلعه
بأفحوص القطاة ؛ وذلك أن القطاة تفحص فى الأرض فتبيض على غير ◌ُشِّ . الاقتضاب فى غريب
الموطأ ١١/٢ .
٢٠٧

الموطأ شاةً ولا بَعِيرًا إلا لمأكلةٍ ، ولا تُحْرِقَنَّ نَحْلًا ولا تُغْرِقَنَّه، ولا تَغْلُّلْ، ولا تَجبُنْ.
الاستذكار لمأكّلَةٍ ، ولا تُحرِقِنَّ نْلًا، ولا تُغرِقَتَّه، ولا تَغْلُلْ، ولا تَجْبُنْ(١) ..
قال أبو عمرَ : روَى هذا الحديثَ سفيانُ بنُ عُيينةً ، عن يحيى بن سعيدٍ كما
رواه مالكٌ ، فلمَّا انتهى إلى قوله: فدعهم وما "زعَموا أنَّهم" حبَّسوا أنفسَهم له.
قال سفيانُ : يعنِى الرُّهبانَ . قال: وستجِدُ قومًا قد فحصوا عن أوساطِ رُءُوسِهم،
وجعَلوا حولَها أمثالَ العَصَائبِ، فاضرِبْ ما فَصوا مِن أوساطِ رُءُوسِهم بالسيفِ.
قال سفيانُ : يعنى القِّيسِين. ثم ذكر تمامَ الخبرِ كما ذكّره مالكٌ سواءً.
قال أبو عمر : افتح أبو بكر الصديقُ فى آخرِ أيامِه قطعةً مِن الشامِ ، و كان له
عليها أمراءُ؛ منهم أبو عبيدةً بنُ الجراحِ، ويزيدُ بنُّ أبى سفيانَ ، وعمرُو بنُ
القبس عنه طولَ أيامِه ، ثم وُلِّيَ عثمانُ فأمضَى مَا أَقَوّ عمرُ، لم يَكُنْ له فيه أَثَر، ثم زحف
المُبْطِلون إلى عثمانَ يَطْلُبُون منه المُحالَ، فكانت نازلةً عظيمةً فى الإسلامِ ، فوجَب
على الصحابةِ أن يتشاوَروا فى هذه النازلةِ مع خليفتِهم، فأرسَلوا إليه يأخُذون رأيَه ،
فقال: يُتْرَكون . فلم يَجُزْ لهم أن يُخالِفوا رأيَه فى نفسِه . فَقُتِلَ عثمانُ وتفرّق الجمعُ
مِن هذه البليةِ (٢) العُظْمَى، وبُويعَ لأَحَقٌّ خلقِ اللهِ بالإمامةِ بعدَه، وهو علىُّ بنُّ أبی
طالبٍ ، فطَلَب مِن معاويةَ عَقْدَ البيعةِ ، فقال له : أَبْرِزْ عن نفسِك قَتَلةَ عثمان ، فنحن
أولياؤُه، وحينئذٍ نُبايِعُك. وقال علىٍّ: بايع واحضُرْ واطْلُبْ حَقَّك تَبْلُغْ إليه. ووقَف
الصحابةُ على هذا الخلافِ؛ ("علىِّ يَطْلُبُ" عَقْدَ البيعةِ، وجمعَ الكلمةِ، ويَقَعُ
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/٨و، ٣ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩١٨). وأخرجه
البيهقى ٨٩/٩، والبغوى فى شرح السنة (٢٦٩٦) من طريق مالك به .
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل ، ب ، م .
(٣) فى م: ((البلبلة)).
(٤ - ٤) فى د: ((حتى يطلب)). وفى نسخة على حاشية د: ((على طلب)).
٢٠٨

الموطأ
العاص، وشُرَحبيلُ ابنُ حَسَنةً ، والأخبارُ بذلك عند أهل السيرِ مشهورةٌ ، وكان الاستذكار
يزيدُ على رُئِعٍ من الأرباعِ المذكورةِ(١).
