النص المفهرس

صفحات 381-400

الموطأ
التمهيد
يثْصِلُ له بالليلِ.
ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ أنَّ الوقوف بعرفةً فَوْضٌ لا حَجَّ لمَن فاتَّه
الوقوفُ بها يومَ عرفةً كما ذكّرْنا، أو ليلة النحرِ على ما وَصَفْنا، وستَذْكُرُ ما
يَجِبُّ مِن القولِ فى أحكامِ الوقوف بعرفةً والصلاةِ بها فى أولَى المواضِعِ مِن
كِتابِنا هذا، وذلك حديثُ ابن شهابٍ، عن سالِم، فى قِصَّةِ ابنِ عمرّ مع
الحَجَّاجِ (١) إن شاء اللهُ .
واحتَجَّ أيضًا ١٢ مَن لم يَ الوقوفَ بالمزْدَلِفَةِ فرضًا مِن غيرِ أصحابِنا بأن قال :
ليس فى حديثٍ عروةً بنٍ مُضَرِّسٍ دليلٌ على ما ذُكِرَ "مِن وجوبٍ" الوقوف
بالمزدلِفَةِ فرضًا؛ لأنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَّهِ إِنَّما قال فيه: ((مَن صَلَّى صلاتنا هذهِ،
وكان قد أَتَّى قبلَ ذلك عرفةً مِن ليلٍ أَو نَهارٍ، فَقَدْ تَمَّ حَبُه، وقَضَى تَفَتَّه)).
فذ گرَ الصلاةَ بالمزْدَلِفَةِ ، و(°كلِّ قدْ) اجمع انّه لو بات بها ووقَف ، ونام عن
الصلاةِ فلم يُصَلِّها مع الإمام حتى فاتته، أنَّ حَّه تامّ ، فلما كان محُضُورُ الصلاةِ
مع الإمامِ المذ کورُ فی هذا البابِ لیس مِن صُلبِ الحَجّ، كان الُقوفُ بالموطِنِ
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ٣٥٤ - ٣٥٩.
(٢) بعده فى ى، م: ((بعض).
(٣ - ٣) فى ى، م: (لمن أوجب)).
(٤ - ٤) فى النسخ: ((قضى حجه وتم تفثه). وتقدم تخريج الحديث ص ٢٤٣، ٢٤٤ . وينظر
شرح معاني الآثار ٢٠٩/٢ فهذا نص كلام الطحاوى .
(٥ - ٥) فى م : ((كان)).
٣٨١

الموطأ
التمهید
الذى تكونُ فيه الصلاةُ أُخْرَى أن يكونَ كذلك. قالوا: فلم يتَحَقَّقْ بهذا
الحديثِ ذكرُ(١) الفرضِ إِلَّ لعرفَةَ(٢) خاصَّةٌ. قالوا: فإنِ اخْتَجَّ مُخْتَجٌ بقولِ اللَّهِ عزّ
وجلّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ اٌلْمَشْعَرِ
الْحَرَاءِ ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقال: قد ذكر اللهُ المشعَرَ الحرامَ كما ذكَر عرفاتٍ،
وذكّر ذلك رسولُ اللهِ وَلِّ فِى سُنَّتِهِ، فحُكْمُهما واحِدٌ لا يُجْزِئُ الحَجُ إلَّ
بإصابيهما. قيل له: ليس فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ
الْمَشْعَرِ الْحَرَاءٌ﴾. دليلٌ على أنَّ ذلك على الوجوبِ فى الوقوفِ، وكلِّ قد
أَجْمَع أنَّه لو وَقَف بالمزدَلِفةِ ولم يَذْكُرِ اللَّهَ، أنَّ حَبَّه تامّ، فإذا لم يكنِ
الذِّكْرُ المأْمُورُ به مِن صُلْبِ الحَجِّ، فشُهودُ المَوْطِنِ أَوْلَى بألّا يكونَ
كذلك. قال: وقد ذَكَّر اللهُ فى كِتابِه أشياءَ مِن(١) الحَجّ لم ◌ُرِدْ بذِكْرِها
إیجابها . هذا معنی(٢) ما اختَّ به أبو جعفر الأزْدِیّ، وذكر حدیثَ عبد
الرحمنِ بنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ، عن النبيِّ وَلِ أَنَّه قال: ((الحَجُّ عَرَفَاتٌ)). وفى
بعضِ ألفاظِ هذا الحديثِ: ((الحَجُّ يوم عرفةَ، فَمَن أدرَكَ جَمْعًا قبلَ صلاةِ
الفجرِ فقد أدرَكَ)) (٥).
القبس
(١) فى النسخ: ((ذلك)). والمثبت من شرح معانى الآثار ٢٠٩/٢.
(٢) فى النسخ: ((بعرفة)). والمثبت من المصدر السابق.
(٣) بعده فى م: ((أمر)).
(٤) سقط من : ى ، م .
(٥) تقدم تخريجه ص٣٥٦، وسيأتى تخريجه ص ٤١٠ .
----------
٣٨٢

