النص المفهرس

صفحات 161-180

الموطأ
حدَّثنا أحمدُ بنُّ محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، حدَّثنا محمدُ بنُّ جريرٍ، التمهيد
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أيوبُ، عن مُطرّفٍ بنِ الشِّخِّيرِ ، أنه كان
يقولُ : لئن لم يكنْ لى دينٌ حتى أقومَ إلى رجلٍ معه مائةُ ألفٍ سيفٍ أَزْمِى إليه
كلمةً فِيَقْتُلَنِى، إِنَّ دينى إذَنْ لضيّقٌ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ ، حدَّثنا محمدُ بنُ جریرٍ ،
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنا أحمدُ ، حدَّثنا
أحمدُ ، حدَّثنا « محمدٌ، حدَّثنا محمدُ بنُ المثَنَّى، حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ،
حدَّثنا شعبةُ ، جميعًا عن قيسٍ بنِ مسلمٍ ، عن طارقٍ بنِ شِهابٍ قال : جاء عِتْرِيسُ
ابنُ عرقوبٍ إلى عبدِ اللهِ فقال: هَلَكَ مَن لم يأْمُرْ بالمعروفِ ويَنْهَ عن المنكرِ .
فقال عبدُ اللهِ : بل هَلَك مَن لم يَعرِفِ المعروفَ بقلبِهِ ، ويُنكِرِ المنكرَ بقلبِه (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُّ الفضلِ ، حدَّثنا محمدُ بنُ جریرٍ ،
حدَّثنا ابنُ المثَنَّى ، حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شعبةُ ، عن عبدِ الملكِ بنِ
عميرٍ ، قال : سمِعتُ ربيعَ بنَ عُمَيْلةَ قال : سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يقولُ:
حَسْبُ المؤمنِ إذا رأى منكرًا لا يَستَطِيعُ تغييرَه أن يَعْلَمَ اللهُ مِن قلبِه أنه له
(٣)
کارة(٢).
القبس
(١ - ١) سقط من النسخ .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٤/١٥، والطبرانى (٨٥٦٤)، وأبو نعيم فى الحلية ١٣٥/١ من طريق
سفيان به ، وأخرجه الطبرانى (٨٥٦٥) من طريق شعبة به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٤/١٥ من طريق عبد الملك بن عمير به .
١٦١
( موسوعة شروح الموطأ ١١/١٢ )

الموطأ
٩٨٣ - مالكٌ، عن زيد بن أسلمَ، قال: كتَب أبو عُبيدةً بنُ
الجرّاحِ إلى عمرَ بنِ الخطابِ يذكُرُ له مجموعًا من الروم وما يُتخوَّفُ
منهم ، فكتب إليه عمرُ: أمَّا بعدُ، فإنه مهما يَنزِلْ بعبدٍ مؤمنٍ من مُنْزَلِ
شِدَّةٍ يجعَلِ اللهُ له بعدَه فَرَجًا ومَخْرَجًا ، وإنه لن يَغْلِبَ عُسرٌ يُسرَينٍ ، وإن
الله عزَّ وجلَّ يقولُ فى كتابه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ
وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
التمهيد
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثْنا قاسمٌ، حدَّثنا ابنُ وضاح، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى
حسانَ، عن ابن لهيعةً، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلِتٍ:
(لا يَحِلُّ لمؤمنٍ أن يُذِلَّ نفسَه)). قالوا: يا رسولَ اللهِ ، وما إِذلالُه نفسَه؟ قال:
((يَتعرَّضُ من البلاءِ لما لا يقومُ له)).
وقد زِدْنا هذا المعنى بيانًا بالآثارِ فى بابٍ بلاغ مالكِ عن أمّ سلمةَ قولها : یا
رسولَ اللهِ ، أنهلِكُ وفينا الصالحون؟ وأَشْبَغْناه هناك(١) ، والحمدُ للهِ، وبه
التوفيقُ .
الاستذكار
وذكَّر مالكٌ فى هذا الباب عن زيدِ بنِ أسلَمَ ، قال: كتَب أبو عبيدةً بنُ
الجرّاحِ إلى عمرَ بنِ الخطابٍ يذكُرُ له جموعًا من الرومِ وما يُتَخَوَّفُ منهم،
فكتب إليه عمرُ: أما بعدُ ، فإنه مهما يَنْزِلْ بعبدٍ مؤمنٍ مِن مُنْزَلِ شِدَّةٍ يجعلِ اللهُ له
القبس
وأما حديثُ عمر : مهما یتزلْ بعبدٍ مؤمنٍ . إلى آخره ، فکلامٌ صحیح فصيحٌ،
(٢)
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١٩٣٤) من الموطأ .
(٢) سقط من : م .
١٦٢

١
الموطأ .
بعدَه فرجًا ومخرجًا، وإنه لن يغلبَ عُسرٌ يُسرين، وإن اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ فى الاستذكار
كتابِه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾(١).
قال أبو عمرَ : قد رُوِى هذا الخبرُ متصلًا عن عمرَ بأكملَ من هذه الروايةِ .
حدَّثنا أحمدُ ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ يونُسَ، قال :
حدَّثنا بَقِىٌّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ ، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ
سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، قال: لما أتَى أبو عبيدةَ الشامَ محُصِر هو
وأصحابُه، فأصابَهم جَهْدٌ شديدٌ ، فكتَب بذلك إلى عمرَ، فكتب إليه عمرُ :
سلامٌ عليك، أمَّا بعدُ، فإنه لم تكنْ شدَّةٌ إلا جعَل اللهُ بعدَها مخرجًا، ولن
يغْلِبَ عسرٌ يُسرين. وكتب إليه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ
وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فكتَب إليه أبو عبيدةً: سلامٌ عليك،
لا تَنزِلُ بعبدٍ شِدَّةٌ إلا فَرَّجها اللهُ تعالى؛ إما بزوالها، وإما بأفضلَ مِن ذلك، وهو لقاءُ القبس
اللهِ تعالى عندَ الموتِ. وأما قولُه: ولن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُشْرَين. فإنها فصاحةٌ عربيةٌ؛ لأن
الله عزَّ وجلَّ ذكَر العُشْرَ مَّتَين بصيغةِ التعريفِ، فالأُولُ هو الثانى، وذكَر الْيُشْرَ مرَتَين
بصيغةِ التنكيرِ ، فالثانى غيرُ الأُولِ ، حَسَبَ ما تَقْتَضِيه اللغةُ العربيةُ .
وأما قولُه تعالى: ﴿أَصْبِرُوا﴾. فمعناه: احبِسوا أنفسكم على(١) الأَذَى فى ذاتٍ
اللهِ تعالى، وعن الشهواتِ التى تَقْطَعُ عن اللهِ تعالى. وأما قولُه: ﴿وَصَابِرُوا﴾.
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٦٤). وأخرجه ابن
جرير فى تفسيره ٣٣٤/٦ من طريق مالك به .
(٢) فى د: ((عن)).
١٦٣

الموطأ
الاستذكار أما بعدُ، فإن اللهَ عزَّ وجَلَّ يقولُ: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمْوٌ وَزِينَةٌ
وَتَفَاؤٌُ بَيْنَكُمْ وَتَكَثُرٌ فِ اْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿مَتَعُ الْغُرُورِ﴾
[الحديد: ٢٠]. قال: فخرَج عمرُ بكتابٍ أبى عبيدةً) فقرأه على الناسِ ، وقال:
يا أهلَ المدينةِ، إنما كتَب أبو عبيدةَ يُعَرِّضُ بكم، ويَحُضُّكم على الجهادِ . قال
زيدٌ : قال أبى: إنى لقائمٌ فى السوقِ إذ أقبَل قومٌ يَنْصُّون(١) قدِ اطََّعوا من الثَّنِيةِ،
فيهم حذيفةُ بنُ اليَمانِ، يُشِّرُون الناسَ . قال : فخَرَجتُ أشَتَدُّ حتى دخَلتُ على
عمرَ ، فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين، أَبْشِرْ بنصرِ اللهِ والفتح. فقال عمرُ: اللهُ أكبرُ،
رُبَّ قائلٍ : لو كان خالدُ بنُ الوليدِ()!
قال أبو عمرَ : فى هذا الخبرِ ما كانوا عليه من المشورةِ فى أمورِهم، وقد
أثْنَى اللهُ على من كان أمرهم شورَى بينَهم، وكان رسولُ اللهِ وَلَهِ يشاورُ
أصحابه فى الحروب ؛ ليُقتدى به . وفيه أن الرئیسَ حقٌّ عليه الحذرُ على جيشِه ،
وألَّ يُقْدِمَهم على الهَلَكةِ ؛ ولذلك أوصَى بعضُ السلفِ من الأمراءِ أُميرَ جيشِه،
٠
القبس فمعناه: قابلوا صَبْرَ غيرِ كم به. قال اللهُ تعالى: ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ
كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرْحُ فَقَدْ مَسَّ
اُلْقَوْمَ قَرٌْ مِثْلٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. وأما قولُه: ﴿وَرَابِطُوا﴾. فمعناه: إذا فعَلْتُم
ذلك التَزِمُوه؛ فإن الأعمالَ إنما هى بالمُداومةِ، ومِعْيارُها إنما يظهَرُ عندَ الخاتمةِ .
(١ - ١) ليس فى : الأصل، م.
(٢) النص : ضرب من السير سريعٌ. وينصون : يحثون الدواب على السير. ينظر اللسان (ن ص ص).
(٣) ابن أبى شيبة ٣٣٥/٥. وأخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٢١٧)، والحاكم ٢/ ٣٠٠، وابن
عساكر ٤٧٧/٢٥ من طريق هشام بن سعد به .
١٦٤

الموطأ
فقال له: كنْ كالتاجرِ الكَيْسِ الذى لا يطلُبُ ربحًا إلا بعدَ إحرازِ رأس مالِه. فهذا الاستذكار
معنى كتابٍ أبى عبيدةَ، واللهُ أعلمُ .
وأَما جوابُ عمرَ، فجوابُ مؤمنٍ موقٍِ بما وعَد اللهُ نبيَّه بَّ من ظهورِ دينه على
الدينِ كلِّه، وأنه ستُفتَحُ عليه ديارُ كسرى وقيصرَ، ولذلك أمَره بالصبرِ وانتظارِ الفرجِ .
وهو أمر له بالبقاءِ؛ لأنه كان قد أَذْرَبَ (١) وصار فى بلادِهم. قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: (( لا
تَمَنَّوْا لقاءَ العدوِ، وإذا لَقِيتُموهم فاتثبُتُوا)). ويُزْوى: ((فاصِرُوا)).
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا
عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ ، وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ بکرٍ ،
قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قالا: حدَّثنا أبو صالح محبوبُ بنُّ موسى ، قال : أخبرنا
أبو إسحاقَ الفَزَارىُّ، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن سالمٍ أبى النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ
عبيدِ اللهِ وكاتبِه ، قال: كتَب إليه عبدُ اللهِ بنُ أبى أَوْفَى حينَ خرَج إلى الحَزُورِيةِ:
إن رسولَ اللهِ وَّله قال: ((يا أيُّها الناسُ(١)، لا تَمَنَّوْا لقاءَ العدوِّ، وسَلُوا اللهَ
العافيةَ، فإِذَا لَقِيتموهم فاصبروا، واعلَمُوا أن الجنةَ تحتَ ظلالِ السيوفٍ))(٢).
ورَواه ابنُّ أبى الزِّنادِ، عن موسى بنِ عُقْبةَ بإسنادِه، وقال فيه: ((فإِذا
لَقِيتُموهم فاثبتوا ، فإِنْ جَلَيوا وصاحُوا فعليكم بالصمتِ ))(١).
القبس
(١) أدرب القوم: إذا دخلوا أرض العدو من بلاد الروم . اللسان (د ر ب).
(٢) فى الأصل، م: ((الذين آمنوا)).
(٣) أبو داود (٢٦٣١)، وعنه أبو عوانة (٦٥٧٥). وأخرجه البخارى (٢٨١٨، ٢٨٣٣) من طريق
أبى إسحاق الفزارى به .
(٤) أخرجه ابن أبى عاصم فى الجهاد (١٠) من طريق ابن أبى الزناد به، بلفظ: ((فاصبروا)).
١٦٥

الموطأ
الاستذ کار
أخبرنا يَعِيشُ بنُ سعيدٍ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ غالبٍ ، قال: حدّثنا أبو نُعيم ، قال: حدَّثنا سفيانُ ، عن عبد الرحمنِ
ابنِ زيادِ بنِ أنعُم، عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، عن النبيِّ وَله
قال: ((لا تَمَنَّوا لقاءَ العدوِّ، وسَلُوا اللهَ العافيةَ، وإذا لَقِيتموهم فاثبتوا)) (١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ ويعيشُ بنُ سعیدٍ، قالا: حدّثنا قاسمٌ، قال : حدَّثنا
محمدُ بنُ غالبٍ ، قال : حدثنا عفان ، قال : حدثنا جعفرُ بنُ سلیمانَ ، عن أبى
عمرانَ الجَوْنيّ، عن أبى بكرِ بنِ أبى موسى، عن أبيه، عن النبيِّ وَ لَه قال: ((لا
تَتَمَنَّوا لقاءَ العدوِّ، وسَلُوا اللهَ العافيةَ، فإذا لَقِيتموهم فائبتوا، واعلموا أن أبوابَ
الجنةِ تحتَ ظلالٍ السيوفٍ)»(٢).
وأما أبو عبيدةَ فولَّاه عمرُ بنُ الخطابِ قيادةَ الجيوشِ بالشامِ فى أولٍ ولايتِه،
وعزَل خالدَ بنَ الوليدِ عنها ، وذلك سنةً أربعَ عشرةَ ، وكانت اليرموكُ سنةً خَمْسَ
عَشْرةَ ، فاجتَمَعت الروم فى جموعٍ لم تَجتَمعْ فى مثلِها قبلُ ولا بعدُ . قال ابنُ
إسحاقَ : فى مِائَةِ ألفٍ . وقال ابنُ الكلبىّ : فى ثلاثمائةٍ ألفٍ . وعليهم ماهانُ(٣)
رجلٌ من (أبناءِ فارسَ) كان تنصَّرَ ولَحِق بالروم، وكانت الوَقْعةُ فى رجبٍ ،
فنصَر اللهُ المسلمين وأظهَرَهم .
القبس
٦
(١) أخرجه الطبرانى (٥٠ - قطعة من الجزء ١٣) من طريق أبى نعيم به ، وأخرجه عبد الرزاق
(٩٥١٨)، والطبرانى (٥٠ - قطعة من الجزء ١٣) من طريق سفيان الثورى به.
(٢) أخرجه أحمد ٤٥٩/٣٢ (١٩٦٨٠) عن عفان به. وأخرجه أحمد ٣٠٩/٣٢ (١٩٥٣٨)،
ومسلم (١٩٠٢)، والترمذى (١٦٥٩) من طريق جعفر بن سليمان به .
(٣) فى الأصل: ((ماهانوا))، وفى م: ((ماهانو)).
(٤ - ٤) فى م: ((البابا ومن)).
١٦٦