وفى رُكُوبٍ يزيدَ ومشى أبى بكرِ رخصةٌ فى أن يَمشِىَ (١) الجليلُ مِن الرجالِ
التناصفُ بعدَ ذلك فى الحقوقِ، ومعاويةُ فى أولياءِ عثمانَ يطلُبون التََّرِّىَ مِن قَتَلةٍ القبس
عثمانَ، وحينئذٍ يَعْقِدون البيعةَ ، وصار مِن الصحابةِ فى كلِّ طريقٍ فريقٌ ، وتبارَزوا،
وتقاوَلوا(١)، ونشَأْت الحربُ، واسْتَوفَى اللهُ تعالى وعدَه، وأنجز أمرَه، ولم يَكُنْ أحدٌ
مِن الطائفتَين فى باطلٍ، وإنما كانا على مرتبةٍ مِن الحقِّ، وجانبُ علىِّ عندَنا أَقْوَى
فيه، ولذلك قال رَله- وذكَر الخوارجَ -: ((يَخْرُجون على حينِ فُرْقَةٍ مِن الناسِ،
يَقْتُلُهم أدنَى الطائفتين إلى الحقِّ)) (٤). فبيَّن عليه السلامُ أنَّ كلَّ واحدٍ منهم كان
يَجْتَذِبُ طَرَفَ الحقِّ، وعلىّ كان أدنَى إليه. قال لنا أبو علىِّ الحَضْرَمِىُّ : قال
لنا الأَذْرَبِيُّ: قال لنا القاضى(١): وإنما كانت الحكمةُ مِن اللهِ تعالى فيما وقَع
(١) فى الأصل، م: ((المشهورة)).
(٢) ليس فى : الأصل ، م .
(٣) فى د، م: ((تقاتلوا)).
(٤) تقدم تخريجه فى ١٠٥/٧ ، ١٠٦ .
(٥) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسن أبو على البَرّدانى ثم البغدادى، ولد سنة ست
وعشرين وأربعمائة ، كان أحد المشهورين فى صنعة الحديث، وكان حنبليًّا، جمع مجلدا فى
المنامات النبوية ، وكان ثقة نبيلًا ، وأبوه شيخ محدث، مات فى شوال سنة ثمان وتسعين وأربعمائة .
سير أعلام النبلاء ٢١٩/١٩، وذيل طبقات الحنابلة ١/ ٩٤، ٩٥.
(٦) كذا فى د،م. وفى ج: ((الأذرى)). ولم نقف لأيهما على ترجمة . والغالب أن هاتين النسبتین قد حرفتا
عن: ((الأزجى)). وهو عبد العزيز بن على بن أحمد بن الفضل بن شَكّر أبو القاسم البغدادى الأزجى ، من
أهل باب الأزج ، له مصنف فى الصفات لم يهذبه ، توفى فى شعبان سنة أربع وأربعين وأربعمائة . تاريخ بغداد
٤٦٨/١٠، والأنساب ١١٩/١، وسير أعلام النبلاء ١٨/١٨.
(٧) هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد أبو يعلى البغدادى، الحنبلى، ابن الفراء =
٢٠٩
(موسوعة شروح الموطأ ١٤/١٢ ) (

الموطأ
الاستذكار راجلًا مع مَن هو دونَه راكبًا؛ للتواضعِ واحتسابِ الخُطَى فى سبيلِ اللهِ، كما ذُكِر.
وقد رُوِى عن النبيِّ وَلّ أنه قال: ((مَن اغْبَرَّت قدَماه فى سبيلِ اللهِ
حرَّمهما اللهُ على النارِ)). أو: ((حرَّمه اللهُ على النارِ)). رواه مالكُ بنُ عبدِ اللهِ
الخَثْعَمِىُّ، عن النبيِّ وَّهُ). وكان مِن سُنَّتِهم تشييعُ الغُزاةِ ابتغاءَ الثوابِ ، وفيه
ما كانوا عليه مِن حُسْنِ الأدبِ ، وجميلِ الهَدْيِ ، وأداءِ ما يلزَمُهم مِن توقيرٍ أئمةٍ
العدلِ وإجلالِهم ويِرِّهم .
القبس مِن الحربِ بينَ الصحابةِ تَعَلَّمَ الناسِ منهم كيفيةً قتالِ المسلمين، بألا يُذَفَّفَ(٢) على
جريجِهم، ولا يُتْبَعَ مدبرُهم، ولا تُشْبَى نساؤهم، ولا تُعْتَنَمَ أموالهم. فإن قيل :
فهبْكَ(١) أن عثمانَ قد رضِى بالقتلِ، فالحادثةُ لم تَنْزِلْ به وحدَه، والمصيبةُ لم
تَخُصَّه، بل كان الفسادُ على جميعِ المسلمين، فكيف ساعدَته الصحابةُ على هذا
الغرضِ ولم تَقُمْ بما كان يَتَعيَّنُ عليها (4 فى المرافعةِ) مِن هذا المُفْترَضِ؟
فالجوابُ أنَّا نقولُ : إن الطائفةَ المُبْطِلةَ إنما جاءت تَطْلُبُ شخصَ عثمانَ لا
شيئًا°) سِواه، فاسْتَسْلَم عثمانُ لأمرِ اللهِ ، وقال للصحابةِ: لا يُسَلُّ السيفُ فى الإسلام
بسببى أبدًا، ولا يتقاتلُ الناسُ فتُرَاقَ دماؤهُم فى حياتى. فذلك الذى أوقَف
الصحابةَ؛ لأنهم ما كانوا يَصِلُون إلى حمايةِ عثمانَ إلا بعدَ أن يُقْتَلَ مِن الطائفتين،
= صاحب ((التعليقة الكبرى))، كان فقيها أصوليًّا مع معرفة بعلوم القرآن وتفسيره، وتلا بالقراءات
العشر، وله تصانيف عديدة منها (أحكام القرآن))، و((العدة) فى أصول الفقه، و((الرد على الجهمية))،
وغيرها، توفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣، وسير أعلام النبلاء ٨٩/١٨.