الموطأ
٩١٨ - مالك ، عن موسى بن عقبةً ، عن گریپ مولی ابنِ عباسٍ،
عن أسامةَ بنِ زيدٍ، أنه سمعه يقولُ: دفَع رسولُ اللهِ وَلِّ مِن عرفةً،
حتى إذا كان بالشِّعبِ نزَل فبالَ فتوضَّأ ، فلم يُسبغ الوضوءَ، فقلتُ له :
الصلاةَ يا رسولَ اللهِ. فقال: ((الصلاةُ أمامَكَ)). فركِب ، فلمَّا جاء
المزدلفةَ نزَل فتوضَّأَ ، فأسبغ الوضوءَ، ثم أُقيمتِ الصلاةُ، فصلَّى
المغربَ، ثمَّ أناخ كلُّ إنسانٍ بعيرَه فى منزله، ثمّ أُقِيمتِ العِشاءُ
فصلَّاهَا، ولم يُصلِّ بينَهما شيئًا .
مالكٌ، عن موسى بن عقبةً(١) ، عن كُريبٍ مولَی عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، عن التمهيد
أسامةَ بنِ زيدٍ، أَنَّه سمِعه يقولُ: دفَع رسولُ اللهِ وَلِّ مِن عرفةً، حتى إذا كان
بالشِّغْبِ نزَل فبالَ فتوَضَّأ ، فلم يُشبِغِ الوضوءَ ، فقلتُ له : الصلاةَ يا رسولَ اللهِ .
القبس
(١) قال أبو عمر: ((وهو موسى بن عقبة بن أبى عياش.، يكنى أبا محمد، مولى الزبير بن العوام ،
كان الزبير قد أعتق جده أبا عياش . هكذا قال الواقدى وغيره ، وقال يحيى بن معين : موسى بن
عقبة مولى أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاصى . وقد ذكرنا فى باب إبراهيم بن عقبة ، فى صدر
كتابنا هذا فى نسبه وولائه ما هو أكثر من هذا . وسمع موسى بن عقبة من أم خالد بنت خالد بن
سعيد بن العاصى ، ورأى ابن عمر وسهل بن سعد ، قال : حججت وابن عمر بمكة ، عام حج نجدة
الحرورى ، ورأيت سهل بن سعد يتخطى حتى توكأ على المنبر فسارّ الإمام بشىء. وكان موسى بن
عقبة من ساکنی المدینة ، وبها توفی سنة إحدى وأربعين ومائة ، قبل خروج محمد بن عبد الله بن
حسن . وكان مالك يثنى على موسى بن عقبة ، وكان لموسى علم بالمغازى والسير . وهو ثقة فيما
نقل من أثر فى الدين، وكان رجلا صالحا رحمه الله. لمالك عنه من حديث رسول الله مص لي فى
((الموطأ)) حديثان مسندان)). تهذيب الكمال ١١٥/٢٩، وسير أعلام النبلاء ١١٤/٦.
٣٨٣

الموطأ
التمهيد فقال: ((الصلاةُ أمامَك)). فركِب، فلمّا جاء المزدلفةَ نزَل فتوَضَّأ، فأُسبَغ
الوضوءَ، ثم أُقِيمَتِ الصلاةُ ، فصلَّى المغربَ، ثم أناخ كلٌّ إنسانٍ بعيرَه فى
منزله، ثم أُقِيمَتِ العِشاءُ فصلَّاها، ولم يُصَلِّ بينَهما شيئًا(١) ..
قال أبو عمرَ: هكذا رواه جماعةُ الحُفَّاظِ الأثباتِ من رواةٍ((الموظّاً)) عن
مالكٍ فيما عَلِمْتُ إِلَّا أشهبَ وابنّ الماچِشُونِ ، فإِنَّهما روياه عن مالك، عن
موسی بنٍ عقبةً، عن کریپٍ ، عن ابن عباسٍ ، عن أسامةً بنِ زیدٍ .
ذكّره النسائىُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال :
حدثنا أشهبُ . وكذلك حدَّث به المعافى ، عن ابنِ الماجِشُونِ . والصَّحیث فى
هذا الحديثِ طرح ابنِ عباسٍ من إسنادِه، وإنَّما هو لكريبٍ، عن أسامةً.
و کذلك رواہ یحیی بنُ سعید الأنصارِیّ )، وحماد بن زيد ، عن موسى بنِ
عقبةً، عن كريبٍ، عن أسامةً مثلَ روايةٍ مالكٍ سواءً. ولم يُختلَفْ فيه على
موسَى بنِ عُقبةَ فيما عَلِمْتُ .
ورواه إبراهيمُ بنُ عُقبةَ، واختُلِف عليه فيه؛ فرَواه سفيانُ بنُ عُيينةً، عن
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢١/٤و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٣٧٣، ١٣٤٨).
وأخرجه ابن وهب فى موطئه (٩٠)، وأحمد ١٤٢/٣٦ (٢١٨١٤)، والبخارى (١٣٩، ١٦٧٢)،
ومسلم ٩٣٤/٢ (٢٧٦/١٢٨٠)، وأبو داود (١٩٢٥)، والنسائى فى الكبرى (٤٠٢٩) من طريق
مالك به .
(٢) أخرجه البخارى (١٨١، ١٦٦٧)، ومسلم ٩٣٤/٢ (٢٧٧/١٢٨٠)، والنسائى فى الكبرى
(٤٠٢٢) من طريق يحيى بن سعيد به .
(٣) أخرجه الدارمى (١٩٢٤) من طريق حماد بن زيد به .
٣٨٤

الموطأ
التمهید
إبراهيم بن عقبةً ومحمد بنِ أمی حرملةً ، جمیعًا عن کریپ ، عن ابنِ عباس، عن
أسامةَ بنِ زيدٍ مثلَه بمَعْناهُ(١) ؛ أدْخَلا بينَ كريبٍ وبينَ أسامةَ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ.
ورواه حمادُ بنُ زيدٍ، عن إبراهيمَ بنِ عقبةَ، عن كريبٍ، عن أسامةً(١) .
ورواه إسماعيلُ بنُ جعفر، عن محمد بنِ أُمی حرملةً ، عن کریپٍ ، عن
أسامةً() . لم تَذكُرِ ابنَ عباسٍ.
وكذلك رواه ابن المبارك ، عن إبراهيم بنِ عُقبةً مثلَ روایة حمَّادِ بنِ زید " .
فدَلَّ ذلك كلُّه على ضعفٍ روايةِ ابنِ عُيِينةَ ، وصحَّةٍ روايةِ مالكٍ ومن تابَعه ، وأَنْ
ليس لابن عباسٍٍ فى هذا الحديثِ ذكرٌ صحيحٌ، واللهُ أعلمُ .
وفى هذا الحديثِ من الفقهِ الوقوفُ بعرفةَ يومَ عرفةً، ثم الدفعُ منها بعدَ
غروب الشمسِ على يقينٍ من مَغِها ليلةَ النحرِ إلى المزدلفةِ ، وهذا ما لا خلافَ
فيه . والوقوفُ المعروفُ بعرفةَ بعدَ صلاة الظهر والعصرِ فى مسجدٍ عرفةً جميعًا
فى أوّلِ وقتٍ الظهرِ إلى غروبٍ الشمس، والمسجدُ معروف، وموضع الوقوفِ
القبس
(١) أخرجه أبو القاسم البغوى فى مسند أسامة (٣٩، ٤٤) من طريق سفيان بن عيينة به ، وأخرجه
الحميدى (٥٤٨)، وأبو القاسم البغوى فى مسند أسامة (٣٨) من طريق سفيان به، وفيه: ((إبراهيم
ابن عقبة ، عن كريب ، عن ابن عباس ، وابن أبى حرملة ، عن كريب ، عن أسامة)) .
(٢) أخرجه النسائى (٣٠٢٤)، وأبو القاسم البغوى فى مسند أسامة (٤٠) من طريق حماد بن زيد به .
(٣) أخرجه البخارى (١٦٦٩)، ومسلم ٩٣١/٢ (٢٦٦/١٢٨٠) من طريق إسماعيل بن جعفر به.
(٤) أخرجه مسلم ٩٣٥/٢ (٢٧٨/١٢٨٠)، والنسائى (٣٠٣١)، وأبو القاسم البغوى فى مسند
أسامة (٤٣) من طريق ابن المبارك به .
٣٨٥
( موسوعة شروح الموطأ ٢٥/١١ )

