النص المفهرس

صفحات 281-300

الموطأ
وذکر النسائئ (١) ، عن هنَّادٍ ، عن عبدةً ، عن ابنِ أبى عروبةً ، عن مالكِ بنِ
دينارٍ، عن عطاءٍ، عن سراقةً، قال: تمتَّعنا مع رسولِ اللهِ وَلَّهِ فقلنا: أَلنا خاصَّةً
أم للأبدِ؟ فقال: ((بل للأبدِ)).
التمهيد
وهذا (" يحتمِلُ أن يكونَ التمتعَ المعروفَ، لا فسخَ الحجّ ) .
وأما حديثُ بلالِ بنِ الحارثِ المزنيّ، فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ،
قال : حدّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ زهیرٍ، قال : حدثنا يحيى بنُ
عبد الحميدِ ، وأخبرنا سعيدُ بنُّ نصرٍ، قال: حدّثنا قاسم، قال: حدّثنا محمدُ
ابنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ
الدراوردىٌّ، عن ربيعةً بن أبى عبد الرحمن، عن الحارث بن بلالٍ بن الحارثِ
المزنىٌ، عن أبيه، قال: قلتُ : يا رسولَ اللهِ، فَشْخُ الحجّ لنا خاصَّةً أم للناسِ
عامَّةً؟ قال: ((بل لنا خاصَّةً))(٣).
وحدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن يحيى
ابنِ سعيدٍ، عن المُرَقِّع، عن أبى ذرٍّ، أنه قال: إنما كان فَسْخُ الحجّ من
القبس
(١) النسائى (٢٨٠٦) .
(٢ - ٢) فى ص: ((كله يدل على صحة ما ذكرنا وبالله توفيقنا)).
(٣) تقدم تخريجه فى ٣٠٧/١٠، ٠٣٠٨
٢٨١
٠
٠٠٠٣

الموطأ
التمهيد رسولِ اللهِ وَ لَه لنا خاصَّةٌ(١).
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ، قال: حدَّثنا النفيلىُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، يعنى ابنَ محمدٍ ، قال:
أخبرنى ربيعةُ بنُّ أبى عبد الرحمنِ، عن الحارثِ بنِ بلالِ بنِ الحارثِ ، عن أبيه،
قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، فسخُ الحَجّ لنا خاصَّةٌ أم لمَن بعدَنا؟ قال: ((لكم
خاصّةً))(٢).
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، قال : حدثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا هنادُ بنُ الشَّرِئِّ، "عن ابن أبى زائدةً"، قال: حدثنا محمدُ
ابنُّ إسحاقَ، عن عبد الرحمنِ بنِ الأسودِ ، "عن سليم بن الأسود" ، أن أبا ذرً
كان يقولُ فیمن حجَّ ثم فسخها عمرةً : لم یکنْ ذلك إلا للرکبِ الذین کانوا مع
رسولِ اللهِ وَ الِه ) .
القبس
(١) أخرجه ابن حزم فى حجة الوداع ص ٣٦٠ من طريق محمد بن إسماعيل به . وهو عند
الحميدى (١٣٢، ١٣٥). وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٩٤/٢، والبيهقى ٤١/٥ من
طريق يحيى به .
(٢) أخرجه ابن حزم فى حجة الوداع ص ٣٦٢ من طريق محمد بن بكر به . وهو عند أبى داود
(١٨٠٨).
(٣ - ٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تحفة الأشراف (١١٩٢٠).
(٤) أخرجه البيهقى ٢٢/٥ من طريق محمد بن بكر بن داسة به . وهو عند أبى داود (١٨٠٧)،
ومن طريقه ابن حزم فى حجة الوداع ص ٣٦١ ، ٣٦٢.
٢٨٢

الموطأ
التمهید
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا التمهيد
أحمدُ بنُ شعیبٍ ، قال : أخبرنا إسحاقُ بُ إبراهیم ، قال : أخبرنا عبد العزیزِ ، عن
ربيعةً بن أبى عبد الرحمنِ، عن الحارثِ بنِ بلالٍ، عن أبيه، قال: قلتُ:
يا رسولَ اللهِ، أُفَسْخُ الحجّ لنا خاصّةً أم للناسِ عامَّةً؟ قال: ((بل لنا
خاصَّةً))(١).
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ معاویةً ، قال : أخبرنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا عمرُوُ(١) بنُ يزيدَ، عن عبد الرحمنِ، حدَّثنا
سفیانُ ، عن الأعمشِ وعیّاشِ العامرىِّ ، عن إبراهیم التیمئ ، عن أبيه ، عن أبى ذرّ
فى متعةِ الحجّ، قال: كانت لنا رخصةً(٢).
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ معاويةً، قال : أخبرنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال : أخبرنا بشرُ بنُ خالدٍ، قال: أخبرنا غُندرٌ، عن شعبةً ،
عن سليمانَ، عن إبراهيمَ التيمىٌّ، عن أبيه، عن أبى ذرٍّ، قال: كانت المتعةُ
رخصةً لنا (٤) .
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٣٠٧/١٠.
(٢) فى الأصل، ص، ر: ((عمران)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٠/٢٢ .
(٣) النسائى (٢٨٠٨)، وفى الكبرى (٣٧٩١). وأخرجه البزار (٤٠٠٤) من طريق سفيان به .
(٤) النسائى (٢٨١٠)، وفى الكبرى (٣٧٩٣). وأخرجه البزار (٤٠٠٣) من طريق شعبة به .
٢٨٣