(١) أخرجه أحمد ٢٩٥/٣٦ (٢١٩٦٣).
(٢) فى ج: ((يدفف)). والتدفيق على الجريح: الإجهاز عليه وتحرير قتله . اللسان (ذ ف ف).
(٣) فى ج: ((فهتك))، وفى م: ((فهيك)).
(٤ - ٤) سقط من : ج ، م .
(٥) فى ج، م: (( شىء)).
٢١٠

الموطأ
وأما قولُه: إنك ستجِدُ قومًا زعموا أنهم حبَّسوا أنفسَهم للهِ . فإنه أراد الاستذكار
الرُّهبانَ المُنفردِين عن الناسِ فى الصوامعِ لا يُخالِطون الناسَ، ولا يطَّلِعون على
عورةٍ ، ولا فيهم شَوْكةٌ ولا نِكايةٌ برأي ولا عَمَلٍ .
ذكَر أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً(١)، قال: حدَّثنا عبدُ الرحيم بنُّ سليمانَ، عن
حجَّاج بن أرطاةً، عن ابنٍ جدْعانَ، عن يحيى بنٍ أبى المطيع ، أن أبا بكرٍ
الصديقَ رضِى اللهُ عنه بعَث جيشًا ، فقال : اغزُوا باسم اللهِ ، اللهمّ اجعلْ وفاتَهم
شهادةً فى سبيلك. ثم قال : إنكم تأتون قومًا فى صوامعَ لهم، فدَعُوهم وما
أعملوا أنفسَهم له، وتأتون قومًا قد فحَصوا عن أوساطِ رُءُوسِهم، فاضرِبوا ما
فحصوا عنه .
وذكَر عبدُ الرزاقِ (٢) ، عن ابنٍ جريجٍ، عن يحيى بن سعيدٍ هذا الحديثَ
كما رواه مالكٌ، إلَّا أنه قال: وستجِدُ أقوامًا فحصوا عن أوساطِ رُءُوسِهم مِن
الشَّعَرِ، وترَكوا منها أمثالَ العصائبٍ(٤) ، فاضربوا ما فحصوا عنه بالسيفِ . ثم
ذكَر تمامَ الحديثِ على حسَبٍ ما ذكره مالكٌ .
القبس
وربَّما قُتِل الحسنُ والحسينُ، فكرِهِ عثمانُ أن يكونَ فتحُ هذا البابِ بسببِهِ ، وفَدَی ١
الحالَ والأمةَ بنفسِه، حتى تكونَ صحيفتُه مُبْيَضَّةٌ مِن دمِ أحدٍ ، فَحَذَارٍ أن تَسْوَدَّ
صُحُفُكم من مُخالفةِ هذا الاعتقادِ الذى قدَّمناه، والكلامِ بينَهم بغيرِ سَدَادٍ .
(١) ابن أبى شيبة ٣٨٧/١٢.
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((يحيى بن جدعان عن يحيى بن المطيع)). وابن جدعان هو عبد الرحمن
ابن زيد بن جدعان، كما فى مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٣٩٣/١٧ - ٣٩٥.
(٣) عبد الرزاق (٩٣٧٥).
(٤) العصائب : العمائم، واحدها عصابة. التاج (ع ص ب ).
٢١١

الموطأ
الاستذكار
قال عبدُ الرزاقِ (١) : والذين فحصوا عن رُءُوسِهم الشَّمامِسةُ، والذين
حيَّسوا أنفسَهم هم الرُّهبانُ الذين فى الصوامعِ .