الموطأ
بجبالِ الرحمةِ معروفٌ ، وليس المسجدُ موضعَ وقوفٍ ؛ لأنَّه فيما أحسبُ من
التمهید
بطنٍ عُرَنَةَ الذى أَمِرِ الواقفُ بعرفةَ أن يَرْتِفِعَ عنه، وهذا كلَّه أمرٌ مُجتَمَةٌ عليه، لا
موضعَ للقول فيه .
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: نزَل فبال فتَوضَّأ، فلم يُشْبِغ الوضوءَ. فوجهُه
عندِى، واللهُ أعلمُ، أَنَّ اسْتَنْجَى بالماءِ، أو اغتسَل به من بولِه، وذلك يُسَمَّی
وُضوءًا فى كلامِ العربِ؛ لأنَّه من الوضاءَةِ التى هى النظافةُ . ومعنَى قولِه: لم
يُشْبغ الوضوءَ. أىْ: لم يُكْمِلْ وضوءَ الصلاةٍ؛ لم يتَوَضَّأُ للصلاةِ، والإسباُ
الإكمالُ، فكأَنَّه قال: لم يَتَوَضَّأُ وضوءَه للصلاة، ولكنَّه توضَّأَ من البَوْلِ . هذا
وجهُ هذا الحديثِ عندِى، واللهُ أعلمُ . وقد قيلَ: إِنَّه تَوَضَّأ وضوءًا خفيفًا ليس
بالبالغِ، وضوءًا بينَ وضُوءينٍ، وهذا ظاهرُه غيرُ الاستنجاءِ، ولكنَّ الأصولَ
المجتمَعَ علیها تدفَئُ وضوءَین ٢ لصلاةٍ واحدةٍ . وليس هذا اللَّفْظُ فی حدیثِ
مالكٍ ، ومالكٌ أثْبَتُ مَن رواه ، فلا وجه للاختجاج برواية غيره عليه ، وقد قيل فى
ذلك: إنَّه توضَّأ على بعضٍ(٢) أعضاءِ الوضوءِ ولم يُكْملِ الوضوءَ للصلاةِ، على
ما ژُوِی عن ابنِ عمَ انَّه کان إذا اجْتَب ليلًا وأراد النوم، غسل وجهه ويديه إلى
المرفَقَيْن، وربَّما مسَح برأسِه ونامَ، وهو لم يُكْمِلْ وضوءه للصلاةِ(). وهذا
القبس
(١ - ١) سقط من : م.
(٢) فى الأصل : ((غير)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٧٧)، وابن المنذر (٦٠٣).
٣٨٦

الموطأ
التمهید
عندِى وجةٌ ضعيفٌ لا معنَى له، ولا يجبُ أن يُضافَ مثلُه إلى رسولِ اللهِ أَ ێ ،
ولعلَّ الذى حكاه عن ابنِ عمرَ لم يَضْبِطْه، والوضوءُ على الجُنُبِ عندَ النومِ غيرُ
واجبٍ ، وإنَّما هو نَذْبٌ؛ لأَنَّه لا يَرفَعُ به حدثَه ، وفعلُه سُنَّةٌ وخيرٌ ، وليس من دفَع
من عرفةً إلى المزدلفةِ يَجِدُ من الفَراغ ما يَتَوَضَّأُ به وضوءًا يَشْتَغِلُ به عن النهوضِ
إلى المزدلفةِ ، والنهوضُ إليها من أفضلِ أعمالِ البِرِّ، فكيف يَشْتَغِلُ عنها بما لا
معنَى له؟ ألا ترَى أَنَّه لما حانَتْ (١) تلك الصلاةُ فى موضعِها، نزَل فأسْبَغَ الوضوءَ
لها، أى: توضَّأ لها كما يجبُ ، فالوضوءُ الأُوَّلُ عندى الاستِنجاءُ بالماءِ لا غيرُ؟
لأنّه لم يُخْفَظْ عنه قطُّ أَنَّه تَوضَّأ لصلاةٍ واحدةٍ مَّتَيْن، وإن كان يَتَوَضَّأُ لكلِّ
صلاةٍ . ويَحْتِمِلُ قولُه: الصلاةَ. أى: توضَّأْ لها، إذْ رآه اقتصر على الاسْتنجاءِ.
ويَحْتَمِلُ غيرَ ذلك . واللهُ أعلمُ .
وقد روَى عبدُ اللهِ بنُ أبي مليكةً، عن أُمِّه، عن عائشةَ قالت : بال رسولُ اللهِ
وَلِ فَتَّبعه عمرُ بِكُوزٍ من ماءٍ، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنِّى لم أومَرْ أن أتوضَّأَ
كلَّما بُلْتُ، ولو فَعَلْتُ كانتْ سُنَّةً))(٢). وهذا على ما قُلْنا. وباللهِ توفيقُنا. ففى
هذا الحديثِ أنَّ رسولَ اللهِ ێ کان یَسْتَنْجِی بالماءِ، على حسب ما ذكرنا .
ومن أبينٍ ما يُؤْوَى فى اسْتنجاءِ رسولِ اللهِ وَ ل﴿ بالماءِ ما رواه سعيدُ بنُ أبى
القبس
(١) فى الأصل: ((جاءت)).
(٢) أخرجه أحمد ١٨٧/٤١ (٢٤٦٤٣)، وأبو داود (٤٢)، وابن ماجه (٣٢٧) من طريق عبد الله
به .
٣٨٧