الموطأ
التمهید
واخترنا محمدُ بنُ إبراهیم، قال : أخبرنا محمدُ بنُ معاویةً ، قال : حدثنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا عبدُ الأُعلى بنُ واصلٍ، قال: حدثنا أبو أسامةً،
عن وهیپٍ بنِ خالدٍ ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ طاوسٍ ، عن أبيه ، عن ابنِ عباسٍ ،
قال: كانوا يَرَوْن أن العمرةَ فى أشهرِ الحجّ من أفجرِ الفجورِ فی الأرضِ،
ويجعلون المُحَرَّمَ صَفَرَ(١)، ويقولون: إذا بَرَأْ الدَّبَرْ، وعفا الوَبَرُ()، وانسَلَخ
صَفَرْ - أو قال: دَخَل صَفَرْ - حلَّت العمرةُ لمن اعتمَرْ. فقدِم النبىُّ
وَلَه " وأصحابُه) صبيحةَ رابعةٍ مُهلِّين بالحجّ، فأمَرهم أن يجعلوها
عمرةً، فتعاظَم ذلك عندهم فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أُّ الحِلِّ؟ قال:
((الجِلُّ كُلُّه))(٤) .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ ، قال : حدثنا أبو
عبيدة بنُ أحمدَ ، قال : حدثنا أبو خالدٍ یزیدُ بنُ سنان البصرىُّ ، حدثنا مَكِّئُ بنُ
إبراهيمَ ، حدثنا مالكُ بنُ أنسٍ ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال عمر: متعتان
. كانتا على عهدِ رسولِ اللهِ وَلَّهِ، أنا أنهَى عنهما، وأعاقِبُ عليهما؛ متعةُ النساءِ
ومتعةُ الحجّ(٥).
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص٢٧٥ .
(٢) فى ص، وإحدى نسخ النسائى: ((الأثر)).
(٣ - ٣) سقط من النسخ . والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) النسائى (٢٨١٢)، وفى الكبرى (٣٧٩٥). وأخرجه أحمد ١٣١/٤ (٢٢٧٤) ، والبخارى
(١٥٦٤، ٣٨٣٢)، ومسلم (١٢٤٠) من طريق وهيب به .
(٥) أخرجه النسائى فى عمل اليوم والليلة - كما فى تذكرة الحفاظ ٣٦٦/١ - والطحاوى فى =
٢٨٤

الموطأ
وحدَّثنا سعیدُ بنُ نصرٍ ، قال : حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدثنا إسماعيلُ
ابنُ إسحاق ، قال : حدثنا سلیمانُ بنُ حرب ، قال : حدثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، عن
أيوبَ، عن أبى قلابةَ، قال: قال عمرُ. فذكَر مثلَهُ(١).
التمهيد
قال أبو عمر : فسخُ الحج فى العمرة هی المتعةُّالتی کان عمژ ینھی عنها فى
الحجّ ويعاقِبُ عليها، "لا التمتعُ" الذى أذن اللهُ ورسولُه فيه. وقال بعضُ
أصحابنا: فى أمرِ رسولِ اللهِ وَل ◌َه أصحابَه أن يفسَخُوا حبّهم فى عمرةٍ ، أوضحُ
دليل على أنه لا يجوزُ إدخالُ العمرةِ على الحجّ؛ لأنه لو جاز ذلك لم يؤمّروا
بفسخِ الحجّ فى العمرة ، إذ الغرضُ كان فى ذلك أن يُريَهم جوازَ العمرةِ فى أشهرِ
الحجّ لا غیرُ، لِما کانوا علیه من أن ذلك لا يَحِلُّ ولا یجوزُ، على ما كانوا عليه
فى جاهليتهم؛ فأراهم وَالوفسخَ ذلك وإبطالَه بعملٍ العمرة فى أشهر الحجّ ، ولو
جاز إدخالُها على الحجّ ما احتاج، واللهُ أعلمُ، إلى الخروجِ عما دخّل فيه،
واستئنافِه بعدُ؛ للمعنى المذكورِ. واللهُ الموفِّقُ للصوابِ.
وفى قولِه: نحَر رسولُ اللهِ ،وَلَه عن أزواجِه البقرَ. دليلٌ على أن نَحْرَ البقرِ
جائزٌ، وعلى جوازٍ ذلك أهلُ العلمِ ، إلا أنهم يستحبُّون الذَّبْحَ فى البقرِ؛ لقولِ اللهِ
القبس
= شرح المعانى ١٤٦/٢ عن يزيد بن سنان به .
(١) إسماعيل بن إسحاق فى جزء حديث أيوب (٤٩). وأخرجه سعيد بن منصور (٨٥٢)، وابن
حزم ١٢٧/٧ من طريق حماد به .
(٢ - ٢) فى ر: (إلا للمتمتع)).
٢٨٥
٠

٩٠١ - مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن حفصةَ أُمّ
الموطأ
المؤمنين، أنها قالت لرسولِ اللهِ وَلِّ: ما شأنُ الناس حلَّوا ولم تَحلِلْ
أنت من عمرتِك؟ فقال: ((إنى لَدْتُ رأسِى، وقلّدتُ هديِى، فلا
أَحِلُّ حتى أنحرَ)).
التمهید
عزَّ وجلَّ فى البقرة: ﴿فَذَ بَحُوهَا﴾ [البقرة: ٧١]. ولم يقلْ: فنحروها. فَذَبْحُ البقرةِ
ونحرُها جائزٌ بالقرآن والسنةِ ، والحمدُ للهِ . وقال الشافعىُّ عن مالكٍ فى هذا
الحديثِ: نحَر رسولُ اللهِ وَّله عن أزواجِه بقرةً. ومنهم من يروِيه: بقرًا. وقد
ذكرنا هذا المعنى فى بابٍ مرسلٍ ابن شهابٍ من هذا الكتاب، وذكرنا مُكْم
الاشتراكِ فى الهَدْيِ هناكُ(١)، وفى بابٍ أبى الزبيرٍ(١) ، فلا وجه لإعادةِ ذلك
هلهنا ، والحمدُ للهِ وحده .
مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن حفصةً، أنَّها قالت لرسولِ اللهِ وَله:
ما شَأْنُ الناسِ حَلُّوا وأنت لم تَحِلَّ من عمرتِك؟ فقال: ((إِنِّى لَدْتُ رَأْسى،
وقَلَّدْتُ هَدْيِى، فلا أَحِلُّ حتى أنخَرَ))(٣).
هكذا قال يحيى فى هذا الحديثِ: ما شَأْنُ الناسِ حَلُّوا وأنت لم تَحِلَّ مِن
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١٠٦١) من الموطأ .
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٠٥٩) من الموطأ .
(٣) أخرجه أحمد ٣١/٤٤ (٢٦٤٣٢)، والبخارى (٥٩١٦)، ومسلم (١٧٦/١٢٢٩) من طريق
مالك به .
٢٨٦