الموطأ
وحَضَرتْ أسماءُ بنتُ أبى بكرٍ مع زوجِها الزبيرِ، فحَدَّثَتْ قالت : إن كان الاستذكار
الرجلُ من العدوِّ لَيَمُرُّ لِيَسْعَى ، فَتُصِيبُ قَدَماه عروةَ أَطنابٍ خِبائى ، فيَسْقُطُ على
وجهِه ميتًا ما أصابه السلاح (١) .
وروی محمدُ بنُ أبی یحیی(٢) ، عن إسحاقَ مولی(٢) زائدةَ ، عن أبی واقِدٍ
اللَّيثيّ، قال : رأيتُ الرجلَ يومَ اليرموكِ من العدوِّ يسقُطُ فيموتُ ، فقلتُ فى
نفْسِى: لو أنى أضربُ أحدَهم بطَرَفٍ رِدائى ظنَنتُ أنه يموتُ(٤) .
وجعل اللهُ للمسلمین من الغمِ الشديد الذی کان نزَل بهم فرجًا ومخرجًا
کما قال عمرُ رضِى اللهُ عنه .
وأما قولُه : لنْ يَغْلِبَ عسرٌ يُشْرين. فإنه أراد معنى قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ
اٌلْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦،٥]. قال أبو عبيدةَ() وغيره من أهلِ
العلم باللغةِ: إن النكِرةَ إذا ثُنِّيَتْ كانت اثنتين، فقوله تعالى: ﴿يُسْرًا﴾
و﴿يُسْرَ﴾. يُسْرَان، و﴿الْعُسْرِ﴾ و﴿الْعُسْرِ﴾. عسرٌ واحدٌ، كأنه جاء
للتأكيدِ؛ لأنه معرفةٌ . "هكذا قالوا أو معناه .
قال أبو عمرَ: أحسنُ ما رُوِى فى قولِ اللهِ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ
أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النساء: ٢٠٠]. ما قاله
القبس
(١) جزء من أثر أبى واقد التالى أخرجه ابن سعد ٢٥٣/٨.
(٢) فى الأصل، م: ((الحسن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١١.
(٣) فى الأصل، م: ((بن)). وينظر تهذيب الكمال ٥٠٠/٢ .
(٤) أخرجه ابن سعد ٢٥٣/٨، والبخارى فى تاريخه ٤٠٣/١ من طريق محمد بن أبى يحيى به .
(٥) فى س: ((عبيد)).
(٦ - ٦) فى س: ((قالوا هذا)).
١٦٧

الموطأ
الاستذكار محمدُ بنُ كعبِ القُرَظیُّ .
رواه ابنُ وَهْبٍ ، قال : أخبرنى أبو صَخْر المدنئ(١) ، عن محمد بنِ کعب
القرظيّ، أنه كان يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ
وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قال : اصبروا على دينكم ، وصابِروا
الوعد الذی وعدتُكم عليه، ورابِطُوا عدوّ كم وعدوِّی حتی یتُكَ دیتَه لدینکم ،
واتَّقُوا اللهَ فيما بينى وبينَكم، لعلكم تُفْلِحون إذا لَقِيتمونى(٢).
وأخبرنا أبو القاسمِ خلَفُ بنُ قاسمٍ بنِ سهلِ الحافظُ ، قال: أخبرنا أبو
إسحاقَ محمدُ بنُ قاسم بنٍ شعبانَ الفقيهُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عثمانَ
والحسينُ بنُ الضحاكِ ، واللفظُ لإبراهيمَ ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
عبدِ الحَكَم ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إدريسَ الشافعىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
عمرَ الواقدىُّ، عن هشام بنِ سعدٍ ، عن سعيد بن أبى هلالٍ ، عن أبى قَبِيلٍ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو بنِ العاصِى ، قال : كتَب أبو بكرٍ الصديقُ إلى عمرو بنِ العاصِى
رضِى اللهُ عنهما: أما بعدُ، فقد جاءَنى كتابُك تَذكُرُ ما جمَعت الروم من
الجموع، وإن الله تعالى لم يَنْصُونا مع نبيّنا ێ بكثرة عددٍ ، ولا بكثرةِ خیلٍ ولا
سلاحٍ، ولقد كنا ببدرٍ وما معنا إلا فَرَسان ، وإن نحن إلا نتعاقبُ الإبلَ، وكنا يومَ
أَحدٍ وما معنا إلا فرسٌ واحدٌ، وكان رسولُ اللهِ وَّه يركبه، ولقد كان اللهُ
يُظْهِرُنا(٢) ويُعِينُنا على من خالَفَنا، فاعلَمْ يا عمرُو أَن أَطوعَ الناسِ للهِ(٤) تعالى
القبس
(١) فى الأصل، م: ((المزنى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦٦/٧.
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٢/٦.
(٣) فى س: ((يظفرنا)).
(٤) ليس فى الأصل، م .
١٦٨

