النص المفهرس
صفحات 341-360
الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : أمَّا روايةُ مَعْمَرٍ لهذا الحديثِ - فيما ذكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ - قال:
أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِئِّ، قال: كتَب عبدُ الملكِ بنُّ مروانَ إلى الحَجَّاج أن اقْتَدِ
بابنٍ عمرَ فى مَنَاسِكِ الحَجّ . فَأَرْسَلَ إليه الحَجَّاجُ يومَ عَرَفَةً : إذا أَرَدْتَ أَنْ تَرُوعَ
فَأَذِنًّا. فَرَاحَ هو وسالِمٌ وأنا معهما حِينَ زاغَتِ الشمسُ، فَوَقَفَ بفِنَاءِ الحَجَّاجِ
فقال: ما يَحبِسُه؟ فلم يَنْشَبْ (١) أنْ خرَجَ الحَّاجُ، فقال: إنَّ أَمِيرَ المؤمنين
كَتَبَ إِلَّ أَنْ أَقْتَدِىَ بك، وأَنْ آخُذَ عنكَ. فقال له سالمٌ: إِنْ أَرَدْتَ الشُّنةً،
فأوْجِزِ الخُطْبَةَ والصَّلاةَ . قال الزُّهْرِىُّ: وكنتُ يومَئذٍ صائِمًا ، فَلَقِيتُ مِن الحُرِّ
شِدَّةً .
وذكَرَ الحَسَنُ بنُّ علىِّ الحُلْوَانِىُ، قال: حدَّثنا عبدُ الوَزَّاقِ، قال: أَنْبَأَنَا
مَعْمَرٌ ، عن الزُّهْرِئِّ - فى حديثه الذی ذکرَ - أَنَّ عبد الملك بن مروان کتبَ إلی
الحَبَّاجِ أن اقْتَدِ بابنِ عمرَ فى مَنَاسِكِ الحَجِّ. قال: وقال الزُّهْرِىُّ: وأنا يومَئذٍ
بَيْنَهما، وكنتُ صائِمًا، فَلَقِيتُ مِن الحَرِّ شِدَّةً .
وذكَرَ الحَسَنُ بنُّ علىّ ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ ، قال: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عن
الزُّهْرِىِّ - فى حديثه الذى ذكَر - أنَّ عبدَ الملكِ بنَ مروانَ كتَبَ إلى الحجّاجِ :
اقْتَدِ بابنِ عمرَ فى مَنَاسِكِ الحَجُّ . فَأَرْسَلَ إليه الحَّاجُ . قال : وقال الزُّهْرِىُّ: وأنا
يَوْمَئِذٍ بَيْنَهما، وكنتُ صائِمًا، فَلَقِيتُ مِن الحَرِّ شِدَّةً. قال عبدُ الرَّزَّاقِ: فَقُلْتُ
لمَعْمَرِ: فرَأَى الزُّهْرِىُّ ابنَ عمرَ؟ قال: نعم، وقد سَمِعَ منه حدیثین ، فَسَلْنِی
القبس
(١) فى ر: ((يلبث)). وكلاهما بمعنى. ينظر النهاية ٥٢/٥.
٣٤١
الموطأ
عنهما أُحَدِّثْكَهما. قال: فجعَلْتُ أَتَحَيَّنُ خَلْوَتَه لأَنْ أسْأَلَه عنهما ولا يكونُ معنا
التمهید
أحدٌ . قال : فلم يُمكِنِی ذلك حتى أُنْسیته، فما ذكرتُ حتی نفَضتُ یَدِی مِن
قَبْرِهِ ، فَتَدِمْتُ بعدَ ذلك. فقلتُ: وما ضَرَّنِى لو سَمِعْتُهما وسمِعَ معى غيرِى !!
فهذا يَدُلُّ على أنَّ الحديثَ الثانِىَ لم يَشْمَعْهُ(١) مِن مَعْمَرٍ، ولا له(١) ذِكْرٌ فيما
عَلِمْتُ عندَ أحَدٍ مِن أهلِ العلم ، وقد قال أحمدُ بنُ خالِدٍ: إنَّ الحديثَ الآخَرَفی
الحَجُّ. وهذا لا يُوجَدُ ولا يُعْرَفُ، واللهُ أعلمُ .
قال الحُلْوَانِىُّ: وحدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أَنْبَأَنَا شَريكٌ، عن خالِدِ
ابنِ ذُؤَيْبٍ، عن الزُّهْرِىِّ، قال: رَأَيْتُ ابنَ عمرَ يَمْشِى أمامَ الجِنَازَةِ ..
قال : حدَّثنا أحمدُ بنُّ صالِحِ، قال: أَنْبَأَنَا عَنْتَسَةُ بنُّ خالدِ ابْنُ أَخِى يُونُسَ بنِ
يَزِيدَ "قال: حدَّثنا يونسُ بنُ يزيدَ)، عن الزُّهْرِىِّ، قالٍ: وَفَدْتُ إلى مروانَ بنِ
الحَكَمِ وأنا مُخْتَلِمٌ .
قال الحَسَنُ: وماتَ « مروانُ بنُ الحَكَم سنَةً خمسٍ وستِينَ ليس فيها
اختلافٌ، ومات ابنُ عمرَ " سنة أربع وسبعين فى أوَّلِها ، إلّا أنَّه حَجّ سنَةً ثلاثٍ
القبس
(١) فى ى، م: (يسمع)).
(٢) فى ى، م: ((أنه)).
(٣ - ٣) سقط من: ر، م. وينظر تهذيب الكمال ٤٣١/٢٦.
(٤ - ٤) فى م: ((ابن مروان)).
٣٤٢
الموطأ
التمهید
وسبعين، وماتَ بعدَ الحَجّ، ومنهم مَنْ يقولُ: ماتَ فی آخِرِ سنةٍ ثلاث
وسبعین .
وفى هذا الحديثِ فِقْهٌ، وآدابٌ، وعِلْمٌ مِن أُمُورِ الحَجُّ كثيرٌ، فمِنْ ذلك(١)
مَشْىُ الرَّجُلِ الفاضِلِ مع السُّلْطانِ الجائِرِ فيما لا بُدَّ منه ، ولا نَقِيصَةً علیه فيه .
وفيه تَعْلِيمُ الرَّجُلِ الفاجِرِ السُّنَنَ، إذا كان لذلك وَجَةٌ، ولعَلَّه يَنْتَفِعُ بها وتَصْرِفُه
عن غَيِّهِ. وفيه الصَّلاةُ خلفَ الفاجِرِ مِن السَّلاطِينِ ما كان إليهم إِقامَتُه؛ مثلُ
الحَجِّ، والجُمُعَةِ ، والأَعْيَادِ ، ولا خِلافَ بينَ العُلَماءِ أنَّ الحَجَّ يُقِيمُه السُّلْطانُ
للناسِ، ويَسْتَخْلِفُ على ذلك مَنْ يُقِيمُه لهم على شَرائِعِه وسُنَنِهِ ، ويُصَلَّى خَلْفَه
الصَّلَواتُ كلُّها، بَرًّا كان أو فاجِرًا أو مُبْتَدِعًا، ما لم تُخْرِجْه بِدْعَتُه مِنَ الإسلامِ.