٠٠
الموطأ
عمرتِكَ ؟ وتابَعَه جماعَةٌ مِن الرُّوَاةِ؛ منهم عَتِيقُ الزُّبَيْرِىُّ، وعبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ التمهيد
التّيسِئُ(١)، والقَعْنَبِىُّ(٢)، وابنُ بُكَثِرٍ(٣)، وأبو مصعبٍ(٤).
وقال ابنُ القاسمِ(٥)، وابنُ وهبٍ(٦)، عن مالكِ فى هذا الحديثِ: ما شَأْنُ
الناسِ حَلُّوا بعمرةٍ ولم تَحِلَّ أنت مِن عمرتِك. والمعنى واحِدٌ عندَ أهلِ العِلْمِ .
ولم تَخْتَلِفِ الرُّواةُ عن مالكٍ فى قوله : ولم تَحِلَّ أنت مِن عمرتِك. وزَعَم
بعضُ الناسِ أَنَّه لم يَقُلْ أَحَدٌّ فى هذا الحديثِ عن نافعٍ: ولم تَحِلُّ أنت مِن
عمرتِك. إلا مالكٌ وحدَه، وجعَل هذا القولَ جَوابًا لسائِلِه عن معنى هذا
الحديث .
قال أبو عمرَ: فلا أدْرِى ممَّن أتعجّبُ (١)؛ أمِن المسئولِ الذى اسْتَحْيا أن
يقولَ : لا أدْرِى. أو مِن السَّائِلِ الذى قَنِع بمثلِ هذا الجوابِ؟ واللهُ المستعانُ.
وهذه اللَّفْظَةُ قد قالها عن نافعٍ جماعَةٌ؛ منهم مالكٌ، وعبيدُ اللهِ بنُ عمرَ()،
وأیوبُ السّخْتِیانئُ؛ وهؤلاء هم حُفّاظُ أصحابٍ نافع، والحجّةُ فیه علی مَن
خالَفَهم .
القبس
(١) أخرجه البخارى (١٥٦٦، ١٧٢٥) من طريق التنيسى به بلفظ : حلوا بعمرة .
(٢) سيأتى تخريجه ص٢٩١ .
(٣) أخرجه أبو نعيم فى مستخرجه (٢٨٥٣) من طريق ابن بكير به .
(٤) الموطأ برواية أبى مصعب (١٤٠٢) .
(٥) أخرجه النسائى (٢٧٨٠) من طريق ابن القاسم به .
(٦) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٤٤/٢ من طريق ابن وهب به .
(٧) فى ق: ((العجب )) .
(٨) تقدم تخريجه فى ٢٠٩/١٠، وسيأتى تخريجه ص٢٩٢، ٢٩٣.
٢٨٧

الموطأ
التمهید
ورَواه ابنُ جريجٍ، عن نافعٍ، فلم يَقُلْ: مِن عمرتِك.
٠
أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُّ مروانَ ، حدثنا الحسنُ بنُ يحيى القُلْزُمُ ، حدَّثنا
أحمدُ بنُ زید بن هارون ) ، حدثنا محمدُ بنُ یحیی بنِ ابی عمرَ ، قال : حدثنا
هشامُ بنُّ سليمانَ وعبدُ المجیدِ ، عن ابن جريج، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، قال :
حدَّثتنى حفصةُ، أنَّ النبيَّ بِّهِ أُمَرَ أزواجَه أن يَحْلِلْنَ عامَ حَبَّةِ الوَداع، قالت
حفصةٌ : فقُلْتُ : ما يَعْنَعُك أن تَحِلَّ؟ قال: ((إِنِّى قَلَّدْتُ هَدْيِى، ولَدْتَ رَأْسِى،
فلا أَحِلُّ حتى أنحَرَ هَذْیی))(٢).
قال أبو عمر: قد عَلِم کلّ ذی علم بالحديثِ اُنَّ مالکا فی نافع وغيرِهِزِیادَتُه
مقبولَةٌ ؛ لموضِعِه مِن الحِفْظِ والإتقانِ والتَّبَتِ ، ولو زاد هذه اللفظةَ مالكٌ وحدَه
لكانت زِيادَتُهُ(١) مقبولَةً؛ لِفِقْهِه وفهمِه وحِفْظِه وإتقانِهِ، وكذلك كلٌّ عَدْلٍ
حافِظٍ ، فكيف وقد تابَعَه مَن ذكَرْنا؟ ولكنَّ المسئولَ لمَّا رَأى حديثَ حفصةً
هذا يُوجِبُ أنَّ النبيَّ مَ ل﴿ كان مُتَمَتِّعًا فى حَجْتِه أو قارِنًا ، ولابُدَّمِنإحدَى هاتَیْن
الحالَتَيْن على حديثٍ حفصةَ هذا، وعَرَف أنَّ مالِكًا كان يذْهَبُ إلى أنَّ رسولَ
اللهِ وَلِ كان مُفْرِدًا فى حَجَّتِه تلك؛ لحديثِه عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسِمِ، عن
أبيه، عن عائِشَةً(٤) . ولحديثِه عن أبى الأسودِ وابنِ شِهابٍ جميعًا، عن عروةَ،
القبس
(١) فى م: ((مروان)).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٩/١٢٢٩) عن ابن أبى عمر به .
(٣) فى ن: ((زيادة)).
(٤) تقدم فى الموطأ (٧٥٢) .
٢٨٨