الموطأ
أشدُّهم بغضًا للمعصيةِ، وأن من خاف الله تعالى وَرَّعه خوفُه عن كلٌّ ماللهِ تعالى الاستذكار
فيه معصيةٌ ، فأطع الله تعالى، ومُرْ أصحابَك بطاعتِه، فإن المَعْبُونَ من محُرِم طاعةً
اللهِ ، واحْذَرْ على أصحابِك البَياتَ، وإذا نزَلتَ منزلًا فاستَعمِلْ على أصحابِك
أهلَ الجَلَدِ والقوةِ؛ ليكونوا هم الذين يَخْرُسُونهم (١) ويَحْفَظونهم، وقدِّمْ أمامَك
الطلائعَ حتى يَأْتُوا بالخبرِ، وشاوِرْ أهلَ الرأي والتجرِبةِ، ولا تَشْتَبِدَّ برأيك
دونَهم؛ فإن فى ذلك احتقارًا للناسِ ومَغَضَّةٌ(١) لهم، فقد رأيتَ رسولَ اللهِ وَه
يشاورُ أصحابَه فى الحربِ ، وإياك والاستهانةَ بأهلِ الفضلِ من أصحابٍ رسولٍ
اللهِ وَّهِ، وقد عرَفتَ وصيةَ رسولِ اللهِ وَلِّ بالأنصارِ عندَ موتِهِ حينَ قال:
((أحْسِنُوا إلى مُحْسِنِهم، وتَجاوَزُوا عن مُسِيئِهم)). وقَرِّبْهم منك، وأذْنِهم،
واستَشِرْهم، وأَشْرِكْهم فى أمرِك، ولا يَغِبْ عنى خبرُك كلَّ يومٍ بما فيه إن قدَرتَ
على ذلك، وأشبعِ الناسَ فى بُيوتِهم، ولا تُشِعْهم عِندَك، وتعاهَدْ أهلَ
الدَّعارةِ ) والأحداثِ بالعقوبةِ من غيرٍ تَعَدِّ عليهم، ولْيَكُنْ تقدُّمُك إليهم فيما
تَنْهَى عنه قبلَ العقوبةِ، وتَبَّأْ إِلى أَهلِ الذِّمَّةِ من مَعَرَّتِهم، واعلمْ أنك مسئولٌ عما
أنتَ فيه ، فاللهَ اللهَ يا عمرُو فيما أُوصِيك به، جعلنا اللهُ وإياك من رُفقاءِ محمدٍ
وَلِلّه فى دارِ المُقامةِ، وقد كتَبْتُ إلى خالدِ بنِ الوليدِ يمُدُّك بنفسِه ومن معه ، فله
يُمْنٌّ فى الحربِ، وهو مِمن يَعرِفُ اللهَ تعالى، فلا تُخالِفْهُ(٤)، وشاوِرْه، والسلامُ
(٥)
عليك(٥).
القبس
(١) فى الأصل، م: ((يحرضونهم).
(٢) فى الأصل، م: ((معصية)). والمغضَّة: المنقصة. التاج (غ ض ض).
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((تعاير أهل الرعاية)).
(٤) فى الأصل، م: (( يخالف)).
(٥) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٨٢٨٤) من طريق الواقدى ببعضه.
١٦٩

الموطأ
الاستذ کار
القبس
فائدةُ الجهادِ : نيلُ الفضيلةِ ، تحصيلُ(١) الغنيمةِ، تحقيقُ(٢) الموعدِ؛ أما نيلُ
الفضیلة فقد بدأ به مالك رضِى اللهُ عنه، وقد رُوِی عن النبىِ (ێ ، وقد قيل له : یا
رسولَ اللهِ، ما بالُ الناسِ يُفْتَنون فى قبورهم إلا الشهداءَ؟ فقال: « كفَى بِبارِقَةِ
السيوفِ فِتْنةً)). خرَّجِه الشُّعَبِىُّ(١). وقال ◌َّهِ: ((مَن قَتَله أهلُ الكتابِ، فله أُجْرُ
شَهِيدينٍ)) (١). وقال: ((قَفْلَةٌ كغزوةٍ)). فجعل أجز المجاهدِ فی رُجُوعِه كأجرِه فى
مَسِيرِهِ. خرَّجه الدَّاودِىُّ(١). وعن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلِّقال: ((مَن ماتَ ولم
يَغْزُ، ولم يُحَدِّثْ به نفسَه، ماتَ على شُعبةٍ مِن نِفاقٍ)). خرّجه القُشَيرىُّ(١).
وأما تَحْصيلُ الغنيمةِ فهى خَصِيصةُ هذه الأمةِ، قال ◌ِِّ: ((فُضِّلْنا على الناسِ
بسِتُّ)). فقال: ((وأُحِلَّت لنا الغنائمُ، ولم تُحَلَّ لأحدٍ سُودِ الرُّءُوسِ قبلَنا)) (١). وليس
يُناقِضُ ذلك القتالَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هى العُلْيا؛ لأن مِن تَمامِ القتالِ لَعْلُوَ كلمةٌ
الإسلام المالَ، وأفضلُ وجوهِه (١) الغنيمةُ، قَال ◌َِّفى الحديثِ الصحيح: ((الإِبلُ
عِزٌّ لأَهلِها، والغنمُ بَرَكةٌ، والخيلُ مَعقودٌ فى نَواصِيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ ؛ الأُجْرُ
والمَغْتَمُ ))(١). وقال وَّ: (( بجعِل رِزْقى تحتَ ظِلِّ رُمْحى)) - فَلما كان أفضلَ
(١) سقط من : م .
(٢) فى م: ((بتحقيق)).
(٣) هو أحمد بن شعيب النسائى، سنن النسائى (٢٠٥٢).
(٤) تقدم تخريجه فى ٤٧٥/٥ .
(٥) أبو داود (٢٤٨٧) .
(٦) مسلم (١٩١٠).
(٧) أخرجه أحمد ١٩٤/١٥ (٩٣٣٧)، ومسلم (٥٢٣)، والترمذى عقب الحديث (١٥٥٣).
بلفظ: (فضلت على الأنبياء بست ... وأحلت لى الغنائم)). وقوله مَله: ((ولم تحل لأحد سود
الرءوس قبلنا)) . سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٤٤٣) من الموطأ .
(٨) فى م: ((وجوه)).
(٩) أخرجه ابن ماجه (٢٣٠٥)، وسيأتى تخريجه ص٤٧٤، مقتصرًا على ذكر الخيل .
١٧٠

الموطأ
الاستذكار
الخلقِ، جعَل اللهُ رزقَه فى أفضلٍ وجوهِ الكسبِ - خرّجه البخارىُّ(١) . وقال عبدُ اللهِ القبس
ابْنُ حَوَالةَ: بَعَثَنَا رسولُ اللهِ وَّهِ لِنَغْنَمَ، فَرَجَعْنا ولم نَغْتَمْ. خرّجه الداودىُّ(٢) . وهذا
يَدُلُّ على جوازِ الجهادِ قَصْدَ الغنيمةِ خاصةً ، وفى أثناءِ ذلك يحصُلُ إعلاءُ كلمةِ اللهِ
أعلى(١) مما تُفِيدُه السَّرَايا مِن غَيْظِ العدوِّ وضَعْفِه.
وأما تحقيقُ الموعدِ ؛ فقال ◌َله: ((زُوِيَتْ لِىَ الأرضُ، فَأَرِيتُ مَشارِقَها
ومَغارِبَها)) الحديث. ولا سبيلَ لعمومِ الملكِ إلا طريقُ الجهادِ، وقال ◌َله: (( لا
يَزالُ أهلُ الغَرْبِ ظاهِرِين على الحقِّ ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم إلى أن تقومَ الساعةُ))(٦).
قال قومٌ: هم أهلُ المغربِ. وقال قومٌ؛ منهم علىُّ بنُ المَدِينىِّ: هم العربُ() . وقال
قومٌ: هم المَخْصوصُون بالجهادِ ، المُثاپِرون علیه ، الذین لا يَضَعُون أسلحتهم ، فهم
أبدًا فى غربٍ؛ وهى الحِدَّةُ. خرَّج ذلك مسلمٌ ، وهذا يكونُ بِجَوْبِ القِفارِ ، وخَوْضِ
البحارِ؛ تَحْقيقًا للموعدِ الحقِّ المذكورِ، حينَ قال النبىُّ وَله: ((ناسٌ مِن أُمتى
عُرِضوا علىَّ يَوْكَبُونَ ثَبَجَ () هذا البحرِ الأخضرِ غُزاةً فى سبيلِ اللهِ))(٩) . وهذا يَدُلُّ على
طلبٍ تحقيقِ الموعدِ مِن وراءِ البحارِ، وقد علِمِ وَّهَ بُلُوعَ الدينِ هنالك، ولذلك قال
(١) البخارى معلقًا قبل الحديث (٢٩١٤)، وسيأتى تخريجه ص ١٩٣، ١٩٤.
(٢) أبو داود (٢٥٣٥) .
(٣) فى ج، م: (( تعالى)).
(٤) فى د: ((الوعد)).
(٥) تقدم تخريجه فى ٢٩٧/٧ .
(٦) أخرجه مسلم (١٩٢٥) .
(٧) فى د: ((أهل الغرب)).
(٨) ثبج البحر: وسطه ومعظمه . النهاية ٢٠٦/١.
(٩) سيأتى فى الموطأ (١٠١٧).
١٧١