وفى هذا الحديثِ أنَّ رَوَاعَ الإمامِ مِن مَوْضِعِ نُزُولِه بعَرَفَةَ إِلى مَسْجِدِها حِينَ
تزولُ الشمسُ، وأَنَّ الجَمْعَ بِينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ فى المَسْجِدِ فِى أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ
سُنَّةٌ. وهذا ما لا خِلافَ فيه بينَ أهلِ العلم، وكذلكَ فعَلَ رسولُ اللهِ وَهِ، وَيَلْزَمُ
كُلَّ مَن بَعُدَ عن المَسْجِدِ بِعَرَفَةً أو قَرْبَ إلّا أنْ يكونَ مُتَّصِلًا مَوْضِعُ نُزُولِه
بالصُّفُوفِ ، فإنْ لم يَفعَلْ وصلَّى بصَلاةِ الإمامِ وفَهِمَها فلا حَرَجَ، ورُوِىَ عن
النبيِّ وَ لِ أَنَّه نَزَلَ بنَمِرَةَ مِن عَرَفَةَ، وحَيْثُمَا نَزَلَ مِن عَرَفَةَ فجائزٌ. وكذلك وُقُوفُه
منها حَيْثُمَا وَقَفَ فجائِرٌ، إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ(٢)، فإِذا زاغَتِ الشمسُ راحَ إلى المسجدِ
القبس
(١) فى ر: ((آدابه)).
(٢) فى ى، م : ((عرفة)).
٣٤٣
الموطأ
التمهيد بِعَرَفَةَ، فصَلَّى بها الظّهْرَ والعَصْرَ جميعًا مع الإمام، على ما قُلْنا فى أَوَّلِ وَقْتِ
الظُّهْرِ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بَكْرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حَْبَلٍ ، قال : حدَّثنا وكيع، قال : حدَّثنا نافِعُ بنُ
عمرَ، عن سعيدِ بنِ حَسَّانَ، عن ابنِ عمرَ، قال: لَمَّا قَتَلَ الحَجَّاجُ ابنَ الزُّبَيْرِ ،
أَرْسَلَ إلى ابنِ عمرَ: أَيَُّ ساعَةٍ كان رسولُ اللهِ وَ لِّ يَرُوحُ فى هذا اليومِ؟ قال : إذا
كان ذلك رُحْنَا . فَلَمَّا أرادَ ابنُ عمرَ أنْ يَرُوحَ، قال: أَزَاغَتِ الشمسُ ؟ قالوا : لم
تَزِعْ. ثم قال: أَزَاغَتِ الشمسُ؟ قالوا: لم تَزِعْ. ثم قال: أزاغتِ الشمسُ؟
فَلَمَّا قَالُوا: قد زاغَتْ . ارْتَحَلَ(٢).
وفى حديثٍ جابِرٍ أَنَّ النبيَّ وَِّ لَّا زاغَتِ الشمسُ، أمَرَ بالقَصواءِ،
فرُحِلَتْ له، وأَتَى بَطْنَ الوَادِى وخَطَبَ الناسَ، ثم أَذَّنَ بِلاَلٌ، ثم أقامَ
فصَلَّى الظُّهْرَ، ثم أقامَ فصَلَّى العَصْرَ، ولم يُصَلِّ بَيْنَهما شيئًا، ثم راحَ إلى
(٣)
المؤقِفِ(٣).
قال أبو عمرَ : هذا كلُّه ما لا خِلافَ بينَ علماءِ المسلمين فيه ، وأمَّا وَقْتُ
الرَّوَاحِ مِن مِنِّى إلى عَرَفَةَ، فليسَ هذا مَوضِعَ ذِكْرِهِ ، وكذلك قَوْلُهُ وَهِ: ((عَرَفَةُ
القبس
(١ - ١) سقط من : م .
(٢) أبو داود (١٩١٤)، وأحمد ٣٩٩/٨ (٤٧٨٢) . وأخرجه ابن ماجه (٣٠٠٩)، وأبو يعلى
(٥٧٣٤) من طريق وكيع به مختصرًا ومطولًا .
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٢١، ٧٠، ٨٤، ٩٨، ٩٩.
٣٤٤
الموطأ
م ..
كُلُّها مَوقِفٌ، وازْتَفِعُوا عَنْ بَطْنٍ عُرَنَةَ(١)). سيَأْتِى ذِكْرُه، ونوضّحُ القولَ فيه
بِمَوْضِعِه مِن كتابِنا هذا ، وذلك عندَ ذِكْرٍ مراسيلٍ مالكِ إنْ شاءَ اللهُ.
التمهيد
واخْتَلَفَ الفقهاءُ فى وَقْتِ أذانِ المُؤَذِّنِ بِعَرَفَةَ للظُّهْرِ والعَصْرِ، وفى مجُلُوسٍ
الإمام للخُطْبَةِ قَبْلَها ؛ فقال مالكٌ: يخْطُبُ الإِمامُ طويلًا، ثم يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ وهو
يخْطُبُ، ثم يُصَلِّى. ذكَرَ ذلك ابنُ وَهْبٍ عنه. وهذا مَعْنَاه أنْ يَخْطُبَ الإمامُ
صَدْرًا مِن خُطْبِهِ، ثم يُؤَذِّنَ المُؤَذِّنُ ، فَيَكُونَ فَراغُه مع فَراغِ الإمامِ مِنِ الخُطْبَةِ،
ثم يَنْزِلَ فِيُقِيمَ. وحكَى عنه ابنُ نافِع أنَّه قال: الأذانُ بعَرَقَةَ بعدَ بُجُلُوسٍ الإمامِ
للخُطْبَةِ. وقال أبو حنيفةً، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: إذا صَعِدَ الإمامُ المِنْتَرَ أَخَذَ
المُؤَذِّنُ فِى الأَذانِ ، فإِذا فَرَعَ المُؤَذِّنُ قام الإمامُ يَخْطُبُ ، ثم يَنْزِلُ ، فيُقيمُ المُؤَذِّنُ
الصَّلاةِ . وبمثلِ ذلكَ سَواءً قال أبو ثَوْرٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: يأْخُذُّ المُؤَذِّنُ فى الأَذانِ
إذا قامَ الإِمامُ للخُطْبَةِ الثانِيَةِ ، فِيَكُونُ فَراغُه مِن الأَذانِ بِفَرَاغ الإمامِ مِن الْخُطْبَةِ ، ثم
يَنْزِلُ فِيُصَلَّى الظُّهْرَ، ثم يُقِيمُ الْمُؤَذِّنُ الصَّلاةَ(١) .