الموطأ
عن عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ ◌ِ أَفْرَدِ الحَجّ(١) - دفَعَ حدیثَ حفصةً بما لا وجه
له، وزَعَم أنَّ مالكًا انفرَدَ بقولِه : ولم تَحِلَّ أنت مِن عمرتِك .
التمهيد
قال أبو عمرَ : فلم يَنْفَرِدْ بها مالكٌ، ولو انفرَدَ بها ما نَسَب أَحَدٌ إليه الوَهمَ
فيها ؛ لأَنَّها لفظةٌ لا يَدْفَتُها أصلٌ، ولا نَظَرَّ مِن أصلٍ، ولو جُوَّزَ لهِ أن يَدِفَعَ حديثَ
حفصةَ هذا بمثلٍ ذلك مِن خَطَلِ القولِ، كيف كان يصْنَعُ فى أحادِيثِ التَّمَتُّعِ
كلِّها التى رُوِىَ فيها أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ كان فى حََتِهِ مُتَمَتِّعًا، وفى
أحادِيثِ القِرانِ التى صَرَّحَتْ أو دَلَّتْ على أنَّ رسولَ اللهِ وَلو كان يومَئِذٍ
قارِنًا؟ وهى كلُّها آثارٌ صِحَاحٌ ثابتةً، قد خرّجها البخارىُّ، ومسلم، وأبو
داود ، وغیرُهم() .
قال أبو عمرَ: الذى عليه أهلُ العِلْم فيما اخْتَلَف مِن الآثارِ، المصير إلى
أقْوَى ما رَوَوْه، وكان أثبتَ عندَهم مِن جِهةِ النَّقْلِ والمعنى، وأشْبَهَ بالأُصولِ
المجتمَعِ عليها ، هذا إذا تعارَضَتِ الآثارُ فى مَحْظُورٍ ومُباح، ولم يَقُمْ دليلٌ على
نَشْخ شیءٍ منها ، ولم ◌ُمکِنْ تَرتیبُ بعضها على بعضٍ، فکیف والأحاديثُ فی
القِرانِ والإفرادِ والتَّمَتَّع لم تَختلِفْ إلَّا فى وُجوهٍ مُباحَةٍ كلِّها، لا يَخْتَلِفُ العلماءُ
فى ذلك، ولا أحَدٌ مِن الأمّةِ ، بأنَّ الإِفْرادَ والتَّمَتُّعَ والقِرانَ كلَّ ذلك مُباحٌ بالسُّنَّةِ
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٧٥٣) عن أبى الأسود، وسيأتى فى الموطأ (٩٤٤) عن ابن شهاب.
(٢) ستأتى ص ٤٧١ - ٤٧٣ .
٢٨٩
( موسوعة شروح الموطأ ١٩/١١)

٠
الموطأ
التمهيد
الثابِتَةِ المتواتِرَةِ النَّقْلِ ، وبإجماع العلماءِ، وإنَّما اختَلَفَتِ الآثارُ واخْتَلَف العلماءُ
فيما كان به رسولُ اللهِ وَ لّهِ مُخْرِمًا فى خاصَّةِ نفسِه، وهذا لا يَضُوُ جَهْلُه ؛ لِما
وَصَفْنا، ولَمَّا لم يكن لأحدٍ مِن العلماءِ سبيلٌ إلى الأُخْذِ بكلِّ ما تعارَضَ وتدافَعَ
من الآثارِ فى هذا البابٍ ، ولم يكنْ بُدٌّ مِن المصيرِ إلى وَجْهٍ واحِدٍ منها ، صار كلّ
واحدٍ منهم إلى الأَصَحِّ عندَه بمَبْلَغِ اجْتِهادِه، فصار مالكٌ إلى تَفْضِيلِ الإفرادِ
على التَّمَتُّعِ وعلى القِرانِ؛ لؤُجُوهِ، منها أنَّه روَىَ ذلك أيضًا(١) عن عائشةَ مِن
وُمجوهٍ(١) ، فكانت تلك الوُجوهُ أَوْلَى عندَه مِن حديثٍ حفصةً هذا. ومنها أنَّه
الثابتُ فى حديثٍ جابٍ عن النبيِّ ◌َلآه (١) . ومنها أنّه اختیارُ ابی بکرٍ، وعمرَ،
وعثمانَ(٤) . ومنها أنَّ ذلك أتَمُ، ولذلك لم يُحْتَجْ فيه إلى جبرِ شىءٍ بدَمٍ . ومنها
مِن جِهَةِ النَّظَرِ حُجَجٌ لمخالِفِهِ مُعارضتُها(١) بمِثْلِها مِن جِهَةِ النَّظَرِ ایضًا ، ليس بنا
حاجَةٌ ههُنا إلى ذِكْرِ شىءٍ منها. وذهَب غيرُه إلى أنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ؛ لآثارٍ رَوَوْها
عن النبىِّ نَّهِ أَنَّه تَمَنَّعَ، وكان ابنُ عمرَ يَذْهَبُ إلى التَّمَتَّع، ويَزْعُمُ أَنَّ رسولَ اللهِ
رَّ تَمَتَّعَ فى حَجَّتِه، وكان ابنُّ عمرَ مِن أعلمِ الصحابَةِ بالحَجِّ . وذهب آخرون
إلى أنَّ رسولَ اللهِ وَلَقَرَن بينَ الحجّ والعمرةِ فى حَجّتِه؛ لآثارِ رَوَوْها صِحَاحٍ
عندهم أيضًا بذلك. والآثارُ فى التّمتُّع والقِرَانِ کثیرٌ چِدًّا ، وقد ذكرنا منها فى
القبس
(١) فى ن: (( نصا)).
(٢) تقدم فى الموطأ (٧٥١ - ٧٥٣) .
(٣) تقدم فى الموطأ (٨٢٣، ٨٤٢، ٨٤٣، ٨٤٧).
(٤) سيأتى تخريجه ص ٤٧٦ .
(٥) غير واضحة فى الأصل ، ن .
٢٩٠