قال أبو عمرَ: الشَّمامِسةُ هم أصحابُ الدِّياناتِ ، الرُّهبانُ المُخالِطون
للناسِ مِن أهلِ دينهم وغيرِ أهلِ (١) دينِهم، وفيهم الرأىُ والمكيدةُ والعونُ بما
١
أمكنهم، وليسُوا كالرهبانِ الفارِّين عن الناسِ المُعتزلين لهم فى الصوامعِ .
روَى معمرٌ، عن الزهرىِّ، قال: كان أبو بكرٍ إذا بعَث جيوشَهُ(١) إلى الشامِ،
قال : إنكم ستجِدون قومًا فحصوا عن رُءُوسِهم ففَلْقوا رُءُوسَهم بالسيوفِ،
وستجدون قومًا قد حبّسوا أنفسهم فى الصوامع فذَرُوهم بخَطَاياهم(١).
واختلف الفقهاءُ فى قتلِ أصحابِ الصوامعِ والعُمْيانِ والزَّمْنَى؛ فقال(٥)
مالكٌ: لا يُقتلُ الأعمى، ولا المَعْتوهُ، ولا المُقعَدُ، ولا أصحابُ الصوامعِ الذين
طيَّتوا البابَ عليهم لا يُخالِطون الناسَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِهِ . قال مالك:
وأرى أن يُتُركَ لهم مِن أموالهم مقدارُ ما يعيشون به، إلّا أن يُخافَ مِن أحدِهم
فيقتلُ. وقال الثورىُّ: لا يُقتلُ الشيخُ والمرأةُ والمُقعَدُ. وقال الأوزاعىُّ: لا يُقتلُ
الحَرَّاثُ(٥) والزَّرَّامُ، ولا الشيخُ الكبيرُ، ولا المجنونُ، ولا الراهبُ. وقال
الليثُ : لا يُقتلُ الرَّاهبُ فى صومعتِه، ويُتركُ له مِن مالِهِ القوتُ. وعن الشافعىِّ
القبس
(١) ليس فى : الأصل ، س ، م .
(٢) عبد الرزاق (٩٣٧٥).
(٣) فى ب، س: ((جيوشا)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٩٣٧٧) عن معمر به.
(*) من هنا خرم فى المخطوط (ب)) ينتهى ص ٢٣٠.
(٥) فى م: ((الحراس)).
٢١٢

الموطأ
روايتان؛ إحداهما ، أنه يُقتلُ الشيخُ والراهبُ . واختاره المُزَنى، وقال: هو الاستذكار
أولى بأصلِه. قال: لأن كُفرَ جميعِهم واحدٌ ، وإنما حَلَّت دماؤُهم بالكفرِ . قال
الشافعىُّ: قد يَحتمِلُ أن يكونَ إِنَّما(١) نهَى أبو بكرِ رضِى اللهُ عنه عن قَتلِهم ؛ لئلا
يشتغلوا بالمقام على الصوامع، فیفوتھم ما هو اغودُ علیھم، کما أنه قد نھی عن
قطعِ الشجرِ المُثمِرٍ؛ لأن رسولَ اللهِ وَّلِ كان قد وعَدهم بفتح الشامِ . واحتجّ
الشافعىُّ فى قَتْلِهِم بأن رسولَ اللهِ وَلّهِ أَمَر بقتلِ دُرَيْدِ بنِ الصِّمَّةِ يومَ
(٣)
حنينَ .
قال أبو عمرَ: يُحتجُّ للشافعيِّ ) بحديثٍ سَمُرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلِ قال:
((اقْتُلوا شيوخَ المشركين، واسْتخيُوا(9) شَرْخَهم)) . رواه قتادةُ ، عن الحسنِ،
عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ وَ(١).
وقال البخارىُّ: سَمَاعُ الحسنِ مِن سَمُّرَةً صحيحٌ(١).
وقال الطبرىُّ : إن قاتَل الشيخُ أو المرأةُ أو الصبىُ قُتِلوا. وهو قولُ سُحنونٍ.
·
القبس
(١) ليس فى : الأصل ، م .
(٢) أخرجه أحمد ٦٢٥/٣٠ (١٨٦٩٤)، والنسائى فى الكبرى (٨٨٥٨) من حديث البراء بن
عازب الأنصارى .
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٠٣ .
(٤) فى الأصل، م: ((الشافعى)).
(٥) فى م: ((استبقوا)). وينظر ما تقدم ص ٢٠٣.
(٦) ينظر علل الترمذى الكبير ص ٣٨٦.
٢١٣

الموطأ
الاستذكار
واحتجَّ الطبرىُّ بما رواه الحجّاجُ، عن الحكم، عن مِقْسمٍ، عن ابنِ عباسٍ
قال: "رأى رسولُ اللهِ،وَهِ امرأةٌ مقتولةً"، فقال: ((مَن قتَل هذه؟)).