وقال مالكٌ، وسُئِلَ عن الإمامِ إذا صَعِدَ المِنْبَرَ يومَ عَرَفَةَ ، أَيَجْلِسُ قبلَ أنْ
يَخْطُبَ؟ قال: نعم، ثم يقومُ فِيَخْطُبُ طَوِيلًا، ثم يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ وهو يَخْطُبُ،
ٹم ◌ُصَلِّی . ذكره ابنُ وَهْب عنه . قال: وقال مالك : يخطُبُ خُطْبتيْن . وفى قَوْلِ
القبس
(١) فى ى، م: ((عرفة).
(٢) تقدم ص٢٢٣ - ٢٣٢ .
(٣) سقط من : ى .
٣٤٥
الموطأ
التمهيد أبى حَنِيفَةً وَأَصْحابِهِ مِمَّا قَدَّمْنا ما يَدُلُّ على أنَّ الإمامَ يَجْلِسُ ، فإذا فَرَعَ المُؤَذِّنُ قامَ
فخَطَبَ . وقال الشافعىُّ: إذا أتَى الإِمامُ المَسْجِدَ، خطَبَ الخُطْبَةَ الأُولَى - ولم
يَذْكُرْ جُلُوسًا عندَ الصُّعُودِ - فإذا فَرَعَ مِن الأَولَى، جلَسَ جَلْسَةٌ خفيفةٌ، قَدْرَ
قراءةٍ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾، ثم يقومُ فِيَخطُبُ خُطْبَةً أُخْرَى.
وأجْمَعَ العُلَماءُ على أنَّ الإِمامَ لا يَجْهَرُ بالقراءةِ فى الظَّهْرِ والعَصْرِ بِعَرَفَةً ، لا
فى يومِ الجُمُعَةِ ولا فى غيرِها (١). وأجْمَعُوا على أنَّ رسولَ اللهِ إِلّهِ صلَّى الظُّهْرَ
والعَصْرَ يومَ عَرَفَةً إِذ١ْ جَمَعَ بَيْنَهما ركعتين. وأجْمَعُوا على أنَّ رسولَ اللهِ وَله
كان مُسَافِرًا يَوْمَئِذٍ ولم يَتْوِ إِقامَةً؛ لأَنَّه أكْمَلَ عَمَلَ حَجّه وعَجَّلَ الانْصِرافَ .
واخْتُلِفَ فى قَصْرِ الإمامِ إذا كان مَكَّيًّا ، أو مِن أهْلِ مِنَّى بِعَرَفَةَ ؛ فقال مالك:
يُصَلِّى أهلُ مَكّةَ ومِنَّى بِعَرَفَةً ركعتين ركعتين ما أَقَامُوا ، تَقْصُرُون الصَّلاةَ حتى
يَوْجِعُوا إِلى أَهْلِيهم؛ (وأميرُ الحَاج٣ُ) أيضًا كذلك، إذا كان مِن أهلِ مَكّةَ قَصَرَ
الصَّلاةَ بعَرَفَةً وَأَيَّامَ مِنَّى. قال: وعلى ذلك الأمْرُ عندَنا، فإنْ كان أحَدٌ ساكِنًا
بِمِنَّى مُقِيمًا أتَمَّ الصَّلاةَ إذا كان بمِنَّى وعَرَفَةَ أيضًا كذلكَ. قال مالكٌ: وأهلُ مَكَّةً
يَقْصُرُون الصَّلاةَ بمِنَّى، وأهلُ مِنَّى يَقْصُرُون الصَّلاةَ بِعَرَفَةَ ، وأهلُ عَرَفَةً يَقْصُرُون
الصَّلاةَ بمِنَّى. وهو قولُ الأوزاعيِّ سَواءً. ومِن حُبَّتِّهم أنَّ رسولَ اللهِ وَه
القبس
(١) بعده فى م: ((وأجمعوا أن رسول الله ور كذلك فعل؛ لم يجهر).
(٢) فى ى ، م : ((إذا)).
(٣ - ٣) فى ر: ((أمر الحجاج)).
٣٤٦
الموطأ
وأصْحابَه رَضِىَ اللهُ عنهم لم يُصَلُّوا فى تلك المشاهدِ كُلُّها إِلَّا ر کعتين، وسائرُ
الأمراءِ هكذا لا يُصَلُّون هنالك إِلَّركعتين١). فعُلِمَ أنَّ ذلك سُنَّةُ المَوْضِعِ؛ لأنَّ
مِن الأمراءِ مَكًِّا وغيرَ مَكِّئٌ .
التمهيد
واخْتَبُوا أيضًا بما رَوَاه يَزِيدُ بنُ عِيَاضٍ، عن ابنِ أبى نَجيحِ، عن مجاهدٍ ،
أنَّ النبيَّ وَّةِ اسْتَعْمَلَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ على مَكّةَ، وأَمَرَه أنْ يُصَلِّىَ بِأهْلِ مَكّةً
(٢).
ركعتين (٢).
وهذا خَبَرُ عندَ أهلِ العلم بالحديثِ منكَوّ، لا تقُومُ به حُجَّةٌ؛ لضَعْفِهِ
ونَكَّارَتِه . وقال الثورىُّ، وأبو حنيفةً(١) ، والشافعىُّ، وأصحابُهما(٤) ، وأبو ثَوْرٍ،
وأحمدُ بنُّ حنبلٍ، وإسحاقُ ، وداودُ: مَن كان مِن أهلِ مَكَّةَ صَلَّى بمِنَى وعَرَفَةً
أَرْبَعًا، لا يجوزُ له غيرُ ذلك. وحُكَّتُهم أنَّ مَن كان مُقِيمًا لا يجوزُ له أنْ يُصَلِّىَ
ركعتين، و کذلك من لم يگنْ سفره سفرًا تُقْصر فى مِثْلِه الصَّلاةُ ، فحكْمُه حُكْمُ
المُقِيمِ . وقد تقَدَّمَ ذِكْرُنا أنَّ السُّنَّةَ المجتَمَعَ عليها الجَمْعُ بينَ الصَّلاتين؛ الظَّهْرِ
والعَصْرِ يومَ عَرَفَةَ مع الإمامِ .
واخْتَلَفَ الفقهاءُ فيمَنْ فاتَتْه الصَّلاةُ يومَ عَرَفَةً مع الإمامِ ، هل له أَنْ يَجْمَعَ
القبس
(١ - ١) سقط من : ى .
(٢) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٦٦/٣، ٦٧ (١٨٠٦) من طريق ابن أبى نجيح به.
(٣) بعده فى ى، م: ((وأصحابه)).
(٤) سقط من : ى ، م .