الموطأ
عَرُوبَةً، عن قتادة، عن معاذةً (١) ، عن عائشةً، أنَّها قالت لنشوةٍ عندَها : مُوْنَ
التمهيد
أزواجكُنَّ أنْ يَغْسِلوا عنهم أثرَ الغائطِ والبولِ ؛ فإنّى أَسْتَخبيهم، وإنَّ رسولَ اللهِ
﴿﴿ كان يَفعلُه. ذكره يعقوبُ بنُّ شيبةَ، عن يزيد بن هارونَ، عن سعيدٍ(٢).
وحدَّثنا سعيدُ بنُّ نَصرٍ، حدَّثْنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا محمدُ بنُ
إسماعيلَ، حدَّثنا الحُمَيْدِىُّ، حدَّثنا سفيانُ، عن عمرو قال: سمِعتُ
سعيدَ بنَ الُوَيرِثِ يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كنا عندَ رسولِ اللهِ
وَ﴾، فخرج من الغائطِ، "فَأَتِىَ بطعام)، فقيل له: ألا تَتَوَضَّأُ؟ فقال: ((ما
أُصَلِّى فَأَتَوَضَّأَ))(٤).
وهذا يبَيِّنُّ أَنَّه كان ◌َلَّهِ لا يَتَوضَّأُ وضوء الصلاةِ إِلَّ للصلاةِ، وأَنَّه كان لا
يَتَوّضَّأُ كلَّما بال وضوءَ الصلاةِ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا من الفقهِ أنَّ الإمام إذا دفَع بالحاجّ والناسِ معه ، لا
يُصَلُّون المغربَ فى تلك الليلةِ إلَّ مع العشاءِ فى وقتٍ واحدٍ بالمزدَلِفِةِ ، وهذا أمرٌ
مُجتمع علیه لا خلاف فيه .
واختلف العلماءُ فيمن لم يَدْفَع مع الإمامِ لعلَّةٍ وغُذْرٍ ، ودفَع وحدَه بعدَ دَفْعِ
القبس
(١) فى ى، م: (معاذ).
(٢) أخرجه أحمد ١٣٥/٤٣ (٢٥٩٩٤) عن یزید بن هارون به .
(٣ - ٣) سقط من: ى، وفى م: ((فأتى بطعامه)).
(٤) الحميدى (٤٧٨). وأخرجه أحمد ٤٠٦/٣ (١٩٣٢)، والدارمى (٧٩٤)، ومسلم (١١٩/٣٧٤)،
والترمذى فى الشمائل (١٧٩) من طريق سفيان بن عيينة به .
٣٨٨

٠
الموطأ
التمهید
الإمامِ بالناسِ، هل له أنْ يُصَلِّىَ تلك الصلاتَيْنِ(١) فى غيرٍ(٢) المزْدَلِفةِ أم لا؟ فقال
مالكٌ: لا يُصَلِّهما أحدٌ قبلَ جَمْعٍ إلَّا من عُذْرٍ، فإن صَلَّهما من عذرٍ لم يَجْمَعْ
بينهما حتی یغیب الشُّفَقُ. وقال النُّوریُّ: لا يُصَلِّیهما حتی یأتی جمعًا ، وله
السّعَةُ فى ذلك إلى نصفِ الليلِ، فإن صلّهما دونَ جمع أعاد . وقال أبو حنيفةً:
إن صلَّاهما قبلَ أن يَأْتِىَ المزدلفةَ، فعليه الإعادةُ، وسواءٌ صَلَّاهِما قبلَ مَغِيبٍ
الشَّفَقِ أو بعدَه، عليه أنْ يُعِيدَهما إذا أتَى المزدلفةَ. وحُجَّةُ هؤلاء كلِّهم قولُه ◌ِلـ
فى هذا الحديثِ لأسامةَ: ((الصلاةُ أمامَك)) . يَغْنِى بالمزدلفةِ . واختُلِف عن أبى
يوسفَ ومحمدٍ ؛ فروى عنهما مثلُ قولٍ أبى حنيفةً، ورُوِى عنهما: "لو
صَلَّاهما بعرفاتٍ أجزأه . وعلى مذهبِ الشافعِىِّ، لا ينبغى أن يُصَلِّهما قبلَ
جمع، فإن فعَل اجزاه . وبه قال أبو ثورٍ ، وأحمدُ ، وإسحاقُ . وژُوى ذلك عن
عطاءٍ، وعروةً، وسالم، والقاسم، وسعيد بن جبير. وژُوِی عن جابر بنِ
عبدِ اللهِ أَنَّه قال: لا صلاةَ إلَّا بجمعٌ) . ولا مُخالفَ له من الصحابةِ فيما
عَلِمْتُ .
قال أبو عمر: قولُه ◌َ ﴿ فى هذا الحديثِ: ((الصلاةُ أمامَكَ)). يَدُلٌّ على
القبس
(١) فى ى: ((الليلة)).
(٢) سقط من : م .
(٣ - ٣) فى ى، م: (إن صلى).
(٤) تقدم تخريجه ص٣٧٤ .
(٥) تقدم تخريجه ص ٣٧٤، ٣٧٥ .
٣٨٩