الموطأ
الاستذكار
القبس فى الحديثِ الصحيح: ((اعمَلْ مِن وراءِ البحارِ؛ فإن الله لن يَتِرَكَ مِن عملك
شيئًا))(١). وقال ◌َ له فى الحديث الصحيح: ((لا هِجْرةَ بعدَ الفتحِ، ولكن جهادٌ
ونِيّةٌ))(٢). فلئن كانت الهجرةُ قد ذهَبت، فإن الجهادَ باقٍ خَلَفًا عنها، على أن
الداودىّ() قد رَوَى عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: ((لا تَتْقَطِعُ الهجرةُ حتى تَتْقِطِعَ التوبةُ ،
ولا تَنْقَطِعُ التوبةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مَغْربِها)). ومعنى هذا؛ أن الهجرةَ كانت
مُسْتَحَبَّةً فى صدرِ الإسلامِ، ثم كانت واجبةً إلى النبيِّ وَِّ؛ لِتَتَمَكَّنَ الدوحةُ(٤)
وتَتَّسِعَ الدارُ، وتنتشرَ المِلَّةُ، فلما فتَح اللهُ تعالى عليه مكةَ انقطَع الوجوبُ، وبَقِى
الاسْتِحبابُ إلا فی مَؤْطِنین ؛ أما أحدُهما : فهجرةُ المسلمِ مِن أرضِ الحربِ إلى دارِ
الإسلامِ، وهذا فرضُ عينٍ على مَن نزَلُ به . والثانى: هِجْرةُ الرجلِ مالَه وأهلَه ؛
للخروجِ إلى العدوِ عندَ الاسْتِنصارِ به، أو عندَ اسْتِنفارِه؛ لقولِه ◌َلّر: ((وإذا
اسْتُنْفِرتُم فانْفِروا، وإذا اسْتُنْصِرْتُم فانصُروا))(١). وفى غيرِ هذَين الموضعَين تكونُ
هذه الهجرةُ فرضَ كفايةٍ ، وَيَتَعلَّقُ بهذا ويرتبطُ به قتالُ الخوارجِ(٩) ، إذا ظهَروا يَطْلُبون
(١) أخرجه البخارى (١٤٥٢)، ومسلم (١٨٦٥).
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٥٢٩) من الموطأ .
(٣) أبو داود (٢٤٧٩)، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٥٢٩) من الموطأ .
(٤) فى ج: ((الدرجة)).
(٥) فى د: ((نذر)).
(٦) فى د: ((الاستظهار)).
(٧) بعده فى ج، م: ((كذلك)).
(٨) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٥٢٩) من الموطأ. وليس فيه: ((وإذا استنصرتم فانصروا)).
(٩) كل من خرج على الإمام الحق الذى اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيًّا سواء كان الخروج أيام
الصحابة ؛ على الأئمة الراشدين ، أو كان بعده ؛ على التابعين بإحسان والأئمة فى كل زمان ، وأول
الخوارج هم الذين خرجوا على علىّ بن أبى طالب عند التحكيم وكفّروه وكذلك كفّروا عثمان وأكثر =
١٧٢
٠

الموطأ
الاستذكار
مالاً أو مُلْكًا؛ فإن قتالَهم فرضٌ، وقَتْلَهمْ قُرْبةٌ ، وسَنُبيِّنُ الآنَ إن شاء اللهُ تعالى بعضًا مِن القبس
الفرضِ فيهم، ولا ينقطعُ الجهادُ إلا بالإسلام. قال ◌َِّ: ((أُمِرتُ أن أُقاتِلَ الناسَ
حتى يقولوا: لا إله إلا اللهُ)) الحديث(١) . فإن لم يَكُنْ إِسلامٌ، فالجِزْيةُ بالقرآنِ ، قال
اللهُ تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩].
وذلك مِن اللهِ تعالى على وَجْهِ الرِّفْقِ بنا؛ حتى نُجِمَّ ١ مِن الحربِ أنفسَنا، وتَكْثُرَ
بالجِزاءِ أموالُنا، وزادَ فى الرَّفْقِ بأن قال: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١].
وهذا وإن كان خاصًّا للنبيِّ وَلِّ، فإن الآيَةَ مُحْكَمَةٌ إلى أن تقومَ الساعةُ ، إذا رأى
الإِمامُ ذلك واحتاجَ الناسُ إليه، يَنْعقِدُ الصلحُ على ما يُمْكِنُه مِن ضَعْفِ المسلمين
وقُوَّيِهم ، ولا يمنعُ ذلك مِن إجابةِ الناسِ الكفارَ إليه، إذا كان للمسلمين مَنْفَعَةٌ فيه ،
ولا أعظمَ مِن حالةِ النبيِّ نَلِ يومَ الحديبيةِ التى أنكرها عمرُ، حينَ قالوا للنبىِّ وَله :
وعلى أن تَؤُدَّ إِلينا مَن جاءكم مِنَّا مسلمًا. قال له سهيلٌ: وأَوَّلُ ما أُقاضِيك على أبى
جَنْدلٍ. ولدُه، وقد جاء يَرْسُفُ () فى قَيْدِه، فقال له النبيُّ وَلِّ: ((نعم)). فصاح أبو
جندلٍ : يا معشرَ المسلمين، أَرَدُّ إلى الكفارِ يَفتنوننى عن دينى (٥)؟! قال علماؤنا :
ورسولُ اللهِ وَهِ كان أُعرِفَ. وصَدَقوا، وفيه نُكْتَةٌ بديعةٌ؛ وذلك أن رسولَ اللهِ وَه
إنما رَدَّ إِلى سهيلٍ وَلَده، فماذا يصنَعُ الوالدُ بالولدِ؟! وأيضًا فإن النبيَّ وَِّقد كان أَذِن
= الصحابة ، وانقسموا إلى فرق كثيرة ؛ منهم المحكمة، والبيهسية، والأزارقة، والنجدات ، والأصفرية،
والإباضية. ينظر الملل والنحل الشهرستانى ١٩٥/١، والمواقف فى علم الكلام للإيجى ص٤٢٤ .
(١) فى ج: ((الغرض)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٩٨/٥ .
(٣) فى م: ((ننجى)). ونجم: نريح. اللسان (ج م م ).
(٤) الرسف والرسيف: مشئ المقيد إذا جاء يتحامل برجله مع القيد. النهاية ٢٢٢/٢.
(٥) البخارى (٢٧٣١، ٢٧٣٢) .
١٧٣