٣٤٧
الموطأ
التمهيد
بَيْنَهما أم لا؟ فقال مالكٌ: له أنْ يَجْمَعَ (١بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا فاتَه ذلك مع
الإمامِ، وكذلك المَغْرِبُ والِعِشَاءُ؛ يجْمَعُ بَيْنَهما بالمُزْدَلِفَةِ، قال: فإِن
اخْتُبِسَ إِنْسانٌ دونَ المُزْدَلِفَةِ لمَوْضِعِ عُذْرٍ جَمَعَ بَيْنَهما أيضًا قبلَ أنْ يَأْتِىَ
المُزْدَلِفَةَ، ولا يَجْمَعُ بَيْنَهما حتى يَغِيبَ الشَّفَقُ. وقال الثَّوْرِىُّ: صَلِّ مع
الإمامِ(١) الصَّلاتين إن اسْتَطَعْتَ، وإنْ صَلَّيْتَ فى رَحْلِكَ فصَلِّ كُلَّ صلاةٍ
الوَقْتِها. وكذلك قال أبو حنيفةً: لا يجْمَعُ بَيْنَهما إلَّا مَن صلَّاهما مع الإمامِ،
وأمَّا مَن صَلَّى وحدَه، فلا يُصَلِّى كُلَّ صَلاةٍ منهما إِلَّ لِوَقْتِها. وهو قولُ
إبراهيمَ. وقال الشافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأحمدُ،
وإشْحاقُ: جائزٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهما مِن المُسَافِرِين مَنْ صَلَّى مع الإمامِ ومَنْ
صلَّى وحدَه إذا كان مُسَافِرًا. وعِلَّتُهم فى ذلك أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ إِنَّما كان
جمَع مِن أَجْلِ السَّفَرِ، ولَكُلِّ مُسَافِرِ الجَمعُ بينَهما لذلك. وكان عبدُ اللهِ بنُ
عمرَ يجْمَعُ بَيْنَهما. وهو قولُ عَطَاءٍ(٢).
وأجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ الإِمامَ لَا يَجْهَرُ فى صَلاةِ الظَّهْرِ ولا العَصْرِ يومَ عَرَفَةً . وفى
ذلك دليلٌ على صِحَّةٍ قولٍ مَنْ قال: لا مُجُمُعَةَ يومَ عَرَفَةَ . وهو قولُ مالكٍ،
والشافعى، ومحمد بن الحسنِ .
القبس
(١ - ١) سقط من : ر، ى.
(٢) بعده فى م: ((بعرفات)).
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع ) ص٢٧٦ .
٣٤٨
الموطأ
التمهید
واخْتَلَفَ العلماءُ فى الأذانِ للجَمْعِ بينَ الصَّلاتين بعَرَفَةَ؛ فقال مالك:
يُصَلِّيهما بأذانَيْنَ(١) وإقامَتَيْن. على ما قَدَّمْنا مِن قَوْلِه فى صَلاتَي المُزْدَلِفَةَ،
والمحجّةُ له قد تقَدَّمَتْ هناكَ(٢) .
وقال الشافعىُّ، والثورىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه ، وأبو ثَوْرٍ ، وأبو ◌ُبيدٍ ،
والطِّئُّ : يَجمُ بتهما بأذانٍ واحِدٍ وإقامَتَيْن؛ إِقامَةٍ لكلِّ صَلاةٍ . واختُلِفَ عن
أحمدَ بنِ حَنْبَلِ ؛ فَرَوَى عنه الكَوْسَجُ، وعن إِسْحاقَ بنِ راهُويَه أيضًا ، الجَمْعَ بِينَ
الصَّلاتين بعَرَفَةَ بِإِقامَةٍ إِقامَةٍ . وقال الأَثْرَمُ، عن أحمدَ بنٍ حَنْتُلِ: مَن فاتته الصَّلاةُ
مع الإمامِ ؛ فإنْ شاءَ جَمَعَ بَيْنَهما بأَذانٍ وإقامَتَيْن، وإنْ شاءَ بِإِقامَةٍ إِقامَةٍ .
وفى لُّبْسِ الحَبَّاجِ المُعَصْفَرَ، وَتَوْكِ ابنِ عمرَ الإِنْكَارَ عليه مع أمْرِ عبدِ المَلِكِ
ابنِ مروانَ إِيَّهِ أَلَّا يُخَالِفَ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ فى شىءٍ مِن أَمْرِ الحَجُّ - دَلِيلٌ على أنَّه
مُّبَاحٌ، وإنْ كان أكْثَرُ أهلِ العلمِ يَكْرَهُونَه ، وإنَّما قُلْنا: إِنَّه مُبَاخ؛ لأَنَّه ليس
بطِيبٍ، وإنَّما كَرِهُوه لأنَّه ينتفضُ(٢) . وذكّرَ ذلك ابنُ بُكَيْرٍ، عن مالكٍ ، قال:
إِنَّمَا كُرِةٍ لُبْسُ المُصْبَغاتِ لأَنَّها تَنْتَفِضُ(٤) . وليس هذا عندَ القَعْنَبِىِّ، ولا يحبى،
ولا مُظَرِّفٍ، وكان مالكٌ يَكْرَهُ لُبْسَ المُصْبَغَاتِ للرّجَالِ والنّساءِ، وخالَفَ فى
ذلك أُسْمَاءً پنْتَ ابی تکْرٍ . وژُوى عن عائشةً مثلُ قول مالك ، رواه القّژْرِىُّ ، عن
القبس
(١) فى ر: ((بأذان)). وينظر المدونة ٤١٢/١.
(٢) سيأتى ص٣٦٤، ٣٦٥ .
(٣) نفض الثوب: إذا نصل لونُ صبغه ولم يبق إلا الأثر . ينظر النهاية ٩٧/٥ .
(٤) فى م : (تنتقض)).
٣٤٩
--
الموطأ
التمهید
الأَعْمَشِ، عن إبراهيمَ، أنَّ عائِشَةَ كانتْ تَكْرَهُ المُثْرَدَ(١) بالعُصْفُرِ(١) . وممَّنْ كان
يَكْرَهُ لُبْسَ المُصْبَغَاتِ بالعُصْفُرِ فىِ الإِخْرَامِ ؛ الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه،
وأبو ثَوْرٍ . ورَخَّصَ فيه الشافعىُ؛ لأنَّه ليس بطِيبٍ .
وقد ذگرَ عبدُ الرزّاقِ ، عن ابنٍ عیینةً ، عن عمرو بنِ دینارٍ ، عن أبى جعفرٍ
محمدِ بنِ علىٍّ، قال: أَبْصَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ على عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ثَوْنَيْن
مُضْرَجَيْن - يغْنِى مُعَصْفَرين - وهو مُخْرِمٌ. فقال: ما هذا؟ فقال علىُ بنُ أبی
طالِبٍ : ما إِخَالُ أَحَدًا يُعَلِّمُنا السُّنَّةَ. فسَكَتَ عُمَرٍ (٢) .
أخبرنى أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، أنَّ أَبَاه حدَّثَه، قال : أنْبَأَنا محمدُ بنُ
فُطَيْسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ بنِ مُزَيْنٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةً
القَعْنَبِىُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أَنَّه قال: كنتُ أَخْرُج() وعلىَّ ثوبان مُضْرَجَان فى
الحَرَمِ مع ابنِ عِمرَ، فلا يُتْكِرُ عَلَىَّ.