الموطأ
٠
التمهيد أنَّهِ لا يجوزُ لأحدٍ أن يُصَلِّيَّهما إلَّ هناك، وقد قال ◌َله: ((خُذوا عنِّى
مَناسكَكم))(١) . ولم يُصلِّهما إلَّ بالمزدلفةِ. فإن كان له عذرٌ، فعسَى اللهَ أنْ
يَعْذِرَه، وأمَّا مَن لا عُذرَ له، فواجبٌ ألا تُجْزِئَه صلاتُه قبلَ ذلك الموضعِ، على
ظاهرِ هذا الحديثِ . ومن أجاز الجمعَ بينَهما قبلَ المُزدلفةِ أو بعدَها فى غيرِها ،
فإنَّه ذهَب إلى أنَّه سفرٌ، وللمسافرِ الجَمْعُ بينَ الصلاتَيْن على ما ذكرنا من
أحكامِهما وأقوالِهم فى كيفيَّةِ الجمعِ بينَهما للمسافرِ، فيما سلَف من كتابِنا
هذا٢)، وله ألا يَجْمَعَ بينَهما، لا يَخْتَلِفون فى ذلك للمسافرِ بغيرِ عرفةً
والمزدلفةٍ .
قال مالكٌ : يَجْمَعُ الرجلُ بينَ الظهرِ والعصرِ يومَ عرفةَ إذا فاتَّه ذلك مع
(٣)
الإمامِ . قال: وكذلك المغربُ والعشاءُ، يَجْمَعُ أيضًا بينَهما بالمزدلفةِ متى
فاته ذلك مع الإمام . قال : وإنِ اخْتَبَس إنسانٌ دونَ المزدلفةِ لموضع عُذْرٍ جمَع
بينَهما أيضًا قبلَ أن يأتِىَ المزدلفةَ ، ولا يَجمعُ بينَهما حتى يَغِيبَ الشَّفَقُ . قال أبو
حنيفةً: لا يَجْمَعُ بينَهما إلَّا من صلَّهما مع الإمامِ . يَعْنِى صَلاَتَىْ عرفةَ، وصَلاتي
المزدِّفِةِ. قال: وأمَّا مَن صلَّى وحدَه فلا يُصَلِّى كلَّ صلاةٍ منهما(٤) إِلَّ لوَقْتِها .
وكذلك قال الثورىٌّ، قال: إِن صَلَّيْتَ فى رَحْلِكَ فصلٌّ كلَّ صلاةٍ لوڤْتِها . وقال
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٨٢، وفى ٩٧/٢، وسيأتى فى شرح الحديث (٩٦٢) من الموطأ .
(٢) ينظر ما تقدم ص٣٦٤ - ٣٧٥.
(٣) فى ى، م : ((من).
(٤) فى الأصل ، ى : ((منها)).
٣٩٠

الموطأ
التمهيد
الشافعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ ، وأبو ثَوْرٍ ، وإسحاقُ : جائزٌ
أن يَجْمَعَ بينَهما من المسافِرِين مَن صلَّى مع الإمامِ ومَن صلَّى وحدَه، إذا كان
مسافرًا. وعِلَُّهم فى ذلك أنَّ رسولَ اللهِ بَّهِ إِنَّمَا جمَع بينَهما من أجلِ السَّفَرِ،
فلكلِّ مُسافرِ الجمعُ بينَهما . وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ يَجمعُ بينَهما وحده . وهو
قولُ عطاءٍ(١).
وقد ذكّرنا حكمَ الجمعِ بينَ الصلاتَيْنِ بالمزدلِفَةِ، وحكم الأذانِ بينَهما
والإقامة ، ومن أجاز ان تُناخَ الإبلُ وغير ذلك بينهما، ومن لم يُچِزْ ذلك، وما
للعلماءِ فى ذلك كلِّه من الأقوالِ والاعتلالِ من جهةِ الأثرِ والنَّظَرِ، فی بابٍ
ابنِ شهابٍ، عن سالم، من كتابِنا هذا(٢)، فلذلك لم نَذْكُرْه ههُنا. وباللهِ
توفیقُنا .
وفى هذا الحديثِ أيضًا دلالةٌ واضحةٌ على أنَّ الجمعَ فى ذلك تَوْقِيفٌ منه
﴿ِ هِ، ألا ترَى إلى قولِهِ وَ لِّ لأسامةَ حينَ قال له: الصلاةَ يا رسولَ اللهِ. فقال
له : ((الصلاةُ أمَامَكَ)). يريدُ: مَوضعُ الصلاةِ أمامَكَ . وهذا يَيِّنٌّ لا إِشكالَ فيه،
وهو أمرٌ مُجتمَعٌ عليه .
وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ من السنةِ لمن جمع بينَ الصلاتَيْن أَّا
يَنفَّلَ بينَهما .
القبس
(١) تقدم تخريجهما ص ٣٤٨ .
(٢) ينظر ما تقدم ص٣٦٤ - ٣٧٥ .
۔
٣٩١