فقال رجلٌ: أنا يا رسولَ اللهِ، نازعَتْنى قائمَ سيفى. فسكَت رسولُ اللهِ
(٢)
قال أبو عمرَ: لم يختلِفِ العلماءُ فيمَن قاتَل مِن النساءِ والشيوخ أنه مباح
قتلُه، ومَن قدَر على القتالِ مِن الصبيانِ وقاتَل قُتِل.
صَلى الله
وسيل
وقد روَى داودُ بنُ الحُصينِ، عن عكرمةً، عن ابنٍ عباسٍٍ، أن النبيَّ
كان إذا بعَث جيوشَه قال: ((لا تَقْتُلوا أصحابَ الصوامعِ)) (١).
وأما قولُ أبى بكرِ رضِى اللهُ عنه: لا تقتُلوا امرأةً ، ولا صبيًّا. فقد تقدَّم حكمُ
ذلك فی صدرٍ هذا الباب .
وأما قولُه : ولا تَقْطَعَنَّ شجرًا مُثْمِرًا، ولا تُخَرِّينَّ عامرًا. إلى آخرِ الحديثِ،
فقد خالَفه مالكٌ ()وغيرُه٤) فى ذلك، فقال مالكٌ: لا بأسَ بقطعِ نخلِ الكفارِ
وثمارِهم، وحَرْقِ زرُوعِهم، وأما المَواشى فلا تُقْرَبُ(٥).
والحُجَّةُ له فى خلافِه أبا بكرِ رضِى اللهُ عنه، أن رسولَ اللهِ وَلِّ قِطَع نخلَ
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((رأيت رسول الله وَل قد رأى امرأة)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٠٠ .
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٠١، ٢٠٢.
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل ، م .
(٥) فى م: ((تحرق)).
٢١٤

الموطأ
بنى النضيرِ وحرَّقها (١)، وأنه منََّ نهَى عن تعذيبِ البهائم(٢)، وعن المُثْلةِ(٣)، الاستذكار
وأن يُتَّخَذَ شىءٍ فيه الروحُ غَرَضًا (٤).
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه والثورىُّ: لا بأسَ بتخريبٍ ديارِهم، وقطعٍ
الشجرِ وحرقِها؛ لأن الله تعالى يقولُ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لّيْنَةٍ﴾ الآية
[الحشر: ٥]. وأجازوا ذبحَ الماشيةِ إذا لم يُقدَرْ على إخراجِها .
وقال الأوزاعىُ: أكرهُ قطعَ شجرةٍ مُثْمِرَةٍ، أو تَخْرِيبَ شىءٍ مِن العامرِ؛
كنيسةً كانت(٥) أو غيرَها .
وعن الأوزاعيّ فى روايةٍ أخرى، أنه لا بأسَ بأن يُحرَقَ الحصنُ إذا فتَحه
المسلمون ، وإن أُحرقَ ما فيه مِن طعامٍ أو كنيسةٍ ، وكَرِه كسرَ الرَّحا وإفسادَها .
قال: ولا بأسَ بتحريقِ الشجرِ فى أرضٍ العدوّ .
وقال الشافعىُ: يُحرَّقُ الشجرُ المُثْمِرُ والبيوتُ إذا كانت لهم معاقِلَ، وأكرَهُ
حرقَ الزرعِ والكلأُ .
وكرِه الليثُ إحراقَ النخلِ المثمِرِ والشجرِ المُثْمِرِ، وقال: لا تُعَرقَبُ بهيمةٌ.
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٢١٧ .
(٢) أخرجه البخارى (٥٥١٣)، ومسلم (١٩٥٦)، من حديث أنس رضى الله عنه.
(٣) أخرجه أحمد ٣٧/٣١ (١٨٧٤٠)، والبخارى (٢٤٧٤، ٥٥١٦)، من حديث عبد الله بن
يزيد الأنصارى .
(٤) ليس فى : الأصل ، م .
والأثر تقدم تخريجه فى ٢٥٦/١٠.
(٥) ليس فى : الأصل ، م .
٢١٥

الموطأ
الاستذكار
وتأوَّل جماعةٌ مِن العلماءِ فى حديثٍ أبى بكرِ المذكورِ أن ذلك لأن
رسولَ اللهِ وَّةِ كان قد(١) وعَدهم أن يفتحَها اللهُ عليهم .