النهىُ عن أن يُسافَرَ بالقرآنِ إلى أرضٍ العدوّ
الموطأ
٩٨٤ - مالِكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أنه قال : نھَي
رسولُ اللهِ وَّلَهِ أَن يُسافَرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ .
مالك، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّه قال: نهى رسولُ اللهِ وَلَةِ أَن يُسافَرَ
التمهید
القبس لهم بالتَّلَفُّظِ بالكفرِ، وهو الذى كانت الكفارُ تَطْلُه ، فيَتَلَفَّظون به حتى يأتىَ اللهُ
بالفتحِ أو أمرٍ مِن عندِه . وقد قال علماؤنا : إن دعوةَ الكفارِ شرطٌ فى القتالِ . وقد قال
مالكٌ مَرَّةً: يُدْعَون. وقال أخرى(١): لا يُدْعَون. وقد قال آخرون مِن علمائِنا: ذلك
اختلافُ (٢حالٍ، لا اختلافُ" قولٍ. والذى عندى أن النبيَّ وَلَه قد فرَغْ مِن
الدعوةِ ، وقد كتب إلى هِرَقْلَ والنجاشيِّ، وكتب إلى الأَقْيالِ() والعَباهلةِ، وَبَيِّنَ
الإِسلامَ بالحُججُ عشرَ سنينَ، أمَّا أنه بعَث مُعاذًا إلى اليمنِ فقال: ((ادْعُهم إلى
شهادةٍ أن لا إله إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ ، فإن هم أجابُوك إليها فَأَعْلِمْهم))
الحديث(١). وقال فى حديثٍ بُريدةَ: ((ادْعُهم إلى ثلاثِ خِلالٍ)) الحديث(١) . وأغارَ
﴿ََّ على بنى المُصْطَلِقِ وهم غارُّون(١)، وَأَتَّى خيبرَ ليلًا فصَبَّحُها على غِرّةٍ()، وذلك
كلُّه لِتَقَدُّمِ الدعوةِ .
(١) فى د: ((آخرون)).
(٢ - ٢) سقط من : ج .
(٣) الأقيال: جمع قَيْلٍ ، وهو الملك من ملوك حمير يتقيّل من قَبْله، أى يشبهه ، وقيل : هو دون
الملك الأعلى . ويجمع أيضًا على قيول وأقوال . اللسان ( ق و ل ، ق ى ل ) .
(٤) العباهلة : جمع عَبْهَل ، وعباهلة اليمن : ملوكهم الذين أقروا على ملكهم . اللسان ( عبهل ) .
(٥) فى ج، م: ((بالحج)).
(٦) البخارى (١٣٩٥)، ومسلم (١٩).
(٧) سيأتى تخريجه ص ٥٠٤، ٥٠٥ .
(٨) غارون: غافلون. النهاية ٣٥٥/٣. وسيأتى تخريجه ص٥٠٦، ٥٠٧ .
(٩) سيأتى فى الموطأ (١٠٢٦).
١٧٤

قال مالكٌ : وإنما ذلك ؛ مخافةً أن ينالَه العدوُّ .
الموطأ
بالقرآنِ إلى أرضِ العَدُوِّ. قال مالكٌ: أرى ذلك؛ مخافةَ أن يَنالَه العدُوُّ(١).
التمهيد
هكذا قال يحتِى، والقعنَيِىُّ ◌ُ(١)، وابنُ بُكيرٍ (١)، وأكثرُ الرواةِ .
ورواه ابنُ وهبٍ، عن مالكِ، فقال فى آخرِه: خشيةَ أن يَنالَه العَدُوُّ . فی
سياقةِ الحديثِ ، لم يجعَلْه من قول مالكٍ (٤) .
وكذلك قال عبيدُ اللهِ بنُّ عمرَ وأيوبُ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ
اللهِ وَّهِ نهَى أن يُسافَرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ؛ مخافةً أَن يَنَالَه العدُوُ(٥).
وكذلك قال علماؤنا: لا يُسافَرُ بالمصحفِ إلى أرضِ العدوّ إلا أن يكونَ القبس
جيشًا مأمونًا. قال مالك: مخافةً أن ينالَه العدوُّ. فورَد الحديثُ فى ((الموطّاً))
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٩٦١). وأخرجه البخارى (٢٩٩٠)، وفى خلق أفعال العباد
(٢٩١)، ومسلم (٩٢/١٨٦٩)، وأبو عوانة (٣٩٧٧) من طريق مالك به، وعند البخارى ومسلم
بدون قول مالك .
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦١٠) ، وأبو القاسم الجوهرى فى مسند الموطأ (٦٧٠) من طريق
القعنبى به .
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/٨و - مخطوط).
(٤) أخرجه ابن الجارود (١٠٦٤)، وأبو عوانة (٧٢٣٩)، وابن أبى داود فى المصاحف ص ١٨١،
والطحاوى فى شرح المشكل (١٩٠٧) من طريق ابن وهب به .
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤/ ١٥٢، وأحمد ١٥٧/٩ (٥١٧٠)، وأبو عوانة (٣٩٨٠، ٧٢٤٤)،
وابن أبى داود فى المصاحف ص ١٨٠، والطحاوى فى شرح المشكل (١٩٠٤) من طريق عبيد الله
ابن عمر به، وأخرجه عبد الرزاق (٩٤١٠)، وأحمد ٩٩/٨، ١٨٣ (٤٥٠٧، ٤٥٧٦)، ومسلم
(٩٤/١٨٦٩) من طريق أيوب به .
١٧٥