الموطأ
التمهید
بابِ ابنِ شِهابٍ ، عن عروةَ، مِن كتابنا هذا ما فيه كِفائَةٌ (١١ ، وفى بابِ نافعِ أيضًا
ما فيه شِفاءُ(١) . وما أعْلَمُ أحدًا فى قَدِيمِ الدهرِ ولا حديثِه رَدَّ حديثَ حفصةَ هذا
بأن قال: إنَّ مالِكًا انفَرَد منه بقوله: ولم تَحِلَّ أَنت مِن عُمْرَتِك. إِلاَّ هذا الرجلَ،
واللهُ يَغْفِرُ لنا وله برَحْمَتِه .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال :
حدَّثنا أبو داودَ ، وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أَسَدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
محمدٍ المكْرُ ، قال: حدَّثنا علىّ بنُ عبدِ العزيزِ، قالا: حدَّثنا القَعْنَبِىُّ، عن
مالكِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن حفصةَ زوج النبيِّ وَلِّ، أَنَّها قالت
لرسولِ اللهِ وَله: ما شَأَنُ الناسِ حَلُّوا ولم تَحِلَّ أنت مِن عُمْرَتِك؟ قال: ((إِنِّى
لَدْتُ رَأْسِى، وَقَلَّدْتُ هَذيِى، فلا أَحِلُّ حتى أنحَرَ))(٣).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدثنا يحيى
۔ یعنی ابن سعیدِ القَطَّانَ - عن عبیدِ اللهِ ، قال: حدّثنی نافع، عن ابنِ عمرَ،
عن حفصةً قالت: قلتُ للنبىِّ نَّهِ: ما شَأْنُ الناسِ حَلُّوا ولم تَحِلُّ مِن
عمرتِك؟ قال: ((إِنِّى قَلَّدْتُ هَذْيِى، ولَدْتُ رَأْسِى، فلا أَحِلُ "حتى أحِلَّ
القبس
(١) سيأتى ص ٤٧٤ - ٤٨٤.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٤٠/١٠ - ٥٤٨ .
(٣) أبو داود (١٨٠٦) .
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل ، م .
٢٩١

الموطأ
التمهید
مِن الحج))(١).
فھذا عبيدُ اللهِ بنُ عمر ، وهو مِن اثْنَتِ الناسِ فی نافع ، قد قال كما قال مالك
سواءً، وهو أمْرٌ مُجتمَعٌ عليه فى القارِنِ ، أَنَّ لا يَحِلَّ حتى يَحِلَّ منهما جميعًا بآخِرِ
عَمَلٍ الحجّ.
وزَعَم بعضُ أصحابِنا أنَّ حديثَ حفصةَ هذا ليس فيه ما يَدُلُّ على أنَّ
رسولَ اللهِ وَّهِ كان يومَئِذٍ مُتَمَتِّعًا ولا قَارِنًا، وقال: فى جَوابِه لها ما يَدُلُّ
على أنَّه كان مُفْرِدًا؛ لقوله: ((لَدْتُ رَأْسِى، وقَلَّدْتُ هَذيِى)). ولم يَعْرِفْ
أنَّ هَذْىَ المفردِ تَطَوُّعٌ لا يَمْنَعُ مِن الإحلالِ لمَن أَمِر بفَسْخ حَجّه فى عمرةٍ،
كما أمَرَ رسولُ اللهِ وَله يومَئِذٍ أصحابَه، وسَنُبَيِّنُ هذا المعنى فيما بعدُ مِن
هذا البابِ إن شاء اللهُ، وإنَّما حَمَله على ذلك، واللهُ أعلمُ، تَقْصِيرُ البخارىِّ
عنه فى رِوايَةِ عبيدِ اللهِ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ،
وأخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ، وأحمدُ بنُ سعيدٍ، وأحمدُ بنُ قاسِم، قالوا: حدَّثنا
وهبُ بنُّ مَسَرَّةَ، قالا جميعًا: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى
شیبةً ، قال : حدثنا أبو أسامةً ، قال : حدثنا عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ ، عن نافع، عن ابنِ
عمرَ، أنَّ حفصةَ زوجَ النبيِّ وَِّ قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما شَأْنُ الناسِ
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٢٠٩/١٠.
٢٩٢

الموطأ
التمهيد
حلُّوا ولم تحلّ أنت مِن عمرتك ؟ قال : ((إِنِی لَهُدْتُ رَأْسِی ، وقَلَّدتُ هَدیی، فلا
أَحِلُ حتى أَحِلَّ مِن الحجّ))(١).
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ
جعفرٍ بنِ مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثنى أبى،
قال : حدثنا یحیی بنُ سعیدٍ ، عن عبيد الله ، قال: حدَّثنی نافع، عن ابنِ عمرَ،
عن حفصةً قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما شَأْنُ الناسِ حَلُّوا ولم تَجِلَّ مِن
عمرتك؟ فذَكّره حرفًا بحرف إلى آخِرِهِ(١) .
قال أبو عمرَ: معلومٌ أَنَّ النبيَّ وَهِ أَمَر أصحابَه فى حَبَّتِه أنَّه مَن لم يكنْ
منهم معه هَدْىٌّ أن يَفْسَخَ حَبَّه فى عمرةٍ، وهذا ما لم يُخْتَلَفْ فى نَقْلِهِ ، وإنَّما
اخْتُلِفَ فى خُصُوصِه وعِلَّتِهِ، وعلى هذا خرَج سُؤالُ حفصةً وقولُها : ما شَأْنُ
الناسِ حَلُّوا ولم تَحِلَّ أَنت مِن عمرتِك؟ فجَاوَبَها بما جَرَى ذِكْرُه، ولم يُخْتَلَفْ
عنه پ﴾ انّه لَمَّا قَدِم مکةً أمر أصحابه أن يُحِلُوا إِلَّ مَن كان قد ساق هَذْيًا ، وثبت
هو علی إحرامه، فلم يَحِلَّ منه إلَّا وَقْتَ ما يَحِلُّ الحائجُ مِن حجه، وقال: ((لو
اسْتَقبَلْتُ مِن أمرى ما اسْتَدْبَرْتُ، ما سُفْتُ الهدىَ، ولَجعَلْتُها عمرةً ، فمَن كان
ليس معه هدىٍّ فلْيَجِلَّ، ولْيَجْعَلْهَا عمرةً)) (١) . وهذا عندَنا خُصُوصٌ واللهُ أعلمُ؛
القبس
(١) أخرجه مسلم (١٧٨/١٢٢٩)، وابن ماجه (٣٠٤٦) من طريق ابن أبى شيبة به.
(٢) أحمد ٢٤/٤٤ (٢٦٤٢٤).
(٣) هو جزء من حديث جابر الطويل، وقد تقدم فى الموطأ (٨٢٣، ٨٤٢، ٨٤٣، ٨٤٧).
٢٩٣