قال أبو عمر : من ذهب إلى الأخذِ بقولِ أبی بکرٍ فمِن ◌ُّتِه ما حدًّثنا سعيدُ
ابنُّ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ
أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ صالحٍ، عن خالدِ
ابنِ الفِزْرٍ (١)، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكِ، عن النبيِّ وَ قال: (( لا تَقْتُلوا شيخًا
فانيًا ، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأةً، ولا تَغُلُوا))(٤).
وقال أبو بكر) : حدّثنا محمدُ بنُ فُضیل ، عن یزید بنِ أبی زیادٍ ، عن زيد
ابنِ وهبٍ ، قال: أتانا كتابُ عمرَ رضِى الله عنه: لا تَغُلُوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا
تقتلوا وليدًا ، واتَّقوا الله فى الفلاحين .
قال(٢): وحدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ ، قال : لا
يُقتلُ فى الحربِ الصبىُ) والمرأةُ ولا الشيخُ الفانى، ولا يُخْرَقُ الطعامُ ولا
النخلُ ، ولا تُخَرَّبُ البيوتُ، ولا يُقطعُ الشجرُ المُثْمِرُ.
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((قالوا إنما ذلك لرسول)).
(٢) ليس فى : الأصل ، م .
(٣) فى س، ومصدر التخريج: ((الفرز)). وهو خطأ. وينظر ما سيأتى ص ٢٢٠، والإكمال ٧/ ٦٥،
وتهذيب الكمال ٨/ ١٥٠، وتبصير المنتبه ١٠٧٧/٣، والتاج (ف زر).
(٤) ابن أبى شيبة ٣٨٢/١٢، ٣٨٣.
(٥) ابن أبى شيبة ٣٨٣/١٢.
(٦) ابن أبى شيبة ٣٨٤/١٢.
(٧) فى الأصل، م: ((الفتى)).
٢١٦
٠٠

الموطأ
٩٨٨ - مالكٌ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَب إلى عاملٍ من
عُمَّالِهِ : إِنه بلَغنا أن رسولَ اللهِ وَ لَهَ كان إذا بعَث سَرِيَّةً يقولُ لهم:
(اغُوا باسمِ اللَّهِ، فى سَبِيلِ اللهِ، تُقاتِلُون مَن كَفَر باللهِ؛ لا تَغُوا، ولا
تَغْدِرُوا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تَقتُلُوا وليدًا». وقُلْ ذلك لجيوشِكَ وسراياكَ إِن
شاءَ اللهُ، والسلامُ عليكَ .
الاستذكار
وحجةُ مَن قال بقولِ مالك والشافعىِّ فی قطع النخلِ حدیثُ نافعٍ ، عن ابنٍ
عمرَ، أن رسولَ اللهِ وَّلْهِ قِطَعِ نخلَ بنى النضيرِ وحَّقُ(١) . وحديثُ أسامةَ بنِ زيدٍ ،
قال: بعَثنى رسولُ اللهِنَّهإلى أرض يقالُ لها: أَبْنَى(٢). فقال: ((اثْتِها صباحًا وحَرَّقْ))(١).
مالكٌ ، أنه بلغه أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَب إلى عاملٍ مِن عمّالِهِ: إنَّه بلَغنا أنَّ التمهيد
رسولَ اللهِ وَّهِ كان إذا بعَث سرِيَّةً يقولُ لهم: ((اغْزوا باسم اللهِ ، فى سبيلِ اللهِ ،
تُقاتِلون مَن كفر باللهِ؛ لا تغُلُّوا ، ولا تَغدِروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتُلوا وليدًا ».
وقُلْ ذلك لجيوشِك وسَراياك إن شاءَ اللهُ(٤) .
٦
وهذا الحديثُ يتصِلُ معناه عن النبيِّ وَلَوْ مِن وجوهٍ صِحاحٍ؛ من حديثٍ
حديثٌ: كان رسولُ اللهِ وَّةِ إِذا بعَث سَرِيَّةً يقولُ لهم: ((اغْزُوا باسم اللهِ))
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٢٨/٨، ١٢٩ (٤٥٣٢)، والبخارى (٣٠٢١)، ومسلم (٣٠/١٧٤٦) من
طريق نافع به .
(٢) أُبنى، بوزن مُحُبْلَى: موضع بالشام من جهة البلقاء. معجم البلدان ١/ ٩٩.
(٣) سيأتي تخريجه ص ٥٠٧، ٥٠٨ .
(٤) الموطأ برواية أبى مصعب (٩١٧).
(٥) فى ج، م: ((اغدوا)).
٢١٧

الموطأ
التمهيد بُريدةَ الأسلمىِّ(١)، وأنسٍ بنِ مالكٍ(٢)، وصفوانَ بنِ عسَّالٍ(٣)، وأبى موسى
(٦)
الأشعرىِّ(٤)، والنعمانِ بنِ مقرِّنٍ، وابنِ عباسٍ ، وجريرِ بنِ عبدِ اللهِ
(٧)
البجليّ(٧).
القبس الحديث. فقوله: ((تقاتلون مَن كفَر باللـهِ)). دليلٌ على أن العِلَّةَ هى الكفر. وقولُه:
((لا تَغُلُّوا)). يعنى: لا تَخونوا فى الغنائم، فذلك خَطْبٌ عظيمٌ فى الدينِ، وكفرٌ
النعمةِ المِنَّةِ يإباحةِ الغنائم، وعَونٌ للعدوِّ بقَلْبٍ (٢) المِنَّةِ فى الرُّغْبِ؛ لأن النبيّ ◌َه
نُصِرُ(١) بالرُغْبِ مسيرةَ شهرٍ، والمسلمون يُنْصَرون بعدَهِ على قَدْرِ طاقتِهمٌ؛ فإذا
كان الغُلولُ ذهَبت هذه الفائدةُ عنهم ، وانعكس النصرُ عليهم، كما أنه إذا فَشا فيهم
الزِّنى كَثُر فيهم الموتُ؛ لأنهم طلَبوا تكثيرَ الوجودِ مِن غيرٍ طريقِ الشرع، فسَلَّطَ اللهُ
تعالى عليهم الفَناءَ، كما أنهم إذا كفَروا نعمةَ اللهِ تعالى فى الميزانِ الذى هو عيارُ
الأموالِ ؛ طلبًا لنَمائِها بالمعصيةِ، عاقَبهم اللهُ تعالى بأن سَدَّ عليهم بابَ الرزقِ مِن
-
(١) سيأتى تخريجه ص ٢١٩، ٥٠٤، ٥٠٥ .
(٢) سيأتى تخريجه ص ٢٢٠.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٢١ .
(٤) أخرجه البزار (٣١٢٢)، والطبرانى فى الصغير ١٨٧/١.
(٥) أخرجه مسلم (١٧٣١)، وأبو داود (٢٦١٢)، وابن ماجه (٢٨٥٨)، والنسائى فى الكبرى
(٨٧٦٥) .
(٦) أخرجه أحمد ٤٦١/٤ (٢٧٢٨)، والبزار (٤٨٠٦، ٥٢٧٣)، وأبو يعلى (٢٥٤٩).
(٧) أخرجه أبو يعلى (٧٥٠٥)، والطيرانى (٢٣٠٤، ٢٣٠٥).
(٨) فى م: ((يغلب)).
(٩) فى م: ((قال: نصرت)). وينظر ما تقدم فى ٢٧٦/٢.
(١٠) فى ج: ((طاعتهم)).
٢١٨

الموطأ
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو التمهيد
داودَ ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا
عُبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ ، قالا: حدَّثنا أبو صالح محبوبُ بنُ موسى الأنطاكىُّ
الفرَّاءُ، قال: أخبرنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن سفيانَ، عن علقمةَ بنِ مَرْثَدٍ ، عن
سليمانَ بنِ بُريدةً، عن أبيه، عن النبيِّ وَّر، أنه كان إذا أمَّر أميرًا على جيشٍ أو
سريَّةٍ أوصاه فى خاصَّةِ نفسِه ومَن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: ((اغْزُوا باسم
اللهِ ، وفى سبيلِ اللهِ ، وقاتِلوا مَن كفَر باللهِ، اغْزُوا ولا تَعتَدوا، ولا تَغدِروا، ولا
تَغُلُّوا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا)) (١). وليس فى حديثٍ عبد الوارثِ: ((ولا
تعتَدوا)).
القبس
السماءِ، ولهذا المعنى قال العبدُ الصالحُ: ﴿يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم
◌ُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦]. كما أنهم إذا حكموا بغيرِ الحقِّ، فاسْتَطالُوا على الناسِ،
واسْتَعْدَوا عليهم بالباطلِ، سَلَّط اللهُ عليهم مَن يُفْنِيهم بالباطلِ(١) مثلَه، كما أنهم إذا
اسْتَعانوا على أعداءِ اللهِ بنَكْثِ أيمانِ اللهِ ، قَلَب اللهُ الحالَ عليهم، وحكم بغَلَبةِ العدوِ
لهم؛ ولذلك قال تعالى: (وَمَا كان لنبيِّ أَنْ يُغَلَّ)(٢). أى: لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يخونَ
النبىَّ بَِّ، فلا يعلمُ بخيانتِه ، وذلك أعظمُ فى معصيةِ الخائنِ وذنبِهِ ، فليست خيانةٌ
النبيِّ وَّرَ كخيانةٍ غيرِه، وقد أخبر النبيُّ ◌َِّ أَن الغُلُولَ عارٌ فى الدنيا، نارٌ فى الآخرةِ ،
(١) أبو داود (٢٦١٣). وأخرجه أحمد ١٣٦/٣٨ (٢٣٠٣٠)، ومسلم (٢/١٧٣١، ٣)،
والترمذى (١٤٠٨، ١٦١٧)، وابن ماجه (٢٨٥٨)، والنسائى فى الكبرى (٨٧٦٥) من طريق
الثورى به. وينظر ما سيأتى ص ٥٠٤، ٥٠٥.
(٢) سقط من : ج ، م .
(٣) هى قراءة ابن عامر وأبى جعفر وحمزة والكسائى ونافع ويعقوب وخلف ، وقرأ ابن كثير وأبو
عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين. النشر ١٨٣/٢.
٢١٩

الموطأ
التمهيد
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدثنا محمدُ بنُ بکر ، حدَّثنا أبو داودَ ، حدَّثنا
عثمانُ بنُ أبی شیبةَ ، حدّثنا یحیی بنُ آدمَ وعبيدُ اللهِ بنُ موسی، عن حسنِ بنِ
صالحٍ، عن خالدِ بنِ الفِزْرِ، قال: حدَّثنى أنسُ بنُ مالكِ، أن رسولَ اللهِ وَلآل
قال: ((انْطِلِقوا باسم اللهِ وباللهِ، وعلى مَّةِ رسولِ اللهِ ، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا
طفلًا، ولا صغيرًاَ، ولا امرأةً، ولا تغُلُّوا، وضُهُّوا غنائمَكم، وأصلِحوا،
وأحسِنوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المحسنين))(١).
القبس وأخبر عن مِدْعَم(١) ، أن الشَّمْلَةَ التى غَلَّها اشتعَلَت عليه نارًا(٢) ، كلُّ ذلك تَنّبية للخَلقِ
وتحذيرٌ. ولمَّا كان النبيُّ نَّهِ لا ينبغى له أن يُغَلَّ، امتَنَع عن الصلاةِ على بعضٍ
المَقْتولين، وقال: ((إن صاحبَكم قد غَلَّ))(٤). فوجدوا الأمرَ كما قال، وامتناعُه عن
الصلاةِ على بعضِ المقتولين عارٌّ لَحِقَه، وعقوبةٌ حَلَّت به، كما كَبَّرِ وَِّ على مَن غَلَّ
مِن القبائلِ تكبيرَه على الميتِ ؛ إشارةً إلى أن العاصىّ مَيْتْ، وأن المُطِيعَ حَىٍّ ، قال
اللهُ تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَّيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وذلك تأديبٌ وتنبية ، واللهُ
أعلمُ. وأما قولُه: ((لا تُمَثِّلوا)). فإن الأمَّةَ أجمَعت على تحريم المُثْلَةِ، وليس فيها
حدیثٌ صحیح بلَفْظِها ، ولكن ورَدَت أحادیثُ صحیحةٌ فى المعنى ، وقد ژُوی عن
ابنِ شهابٍ، أنه قال: كان قطعُ النبيِّ وَِّ للرّعاءِ وسَمْلُ أَعْيُنِهم فى صدرِ الإسلامِ،
ثم نُسِخ ذلك بتحريمِ المُثْلَةِ. وهذا ليس بصحيحٍ، إنما فعَل النبىُّ بَّر بهم ما فعَلوا
بالرِّعاءِ، على تَفْصيلٍ يأتى فى كتابِ الجناياتِ إن شاء اللهُ تعالى .
(١) أخرجه البيهقى ٩٠/٩ من طريق محمد بن بكر به، وهو عند أبى داود (٢٦١٤).
(٢) عبد أسود، أهدى للنبى وَّله فأعتقه، وقيل: لم يعتقه. وقد غل الشملة فى غزوة خيبر وقتل،
فقال النبى وَ له: ((إن الشملة لتشتعل عليه نارا)). أسد الغابة ١٣١/٥، والاستيعاب ٤ / ١٤٦٨.
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٠٠٤).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٠٠٢) .
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٠٠٣).
٢٢٠
موسوعة شروح الموطأ: التمهيد والاستذكار، القبس — pages 201-220 | ScribeTools Library