الموطأ
التمهيد
ورواه الليثُ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ نَّ أَنَّه كان ينهَى أن
يسافَرَ بالقرآنِ إلى أرضٍ العدوِّ(١)، يخافُ أن ينالَه العدوُ(٢).
وقال إسماعيلُ بنُ أُمَّةً ولیثُ بنُ أبی سلیم ، عن نافع، عن ابنِ عمر قال : قال
رسولُ اللهِ وَلَه: ((لا تُسافِروا بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ؛ فإِنِّى أخافُ أن يَنالَه
(٣)
العدوُ))(٣).
وكذلك قال شعبةُ ، عن أيوبَ ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ عليه
السلام() . وهو صحيح مرفوعٌ.
وأجمَع الفقهاءُ ألا يُسافرَ بالقرآنِ إلى أرضٍ العدوِّ فى السرايا والعَشْكَرِ الصغيرِ
المَخوفِ عليه ، واختلفوا فى جوازِ ذلك فى العسكرِ الكبيرِ المأمون عليه ؛ فقال
مالكٌ: لا يُسافَرِ بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ. ولم يُفَرِّقْ بِينَ العسكَرِ الكبيرِ
والصغيرِ. وقال أبو حنيفةً: يُكْرَهُ أن يُسافَرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ، إلّا فى
القبس قاصرًا من وجهينٍ؛ أحدُهما، أنه قال: نهَى. ولم يقُلْ لفظَ النبيِّ وَه.
والثانى، أنه جعَل التَّقِيَّةَ من كلامِ مالكِ. وفى الحديثِ الصحيحِ بنقلِ العدلِ
عن العدلِ عن ابنِ عمرَ، قال النبيُّ وَلَه: ((لا تُسافِرُوا بالقرآنِ إلى أرضٍ العدوِّ؛
(١) بعده فى ق، ن: (( و)) .
(٢) أخرجه مسلم (٩٣/١٨٦٩)، والنسائى فى الكبرى (٨٠٦٠)، وابن ماجه (٢٨٨٠) من طريق
اللیث به .
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (١٩١٠، ١٩١١) من طريق إسماعيل وليث به، وأخرجه
ابن أبى داود فى المصاحف ص ١٨٢ من طريق ليث به .
(٤) أخرجه أبو عوانة (٣٩٧٦، ٧٢٣٨)، والبغوى فى الجعديات (١١٩٠)، والطحاوى فى شرح
المشكل (١٩٠٦)، والخطيب ٣٩٧/١ من طريق شعبة به.
١٧٦

الموطأ
التمهيد
العسكرِ العظيم ، فإِنَّه لا بأسَ بذلك .
واختلَفوا من هذا البابِ فى تعليم الكافرِ القرآنَ؛ فمذهبُ أبى حنيفةَ أنَّه لا
بأسَ بتعليم الحربىِّ والذُّمِّيّ القرآنَ والفقهَ. وقال مالك: لا يُعَلَّموا القرآنَ ولا
الكتابَ. وكرِهِ رُقيةَ أهلِ الكتابِ. وعن الشافعىِّ روايتانِ؛ إحداهما،
الكراهيةُ . والأخرَى، الجوازُ .
قال أبو عمرَ : الحجّةُ لمن كرِه ذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ
نَجَسُ﴾ [التوبة: ٢٨]. وقولُ رسولِ اللهِ وَلَهِ: ((لا يَمَسَّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ))(١).
ومعلومٌ أنَّ من تنزِيهِ القرآنِ وتعظيمِه إبعادَه عن الأقذارِ والنجاساتِ ، وفى كونِه
عندَ أهلِ الكفرِ تَغْريضٌ له لذلك وإهانةٌ له، وكلُّهم أنجاسٌ لا يَغتَسِلون من
جنابةٍ ، ولا يَعافُونَ ميتةً ، وقد کړه مالكٌ وغیرُه أن يُعطَی الکافرُ درهمًا أو دینارًا
فيه سورةٌ أو آيةٌ من كتابِ اللهِ، وما أعلمُ فى هذا خلافًا إذا كانت آيةً تامّةً أو
سورةً، وإنما اختلفوا فى الدِّينارِ والدرهم إذا كان فى أحدِهما اسم من
أسماءِ اللهِ؛ فأمَّا الدراهِمُ التى كانَت على عهدِ رسولِ اللهِ وَّ فلم يَكُنْ عليها
قرآنٌ ، ولا اسمُ اللهِ ، ولا ذكرٌ؛ لأنَّها كانت من ضربِ الرومِ وغيرِهم من أهلِ
الكفرِ، وإنَّما ضُرِبَت دراهمُ الإسلامِ فى أيَّامٍ عبدِ الملكِ بنِ مَروانَ . وذكَر أحمدُ
لئلا ينالَه العدوُّ)). وهذا نصٌّ فى الوجهين، وقد سمِعتُ بعضَ أشياخى يقولُ: القبس
إن النهىَ عن السفرِ بالقرآنِ إلى أرضٍ العدوِّ إنما هو السفرُ بالعلماءِ؛ مخافةً أن
تُفنيّهم الشهادةُ . قال: فأما السفرُ بالمصحفِ فلا يؤثِّرُ فيه العدوُّ، وهو مُحكَمٌ
فى قلوبِ الرجالِ المشحونةِ بالتوحيدِ والقرآنِ ، فكيف بأوراقِ المصحف وقد
(١) تقدم فى الموطأ (٤٧١).
١٧٧
( موسوعة شروح الموطأ ١٢/١٢)

الموطأ
التمهيد ابنُ المُعَذِّلِ، عن عبدِ الملكِ بنِ عبدِ العزيزِ الماجشونِ ، أنَّه سُئلَ عن الرجلِ
يدخُلُ بالمصحفِ أرضَ العدُوِّ لِما له فى ذلك من استذكارِ القرآنِ والتعليم ، ولِما
يخشَى أَن يَطولَ به السفرُ فينسَى، فقال عبدُ الملكِ: لا يُدخَلُ أرضُ العَدُوِّ
بالمصاحفِ ؛ لِما يُخشَى من التَّعْبُثِ بالقرآنِ والامتهانِ له ، مع أنَّهم أنجاسٌ ،
ومع ما جاء فى ذلك من النهي الذى لا ينبغى أن يُتَعَدَّى .
فإن قال قائلٌ: أفيجوزُ أَن يَكتُبَ المسلمُ إلى الكافرِ كتابًا فيه آيةٌ من
كتابِ اللهِ؟ قيلَ له : أمَّا إذا دُعِىَ إلى الإسلامِ، أو كانَت ضرورةٌ إلى ذلك ، فلا
بأسَ به ؛ لِما رَواه الزهرىُّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ قال :
أخبرنى أبو سفيانَ بنُ حربٍ. فذكَّر قصَّةَ هِرَقَلَ وحديثَه بطُولِه ، وفيه قال: فقرَأ
كتابَ رسولِ اللهِ وَ له وإذا فيه: ((بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، من محمد عبدِ اللهِ
ورسوله، إلى هرَقلَ عظيم الرومِ ، سلامٌ على مَنِ اتَّبِعَ الهُدى، أمَّا بعدُ ، فإِنِّى
أَدْعُوكَ بدِعايةِ الإِسلام، أسلِمْ تَسلَمْ، وأسلِمْ يُؤْتِّكَ اللهُ أَجْرَكُ مَرَّتَيْنِ، فإن
توَلَيْتَ فعليكَ إِثمُ الأرِيسِيِّينَ(١)، و: ﴿يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ
القبس كتَب النبيُّ وَ له بالقرآنِ إلى الكفارِ؟ وقال علماؤنا: إنما كتَب إليهم بالآيةِ
(١) قال النووي: هكذا وقع فى هذه الرواية الأولى فى مسلم: ((الأريسيين))، وهو الأشهر فى
روايات الحديث وفى كتب أهل اللغة ، وعلى هذا اختلف فى ضبطه على أوجه ؛ أحدها ، بياءين بعد
السين. والثانى، بياء واحدة بعد السين. وعلى هذين الوجهين الهمزة مفتوحة والراء مكسورة
مخففة . والثالث ، الإريسين ، بكسر الهمزة وتشديد الراء وبياء واحدة بعد السين. ووقع فى الرواية
الثانية فى مسلم وفى أول ((صحيح البخارى)): إثم اليريسيين، بياء مفتوحة فى أوله ويياءين بعد
السين، واختلفوا فى المراد بهم على أقوال أصحها وأشهرها أنهم الأكارون أى الفلاحون والزراعون
... صحيح مسلم بشرح النووي ١٠٩/١٢.
١٧٨