الموطأ
٩١٩ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عدىِّ بنِ ثابتٍ
الأنصارىِّ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ يزيدَ الخَطْمِئِّ أخبَرَهُ، أنَّ أبا أيوب الأنصارىَّ
أخبره، أنه صلَّى مع رسولِ اللهِ وَّهِ فِى حَبَّةٍ الوداعِ المغرب والعشاءَ
بالمزدلفة جميعًا .
التمهيد
" روَى سفيانُ بنُّ عيينةَ، عن ابنٍ (٢) أبى نَجِيحِ، عن عكرمةَ قال: أنَّخَذْه
رسولُ اللهِ﴿ مَبالاً(٢)، واتخَذْتُموه مُصَلَّى. يعنى الشِّعْبَ ( (٢).
مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن عدىٍّ بنِ ثابتِ الأُنصارىِّ، أَنَّ عبدَ اللهِ بنّ
يزيدَ الخَطْمِئِّ أخبَره، أنَّ أبا أيوبَ الأَنصارىَّ أخبره، أنه صلَّى مع رسولِ اللهِ
وَلِّ فى حجة الوداعِ المغرب والعشاءَ بالمزدلفةِ جميعًا(٤).
عدیُّ بنُ ثابتٍ هذا هو عدیُّ بنُ ثابتٍ بنِ عبیدِ بنِ عازبٍ أخى البراءِ بنِ
عازبٍ ، ولجَدِّه صُخبةٌ، وقد روَى عن أبيه، عن جَدِّه أحاديثَ، وجَدُّه لأمّه
عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ الخَطْمِىُّ هذا فيما ذكَر غيرُ واحدٍ . وقال الطحاوىُّ : عدىُّ بنُ
ثابتٍ الأنصارىُّ كوفيٍّ، وجَدُّه قيسُ بنُ الخَطِيمِ الشاعرُ. وأما عبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ
القبس
(١ - ١) ليس فى : الأصل .
(٢) سقط من : ى، م. والمثبت من مصدر التخريج والاستذكار ١٦٣/١٣ من النسخة المطبوعة .
(٣) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٤٥/٥ (٢٨١١) من طريق سفيان به .
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٩٠)، وبرواية يحيى بن بكير (٢١/٤ظ - مخطوط ) ،
وبرواية أبى مصعب (٣٧١، ١٣٤٩). وأخرجه أحمد ٥٤٣/٣٨ (٢٣٥٦٦)، والبخارى
(٤٤١٤)، والنسائى (٦٠٤) من طريق مالك به .
٣٩٢

٩٢٠ - مالكٌ، عن نافع، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يُصلِّى المغربَ الموطأ
والعشاءَ بالمزدلفةِ جميعًا .
التمهید
هذا فله صحبةٌ وروايةٌ، وقد ذكّرْناه فى كتابٍ ((الصحابةِ))(١) بما يُغْنِى
عن ذِكْرِه هلهنا. وكان عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ هذا أميرًا على الكوفةِ
لعبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، ذكَر ذلك الليثُ بنُّ سعدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ،
عن عدىٍّ بنِ ثابتٍ. وقد ذكَوْنا ما فى هذا الحديثِ من المعانى،
ومضَى القولُ فى ذلك فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن سالمٌ مِن هذا
الكتاب. والحمدُ للهِ.
مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يُصلَّى المغرب والعشاءَ الاستذكار
بالمزدلفةِ جميعًا ().
القبس
(١) الاستيعاب ١٠٠١/٣.
(٢) ينظر ما تقدم ص ٣٦٣ - ٣٨٢ .
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٨٨)، وبرواية يحيى بن بكير (٢١/٤ظ - مخطوط) ،
وبرواية أبى مصعب (١٣٥٠).
٣٩٣

الموطأ
صلاةُ منّی
قال يحيى : قال مالكٌ فى أهلِ مكةَ : إنهم يصلُّون بمنی إذا حُوا
ركعتين ركعتين، حتى ينصرفوا إلى مكةً .
الاستذكار
بابُ صلاةٍ منَی
قال مالكٌ فی أهل مكةً: إنھم یصلُّون بمنی إذا حُوا ر کعتين ركعتين،
حتى يَنصرِفوا إلى مكةً(١).
قال أبو عمرَ : اختلف العلماءُ فى قصر الإمام إذا كان مكيًّا بمنّى وعرفاتٍ ،
أو من أهلِ مِنَّى بعرفاتٍ ، أو من أهلِ عرفاتٍ بمنَّى، أو بالمزدلفةِ ؛ فقال مالكٌ
فى ((الموطأُ))، وسئل عن أهلِ مكةً كيف صلاتُهم بعرفةً؛ أركعتان أم أربعٌ؟
وكيف بأميرِ الحائجُ إن كان من أهلِ مكةً؛ أيُصلِّى الظهر والعصرَ بعرفةً أربعَ
ركعاتٍ أو ركعتين؟ وكيف صلاةُ أهلِ مكةَ بمنى فى إقامتِهم؟ فقال مالكٌ :
يصلِّى أهلُ مكةَ بعرفةَ ومنَّى ما أقاموا بهما ركعتين ركعتين، يقصُرون الصلاةَ
حتى يرجعوا إلى مكةً. قال: وأميرُ الحاجُ أيضًا إذا كان مِن أهلِ مكةً قصَر الصلاةَ
بعرفةً وأيامَ منّی .
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٣٦٢) .
٣٩٤

الموطأ
قال مالكٌ: وإن كان أحدٌ ساكنًا بمنَى مُقيمًا بها فإن ذلك يُتِمُّ الصلاةَ الاستذكار
بمنّى، وإن كان أحدٌ ساكنًا بعرفةً مقيمًا بها فإن ذلك يُمُّ الصلاةَ بعرفةً(١)
أيضًا .
واحتجَّ مالكٌ لمذهبِه فى هذا البابِ بما رواه عن هشام بن عروةً ، عن أبيه ،
أن رسولَ اللهِ وَّ صلَّى الصلاة الرباعيةَ بمنی ر کعتين، وأن أبا بكرٍ صلَّاها بمنّی
ركعتين، وأن عمرَ بنَ الخطابِ صلَّاها بمنّى ركعتين، وأن عثمانَ صلَّاها بمنّی
ركعتين شطرَ إمارته، ثم أتمَّها بعدُ(١).
وبما رواه أيضًا فى هذا الباب عن ابن شهاب ، عن سعيد بنِ المسئّبِ ، أن
عمرَ بنَ الخطابٍ لمَّا قدِم مكةَ صلَّى بهم ركعتين ثم انصرف، فقال: يا أهلَ
مكةَ ، أَتِمُّوا صلاتكم فإِنَّا قومٌ سَفْرٌ. ثم صلَّى عمرُ بنُ الخطابِ ركعتين بمنّى،
ولم يبلُغْنا أنه قال لهم شيئًا (١) .
وعن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، أن عمرَ بنَ الخطابِ صلَّى للناسِ بمكةً
ركعتين، فلما انصرف قال: يا أهلَ مكةً، أتِمُّوا صلاتكم فإنَّا قومٌ سَفْرٌ. ثم صلَّى
عمرُ ركعتين بمنّى. قال مالكٌ: ولم يبلُغْنا أنه قال لهم شيئًا (*).
القبس
(١) فى م: ( بها)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٩٢١) .
(٣) سيأتى فى الموطأ (٩٢٢).
(٤) سيأتى فى الموطأ (٩٢٣).
٣٩٥
.،