الموطأ
التمهید
لأَنَّ بِّهِ عَلِمِ أَنَّه لا يَحُجُّ بعدَها، وكان قد عَرَف مِن أَمْرٍ جاهليّتِهم أنَّهم لا يَرَوْن
العمرةَ فى أشهرِ الحجّ إلَّا فُجورًا، ونَسَخ اللهُ ذلك مِن أَمْرِهم، فأراد ◌َِّ أن
ثُرِيَهم أنَّ العمرةَ فى أشهرِ الحَجّ ليس بها بأسٌ، فأمَرَ أصحابَه أن يَجِلُّوا بعمرةٍ
يَتَمَتَّعون بها. وممَّا اسْتَدَلَّ به مَن فَضَّل القِرانَ والتَّمَتَّعَ على الإِفْرادِ أن قال: إنَّ
حديثَ حفصةً هذا عن النبيِّ وَّةِ، قولَه: ((إِنِّى قَلَّدْتُ هَدْيِى، ولَدْتُ رأسى،
فلا أَحِلُّ حتى أَنْحَرَ الهدىَ)). يَدُلُّ على أنَّه كان قارِنًا وَّهِ؛ لقوله: ((حتى أحِلَّ
مِن الحَجّ)). كذلك رَواه الحُفَّظُ عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ، عن حفصةَ. وقال أحمدُ بنُ حنبل : عبيدُ اللهِ بنُّ عمرَ أَفْعَدُ بنافعٍ مِن أيوبَ
ومالكِ، وكلَّهم ثَبَتّ ؛ لأنَّه لو كان مُفْرِدًا لحجّه لكان هَذْيُه تَطَرُّعًا ، والهَدْئُ
التَّطَوَُّ لا يَمْنَغُ مِن الإخلالِ الذى يَحِلُّه الرجلُ إذا لم یکنْ معه هَدْىٌّ، ولو كان
هَدْيُه تَطَؤُّعًا لكان محُكْمُه كحُكْم مَن لم يَسُقْ هَدْيًا، ولجَعَلها عُمْرَةً على
حِرْصِه(١) على ذلك، بدليلٍ قوله: ((لو اسْتَقبلتُ مِن أمْرِى ما اسْتَدْبَرْتُ، ما
سُقْتُ الهدىَ )). والهدىُ الذى يَمْنَعُ مِن ذلك هدىُ قِرَانٍ، أو هدىُ مُتْعَةٍ ، هذا
ما لا شَكَّ فيه عند أحدٍ من أهلِ العِلْمِ .
" قال أبو عمرَ: أما (٣) قولُه: هذا ما لا شكَّ فيه عندَ أحدٍ مِن أهلِ العلمِ".
القبس
(١) فى ن: ((فرضه)).
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل ، م .
(٣) سقط من : ق .
٢٩٤

الموطأ
التمهید
(١ فإِنه إِن(٢) أراد هَدْىَ القرانِ، فهو المانعُ من الإحلالِ عندَ الجميعِ، وأما هَذْئُ
التمتّعِ، فإنه لا يَمْنَعُ من الإحلالِ عندَ أكثرِ أهلِ الحجازِ، وإنما يمنَعُ منه عندَ
فقهاءِ الكوفيين، وعلى مذهبهم تكلّم هذا القائلُ، وهو أبو جعفر الطحاوىُّ، ثم
نرجِعُ إلى قولِه، قال ١) : ألا تَرَى أنَّ رجلًا لو خرّج يريدُ التَّمَتُّعَ وأُخْرَم بعمرةٍ ، أَنَّه
إذا طاف لها وسَعَى وحَلَق، حَلَّ منها بإجماع، إلّا أن يكونَ معه هَدْىٌ لمتْعَتِه،
فإن كان ساق هَدْيًا لمتْعَتِه، لم يَحِلُّ حتى يومِ النَّحْرِ، ولو ساق هَدْيَا تَطَوُّعًا ، حَلّ
قبلَ يومٍ النحرِ بعدَ فَراغِه مِن العمرةِ. قالوا: فَثَبَت بذلك أنَّ هدى النبيِّ وَلِّ لما
كان قد مَنَعه مِن الإخلالِ وأوجب ثُبُوتَه على الإحرامِ إلى يوم النحرِ، لم یکنْ
هدىَ تَطَوُّعٍ، وإنَّما كان هَذْيًا لسَبَبِ عمرةٍ يُرادُ بها قِرانٌ أو تَمَتُّعٌ . هذا كلُّه قولُ
مَن نَفَى أن يكونَ النبيُّ نَّهِ يومَئِذٍ مُفْرِدًا، وعَوَّل على حديثِ حفصةَ هذا وما
كان فى مَعْنَاه . قالوا : ونظَرْنا فى حديثِ حفصةَ هذا، فإذا حديثُها قد دَلَّنا على
أنَّ ذلك القولَ مِن رسولِ اللهِ وِهِ كان (١ بمكةً؛ لأنه كان١) منه بعدَما حَلَّ
الناسُ، أَلا تَرَى إلى قولٍ حفصةَ: ما شَأْنُ الناسِ حَلُّوا ولم تَحِلَّ أنت مِن
عمرَتِك؟ ولا يَخْلُو النبيُِّوَ لَه حينَ قال لحفصةَ مُجاوبًا لها عن قولِها: ((إِنِّی
قَلَّدْتُ هَدْيِى، ولَّدْتُ رَأْسِى، فلا أَحِلُّ حتى أنحَرَ الهدىَ)). مِن أن يكونَ قال
ذلك قبلَ أن يطوفَ، أو بعدَ الطوافٍ ، فإن كان قد طاف قبل ذلك ثم أُخْرَم
القبس
(١ - ١) ليس فى : الأصل، م.
(٢) سقط من : ق .
٢٩٥