وقد كان مالكٌ، فيما ذَكَرَ عنه ابنُ وَهْبٍ وابنُ القاسِمِ، يَسْتَحِبُّ إيجابَ
القبس
(١) ثوب مثرد: إذا غمس فى الصَّبغ. ينظر النهاية ٢٠٩/١ .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع) ص١٠٦ من طريق الأعمش به ، وزاد بين
إبراهيم وعائشة الأسود . بلفظ : تلبس المحرمةُ ما شاءت إلا المهرود المعصفر .
(٣) أخرجه البيهقى ٥٩/٥ من طريق ابن عيينة به .
(٤) فى ر : ((أحرم)).
(٥) سقط من : م .
٣٥٠
الموطأ
التمهید
الفِدْيَةِ على مَن لَبِسَ المُعَصْفَرَ المُصْبَغَ فى الإِخْرَامِ. وهو قولُ أبى حنيفةً.
والأَصْلُ فى هذا البابِ، أنَّ الطَّيبَ للمُخْرِمِ بعدَ الإِحْرَامِ لا يَحِلّ ياجْمَاعِ
العُلَماءِ؛ لتَهْيِ رسولِ اللهِ وَِّ المُخْرِمَ عن الزَّغْفَرَانِ والوَرْسِ ) وما صُبِغَ بهما
مِنَ الثِّيَابِ المُصْبَغَاتِ فى الإِخْرَامِ. وقال بعضُ أهلِ العلمِ : إنَّما كان ذلك مِن
عمرَ خَوْفًا مِنَ التَّطَرُّقِ إلى ما لا يجوزُ مِنَ الصِّبْغِ، مثلَ الزَّغْفَرَانِ والوَرْسِ وما
أَشْبَهَهما مِمَّا يُعَدُّ طِيبًا. وقال غيره: إنَّما كان ذلك مِن عمرَ إلى طَلْحَةَ المَوْضِعِه
مِن الإمامَةٍ(٢)، ولأَنَّه مِمَّنْ يُقْتَدَى به، فوَجَبَ عليه تَرْكُ الشُّبْهَةِ ، لعلَّ يَظُنَّ به ظانٌ
ما لا يجوزُ أَنْ يُظَنَّ بِمِثْلِهِ ، ویتَأَوَّلَ فى ذلك عليه .
وفى الحديثِ أيضًا مِن الفِقْهِ ما يَدُلُّ على أنَّ تَأْخِيرَ الصَّلاةِ بِعَرَفَةَ بعدَ الزَّوَالِ
قليلًا لِعَمَلِ يكُونُ مِن أَعْمَالِ الصَّلاةِ ؛ مثْلَ الغُسْلِ والوُضُوءِ وما أشْبَهَ ذلك، أَنَّه لا
بَأْسَ به. وفيه الغُسْلُ للؤُقُوفِ بعَرَفَةَ؛ لأنَّ قولَ الحَجَّاجِ لعَبْدِ اللهِ بنِ عمرَ :
أَنْظِرْنِى حتى أَفِيضَ علَىَّ ماءً. كذلك كان، وهو مُذْهَبُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، وأهلُ
العِلْمِ يَسْتَحِبُونَه .
ذكَرَ مالكٌ(٢)، عن نافع، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يَغْتَسِلُ لإِخْرَامِهِ قبلَ أنْ
يُحْرِمَ، ولدخُولِه مَكّةَ، ولؤُقُوفِه عَشِيئَّةَ عَرَفَةً .
القبس
(١) الورس نبت أصفر يصبغ به . النهاية ١٧٣/٥ .
(٢) تقدم فى الموطأ (٧٢٥) .
(٣) تقدم فى الموطأ (٧١٨) .
٣٥١
الموطأ
التمهید
وفيه إِباحَةُ فَتْوَى الصَّغِيرِ بِينَ يَدَيِ الكَبِيرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ سالِمًا عَلَّمَ الحَجَّاجْ
السُّنَّةَ فى قَصْرِ الخُطْبَةِ وتَعْجِيلِ الصَّلاةِ ، وابنُ عمرَ أَبُوه إلى جانِه. وقَصْرُ الخُطْبَةِ
فى ذلك الموضِع (١) وفى غيرِهِ سُنَّةٌ مَسْئُونَةٌ، وَتَعْجِيلُ الصَّلاةِ فى ذلك المَوْضِعِ
سُنَّةٌ مُجْتَمَعٌ عليها فى أوَّلٍ وَقْتِ الظُّهْرِ، ثم يُصَلَّى العَضْرُ ياثْرِ السَّلامِ مِن الظُّهْرِ فِى
ذلك اليوم .
رُوِّينا عن جابِرِ بنِ سَمُّرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ وَهِ يَخْطُبْنَا بِكَلِمَاتٍ قليلةٍ
طَيِّبَاتٍ. وقد ذكّرْنا هذا الخَبَرَ بإِسْنَادِه فيما سَلَفَ مِن كِتَابِنا هذا(١).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال : حدّثنا محمدُ بنُ بکرٍ ،
قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ ثُمَيْرٍ، قال: حدّثنا
ایِی ، قال: حدثنا العلاءُ، عن عَدِئٍ بن ثابت ، عن أبی راشِدٍ ، عن عَمَّارِ بنِ
ياسرٍ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ وَلَه بِقْصَارِ الخُطَبِ().
وأنْبأنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعیدٍ ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُّ إِبراهِيمَ الدَّيْئِلِىُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المخزومىُّ،
القبس
(١) سقط من : ی ، م .
(٢) تقدم فى ٧٥٤/٤. وينظر ٢١٧/٦.
(٣) أبو داود (١١٠٦). وأخرجه أبو يعلى (١٦٢١)، والحاكم ٢٨٩/١، والبيهقى ٢٠٨/٣ من
طريق محمد بن عبد الله بن نمير به ، وأخرجه ابن أبى شيبة ١١٤/٢، ١١٥، وأحمد ١٨٤/٣١
(١٨٨٨٩) من طريق عبد الله بن نمير به.
٣٥٢
الموطأ
قال : حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً، عن عمرو بن حبيبٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن التمهيد
عَمَّارِ بنِ ياسرٍ، قال: أَمَرَنا رسولُ اللهِ وَلَهِ أَنْ نَقْصُرَ الخُطْبَةَ، وَنُطِيلَ الصَّلاةَ.
وبه عن سُفْيَانَ، عن الأُعْمَشِ، عن أبى وائلٍ، عن عمرٍو بنِ شُرَخِيلٍ،
قال: مِن فقهِ الرجلِ قِصَرُ الخُطْبَةِ، وَطُولُ الصَّلاةِ(١) .
وأجْمَعَ الفقهاءُ جميعًا على أنَّ الإمامَ لو صَلَّى بِعَرَفَةَ يومَ عَرَفَةً بغيرِ
◌ُخُطْبَةٍ، أَنَّ صَلاتَه جائزةٌ، وأنه يَقْصُرُ الصَّلاةَ إذا كان مُسَافِرًا وإنْ لم
يَخْطُبْ، وأجْمَعُوا أنَّ الخُطْبَةَ قبلَ الصَّلاةِ يومَ عَرَفَةَ، وأنَّ رسولَ اللهِ
وَِّ﴿ قَرَأَ فيها فَأَسَرَّ القِرَاءَةَ، وإنَّما هى ◌ُهْرٌ ولكنَّها قَصْرَتْ مِن أَجْلِ
السفرِ، واللهُ أعلمُ .
