النص المفهرس
صفحات 321-340
الموطأ ٩٠٨ - مالك ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر کان إذا حلق فی حجّ أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه . ٩٠٩ - مالك، عن ربيعةَ بنِ أبى عبد الرحمنِ، أن رجلًا أتَى القاسمَ بنَ محمدٍ ، فقال: إنى أَفَضتُ، وأَفَضتُ معى بأهلى، ثم عدَلتُ إلى شِعبٍ ، فذهَبتُ لأدنوَ من أهلى ، فقالت : إنى لم أُقصِّرْ من أظفاره))(١) . وممن قال بهذا الحديثِ الأوزاعىُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ الاستذكار ابنُّ راهُويه، وطائفةٌ مِن التابعين قد تقدَّم ذكرُهم فى هذا الكتابِ ؛ لأَنَّ أوضَحنا القولَ فيهم فى بابٍ ما لا يوجبُ الإحرامَ مِن تقليدِ الهدي. وكان مالكٌ، والثورىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه ، لا يقولون بهذا الحديث، وقد بيًّّا وجوه أقوالِهم فى البابِ المذكورِ، وهنالك بيًّّا مذهب الشافعيِّ أيضًا . مالكٌ ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر كان إذا حلَق فی حج أو عمرة أخذمِن لحيته وشاربه (٢) وهذا معناه: لمّا كان حرامًا عليه أن يأخذَ مِن لحيته وشاربه وهو محرمٌ، رأی أن ینشك بذلك عندَ إحلالِه . مالكٌ، عن ربيعةً بنٍ أبى عبدِ الرحمنِ، أن رجلًا أتَى القاسمَ بنَ محمدٍ ، القبس .٠ (١) تقدم تخريجه فى ٢٥٧/١٠، ٢٥٨ . (٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٦٣) ، وبرواية يحيى بن بكير (١٠/٥ و - مخطوط، وبرواية أبى مصعب (١٣٩٧). وأخرجه الشافعى ٢٥٣/٧، والبيهقى ١٠٤/٥، من طريق مالك به . ٣٢١ (موسوعة شروح الموطأ ٢١/١١) الموطأ شعَرى بعدُ. فأخَذتُ من شعَرِها بأسنانى، ثم وقَعتُ بها. قال: فضحِك القاسمُ بنُ محمدٍ وقال: مُرْها فلتأخذْ من شعَرِها بالجَلَمَين . قال يحيى : قال مالكٌ: أستحِبُّ فى مثلِ هذا أن يُهَرِيِقَ دمًا؛ وذلك أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ قال: مَن نسِى من نُسكِه شيئًا فليُهرِقْ دمَاً. الاستذكار فقال: إنى أَفَضتُ، وأَفَضتُ معى بأهلى، ثم عدَلتُ إلى شِعْبٍ، فذهَبتُ لأدنوَ مِن أهلى ، فقالت: إنى لم أقصِّرْ مِن شَعَرى بعدُ . فأخَذتُ مِن شَعَرِها بأسنانى، ثم وقَعتُ بها. فضحِك القاسمُ وقال: مُؤْها فلتأخُذْ مِن شعَرِها بالجَلَمَينِ(١). قال مالكٌ: أستحِبُّ فى مثلِ هذا أن يُهْرِقَ دمًا؛ وذلك أن ابنَ عباسٍ قال : مَن نسِى مِن نُسُكِه شيئًا فليُهْرِقْ دمًّا(٢) . قال أبو عمرَ : هذا الحديثُ بَيِّنٌ، ما فيه مَدْخَلٌ للقولِ ، إِلَّ أن مِن السُنةِ إذا رمَى الجمرةَ - إن كان معه هدىّ - أن يَحِلِقَ وينحَرَ ثم يُفيضَ ، وعملُ يومِ النحرِ الحلقُ والرمىُ والإفاضةِ قد أجاز فيه جمهورُ أهلِ العلم التقديم والتأخيرَ، ومعلومٌ أن مَن طاف للإفاضةِ فقد حلَّ له النساءُ ، فلم يأتِ الرجلُ خرامًا فى فعلِه ذلك ، إلَّا أنه أساء إذ وطِئ قبلَ الحلقِ، وعليه أن يَحلِقَ كما قال له القاسمُ لا غیرُ. واستحبّ له مالكٌ الدم مع ذلك، ذكره عن ابنِ عباسٍ ، ولم يره عليه القاسمُ ؛ القبس (١) الجلَمُ: الذى يجز به الشعر والصوف والجلمان شفرتاه، يقال مثنَّى كالمقص والمقصين . اللسان (ج ل م) . والأثر فى الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/٥و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٣٩٨). وأخرجه الشافعى ٢٤٥/٧ عن مالك به . (٢) سيأتى فى الموطأ (٩٦٠). ٣٢٢ الموطأ ٠٠٠٫٠ لقولٍ رسولِ اللهِ وَلَه: ((افعَلْ ولا حَرَجَ))(١). يعنى فى التقديم والتأخيرِ فيما الاستذكار يُعْمِلُ يومَ النحرِ مِن أعمال الحجّ. ورأى (١) القاسمُ أن التقصيرَ بالأسنانِ له هذا الشأنُ ، وأجمعوا أن سُنَّةَ المرأةِ التقصيرُ لا الحِلاقُ . وقد روَى الحسنُ عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: ((لا تَحلِقُ المرأةُ رأسَها)). وقال الحسنُ: حلقُ رأسِها مُثْلَةٌ (١). فرأى القاسمُ الأُخذَ بالَلَمَينِ للمُقصِّرِ؛ لأنه المعروفُ بالتقصيرِ، كما أن المعروفَ بالحجِّ الحِلاقُ بالمُوسَى فى الحجّ. وكان مالكٌ يقولُ : الحلقُ بالمُوسَى فى غيرِ الحجِّ مُثْلَةٌ. وقال غيرُه: لمَّا كان الحلقُ بالمُوسَى نُشْكًا فى الحجّ کان فی غیرِ الحجّ حسنًا . وفى أخذِ ابنِ عمر مِن آخرٍ لحيته فى الحجِّ دليلٌ على جوازِ الأُخذِ مِن اللحيةِ فى غيرِ الحجّ؛ لأنه لو كان غيرَ جائزٍ ما جاز فى الحجّ، لأنهم أَمِروا أن يحلِقوا أو يقصِّروا، إذا حلُّوا محِلَّ حجّهم، ما نُهُوا عنه فى حجّهم. وابنُ عمرَ روَى عن النبيِّ وَّةِ: ((أَعْفُوا اللِّحى))(٤). وهو أعلمُ بمعنى ما روَى، فكان المعنى عندَه وعندَ جمهورِ العلماءِ الأُخذَ مِن اللِّحيةِ ما تطايرَ " وتفاحَش وسَمُج"، واللهُ أعلم. ورُوِى عن علىَّ رضِى اللهُ عنه أنه كان يأخذُ مِن لحيتِه ما يلى وجهَه. وقال إبراهيمُ: كانوا يأخُذون مِن عوارضٍ لِحاهم. وكان إبراهيمُ يأخذُ مِن عارضٍ لحيته . القبس (١) سيأتى فى الموطأ (٩٦٢). (٢) فى م: ( روی )). (٣) ينظر المغنى ١٢٤/١. (٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٨٣١) من الموطأ . (٥ - ٥) سقط من : م . ٣٢٣ الموطأ ٩١٠ - مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه لقِى رجلاً من أهلِه يقالُ له : المُجَبَّرُ . قد أفاض ولم يَحلِقْ ولم يُقصِّرْ، جهِل ذلك، فأمَره عبدُ اللهِ أن يرجعَ، فَيَحلِقَ أو يُقصِّرَ، ثم يرجعَ إلى البيتِ فيُفيضَ . الاستذ کار وعن أبى هريرةَ أنه كان يأخذُ مِن اللحيةِ ما فضَل عن القبضةِ. وعن ابن عمر مثلُ ذلك. وعن الحسنِ مثلُه . وقال قتادةُ : ما كانوا يأخُذون مِن طولها إلا فى حجّ أو عمرةٍ، كانوا يأخُذون مِن العارضَين. كلُّ ذلك مِن (( كتابٍ ابنٍ أَبی شيبةَ)) بالأسانيدِ (١). أخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنى قاسمٌ، قال: حدَّثنى الخُشَنِىُ، قال : حدَّثنی محمدُ بنُ أُبی عمر العدَنُ ، قال: حدّثنی سفيان ، قال : حدّثنی ابُ أبی نجیح ، عن مجاهدٍ ، قال : رأیتُ ابن عمر قبض على لحيته يوم النحرِ ، ثم قال للحَجَّامِ : خُذْ ما تحتَ القبضةِ . مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه لقِى رجلًا مِن أهلِه يقالُ له : المُجَّرُ. قد أفاضَ ولم يحلِقْ ولم يقصِّز، جهِل ذلك، فأمَرِه عبدُ اللهِ أن يرجعَ، فيحلِقَ أو يقصِّرَ، ثم يرجِعَ إلى البيتِ فِيُفِيضَ(١). قال أبو عمرَ: القولُ فى معنى الحديثِ قبلَه يُغنى عن القول فيه . القبس (١) ينظر ابن أبى شيبة ٣٧٤/٨ - ٣٧٦. (٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥١٢)، وبرواية يحيى بن بكير (١٠/٥ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٣٩٩) . ٣٢٤ ٢ الموطأ ٩١١ - مالكٌ، أنه بلغه أن سالمَ بنَ عبدِ اللهِ كان إذا أراد أن يُحرِمَ دعا بالجلَمَين فقصَّ شاربَه، وأخَذ من لحيته قبلَ أن يركَبَ ، وقبلَ أن يُهِلْ مُحرمًا . مالكٌ، أنه بلغه أن سالمَ بنَ عبدِ اللهِ كان إذا أراد أن يُحرِمَ دَعا الاستذكار بالجَلَمَينِ فَقَصَّ شاربَه، وأخَذ مِن لحيتِه قبلَ أن يركَّبَ، وقبلَ أن يُهِلَّ محرمًا . قال أبو عمرَ: هذا أحسنُ لأنه معلومٌ أن الشعَرَ يطولُ ويسمُجُ ويثقُلُ فتأهَّب لذلك، وقد فعَل رسولُ اللهِ وَهِ وطائفةٌ مِن أصحابِه فى الطّيبٍ قبلَ الإحرامِ ما يدفعُ عنهم ريحَ عرقِ أبدانهم، هذا واضحٌ والقولُ فيه تكلُّفٌ لوضوحِه . وفيه أنه جائزٌ أن يأخذَ الرجلُ مِن لحيته ، وذلك إن شاء اللهُ كما قال مالكٌ: يُؤخذُ ما تطايرَ منها وطالَ وقبح . وسيأتى القولُ فى معنى قولِه عليه السلامُ: ((أَحْفُوا الشواربَ وأعفُوا اللِّحى)). فى موضعِه مِن كتابٍ الجامعِ(١) ، إن شاء اللهُ. القبس (١) سيأتى فى شرح الحديث (١٨٣١) من الموطأ . ٣٢٥ الموطأ التلبيدُ ٩١٢ - مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال : مَن ضفَر فليَحلِقْ ، ولا تَشبَّهُوا بالتلبيدِ . ٩١٣ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: مَن عقَص رأسَه أو ضفَر أو لَّد فقد وجب الاستذكار بابُ التلبيدِ مالكٌ ، عن نافع ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال : مَن ضفَر رأسَه فليَحلِقْ، ولا تَشبَّهُوا بالتّْبيدِ(١). قال أبو عمرَ: قد رُوِى مثلُ قولٍ عمرَ () هذا عن النبيِّ ◌َ ال ◌ِ مِن وجهِ حسنٍ، ويُروى فى هذا الحديثِ: تُشبّهوا . و: تَشَّهوا. بضمٌّ التاءِ وفتحِها، وهو الصحيح، بمعنى تتشبّهوا (١) . ومَن روَى: تُشبّهوا. أراد: لا تُشبّهوا علينا(*) فتفعَلوا أفعالًا تُشبِهُ التلبيدَ الذى مِن سُنَّةٍ فاعلِه أن يحلِقَ . مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن عمرَ قال : مَن القبس (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٦١)، وبرواية يحيى بن بكير (١٠/٥ظ - مخطوط) ، وبرواية أبى مصعب (١٤٠٣). (٢) فى م: ((ابن عمر)). (٣) فى الأصل، م: ((تتشبه)). وينظر الاقتضاب ٤٤٥/١. (٤) فى الأصل، م: ((عليها)). وينظر الاقتضاب الموضع السابق. ٣٢٦ عليه الحِلاقُ . الموطأ عقَص رأسَه أو ضَفَر أو لَئِّد فقد وجَب عليه الحِلاقُ(١). الاستذكار روَى ابْنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: مَن عقَد أو لبَّد أو ضفَر أو عقَص فليَحلِقْ. وقال ابنُ عباسٍ: ما(٢) نَواه(٣). وروَى ابنُّ عُبِينةَ ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: مَن ضفَر رأسَه أو عقَص أو لبَّد فهو ما نوَى . قال: وقال ابنُ عمرَ: مَن عِقَص رأسَه أو ضفَر أو لبَّد فقد وجَب عليه الحِلاقُ(٤) . وسفيانُ ، عن أيوبَ بنِ موسى ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ مثلَه ، إلا أنه قال: فلْيحلِقْ . وبه قال مالكٌ ، والثورىُّ، والشافعىُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ . قال أبو عمرَ : قولُ ابنِ عباسٍ: هو ما نَواه . يريدُ: من حلْقٍ أو تقصيرٍ فى حينٍ عَقْصِه أو ضَفْرِهِ أو تَلْبيدِه. وقد قالت به فرقةٌ. وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إن قصّر المُلِّدُ لرأسِه بالمِقْراضِ أو بالمِقصِّ أجزأه . القبس (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/٥ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٤٠٤). وأخرجه البيهقى ١٣٥/٥ من طريق مالك به . (٢) سقط من : م . (٣) أخرجه البيهقى ١٣٥/٥ من طريق ابن جريج به . (٤) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٤٥ عن ابن عيينة به . ٣٢٧ الموطأ الصلاةُ فى البيتِ وقصرُ الصلاةِ وتعجيلُ الْخُطبةِ بعرفةً ٩١٤ - مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ الاستذكار قال أبو عمرَ : التلبيدُ سنةُ الحلقِ، وذلك أنه لمَّا لَئِّد رأسَه بالخَطْمِئِّ وما أَشبَهَه مما يَمْنَعُ وصولَ الترابِ إلى أصولِ الشَّعَرِ وقايةً لنفسِه، رأى له العلماءُ أَلَّ يَقتصِرَ على التقصيرِ دونَ الحِلاقِ مع أنه سُنَّةٌ؛ لقولِه وَّهِ: ((لَّدتُ رأسى))(١). ثم حلَق ◌َلِّ رَأْسَه ولم يقصِّرْ فى حَجَّتِه . ومعنى التلبيدِ أن يجعلَ الصَّمْغَ فى الغسولِ ، ثم يلطّخَ به رأسَه إذا أراد أن يحرِمَ ؛ ليمنعَه ذلك مِن الشَّعَثِ ولِما ذكرنا . والعَقْصُ: أن يجمَعَ شعره فى قَفاه، وهذا لا يمكنُ إلا فى قليلِ الشعَرِ. فرأى عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ عنه فیمَن فعَل شيئًا مِن ذلك أن الحلاقَ عليه واجبٌ . وهذا عندَ العلماءِ وجوبُ سُنَّةٍ ، ومعنی قوله : لا تشبّهوا بالتلبیدِ . أی : لا تفعلوا أفعالا حکمُها حکمُ التلبیدِ مِن العَقْصِ والضَّفْرِ ونحوِه، ثم تقصِّرون ولا تحلِقون وتقولون: لم نُلبِّدْ. يقولُ: فمَن عقَص أو ضفَر فهو مُلَبِّدٌ وعليه ما على المُلِّدِ مِن الحِلاقِ . التمهید مالِكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وََّهِدَخَلَ الكعبةَ هو القبس (١ - ١) فى م: ((والذى عليه العلماء أن لا تقصير)). (٢) تقدم فى الموطأ (٩٠١). ٣٢٨ الموطأ وَ لِّ دخَل الكعبةَ هو وأُسامةُ بنُ زيدٍ ، وبلالُ بنُ رباح ، وعثمانُ بنُ طلحةَ الحَجَبىُ ، فأغلَقها عليه ومكث فيها . قال عبدُ اللهِ : فسألتُ بلالًا حينَ خرَج: ما صنَع رسولُ اللهِ وَلّهِ؟ فقال: جعَل عمودًا عن یساره ، وعمودین عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ۔ و کان البیتُ يومئذٍ على ستةِ أعمدةٍ - ثم صلَّى . التمهيد وأسامةُ بنُ زيدٍ ، وعثمانُ بنُ طلحةَ الحَجَبِىُّ، وبلالٌ ، فأغْلَقَها عليه ومَكَثَ فيها. قال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: فسَأَلْتُ بلالاً حينَ خَرَجَ: ماذَا صَنَعَ رسولُ اللهِ وَ﴾؟ فقال: جَعَلَ عمودًا عن يمينه، وعَمُودَيْن عن يَسَارِهِ، وثلاثةَ أعْمِدَةٍ وَرَاءَه - وكان البيتُ يَوْمَئِذٍ على سِتَّةِ أعْمِدَةٍ - ثُمَّ صَلَّى (١). قال أبو عمرَ: هكذا رَوَاه جماعَةٌ مِن رُوَاةِ((المُوَطَّأُ)) عن مالكٍ ، قَالُوا فيه: عمودًا عن يمينِه ، وعَمُودَيْن عن يَسَارِهِ. منهم يحيى بنُ يحيى النيسابورىُّ(٢)، وبِشْرُ بنُ عمرَ الزَّهْرَانِىُّ (١) . وكذلكَ رَوَاه الرَّبِيعُ، عن الشافعىِّ، عن مالكٍ(٤). ورواه عثمانُ بنُ عمرَ، عن مالكِ، فقال فيه: جعَلَ عَمُودَيْنِ عن يَمِينِه ، وعَمُودَيْنِ عَن يَسَارِهُ(١) . وَرَوَى أبو قِلابَةً، عن بِشْرِ بنِ عمرَ، عن القبس (١) أخرجه البخارى (٥٠٥) من طريق مالك به . (٢) أخرجه مسلم (٣٨٨/١٣٢٩). (٣) ذكره ابن حجر فى فتح البارى ٥٧٩/١ . (٤) الشافعى فى مسنده ١٨٥/١ (٢٠١ - شفاء العى). (٥) ذكره ابن حجر فى فتح البارى ٥٧٩/١، وأخرجه الرويانى (٧٤٩) من طريق عثمان بن عمر به، وقال فيه : «عمودين عن يمينه وعمودًا عن يساره)). ٣٢٩ : ٠ الموطأ التمهید مالك: عَمُودًا عن يَمِينِه، وعَمُودًا عن يَسارِهُ ) . وكذلك رَوَاه إسحاقُ بنُ الطَّبَاعِ، عن مالكِ(١١) ، وقد رُوِىَ ذلك عن ابنٍ مَهْدِىِّ، عن مالك فى هذا الحديث: جعَلَ عمودين عن يمينه، وعمودًا عن يَسارِهِ. وكذلك رَوَاه ◌ُنْدَارٌ عنه. وكذلك رَوَاه الزَّغْفَرَانِىُ، عن الشَّافِعِىِّ، عن مالكِ. وكذلك رَوَاه القعنبيُّ )، وأبو مصعبٍ(٥)، وابنُ بكيرٍ (١)، وابنُ القاسم (١) ، ومحمدُ بنُ الحسنِ الفقيةُ (١)، عن مالكٍ. ورَوَت طائِفَةٌ مِن رُوَاةِ ((المُوَطَّأُ))، عن مالكِ هذا الحديثَ ، وانْتَهِى حَدِيثُهم إلى : ثم صَلَّى . وزادَ ابنُ القاسِم فى هذا الحديث عن مالكِ يإِسْنَادِه هذا: وجعَلَ بَيْنَه وبينَ الجِدَارِ نحوَ ثَلاثَةٍ أُخْرُعِ . ورَوَاه ابْنُ عُفَيْرٍ(٩) ، وابنُ وَهْبٍ (١٠)، وابنُ مَهْدِئٍّ، عن مالكٍ كما رَوَاه ابنُ القاسِم ، إلَّ أنَّهم قالُوا: ثَلاثَةً أذْرُع. ولم يقُولُوا : نحوَ. القبس (١ - ١) سقط من : ق ، ن . (٢) ينظر فتح البارى ٥٧٩/١ . (٣) أخرجه أحمد ١٥٤/١٠ (٥٩٢٧) من طريق إسحاق به ، وفيه: ((عمودين عن يمينه وعمودًا عن يساره)). (٤) أخرجه أبو داود (٢٠٢٣)، والشاشى (٩٤٦)، والطبرانى (١٠٤١) من طريق القعنبى به. (٥) الموطأ برواية أبى مصعب (١٣٢٨). (٦) أخرجه البيهقى ٣٢٧/٢ من طريق يحيى بن بكير به . (٧) أخرجه النسائى (٧٤٨) من طريق ابن القاسم به . (٨) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٨٠). (٩) فى ق : ((عمر)). (١٠) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٨٩/١ من طريق ابن وهب به، إلا أن فيه: ((نحو)). ٣٣٠ الموطأ التمهيد حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بَكْرٍ، قال: حدّثنا أبو داودَ ، قال: حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ إِسْحَاقَ الأُذْرَمِىُ، قال: حدّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٌّ، عن مالك ، عن نافعٍ ، عن ابنٍ عمر بهذا الحديث ، لم يَذْكُرِ السَّوَارِىَ. قال: ثم صلَّى و(١) بَيْنَه وبينَ القبلةِ ثلاثةُ أفْرُعٍ(). وحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسِمٍ، حدَّثنا علىُّ بنُ الحَسَنِ بنِ عَلَّانَ الحَرَّانِىُّ، حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ بنِ عِيسَى بنِ رُزَيْنِ العَطَّارُ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ الجَّاحِ، حدَّثْنَا شَبَابَةُ بنُ سَوَّارٍ، حدَّثنا مالِكُ بنُ أَنَسٍ ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ ، قال : صلَّى رسولُ اللهِ وَ لَه فى الكعبةِ وبَيْنَه وبينَ الحائِطِ ثلاثةُ أَذْرُعِ. ورَوَى هشيمٌ هذا الخَّبَرَ عن ابنِ عَوْنٍ ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، فزادَ فيه الفضل بن عباسٍ . حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا هشيمٌ، قال : أخبرنا ابنُ عَوْنٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: دخَلَ رسولُ اللهِ وَّهِ البَيْتَ ومعه الفضلُ بنُ عباسٍ ، وأسامةُ بنُ زَيْدٍ ، وعثمانُ بنُ طلحةَ، وبلالٌ، فأجَافُوا(٤) القبس (١) سقط من : م . (٢) أبو داود (٢٠٢٤). وأخرجه أحمد ١٥٤/١٠، ٣٥٤ (٥٩٢٧، ٦٢٣١) من طريق ابن مهدى به بذکر السواری . (٣) فى م: ((علال)). وينظر سير أعلام النبلاء ٢٠/١٦. (٤) أجاف الباب : أى ردَّه عليه. ينظر النهاية ٣١٧/١. ٣٣١ *. الموطأ عليهم البابَ ، فمَكَثَ فيه ما شاءَ اللهُ ثم خَرَجَ. قال ابنُ عمرَ : فكان أوَّلَ مَن لَقِيتُ بلالٌ، فقلتُ: أينَ صلَّى رسولُ اللهِ ◌ِّهِ؟ فقال: بينَ الأُسْطُوانَقَيْن(١). التمهید ورَوَاه خالِدُ بنُ الحارثِ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ مثْلَه بِمَعْنَاه، ولم يَذْكُرٍ (١) الفضلَ بنَ عباسٍ. وقال فيه: فقلتُ: أينَ صلَّى رسولُ اللهِ وَلِّ؟ فقالُوا: هلهنا. ونَسِيتُ أنْ أَسْأَلَه كم صَلَّى(٢)؟ ورَوَى هذا الخبرَ ابنُّ أَبِى مُلَئِكَةً ، عن ابنِ عمرَ، قال فيه : فسألتُ بلالًا: هل صلَّى رسولُ اللهِ وَِّ فِى الكعبةِ؟ فقال: نعم، ركعتين بينَ السَّارِيَتَيْن. ففى هذا الحديثِ أنَّه صلَّى فيها(٤) ركعتين، وهذا خلافُ ما تقَدَّمَ. رَوَاه يحيى القَطَّانُ، عن السائبِ بنِ عمرَ، عن ابنِ أبِى مُلَئِكَةً(٦) . وفى هذا الحديثِ أيضًا روايةُ الصَّاحبِ عن الصَّاحِبِ. ورَوَى عبدُ اللهِ بنُّ عباسٍ، عن أسامةَ بنِ زَيْدٍ، قال: دخَل رسولُ اللهِ اِهِ الكعبةَ فسَبَّعَ أو كَبَّرَ فى نَواحِيها ولم يُصَلِّ فيها، ثم خرَجَ فصَلَّى خلفَ المَقَامِ قِبَلَ القبس (١) النسائى (٢٩٠٦)، وفى الكبرى (٣٨٨٩). وأخرجه أحمد ٣٥/٨ (٤٤٦٤) عن هشيم به . (٢) فى ن : ((يزد)) . (٣) أخرجه مسلم (٣٩٢/١٣٢٩)، والنسائى (٢٩٠٥) من طريق خالد بن الحارث به . (٤) فى الأصل ، ق، م : ((فيهما) . (٥) بعده فى الأصل ، م : ((و). (٦) أخرجه أحمد ٣١٩/٣٩ (٢٣٨٨٥)، والنسائى (٢٩٠٧)، والرويانى (٧٤١) من طريق يحبى به . ٣٣٢ الموطأ الكعبة ركعتين، ثم قال: ((هذه القبلةُ))(١) . التمهيد قال أبو عمرَ: روايةُ ابنِ عمرَ، عن بلالٍ ، عن النبيِّ وَ لّ آنَّه صلَّى فى الكعبةِ أَوْلَى مِن روايةِ ابنِ عباسٍ، عن أسامةً، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ لم يُصَلِّ فيها؛ لأنَّها زيادةٌ مقبولةٌ؛ وليس قولُ مَن قال: لم يَفْعَلْ . بشهادةٍ . وهذا أصلٌ مِن أصولٍ الفقه فى الشهادة إذا تعارَضَتْ فی نحو هذا ، فأثبتَ قومٌ شيئًا ونَفَاه آخرون ، كان القولُ قولَ المُثْبِتِ دُونَ الثَّافِى؛ لأَنَّ النَّافِىَ ليس بشاهِدٍ؛ هذا إذا اسْتَوَيًا فى العدالةِ والإتقانِ، والقولُ فى قَبُولِ زِيادَةِ الزَّائِدِ فى الأخبارِ على نَحْوِ هذا؛ لأُنَّ الزِّيَادَةَ كشَهادَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ . أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أَسَدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ(١) بنُّ محمدٍ، وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً بنٍ مغيرةَ، قالا : حدَّثنا أحمدُ بنُّ شعيبٍ ، قال : أخبرنا أحمدُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا أبو نعيم، قال: حدَّثنا سَيْفُ بنُّ سليمانَ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: أُذِنَ(١) ابنُ عمرَفى منزله، فقيل: هذا رسولُ اللهِ بِّهِ قد دخَلَ الكعبةَ. قال: فأقْبَلْتُ فَأَجِدُ رسولَ اللهِ نَّه قد خرَجَ، وأَجِدُ بلالاً على البابِ قائِمًا، فقلتُ: يا بلالُ، أصلَّى القبس (١) أخرجه أحمد ٨٧/٣٦، ١٣٨ (٢١٧٥٤، ٢١٨٠٩)، ومسلم (١٣٣٠)، والنسائى (٢٩١٧) من طريق ابن عباس به . (٢) فى ن: ((أحمد)). (٣) فى الأصل، ن، م: ((أوذن))، وفى مصادر التخريج عدا الكبرى: ((أتى )). ٣٣٣ الموطأ التمهيد رسولُ اللهِ وَّله فى الكعبةِ؟ قال: نعم. قلتُ: أينَ؟ قال: ما بينَ هاتين الأُسْطُوانَتَيْن ركعتين، ثم خرَجَ فصلّى ركعتين فى وجهِ الكعبةِ(١). وعندَ مجاهدٍ فى هذا حديثٌ آخَرُ؛ حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ بَكْرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حربٍ ، قال : حدَّثنا جَرِيرٌ، عن تَزِيدَ بن أبى زيادٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن عبد الرحمنِ بنِ صَفْوَانَ، قال: قلتُ لعمرَ بنِ الخطابِ: كيفَ صَنَعَ رسولُ اللهِ وَلِّ حِينَ دخَلَ الكعبةَ؟ قال: صلَّى ركعتين (١). فهذه آثارٌ تَشْهَدُ لصحةٍ قولِ ابنِ عمرَ عن بلالٍ؛ أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ صِلَّی فيها الصلاةَ المعهودةَ لا الدعاءَ . واخْتَلَفَ الفقهاءُ فى الصلاةِ فى الكعبةِ ؛ الفريضةِ والنافلةِ ، فقال مالك : لا يُصَلَّى فيها الفرضُ ولا الوتْرُ، ولا ركعتا الفجرِ ولا ركعتا الطَّوَافِ، ويُصَلَّى فيها التَّطَوَّمُ. وذكَرَ ابنُ خوازِبَتْدَادَ عن مالكِ وأصحابِه فيمنْ صلَّى فى الكعبةِ الفريضةً أو صلَّى على ظَهْرِها؛ أعادَ ما دامَ فى الوَقْتِ فى المسألتين جميعًا. وقال القبس (١) النسائى (٢٩٠٨)، وفى الكبرى (٣٨٩١). وأخرجه البخارى (١١٦٧)، والبيهقى ٣٢٨/٢ من طريق أبى نعيم به ، وأخرجه أحمد ٣٣٣/٣٩ (٢٣٩٠٧)، والبخارى (٣٩٧)، وابن خزيمة (٣٠١٦) من طريق سيف بن سليمان به . (٢ - ٢) فى النسخ: ((عبد الله)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٨٦/١٧. (٣) أخرجه البيهقى ٣٢٨/٢ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٢٠٢٦) . وأخرجه أحمد ٣٢٠/٢٤ (١٥٥٥٣)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣٩١/١ من طريق جرير به. ٣٣٤ الموطأ التمهید الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، والثورىُّ: يُصَلِّى فى الكعبةِ الفرضَ والنوافلَ كلَّها . وقال الشافعىُ: إنْ صلَّى فى جَوْفِها مُسْتَقْبِلًا حائطًا مِن حيطانِها، صَلاتُه جائِزَةٌ، وإنْ صلَّى نحوَ البابِ والبابُ مفتوحٌ فصَلاتُه باطلةٌ ؛ لأَنَّه لم يَسْتَقْبِلْ منها شيئًا . وقال مالكٌ: مَنْ صلَّى على ظهر الكعبة مكتوبةً أعاد فى الوقْتِ . وقد رُوِیّ عن بعضٍ أصحابٍ مالكِ: يُعِيدُ أَبَدًا. وقال أبو حنيفةَ: مَنْ صلَّى على ظهرِ الكعبةِ فلا شىءَ عليه. واختلفَ أهلُ الظَّاهِرِ فيمنْ صلَّى فى الكعبةِ؛ فقال بعضُهم: صلاتُه جائزَةٌ . وقال بعضُهم: لا صلاةَ له فى نافلةٍ ولا فى فريضةٍ ؛ لأنَّه قد اسْتَذْبَرَ بعضَ الكعبةِ . واخْتَجَّ قائلُ هذه المقالةِ بقولِ ابنِ عباسٍ: أُمِرَ الناسُ أنْ يُصَلُّوا إلى الكعبةِ، ولم يُؤْمَرُوا أَنْ يُصَلُّوا فيها . قال أبو عمرَ: لا يَصِحُ فى هذه المسألةِ إلَّا أَحَدُ قولين؛ إمَّا أنْ يكونَ مَن صلَّى فى الكعبةِ صَلاَتُه تامَّةٌ فريضةٌ كانتْ أو نافلةً ؛ لأَنَّه قد اسْتَقْبَلَ بعضَها ، وليس عليه إلَّ ذلك، أو تكونَ صَلاَتُه فاسِدَةً فريضةٌ كانتْ أو نافلةً ؛ مِن أَجْلِ أَنَّه لم يَحْصُلْ له اسْتِقْبَالُ بَعْضِها إذا صلَّى داخِلَها إِلَّا باستدبارِ بعضِها، ولا يجوزُ ذلكَ عندَ مَن ذهَبَ إلى أنَّ الأَمْرَ بالشىءِ نَهْىٌّ عن جمیع أُضْدَادِہ فی کُلِّ بابٍ ، والصوابُ مِن القَوْلِ فى هذا البابِ عندِى قولُ مَن أجازَ الصَّلاةَ كلَّها فى الكعبةِ إذا اسْتَقْبَلَ شيئًا منها؛ لأَنَّه قد فَعَلَ ما أُمِرَ به، ولم يَأْتِ ما نُهِىَ عنه؛ لأنَّ استدبارَها هلهُنا ليس بضِدِ استقبالِها؛ لأَنَّه ثابتٌ معه فى بَعْضِها، والضِّدُّ لا يثبتُ مع ضِدِّه، ومعلوم أنَّ المأمور باستقبال الكعبة لم يُؤْمَر باستقبال جميعها ، وإِنَّمَا تَوَّهَ الخطابُ إليه باستقبالِ بعضِها ، والمُصَلَّى فى جَوْفِها قد اسْتَقْبَلَ جِهَةٌ القبس ٣٣٥ الموطأ التمهيد منها وقِطْعَةً ( وناحِيَةً)، فهو مُسْتَقْبِلٌ لها بذلك، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ وَّ أنَّه صلَّى فيها ركعتين، وهو المُبَيِّنُ عن اللهِ مُرَادَه، وكلُّ مَوْضِعِ تجوزُ فيه صلاةٌ النافلةِ جازَتْ فيه صلاةُ الفريضةِ قياسًا ونَظَرًّا، إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِن ذلك ما يجِبُ التَّسْلِيمُ له، على أنَّه لا يجِبُ لأُحَدٍ أنْ يتَعَمَّدَ صلاةَ الفريضةِ فيها، ولو صلَّى فيها ركعتين نافلةً لم يَكُنْ بذلك بأس، فإنْ صلَّى أَحَدٌ فيها فريضةً فلا حرج ولا إِعادَةَ، فإنْ قيل: إنَّ النافلةَ قد تجوزُ على الدَّابَّةِ للمسافرِ إلى غيرِ القبلةِ ولا تجوزُ كذلكَ الفريضةُ؛ فلِمَ قيسَتِ النافلةُ على الفريضةِ؟ قيل له: ذلك مَوْضِعُ خُصُوصٍ بالسُّنَّةِ لضرورةِ السَّفَرِ، كما تجوزُ صلاةُ الفريضةِ للخائفِ المَطْلُوبِ راكِبًا مُسْتَقْبِلَ القبلةِ وغيرَ مستقبلها لضرورة الخوف ، وليس ذلك بِمُبِيحٍ له الصَّلاةَ المفروضةَ على الدَّابَّةِ فى حالِ الأَمْنِ مِن غيرِ ضرورةٍ، ولا بمُبِيحِ ذلك له تَوْكَ استقبالِ القبلةِ مِن غيرِ ضرورةٍ، وكذلك الصَّلاةُ على الدَّايَّةِ للمُتَطَوِّعِ المسافرِ ليس ذلك بمُبِيح له الصَّلاةَ النافلةَ ولا الفريضةَ على الأَرْضِ إلى غيرِ القبلةِ فى الحَضَرِ؛ لأَنَّها فى السَّفَرِ حالُ ضرورةٍ، خُصَّتْ بالسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ، وأَمَّا غيرُ ذلك مِمَّا تَنَازَعَ فيه العلماءُ مِن هذا البابِ، فالواجِبُ ألّ يُفَوَّقَ فيه بينَ صلاةِ النافلةِ والفريضةِ، كما أنَّها لا تَفْتَرِقُ فى الطهارة، واستقبالِ القبلةٍ، وقراءةِ القرآنِ ، والسَّهْوِ، وسائرِ الأحكامِ . وباللهِ التوفيقُ . القبس (١ - ١) فى ن: ((واجبة)). ٣٣٦ الموطأ ٩١٥ - مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ ، أنه قال : كتَب عبدُ الملكِ بنُ مروانَ إلى الحَجَّاجِ بنِ يوسفَ؛ أَلَّا تُخالفَ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ فى شىءٍ من أمرِ الحجّ . قال: فلما كان يوم عرفةً جاءه عبدُ اللهِ بنُ عمرَ حينَ زالتِ الشمسُ وأنا معه ، فصاح به عندَ سُرادقِه : أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو التمهيد داودَ ، قال: حدَّثنا القعنبىُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ الدَّرَاوَرْدِىُّ، عن عَلْقَمَةَ بنِ أبِى عَلْقَمَةَ، عن أُمُّه، عن عائشةَ، أَنَّها قالت: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ البيتَ وأُصَلِّىَ فيه، فَأَخَذَ رسولُ اللهِ وَّهِ بِيَدِى فَأَدْخَلَنِى فى الحِجْرِ، فقال: ((صَلِّ فِى الحِجْرِ إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ البيتِ ؛ فإِنَّمَا هو قطعةٌ من البيتِ ، فإِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حينَ بَنَوا الكعبةَ فأخْرَ جُوه من البيتِ ))(١). قال أبو عمرَ: لو مِلْتُ إلى قولٍ أُسَامَةً وابنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ حِينَ دخلَ الكعبةَ دَعَا فيها ولم يُصَلِّ، لم أَجِزْ فيها نافلةً ولا فريضةٌ من جهةٍ استدبارِ بعضِها، ولكنَّ القولَ بالزيادةِ المفسّرةِ لمعنى الصَّلاةِ أَوْلَى، وروايةُ مَن أَثْبَتَ أَوْلَى من روايةٍ مَنْ نَفَى، واللهُ أعلمُ، وبه التوفيقُ لا شريكَ له. مالك ، عن ابن شهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ ، أَنَّه قال: كتَبَ عبدُ المَلِكِ ٠ القبس (١) أبو داود (٢٠٢٨). وأخرجه أحمد ١٦٣/٤١ (٢٤٦١٦)، والنسائى (٢٩١٢) من طريق عبد العزيز به . ٣٣٧ (موسوعة شروح الموطأ ٢٢/١١) الموطأ أين هذا؟ فخرج عليه الحَجَّاجُ وعليه مِلْحَفةٌ مُعصفَرةٌ ، فقال : ما لك يا أبا عبد الرحمنِ؟ فقال: الرَّواعَ إن كنتَ تُريدُ السُّنةَ. فقال: أهذه الساعةَ ؟ قال : نعم. قال : فأنظِرْنى حتى أُفيضَ علىَّ ماءً ثم أُخرُجَ . فنزَل عبدُ اللهِ بنُ عمرَ حتى خرَج الخَّاجُ ، فسار بينى وبينَ أبى ، فقلتُ له : إن كنت تريدُ أن تُصيبَ السُّنةَ اليومَ، فاقصُرِ الخُطبةَ، وعجّلٍ الصلاةَ . قال : فجعَل ينظرُ إلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ كيما يَسمعَ ذلك منه ، فلما رأى ذلك عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ، قال : صدَق . التمهيد ابنُّ مروانَ إلى الحَجَّاجِ بنِ يُوسُفَ؛ ألَّا تخالفَ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ فى ( شيءٍ من) أَمْرِ الحَجِّ. قال: فَلَمَّا كان يومُ عَرَفَةَ جاءَه عبدُ اللهِ بنُّ عمرَ حينَ زاغَتِ الشَّمْسُ وأَنا معه، فصَاحَ به عندَ سُرَادِقِه: أينَ هذا؟ فخَرَجَ إليه الحَجَّاج وعليه مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ ، فقال: مَا لكَ يا أبا عبدِ الرحمنِ ؟ فقال: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنةً. فقال : أهذه السّاعَةَ؟ قال: نعم. قال: فَأَنْظِرْنِى حتى أَفِيضَ علَىَّ ماءً ثم أخْرُجَ . فَزَلَ عبدُ اللهِ حتى خرَجَ الحَجَّاجُ، فسارَ(١) بَيْنِى وبينَ أَبِى، فقُلْتُ له : إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ ، فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ، وَعَجّلِ الصَّلاةَ. قال: فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ كَيْمَا يَشْمَعَ ذلك منه، فلَمَّا رَأَى ذلك عبدُ اللهِ، قال: صَدَقَ (٢). القبس (١ - ١) سقط من : ى، م. (٢) فى النسخ: ((فصار)). والمثبت من مصادر التخريج. (٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/٥ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٤٥٥). وأخرجه البخارى (١٦٦٠، ١٦٦٣)، والنسائى (٣٠٠٥، ٣٠٠٩)، وابن خزيمة (٢٨١٠، ٢٨١٤) من طريق مالك به . ٣٣٨ الموطأ قال أبو عمرَ: هذا الحديثُ يُخَرَّجُ فى المُسْنَدِ لقَوْلِ عبدِ اللهِ بنِ عِمرَ التمهيـ للحَجَّاجِ: الرَّوَاحَ هذه السَّاعَةَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنةَ. ولقَوْلِ سالمٍ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ، فاقْصُرِ الخُطْبَةَ، وعَجّلِ الصَّلاةَ . وقَوْلِ ابنِ عمرَ: صَدَقَ. ورَوَى مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِىِّ أَنَّه كان شاهِدًا مع سالِم وأَبِيه هذه القِصَّةَ مع الحَجَّاجِ. وذكَرَ ذلك عبدُ الرَّزَّاقِ(١) وغيرُه، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ. وذلك عندَ بعضٍ ١١ أهْلِ العِلْمِ وَهْمٌ مِن مَعْمَرٍ . وقال يحيى بنُ مَعِينٍ: وَهَمَ فى ذلك مَعْمَرٌ ، وابنُ شهابٍ لم يَرَابنَ عمرَ ولا سَمِعَ منه شيئًا . وقال أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ صالِحٍ: وقد رَوَى الزُّهْرِىُّ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ نَحْوَ ثلاثَةٍ أَحادِيثَ . قال أبو عمر : هذا مِئَّا لا يُصَحِحُه أحدٌ سَمَاعًا ، وليس لابن شهابٍ سَماعٌ مِن ابنِ عمرَ غيرَ حديثٍ مَعْمَرٍ هذا إِنْ صَحَّ عنه . وأمَّا محمدُ بنُ يحيى الذُّهْلِىُّ القبس وجاء بعده فى ى، م : «قد ذكرنا عبد الملك بن مروان فى غير موضع من كتبنا وأما الحجاج = فهو الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل الثقفى أمه فارعة بنت همام بن عقيل بن عروة بن مسعود الثقفى كانت قبل أبيه تحت المغيرة بن شعبة كان الحجاج عند جمهور العلماء أهلا ألا يروى عنه ولا يؤثر حديثه ولا يذكر بخير لسوء سره وإفراطه فى الظلم ومن أهل العلم طائفة تكفره وقد ذكرنا أخبارهم فيه بذلك فى باب مفرد له ، ولى الحجاز ثلاث سنين وولى العراق عشرين سنة قدم عليهم سنة خمس وسبعين ومات سنة خمس وتسعين ، روى سفيان بن عيينة عن سالم بن أبى حفصة قال : لما أتى الحجاج بسعيد بن جبير قال : إنه شقى بن كسير . فقال : ما أنا إلا سعيد بن جبير بذلك سمانى أبواى . قال : لأقتلنك . قال : إذن أکون کما سمانى أبى سعيدًا . وقال: دعونی أصلى ركعتين . فقال الحجاج : وجهوه إلى قبلة النصارى . فقال سعيد: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾. قال: فضرب عنقه. قال سفيان: فلم يقتل بعد سعيد بن جبير إلا رجلًا واحدًا)). (١) عبد الرزاق، كما فى سير أعلام النبلاء ٣٢٧/٥. (٢) سقط من : ى ، م . ٣٣٩ الموطأ التمهید النيسابورىُّ، فقال: مُمْكِنٌ أنْ يكونَ الزُّهْرِىُّ قد شاهَدَ ابنَ عمرَ مع سالِم فى قِصَّةِ الحَجَّاجِ . واخْتَجَّ بروايةٍ مَعْمَرٍ، وفيها: فرَكِب هو وسالِمٌ وأنا معهما حينَ زاغَتِ الشمسُ. وفيها قال الزُّهْرِىُّ: وكنتُ يومَئِذٍ صائِمًا، فَلَقِيتُ مِنَ الحَرِّ شِدَّةً . قال محمدُ بنُ یحیی: وقد رَوَی ابنُ وَهْبٍ ، عن عبدِ اللهِ الُمَرِئِّ، عن ابن شهاب نحوَ روایة مَعْمَرٍ فی حديثه ، قال ابنُ شهابٍ : وأصابَ الناسَ فى تلك الحَّةِ مِن الحَرِّ شىءٌ لم يُصِبْنَا مِثْلُه. واخْتَجَّ أيضًا بأنَّ عَنْبَسَةَ رَوَى عن يُونُسَ ، عن ابنٍ شهابٍ، قال: وَفَدْتُ إلى مروانَ وأنا مُحْتَلِمٌ . قال: ومروانُ ماتَ سنّةً خَمْسٍ وستين، وماتَ ابنُ عمرَ فى تلك الحَجَّةِ ) سنَةَ ثلاثٍ وسبعين. قال : وَأَظُنُّ مَوْلِدَ الزُّهْرِىِّ سنَّةً خمسين أو نحوَ هذا، ومَوْتُه سنَةً أَرْبَعٍ وعشرين ومائَةٍ . فمُمْكِنٌّ أنْ يكونَ شاهَدَ ابنَ عمرَ فى تلك الحَجَّةِ ، فَلَسْتُ أَدْفَعُ روايةَ مَعْمَرٍ . هذا كلُّه كلامُ الذُّهْلِيِّ . وذكّرَ الحُلْوَانِىُّ، قال: سمِعتُ أحمدَ بنَ صالِح يقولُ: قد أدرَكَ الزُّهْرِىُّ الحَرَّةَ(٢) وهو بالِغْ، وعَقَلَها - أظُنُّه قال: وشَهِدَها - وكانت الحَرَّةُ فى أوَّلٍ خِلافَةِ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةً، وذلك سنَةً إحدى وستين . القبس (١ - ١) سقط من: ى. وينظر الاستيعاب ٩٥٢/٣، ٩٥٣. (٢) يوم الحرة هو يوم مشهور فى الإسلام أيام يزيد بن معاوية لما انتهب المدينة عسكره من أهل الشام الذين ندبهم لقتال أهل المدينة من الصحابة والتابعين لخلعهم يزيد بن معاوية ، وأمَّر عليهم مسلم بن عقبة المرى فى ذى الحجة سنة ثلاث وستين . والحرة : أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة، وكانت الوقعة بها . ينظر النهاية ٣٦٥/١. ٣٤٠