النهىُ عن قتلِ النساءِ والولدانٍ فى الغزوِ
الموطأ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا﴾)) الآية [آل عمران: ٦٤]. التمهيد
والآيتينِ على معنى الوعظِ . وحرمةُ الآيةِ والآيتين كحرمةِ الألفين، لكنْ علماؤنا القبس
لم يجعَلوا للقليلِ فى ذلك حرمةَ الكثيرِ؛ ولذلك جوَّزوا للمُجُنُبِ أن يقرأَ الآياتِ
اليسيرةَ على معنى التعوُّذِ .
النَّهْىُ عن قتلِ النساءِ والولدانِ
اعلَموا نوَّرَ اللهُ تعالى قلوبَكم أن موضعَ الجهادِ كما قلنا؛ لإعلاء كلمةِ اللهِ،
وكسبِ الحلالِ مِن مالِ اللهِ، وقتلِ أعداءِ اللهِ. واختلف العلماءُ فى عِلَّةِ القتلِ؛
فمنهم مَن قال: عِلَّتُه الكفر؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حََّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾
[البقرة: ١٩٣]. أى كفرٌ، وقال تعالى: ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَّوْمِ
اُلْآَخِ﴾ [التوبة: ٢٩]. فذكر الصفةً فى الحكمِ مُنَبِّهًا بها على التعليلِ، وقال أهلُ
الكوفةِ : علَّةُ القتلِ المحاربةُ. قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا نُقَتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَّى
يُقَدِلُوكُمْ فِيَةٍ﴾ [البقرة: ١٩١]. وهذا أصلٌ عظيمٌ تَنْبَنِى عليه مسائلُ مِن الأحكام
كثيرةٌ، وقد اسْتَوفَيناها فى كتابٍ ((مسائلِ الخلافِ)) بالبيانِ، وأَقَّتْنا على أن العِلَّةَ
الكفرُ لا الحِرابةُ واضحَ البرهانِ ، ولكن مع هذا قال علماؤُنا : لا يُقْتَلُ من الكفارِ أحدَ
عشَرَ كافِرًا، ويقتَلُ كافِرٌ واحدٌ . وهذا مِن بديع الفقهِ، وذلك أن الله تعالى قال:
فَأَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. فكان هذا العمومُ مِن أُصولِ الدينِ يتناولُ اثنى عشرَ
شخصًا، قُتِل واحدٌ وتُرِك أحدَ عشَرَ، وبهذا السببِ كاعَ مَن كاع مِن علمائِنا
(١) أخرجه أحمد ١٩٨/٤ (٢٣٧٠)، والبخارى (٧)، ومسلم (١٧٧٣) من طريق الزهرى به .
(٢) كاع : جَبُن . اللسان ( ك و ع).
١٧٩

الموطأ
التمهيد
القبس المُتَكلِّمين عن القولِ بالعمومِ، وذلك غيرُ ضائرٍ فيه؛ لأنه عُرْضَةٌ للتخصيص
والتعليلِ، فيوجدُ كما بيَنَّه فى أصول الفقهِ بظاهرِه وتعليلِه، حتى يَتَبِيَّنَ ما تَبيَّنَ من
دليلِه؛ فأما الاثنا(١) عشَرَ؛ فرجلٌ، شيخٌ، مُفْنِدٌ(٢)، عَسِيفٌ ()، أجِيرٌ، راهِبٌ فى
صومعةٍ، راهبٌ فى كنيسةٍ، زَمِنٌّ، مجنونٌ، مريضّ(١)، امرأةٌ، صبحىٌّ، فَيُقْتَلُ
الرجلُ بلا خلافٍ، وكذلك الشيخُ؛ وأما المُفنِدُ والعَسِيفُ، ففَّ مالكٌ مِن القولِ
بقَتْلِهما ، قال عبدُ الملكِ : وكذلك الأجيرُ الصانعُ بيدِه مثلُهما . والذى عندى أنهم
يُقْتَلون؛ لأن عِلَّةَ القتلِ الكفرُ، وهى موجودةٌ فيهم، وقد قال سُحنونٌ : إن حديثَ
العَسِيفِ لم يَثْبُتْ. وإن كان الشُّعبِىُّ قد خرَّج أن النبىّ وَّهِ قال لخالدٍ: ((لا تَقْتُلَنَّ
ذُرِّيَّةً ولا عَسِيفًا)) (١). والذى صَعَّ الامتنامُ مِن قتلِ النساءِ والصبيانِ، إلا إن قاتَلَا
فِيُقْتَلان ، قال سُحنونٌ : حالةَ القتالِ . وقال ابنُ القاسم : فى كلِّ وقتٍ . وقال أصبغُ:
إِن قَتَلا فى حالٍ قتالِهِما قُتِلا . والصحيحُ قولُ ابنِ القاسم؛ لأن العلةَ وهى الكفر قد
اقترن بها شرطُها وهى الإذَايَةُ ، وأما الراهبُ؛ إن كان فى الكنيسةِ مع الناسِ ، فحكْمُه
حكمُهم، وأمَّا مَن كان فى صومعتِهِ، فَيُتْرَكُ ؛ لحديثِ الصدِّيقِ: فَذَرْهُم وما حبَسوا
أنفسَهم له (١) . وكذلك المرأةُ إذا تَرَهَّبَت، قال مالكٌ: والنساءُ أحَقُّ أَلَّا يُهَجْنَ . وقال
(١ - ١) فى د: ((يستبين من))، وفى م: ((تبين ما تبين)).
(٢) فى د: ((الأحد)).
(٣) مُفْنِد : ضعيف الرأى من الهرم أو المرض . ينظر اللسان ( فن د ).
(٤) العسيف : الأجير . وقيل : العبد المستهان به . وقيل: الفلاح. ينظر اللسان (ع س ف)،
وأحكام القرآن ١٠٦/١ .
(٥) الزَّمِنُ: المبتلى ذو الزمانة ، والزمانة: العاهة . اللسان ( زم ن ).
(٦) فى د: ((مهيض).
(٧) النسائى فى الكبرى (٨٦٢٥ - ٨٦٢٧). وسيأتى تخريجه ص ٢٠٠، ٢٠١ .
(٨) سيأتى فى الموطأ (٩٨٧).
١٨٠