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: وعَجِّلِ الصَّلاةَ. فكذلك رَوَاه یحیی، وابنُ
القاسِمِ، وابنُ وَهْبٍ، وَمُطَرِّفٌ. وقال فيه القَعْنَيِىُّ وأَشْهَبُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ
الوُّقُوفَ . وهو عندِى غَلَطِّ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عن مالكٍ على خلافِه .
وتعجيلُ الصَّلاةِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ ماضِيَةٌ، على ما قَدَّمْنا ذِكْرَه، وقد يَحْتَمِلُ ما قاله
القَعْنَيِىُّ أيضًا؛ لأنَّ تَعْجِيلَ الؤُقُوفِ بعدَ تَعْجِيلِ الصَّلاةِ والفراغ منها سُنَّةً أيضًا ،
وقد ذكّرْنا أحْكَامَ الصَّلاةِ بِعَرَفَةَ ، وذكَوْنَا ما أجْمَعُوا عليه منها ، وما اخْتَلَفُوا فيه ،
والحمدُ للهِ .
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (٩٤٩٣)، والبيهقى ٢٠٨/٣ من طريق سفيان عن الأعمش، عن أبى وائل ،
عن عمرو بن شرحبيل ، عن عبد الله بن مسعود قوله .
٣٥٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٣/١١)
الموطأ
١
وأمَّا الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، فَأَجْمَعَ العلماءُ فى كُلِّ عَصْرٍ وبَكُلِّ مِصْرٍ، فيما
التمهید
عَلِمْتُ ، أَنَّه فَرْضٌ لا يَتُوبُ عنه شيءٌ، وأنَّه مَن فاتَه الوُقُوفُ بعَرَفَةَ فى وَقْتِه الذى
لا بُدَّ منه فلا حَجّ له .
واخْتَلَفُوا فى تعيينٍ ذلك الوقتِ وحَصْرِهِ بعدَ إِجْمَاعِهم على أنَّ مَنْ وَقَفَ
بِعَرَفَةَ قبلَ الزَّوَالِ يومَ عَرَفَةً فهو فى حُكْم مَن لم يَقِفْ ؛ فقال مالكٌ وأصحابُه :
اللَّيْلُ هو المُفْتَرَضُ، والؤُقُوفُ بعدَ الزَّوَالِ حتى يَجْمَعَ بِينَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ سُنَّةٌ . دَلَّ
على ما أضَفْنا إليه مِن ذلك مَذْهَبُه وجوابُه فى مسائله فى ذلك . ذكَرَ ابنُ وَهْپٍ
وغيرُه عنه أنَّ مَن دفَعَ مِن عَرَفَةَ قبلَ أنْ تَغِيبَ الشمسُ، ثم لم يَنْصَرِفْ إليها فى لَيْلَةٍ
النَّحْرِ " فيَقِفَ بها) أنَّ حَجّه قد فاتَه، وعليه حَجُ قابِلٍ ، والهَدْئُ يَنْحَرُه فى حَجّ
قابِلٍ ، وهو كَمَنْ فاتَّه الحَجُّ . وقال مالكٌ فيما ذكَرَه أَشْهَبُ بنُ عبدِ العَزِيزِ عنه :
إِنَّ مَن دفَعَ بعدَ الغُروبِ وقبلَ الإمامِ فلا شىءَ عليه . ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِن فقهاءٍ
الأمصارِ قال بقَوْلِ مالكِ: إِنَّ مَنْ دَفَعَ قبلَ الغُروبِ ، فلا حَجّ له. وهو قد وَقَفَ
بعدَ الزَّوَالِ، وبعدَ (١) الصَّلاةِ، ولا رُوِّينا عن أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، واللهُ أعلمُ .
وقال سائِرُ العُلَماءِ: كلُّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بعدَ الزَّوَالِ أو فى لَيْلَةِ النَّحْرِ فقد أَخْرَكَ
الحَجَّ . فإِنْ دفَع() قبلَ غُروبِ الشَّمْسِ مِن عَرَفَةً فعليه دَمِّ عندَهم، وحَبُه تامّ .
القبس
(١ - ١) سقط من: ر، ى. وينظر المدونة ٤١٣/١.
(٢) فى ر : ((قبل)).
(٣) فى ر : ((رجع).
٣٥٤
الموطأ
قال الكُوفُّون : فإنْ رَجَعَ بعدَ غُروبِ الشمسِ لم يَشْقُطْ عنه ذلك الدَّمُ الذى كان التمهيد
قد وَجَبَ عليه . وهو قولُ أبى ثَوْرٍ. وقال الشافعىُّ، وهو قولُ مالك: إن عادإلى
عَرَفَةً حتى يَدْفَعَ بعدَ المَغِيبِ فلا شىءَ عليه. وإنْ لم يَرْجِعْ حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ
أجْزَأَتْ عنه حَجّتُه عندَ الشافعىِّ وعليه دَمّ ، وحُجَّةُ مَن قال بقَوْلِ الشافعىِّ فى أنَّ
اللَّلَ والَّهَارَ بعدَ الزَّوَالِ فِى الؤُقُوفِ بِعَرَفَةَ سَواءٌ - إلَّا ما ذكَوْنَا مِن الدَّم - حديثُ
عُرْوَةَ بنِ مُضَرِّسٍ الذى قَدَّمْنا ذِكْرَه فى بابٍ (١) الصَّلاةِ بالمُزْدَلِفَةِ(٢)؛ قولُه ◌ِ :
((وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذلكَ لَيْلًا أو نَهَارًا)). وقد ذكَوْنَا هناكَ مِن قولِ إسماعيلَ(٢) ما
فيه بَيَانٌ لِمَا ذَهَبَ إليه مالكٌ. وقال أبو الفَرَج وغيرُهُ مِن أَصْحابِنا: الدَّلِيلُ على أنَّ
الوُقُوفَ لَيْلًا هو الفَرْضُ دونَ النَّهَارِ حُكْمُ الجميع لمَنْ أَدْرَكَ بعضَ اللَّيْلِ بِتَمَامِ
الحَجِّ ، وأنَّ إِذْرَاكَ أوَّلِهِ كَإِدْرَاكِ آخِرِه ، وهذا يَدُلُّ على أنَّه كلَّه وَقْتُ للؤُقُوفِ. ثم
أَنَّفَقُوا أَنَّه لا حَجَّ لِمَنْ دَفَعَ مِن عَرَفَةَ قبلَ الزَّوَالِ وقبلَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، فَوَجَبَ أنْ
يُسَوَّى كما يُسَوَّى بِينَ حُكْم سائرِ اللَّيِلِ؛ لأَنَّه ما انْتَفَى فى بعضِ الچِئْسِ فهو
مُنْتَفٍ فى سائِرِهِ، وذكّرُوا كلامًا كثيرًا لم أرَ لذكْرِهِ وَجْهًا، وما قَدَّمْنَا مِن قولٍ
إسماعيلَ وأبى الفَرَجُ) فى البابِ قبلَ هذا، هو المُعْتَمَدُ عليه فى المَذْهَبِ . واللهُ
أعلمُ .