الموطأ
التمهيد بالحجُّ مِن بعدُ، فإنمَّا كان يكونُ(١) مُتَمَّتِّعًا ولم يكنْ قارِنًا إذا أُخْرَم بالحَجُّ بعدَ
فَراغِه مِن الطوافِ للعمرةِ، وإن كان قد أخْرَم بالحجُّ قبلَ طوافِه للعمرةِ ، فإنَّما
كان قارِنًا، وهذا أَشْبَهُ إن شاء اللهُ .
"قال أبو عمرَ : سياقُ الهدي للمتمثِّع لا یمنَعُه عندَ مالك والشافعىِّ من
الإحلالِ "إذا طاف وسعى، ما لم يكنْ قارِنًا، ويمنعه من ذلك عندَ أبى حنيفةً
وأصحابِهِ ، وقد ذكّرْنا ذلك واضحًا فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ
ابنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ. والحمدُ للهِ ) .
وعلى أىِّ الوجهين كان، فإنَّ حديثَ حفصةَ هذا يَنْفِى أن يكونَ النبيُّ وَه
كان مُفْرِدًا بحَبَّةٍ(٤) لم تتقَدَّمها عمرةٌ ولم يكنْ معها عمرةٌ، وإذا كان ذلك
كذلك، فحكّمُ حديثٍ حفصةَ هذا كحكم سائرِ الأحادِيثِ المأثورَةِ عنه وَلِ
أنَّه قَرَّن ، أو كحُكْم الأحاديثِ عنه أَنَّه تَمَتَّع، ومالكٌ رحِمه اللهُ لا يُنْكِرُها،
ولكنَّه قال: إنَّ المصيرَ إلى روايةٍ مَن رَوَى أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ أَفْرَدِ الحِجَّ أَوْلَى؛
لأَنَّه قد صَعَّ عنه ذلك مِن طريقِ النَّقْلِ كما صَحَّتْ تلك الوجوه، ورجعنا
اختيارَنا الإفرادَ بأنَّه عملُ أبى بكر وعمر وعثمانَ، وحَسْبُك بقولِ عمرَ: اقْصِلوا
القبس
(١) سقط من : ن ، م .
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م. وينظر ما تقدم فى ٣٠١/١٠ - ٣٠٣ .
(٣ - ٣) سقط من : ق .
(٤) فى ق، ن: ((بحجته)، وفى م: ((لحجة)).
٢٩٦

· الموطأ
التمهيد
بينَ حَجّكم وعمرتِكم ١ . وكان لا يَزِيدُ على الإفرادِ. ومُحالٌ أن يَجْهَلَ هؤلاء
الخلفاءُ الأُفضَلَ والأصحَّ مِمَّا رُوِى فى ذلك، مع مَوْضِعِهِم مِن العِلْمِ والجَلَالَّةِ(٢)
والفَهْمِ، وقد صَعَّ عن عائشةً من وُجوهٍ أنَّ رسولَ اللهِ وَالآلِ أَقْرَد الحَّ، وصَّ
مثلُ ذلك عن جابِرٍ، وجابِرٌ ساق الحديثَ فى الحَجِّ سِياقَةً مَن حَفِظه مِن أَوَّلِ
الإهْلالِ به إلى آخِرِه عنه وَله .
روَى الأوزاعىُّ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: حدَّثنى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ
قال: أَهْلَلْنا مع رسولِ اللهِ وَلّه بالحجُ خالِصًا لا يُخالِطُه شىءٍ(٢).
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا قتيبةُ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن أبى الزُّبَيرِ، عن جابٍ قال:
أقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مع رسولِ اللهِ وَلّهِ بِالحَجُ مُفْرَدًا، وأقبَلَت عائشةُ مُهِلَّةً بعمرةٍ . وذكر
. (٤)
الحديثَ(٤).
والآثارُ فى الإفْرادِ كثيرةٌ أيضًا، وكلُّ ذلك مُجْتَمَعُ على جَوازِهِ ، وباللهِ العَوْنُ
والتوفیقُ والتّسْدِیدُ ، لا شريك له .
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٧٨٢) .
(٢) فى ن: ((الخلافة)).
(٣) أخرجه أبو داود (١٧٨٧) من طريق الأوزاعى به .
(٤) أبو داود (١٧٨٥). وأخرجه مسلم (١٣٦/١٢١٣)، والنسائى (٢٧٦٢) عن قتيبة به،
وأخرجه أحمد ٣٩٩/٢٣ (١٥٢٤٤) من طريق الليث به .
٢٩٧

الموطأ
العملُ فی النحرِ
٩٠٢ - مالك، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه، عن على بن أبی
طالب، أن رسولَ اللهِ وَلِّ نحَر بعضَ هديه، ونحَر غیرُه بعضَه .
التمهید
مالكٌ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه، عن علىِّ بنِ أبى طالبٍ ، أنَّ رسولَ
اللهِ أَِّ نحَرَ بعضَ هَدْيِه بيده، ونَحَر غیرُه بعضه .
هكذا قال يحيى ، عن مالكٍ فى هذا الحديثِ: عن علىٍّ. وتابَعَه القَعْنَِىُّ
فجَعَلَه عن علىَّ أيضًا كما رواه يحيى. ورواه ابنُّ بُكيرٍ (١)، وسعيدُ بنُ عُفيرٍ ، وابنُ
القاسم، وعبدُ اللهِ بنُ نافعٍ، وأبو مصعبٍ(١)، والشافعى ، فقالوا فيه: عن
مالكِ ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه ، عن جابرٍ . وأرسَلَه ابنُ وهبٍ عن مالك ،
عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِهِ. الحديثَ(٥) . لم يقلْ: عن
جابر، ولا عن علىٍّ .
قال أبو عمر : الصحیحُ : فیه جعفر بن محمدٍ ، عن أبيه ، عن جابرٍ . وذلك
موجودٌ فى رواية محمدٍ بنٍ علىٍّ، عن جابرٍ، فى الحديثِ الطّويلِ فى الحجّ()،
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٨/٥و - مخطوط) .
(٢) أخرجه النسائى (٤٤٣١) من طريق ابن القاسم به .
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (١٣٨١).
(٤) السنن المأثورة (٥٠٨).
(٥) أخرجه البيهقى ٢٨٤/٩ من طريق ابن وهب به بذكر جابر .
(٦) تقدم فى الموطأ (٨٢٣، ٨٤٢، ٨٤٣، ٨٤٧).
٢٩٨