الموطأ
الاستذکار
قال أبو عمرَ: وبما ذهَب إليه مالكٌ فى هذا البابِ قال الأوزاعىُّ . ومِن
حُجَتِهم أن رسولَ اللهِ وَ لّهِ وأصحابَه لم يُصَلُّوا فى تلك المساجدِ كلِّها إلا
ركعتين، وسائرَ الأمراءِ لا(١) يصلُّون هناك إلا ركعتين، فعُلِم أن ذلك سُنَّةُ
الموضع؛ لأنَّ مِن الأمراءِ مَكًّا وغيرَ مكىٍّ، وأن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا جاوَرِ(١)
بمكةً أتمّ ، فإذا خرَج إلى منّى قصر (١) .
وبه قال القاسم، وسالم، وإسحاقُ بنُ راهُویه .
واحتبُوا أيضًا بما رواه يزيدُ بنُ عياضٍ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ، أن النبيَّ وَ ل﴿ استعمل عتَّبَ بنَ أَسِيدٍ على مكةً، وأمره أن يصلِّىَ
بأهلِ مكةً ركعتين(٥) .
وهذا خبرٌ عندَ أهلِ العلم بالحديثِ منكرٌ ، لا تقومُ به حُجَّةٌ لضَغْفِه ونكارتِه .
وقال "الثورىُّ، وأبو حنيفةً، والشافعىُ، وأصحابُهما، وأبو ثورٍ،
القبس
(١) سقط من : م .
(٢) فى الأصل، م: ((جاوز)). والمجاورة: الاعتكاف فى المسجد ، فأما المجاورة بمكة والمدينة فيراد
بها المقام بها مطلقًا غير ملتزم بشرائط الاعتكاف الشرعى . التاج ( ج ور ) .
(٣) ينظر المدونة ١٢١/١، ومصنف ابن أبى شيبة ٤٥١/٢، و(القسم الأول من الجزء الرابع)
ص ٢٠٥ .
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، م. والمثبت مما تقدم ص ٣٤٧.
(٥) تقدم تخريجه ص٣٤٧ .
(٦ - ٦) فى الأصل، م: ((أبو حنيفة والثورى)). والمثبت مما تقدم ص ٣٤٧.
٣٩٦

الموطأ
٩٢١ - مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلات
صلَّى الصلاةَ بمنّى ركعتين، وأنَّ أبا بكرٍ صلَّاها بمنَّى ركعتين، وأَنَّ
عمرَ بنَ الخطابٍ صلَّها بمنّى ركعتَينِ، وأَنَّ عثمانَ بنَ عفَّانَ صِلَّها
بمنّى ركعتين شَطْرَ إِمارتِه، ثمّ أَتَمَّها بعدُ .
وأحمدُ ، وإسحاقُ، وداودُ، والطبرىُّ: مَن كان مِن أهلِ مكةً صلَّى بمنّى وعرفةً الاستذكار
أربعًا لا يجوزُ له غيرُ ذلك. ومُحُبَّتُهم أن مَن كان مُقيمًا لا يجوز له أن يُصلِّىَ
ر کعتین، و کذلك من لم یکنْ سفره سفرًا تُقْصَرُ فی مثله الصلاة ، فُكْمُه حکم
المُقيم. وقد ذكّرنا فى كتابِ الصلاةِ(١) مذاهبَ العلماءِ فى المسافةِ التى تُقْصَرُ
فيها الصلاةُ عندَهم ، وذكَرنا مذاهبهم أيضًا فى قَصْرِ الصلاةِ ، هل هو فرضٌ أم
سُنَّةٌ؟ وذكَّرنا ؤُ مجوه إتمام عائشةً وعثمانَ رضِى اللهُ عنهما فى كتابِ الصلاةِ().
والحمدُ للهِ .
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أن رسولَ اللهِ وَّهِ صلّى الصلاةَ التمهيد
التمهيد بمنّى ركعتين، وأن أبا بكرٍ صلاها بمنّى ركعتين ، وأن عمرَ صلَّاها بمنّی
ركعتين، وأن عثمانَ صلََّها بمنّى ركعتَين شطرَ إِمارتِهِ، ثم أتمَّها بعدُ(١).
وهذا لم يُختَلَفْ فى إرسالِهِ فى ((الموطأ))، وهو مسندٌ صحيحٌ مِن حديثٍ
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((فى)).
(٢) تقدم فى ٥٣٧/٥ - ٥٦٤
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢١/٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٣٥٨). وأخرجه
ابن وهب فى موطئه (٨٣) من طريق مالك به .
٣٩٧
٠