القبس
(١) بعده فى ر، م: ((حديث).
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٤٣، ٢٤٤ .
(٣) سيأتى ص٣٧٩ .
(٤) سيأتى ص ٣٨٠.
٣٥٥
١٠
الموطأ
التمهيد
وَأَجْمَعُوا أنَّ الوُقُوفَ بِبَطْنِ عُرَّنةَ(١)(٢ غيرُ جائز٢ٍ) . واخْتَلَفُوا فیمَنْ وَقَفَ بها
ولم يَقِفْ مِن عَرَفَةَ بغيرِها ؛ فقال مالكٌ: يُهَرِيقُ دَمًا وحَبُه تامّ . وقال الشافعىُّ:
لا يُجْزِئُه وحُه فائِتٌ . وبه قال أبو المُضْعَبِ المدنئ ، قال: علیه حَجُ قابِل
والھدیُ گمَنْ فاته الحجُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، حدَّثنا أحمدُ بنُّ
شُعَيْبٍ ، أَنْبَأَنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ تَزِيدَ المُقْرِىُّ(٤) ، قال: حدَّثنا سفيانُ، (°عن
الثورىِّْ)، عن(٢) تُكَثِرِ بنِ عَطَاءِ اللَِّىُّ، عن عبد الرحمنِ بنِ يَعْمَرَ الدِّيلِىِّ ، قال:
سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلِ يقولُ: ((الحَجُ عَرَفَاتٌ - ثلاثًا(٧) - فمَنْ أَذْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ
أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ، وَأَيَّامُ مِنَّى ثلاثةٌ ، فَمَنْ تَعَعَّلَ فِى يَوْمَيْنٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ،
ومَنْ تَأَّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ))(٨) .
قال أبو عمرَ: ذكّرَ أهلُ السِّيَّرِ والمعرفةِ بِأَيَّامِ الناسِ - منهم الزُّبَيْرُ وغيرُه - أنَّ
القبس
(١) فى م: (عرفة).
(٢ - ٢) فى ر: ((مكروه))، وفى م: ((من عرفة لا يجوز لقول رسول اللـه *** وارتفعوا عن بطن عرفة)).
(٣) فى م: ((الذى)).
(٤) فى ر: ((المقبرى)). وينظر تهذيب الكمال ٥٧٠/٢٥ .
(٥ - ٥) سقط من النسخ، والنسائى. والمثبت من تحفة الأشراف (٩٧٣٥)، ومصدرى التخريج.
(٦) فى ر: (بن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٤٩/٤.
(٧) سقط من : ى، م.
(٨) أخرجه ابن حزم فى حجة الوداع ص ٢١٢ من طريق محمد بن معاوية. وهو عند النسائى فى
الكبرى (٤٠١٢). وأخرجه ابن الجارود (٤٦٨) من طريق محمد بن يزيد المقرئ به، وسيأتى
تخريجه ص ٤١٠ من طريق ابن عيينة .
٣٥٦
:
الموطأ
التمهید
ابنَ عمرَ ماتَ بعَقِبٍ هذه الحجّةِ بمكّةً ، وأنَّ ابن عمر كان له موقفٌ مَعْرُوفٌ
بِعَرَفَةَ، كان قد وَقَفَ فيه مع رسولِ اللهِ وَهِ، أَوْ رَأَى رسولَ اللهِ وَّه قد وَقَفَ به
عامَ حَّةٍ الوَدَاعِ؛ فكان ابنُ عمرَ يَتْبُّكُ بالمَوْقِفِ فيه، وكان لا يَدَُ الحَجّ كُلِّ
عام منذُ قُتِلَ عثمانُ إلى أنْ ماتَ بعدَ ابنِ الزُّبَيْرِ، وكان يَلْزَمُ ذلك المَوْقِفَ،
فانطلقَ مع الحجاج بنِ ثُوسُفَ يُؤْمَئِذٍ حتى وَقَفَ فی مؤقِفِه الذى كان يَقِفُ فيه ،
وكان ذلك المَوْقِفُ بينَ يَدَي الحَََّاجِ، فأمَرَ مَنْ نَخَسَ بابنِ عمرَ حتى نَفَرَتْ
به (١) ناقَتُه، فسَكِّنَها ابنُ عمرَ، ثم رَدَّها إلى ذلك المَوْقِفِ، فَأَمَرَ الحَجَاجُ أيضًا
بِنَاقَتِهِ فَتُخِسَتْ فَتَفَرَتْ، فسَكْنَها ابنُ عمرَ حتى سَكَنَتْ، ثم رَدَّها إلى ذلك
المَوْقِفِ، فَتَقُلَ على الحَجَّاجِ أمْرُه، فأمَرَ رَبّجُلًا معه حَرْبَةٌ ، يُقالُ: إِنَّها كانت
مَسْمُومَةٌ . فَلَمَّا دفَعَ الناسُ مِن عَرَفَةً لَصِقَ به ذلك الرَّجُلُ، وأَمَّ الحَرْبَةَ على قَدَمِهِ
ونخَسه بها ، فمَرِضَ منها أيَّامًا ثم ماتَ بمَكّةَ، وصلَّى عليه الَّائجُ يَوْمَئِذٍ . وقد
ذكّرْنا خَبْرَه بأكْثَرَ مِن هذا فى كتابٍ ((الصَّحابَةِ))() .
قال أبو عمرَ: قولُهُ وَالْهِ: ((الحَجُ عَرَفَاتٌ)). مَعْنَاه عندَ أهلِ العلمِ أَنَّ شُهودَ
عَرَفَةَ بِهِ يَنْعَقِدُ الحَجُّ، وهو الركنُ الذى عليه مَدَارُ الحَجُّ ، ألا تَرَى أنَّ مَن وَطِئَ
بعدَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةً أَنَّه يُجْبَرُ فِعْلُه ذلك بالدَّمِ، ومَن أصابَ أهْلَه قبلَ وُقُوفِه بِعَرَفَةً
فَسَدَ حَبُّه عندَ الجميع، وعلى هذا جماعةُ العلماءِ، وهو قولُ فقهاءِ الأُمْصَارِ ،
القبس
(١) فى ى : ((منه)).
(٢) الاستيعاب ٩٥٠/٣ - ٩٥٣.
٣٥٧
الموطأ
۔۔
التمهيد إِلَّ ما ذكّوْنا عن مالكِ فيمَنْ وَطِئَ يومَ النَّحْرِ قبلَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ على اختلاف عنه،
على حَسَبٍ ما أوْرَدْناه فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن عيسى بنِ طلحةً مِن هذا
الكتاب (١) . وقد ذكَّرْنا فى هذا البابٍ فى الوُقُوفِ بعَرَفَةَ ما فيه شِفَّاءٌ إن شاءَ اللهُ .