الموطأ
التمهید
وإنَّما جاء حديثُ علىِّ رَضِى اللهُ عنه مِن حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبی لیلَی
عنه(١)، لا أحفظُه مِن وجهٍ آخرَ. وهذا المتُ صحیح ثابتٌ مِن حديث جابر
وحديثٍ علىَّ .
وفيه مِن الفقهِ أن يَتَوَلَّى الرجلُ نَحْرَ هَدْيِهِ بِيَدِه، وذلك عندَ أهلِ العلمِ
مُسْتحبٌّ مستحسَنٌ؛ لِفِعْلِ رسولِ اللهِ وَ الْرِ ذلك بيَدِه، ولأنَّها قُربَةٌ إلى اللـهِ
عزَّ وجلَّ، فمُباشَرَتُها أوْلَى. وجائزٌ أن ينحَرَ الهدىَ والضحايا غيرُ صاحِبِها ،
أَلَا تَرَى أَنَّ علىَّ بن أبى طالبٍ رَضِى اللهُ عنه نَحَر بعضَ هدي رسولِ اللهِ
وَلَه، وهو أمرٌ لا خِلافَ بينَ العلماءِ فى إجازَتِهِ، فأُغْنَى عن الكلام فيه، وقد
جاءَتْ روايةٌ عن بعضِ أهلِ العلم أنَّ مَن نَحَرِ أَضْحِيَتَه غيرُه كان عليه الإعادةُ
ولم تُجْزِئْه . وهو محمولٌ عندَ أهلِ الفَهْم على أنَّها نُحِرَتْ بغيرِ إذْنِ صاحبِها ،
وهو موضِعُ اخْتِلافٍ، وأمَّا إذا كان صاحبُ الهَدْيِ أو الضَّحيَّةِ قد أمَرَ بنَحْرٍ
هَدْيِهِ، أو ذَبْح أَضْحِيَّتِه، فلا خلافَ بينَ العلماءِ فى إجازَةِ ذلك، كما لو
وكَّلَ غيرَه بشراءِ هَدْيِهِ فاشْتَراه، جاز ياجماعٍ. وفى نخرِ غيرِ رسولِ اللهِ عليه
السلامُ دليلٌ على جوازِ الوَكالةٍ(٢)؛ لأنَّه معلوم أنه لم يفْعَلْ ذلك بغيرِ إِذْنِهِ،
وإذا صحَّ أَنَّه كذلك، صحَّتِ الوَكالةُ وجازَت فى كلِّ ما يتصرّفُ فيه
الإِنسانُ ، أَنَّه جائزٌ أن يُولِّيَّه غيرَه فِيَنْفُذَ فيه فِعْلُه، وقد روَى سفيانُ بنُ عيينةً،
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٠٥، ٣٠٦.
(٢) بعده فى ق: (( له )).
٢٩٩

ء الموطأ
التمهيد عن شَبيبٍ بنِ غرقَدَةَ فى ذلك حديثَ عروةَ البارقِيِّ .
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
بكرُ بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن شَبيبٍ بنِ غرْقَدَةَ،
قال: حدَّثنى الحى(١)، عن عروةَ البارقيّ، أنَّ النبيَّ ◌َّێے أعطاه دینارًا يشترى له
به أُضحيةً - أو قال: شاةً - فاشْتَرَى له ثِنْتَين، فباع إحداهما بدينارٍ، وأتَى بشَاةٍ
ودينارٍ، فدعا له بالبركةِ فى بيعِه، فكان لو اشْتَرَى تُرابًا لَرَبِحَ فيه (٢) .
وهكذا رواه الشافعىُّ(٢) ، عن ابنِ عيينةَ بنحوِ روايةٍ مُسَدَّدٍ .
وقد ژُوی مِن حدیث حكيم بن حزامٍ نحوُ هذا المعنَى(٤) . ولا خِلافَ فى
جوازِ الوَكَالَةٍ عندَ العلماءِ.
قال أبو عمرَ: وقد اختلف العلماءُ أيضًا من(١) معنَى هذا الحديثِ فى
الوكيلٍ يَشتَرِى زيادةً على ما ؤُكِّلَ به ، هل يلزَمُ الآمِرَ ذلك أم لا؟ كرجلٍ قال له
رجلٌ: اشْتَرِلى بهذا الدِّرْهُمِ رَطْلَينَ(١) لحمٍ صِفَتُه كذا. فاشتَرَى له أربعةَ أرطالِ
القبس
(١) فى م: ((الحسن)). قال الحافظ: أى قبيلته - يعنى قبيلة عروة ... وهذا يقتضى أن يكون سمعه
من جماعة أقلهم ثلاثة . فتح البارى ٦٣٤/٦ .
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٨٤) عن مسدد به، وأخرجه الحميدى (٨٤٣)، وأحمد ١٠٠/٣٢
(١٩٣٥٦)، والبخارى (٣٦٤٢) من طريق سفيان به .
(٣) الشافعى ٣٣/٤ .
(٤) أخرجه أبو داود (٣٣٨٦)، والترمذى (١٢٥٧) .
(٥) فى م: (( فى )).
(٦) فى الأصل، م: ((رطل)).
٣٠٠