الموطأ
التمهيد ابنِ عمرَ، وابنٍ مسعودٍ، ومعاويةً، أن النبيُّ وَِّصلَّى بمنّى ركعتين. فحديثُ
ابنِ عمرَ رواه سالمٌ® ونافعٌ(١) . وحديثُ ابن مسعودٍ رواه أبو إسحاقَ السَّبِعِىُّ
وإبراهيمُ النخَعُّ ، عن عبد الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن ابنِ مسعودٍ . وحديثُ
معاویةً رواه ابنُ إسحاق ، عن یحیی بنِ عَبَّادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزبير ، عن أبيه، عن
،(٥)
معاويةً(٥) .
وفى حديثٍ مالكِ هذا مِن الفقهِ قصرُ الصلاةِ فى السفرِ. وفيه أن الإمامَ
المسافرَ لا يُتِّمُّ بمنَّى، وهذا إذا لم ينوِ إقامةً ، فإن نوَى إقامةً لزِمه الإتمامُ، وهذا
عندَنا إذا نوَى إقامةً أربع فصاعدًا. وفيه أن عثمانَ أتمّ بعدَ تقصيرِه وعلمِه بأن
رسولَ اللهِ وَ لَه وأبا بكرٍ وعمرَ قصَروا فى مثلٍ ما أتمّ هو فيه، فدلَّ ذلك على
إباحةِ القصرِ والتمامِ عندَه، وقد تأوَّل قوم على عثمانَ فى إتمامِه ذلك تأويلاتٍ ؛
منها أنه نوى الإقامةَ واتخَذ دارًا بمكةً وأهلاً. وهذا لا يُعرفُ، بل المعروفُ أنه
لَم يكنْ له فيها أهلٌ ولا مالٌ. وقيل: كان قد اتخَذ أهلًا بالطائف. وقيل : لأنه
کان أمیر المؤمنین ، فکانت أعماله کأنها دائه . وهذا کلُّ لا یصِحُ فى نظرٍ ، ولا
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٣٠/٨، ٣٧٠/١٠ (٤٥٣٣، ٦٢٥٥)، والدارمى (١٥٤٧، ١٩١٧)، ومسلم
(١٦/٦٩٤) من طريق سالم به .
(٢) سيأتي تخريجه ص ٣٩٩، ٤٠٠.
(٣) أخرجه البيهقى ١٤٤/٣ من طريق أبى إسحاق به .
(٤) سيأتي تخريجه ص ٤٠٢ .
(٥) أخرجه أحمد ٧١/٢٨، ٧٢ (١٦٨٥٧)، والطبرانى ٣٣٣/١٩ (٧٦٥) من طريق محمد بن
إسحاق به .
٣٩٨

الموطأ
التمهيد
یثبُتُ فی خبرٍ ، وقد كان المُقامُ بمكةً بعد تمام الحج عند عثمانَ مکروها ، وعلى
ذلك جماعةٌ مِن أهلِ العلم؛ لأن رسولَ اللهِ وَ ل﴿ لم يُقِمْ فيها بعد تمامٍ حَجْتِه،
ولا أبو بكرٍ ، ولا عمرُ، ولهذا قال مَن قال مِن السلفِ: الجوارُ بمكةً بدعةٌ . وقد
ذكَر مالكٌ فى (الموطأ)(١) أنه بلَغه أن عثمانَ بنَ عفانَ كان إذا اعتَمر ربما لم
يحطُطْ عن راحلتِه حتى يَرجعَ . وهذا يدُلَّك على أنه لم يتخِذْ بمكةَ أهلًا قطُ ،
واللهُ أعلمُ . ومنها أنه إنما فعَل ذلك مِن أجلِ أعرابىٌّ صلَّى معه فقصَر العامَ كلَّه فى
أهلِه ، ثم أخبره مِن قابلٍ بما صنَع ، فعزَّ على عثمانَ فعلُه ذلك فأتمَّ ، وهذا أيضًا
ضعيفٌ مِن التأويلِ. ومنها أنه أخَذ بالإباحةِ فى ذلك، وهذا أصحُ ما فيه . واللهُ
أعلمُ .
وقد مضَى القولُ فى قصرِ الصلاةِ فى السفرِ وفى أحكامِها، واختلافٍ
العلماءِ فيها بمنّ وغيرِها ، ممهَّدًا مبسوطًا بعِلَلِ كلِّ فرقةٍ ووجوهِ قولها ، فی بابٍ
ابن شهاب، عن رجلٍ مِن آلٍ خالدِ بنِ أُسیدٍ، مِن هذا الكتاب(٢)، وفى بابٍ
صالحٍ بن كيسانَ أيضًاً(١)، فلا معنى لتكريرِ ذلك هلهنا .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى بالقُلْزُمِ ، قال :
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ الجارودِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشم، قال: حدَّثنا
يحيى بنُ سعيدٍ ، عن عبيدِ اللهِ ، قال: أخبرنى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ قال: صلَّيتُ
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٧٨٣) .
(٢) تقدم فى ٥١٠/٥ وما بعدها .
(٣) تقدم فى ٥٣٩/٥ وما بعدها .
٣٩٩
٠

الموطأ
التمھید مع النبئ پڼ بمنی ر کعتین، ومع أبی بکر ر کعتين، ومع عمرَ ركعتين، ومع
عثمانَ ركعتين صدرًا مِن إمارته، ثم أتمَّها عثمانُ(٢) .
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَنِ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا البخارىُّ، قال: حدَّثْنا مسدَّدٌ، قال:
حدَّثنا يحيى، حدَّثنا عبيدُ اللهِ ، أخبرنى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ قال: صلَّتُ مع النبيِّ
ۋچے بمنی ر کیتین، ومع أمی بکړ وعمر، ومع عثمان صدرًا مِن إمارته، ثم
(3),
أنتها(٣).
قال البخارىُّ(٤) : وقد روَى حفصُ بنُ عاصم، عن ابنِ عمرَ: صحِيتُ
رسولَ اللهِ مَ فكان لا يزيدُ فى السفرِ على ركعتين، وأبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ
كذلك .
قال أبو عمرَ: حديثُ حفصٍ بنِ عاصمٍ هذا عن ابنِ عمرَ حدَّثناه
عبدُ الرحمنِ بنُّ يحيى، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ محمدِ المُجمَحىُّ بمكةَ، قال :
حدّثنا علىُ بنُ عبدِ العزيزِ ، قال : حدثنا القعنبُ ، قال: حدّثنا عیسی بنُ حفصٍ
القبس
(١) سقط من النسخ . والمثبت من مصدر التخريج .
(٢) ابن الجارود (٤٩١).
(٣) البخارى (١٠٨٢). وأخرجه أحمد ٢٧٨/٨ (٤٦٥٢)، ومسلم (١٧/٦٩٤)، والنسائى
(١٤٤٩) من طريق يحيى به، وأخرجه مسلم (١٧/٦٩٤)، والنسائى (١٤٥٠)، وابن خزيمة
(٢٩٦٣) من طريق عبيد الله به .
(٤) البخارى (١١٠٢) .
٤٠٠