وقد ذكّرنَا مَسْأَلَةَ مَن أَعْمِىَ عليه بعَرَفَةَ قبلَ الوُقُوفِ بها حتى انْصَدَعَ الفَجْرُ، فی
بابٍ مُوسَى بنِ عُقْبَةً مِن هذا الكتابٍ(٢) .
وأمَّا الصَّلاةُ بِعَرَفَةَ فلا أَعْلَمُ خِلافًا بينَ علماءِ المسلمين ، أنَّ مَن لم يَشْهَدْهَا
مع الإمامِ وأدْرَكَ الوُقُوفَ على حسَبٍ ما تقَدَّمَ ذِكْرُ نا له - أنَّ حَجَّه تامّ ولا شىءَ
عليه، وأنَّ الوُقُوفَ بعَرَفَةَ فى الوَقْتِ المَذْكُورِ، على حسَبٍ ما ذكّرْنا، هو
المُفْتَرَضُ ، وجَمْعُ الصَّلاَتَيْن بها سُنَّةٌ مع الإمامِ ، وقد جاءَ فى ذلك حديثٌ خالَفَه
الإِجْمَاعُ، ذكَرَه عبدُ الرَّزاقِ ، قال: قلتُ للَّوْرِىِّ: إنَّ ابنَ عيينةَ حدَّثَنِى عن عَبْدَةَ
ابنِ أبِى لِتَابَةَ، عن سُوَئِدِ بنِ غَفَلَةَ ، أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ قال: مَنْ فَاتَتْه الصَّلاةُ مع
الإِمامِ يومَ عَرَفَةَ فلا حَجَّ له . فقال لى: إنَّها قد جاءَتْ أحادِيثُ لا يُؤْخَذُ بها وقد
تُرِكَتْ، هذا منها، وما يَضُرُّه أَلَّا يَشْهَدَها مع الإمامِ بعَرَفَةَ. قال الكَشْوَرِىُّ:
قلتُ لابنٍ أبى عمرَ: أَتَعْرِفُ هذا الحديثَ لابنٍ عيينةً؟ قال: لا أعْرِفُه .
قال: وأمّا قولُ القعنبىّ وأَشْهَبَ عن مالكِ فى هذا الحديثِ: وعَّلٍ
الوُقُوفَ . فإِنَّ الشَّئَّةَ التى لا اخْتِلافَ فيها أنَّ الإمامَ إِذا فَرَغَ مِن الصَّلاتَيْنِ رَكِبَ
1
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٩٦٢) من الموطأ .
(٢) تقدم فى ١٥٩/١٠، ١٦٠.
٣٥٨
،
الصلاةُ بمنّى يومَ الترويةِ والجمعةُ بمنَّى وعرفةً
الموطأ
٩١٦ - مالكٌ، عن نافعٍ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يصلِّى الظهرَ
والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والصبحَ بمنّى، ثم يغدُو إذا طلعت الشمسُ
إلى عرفةً .
التمهيد
مُعَجِّلًا ورَاحَ إلى المَوْقِفِ، وكذلكَ يَصْنَعُ كلُّ مَن معه ما يركَبُ؛ لأنَّ
الوقوفَ(١) بِعَرَفَةَ راكبًا أَفْضَلُ، إنْ شاءَ اللهُ، لمَنْ قَدَرَ عليه؛ وقَفَ رسولُ اللهِ
{َ ﴿ راكبًا، ومَن وَقَفَ رَاجِلًا فلا شىءَ عليه.
الاستذكار
بابُ الصلاةِ بمنَّى يومَ الترويةِ والجمعةِ بمنَّى وعرفةً
٠
مالكٌ، عن نافع ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يصلِّى الظهر والعصرَ والمغربَ
والعشاءَ والصبحَّ بمنّى، ثم يغدو إذا طلعت الشمسُ إلى عرفةً(٢).
قال أبو عمرَ : أما صلاتُه يومَ الترويةِ بمنَى الظهر والعصرَ والمغرب والعشاءَ
والصبحَ، فكذلك فعَل رسولُ اللهِ وَّةٍ(٢) ، وهى سُنَّةٌ معمولٌ بها عندَ الجميعِ
القبس
(١) فى ى، م: ((الوقف)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٨٤)، وبرواية يحيى بن بكير (٢١/٤ و - مخطوط) ، وبرواية
أبى مصعب (١٣٣٥). وأخرجه الشافعى ٥٦١/١ (٩٠٨ - شفاء العى)، والبيهقى ١١٢/٥ من
طريق مالك به .
(٣) أخرجه مسلم (١٤٧/١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥) من حديث جابر مطولًا .
٣٥٩
قال مالكٌ: والأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا، أن الإمامَ لا يجھَرُ
الموطأ
بالقراءةِ فى الظهرِ يومَ عرفةَ ، وأنه يخطُبُ الناسَ يومَ عرفةً ، وأن الصلاةَ
يومَ عرفةً إنما هى ظُهرٌ، وإن وافقَتِ الجمُعةَ فإنما هى ظهرٌ، ولكنها
قُصِرت من أجلِ السفرِ .
قال مالكٌ فى إمام الحاجُ إذا وافق يومَ الجُمُعةِ يومُ عرفَةَ، أو يومُ
النحرِ ، أو بعضُ أيام التشريقِ، أنه لا يُجمِّعُ فى شىءٍ من تلك الأيام .
الاستذكار مُستحبَّةٌ ، ولا شىءَ عندَهم على تاركِها إذا شهِد عرفةً فى وقتِها.
أما غُدُوُّه منها إلى عرفةَ حينَ تطلُعُ الشمسُ فحسنٌ، وليس فى ذلك عندَ
أهلِ العلمِ حدٍّ، وحَسْبُ الحاجّ البائتِ بمنَّى ليلةً عرفةَ أَلَّا تزولَ له الشمسُ يومَ
عرفةً إلا بعرفةً .
قال مالكٌ: والأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا، أن الإمامَ لا يجهَرُ بالقراءةِ(١).
فى الظهرِ يومَ عرفةً ، وأنه يخطُّبُ الناسَ يومَ عرفةَ ، وأن الصلاةَ يومَ عرفةً إنما هى
ظُهرٌ، وإن وافقَت الجمُعةَ فإنما هى ظهرٌّ، ولكنها قُصِرتِ مِن أجلِ السفرِ .
قال مالكٌ فى إمامِ الحاجّ إذا وافق يومَ الجمُعةِ يومُ عرفةً، أو يومُ النحرِ ، أو
بعضُ أيامِ التشريقِ، أنه لا يُجَمِّعُ فى شىءٍ مِن تلك الأيامِ .
قال أبو عمرَ : أجمعوا على أنه لا يَجهَرُ الإمامُ بالقراءةِ فى الصلاةِ بعرفةَ يومَ
القبس
(١) فى م: ((بالقرآن)).
٣٦٠