النص المفهرس
صفحات 241-260
الموطأ وكيعٌ، قال: حدَّثنى سفيانُ - يعنى الثورىَّ - عن بكيرِ بنِ" عطاءٍ، عن الاستذكار عبد الرحمنِ بنِ يَعْمَرَ الدِّيلىِّ، قال: شهِدتُ مع رسولِ اللهِ وَالتّ بعرفةَ وأتاه ناسٌ مِن أهلِ نجدٍ فسألوه عن الحجِّ، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الحج عرفةُ ، مَن أدرَ کها قبلَ أن يطلُعَ الفجرُ فقد تمّ حُه))(١). ورواه ابنُّ عيينةَ، عن بكيرِ بنِ عطاءٍ، عن عبد الرحمنِ بنِ يَعْمَرَ الدِّیلیّ ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ ل﴿ يقولُ: ((الحجُّ عرفاتٌ، فمَن أدرَكُ عرفةَ قبلَ أن يطلع الفجر فقد أدرك ، وأيامُ مِنّی ثلاثةٌ ، فمَن تعجّل فی یومین فلا إثم عليه ، ومَن تأخّر فلا إثمَ عليه)»(٣) . قال أبو عمرَ: لم تختلفِ الآثارُ ولا اختلف العلماءُ فى أن رسولَ اللهِ وَله صلَّى الظهر والعصرَ جميعًا بعرفةً ، ثم ارتفَع فوقَف بحِبالِها داعيًا إلى اللهِ تعالى، ووقَف معه كلِّ مَن حضَره إلى غروبِ الشمسِ ، وأنه لمّا استیقَن غروبها وبان له ذلك دفَع منها إلى المزدلفةِ . وأجمعوا على أنه كذلك سنةُ الوقوف بعرفةً والعملُ بها . وأجمعوا على أن مَن وقَف بعرفةً يومَ عرفةً قبلَ الزوالِ ، ثم أفاضَ منها قبلَ : القبس (١) فى الأصل، م، وسنن النسائى الكبرى: ((عن)). وسيأتى فى الإسناد التالى على الصواب. وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٤٩. (٢) النسائى (٣٠١٦)، وفى الكبرى (٤٠١١) - ومن طريقه أخرجه ابن حزم فى حجة الوداع ص ١٧٦، ٤٧٨ - وأخرجه أحمد ٦٤/٣١ (١٨٧٧٤)، وابن ماجه (٣٠١٥)، وابن خزيمة (٢٨٢٢) من طريق وكيع به . (٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (٤٠١٢) من طريق ابن عيينة به . ٢٤١ ( موسوعة شروح الموطأ ١٦/١١) الموطأ الاستذكار الزوالِ ، أنه لا يُعتدُّ بوقوفِه قبلَ الزوالِ، وأنه إن لم يرجعْ فيقِفْ بعدَ الزوالِ ، أو يقِفْ مِن ليلتِه تلك أقلَّ وقوفٍ قبلَ الفجرِ ، فقد فاتَّه الحجُ . ثم اختلفوا فيما على مَن وقَف فی عرفةً بعد الزوالِ مع الإمامِ ، ثم دفع منها قبلَ غروب الشمسِ ؛ فقال مالكٌ : إن دفَع منها قبلَ أن تغيب الشمسُ فعليه الحجّ قابلًا ، وإن دفَع منها بعدَ غُروبِ الشمسِ قبلَ الإمامِ فلا شىءَ عليه . وعندَ مالكِ أن مَن دفَع مِن عرفةَ قبلَ غروبِ الشمسِ، ثم عاد إليها قبلَ الفجرِ، أنه لا دمَ عليه . وقال سائرُ العلماءِ: مَن وقَف بعرفةَ بعدَ الزوالِ فحجُه تامّ وإن دفَع قبلَ غروبِ الشمسِ ، إلا أنهم اختلفوا فى وجوبٍ الدمٍ عليه إن رجَع فوقَف ليلًا؛ فقال الشافعىُّ: إن عاد إلى عرفةً حتى يدفعَ بعدَ مغيبِ الشمسِ فلا شىءَ عليه ، وإن لم يرجعْ حتى يطلُعَ الفجرُ أجزَأت حجتُه وأَهراقَ دمًا . وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثورىُّ: إذا أفاض مِن عرفةً قبلَ غروب الشمس أجزأه حاجه، و كان عليه لتر كِه الوقوف إلى غروب الشمسِ دمّ، وإن رجَع بعدَ غروبِ الشمسٍ لم يسقطْ عنه الدمُ. وبذلك قال أبو ثورٍ. وقال(١) أحمدُ ، وإسحاقُ ، وداودُ ، مثلَ قولِ الشافعىِّ، وبه قال الطبرىُّ، وهو قولُ عطاءٍ وعامةِ العلماءِ فى الدم وتمامِ الحجّ(١). إلا أن الحسنَ البصرىَّ وابن جريج قالا : لا یجزُه إلا بدنةً . قال أبو عمرَ : الحُجّةُ لهم فى ذلك حديثُ عروةَ بنِ مُضَرِّسٍ الطائىِّ ، وهو حديثٌ ثابتٌ صحيح رواه جماعةٌ مِن أصحاب الشعبى الثقاتِ عن الشعبىِّ ، عن القبس (١) ليس فى: الأصل، م. والمثبت يقتضيه السياق. وينظر المغنى ٢٧٤/٥ . (٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٢٥. ٢٤٢ الموطأ عروةَ بنِ مُضَرِّسٍ؛ منهم إسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ، وداودُ بنُ أبي هندٍ(١) ، وزكريا الاستذكار ابنُ أبى زائدةَ، ومطرّفٌ(٢) . أُخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ ، قال: حدّثنی حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال : حدّثنی أحمدُ بنُ شعیب ، قال : أخبرنا إسماعيلُ بنُ مسعودٍ ، قال : حدّثنی خالدٌ ، عن شعبةَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى السَّفَرِ ، قال : سمِعتُ الشعبىّ يقولُ : حدَّثنی عروةُ بنُ مُضَرِّسٍ بنِ أوسٍ بنِ حارثةَ بنِ لامٍ، قال: أتيتُ النبىَّ بَّ بِجَمْعِ، فقلتُ: هل لى مِن حجّ؟ فقال: ((مَن صلَّى هذه الصلاةَ معنا، ومَن وقَف هذا الموقفَ حتى نُفِيضَ، وأفاضَ قبلَ ذلك مِن عرفاتٍ ليلًاً أو نهارًا، فقد تمَّ حَجُّه وقضَى تَفَتَه))(١). حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثْنى قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنی أحمدُ بنُ زھیرٍ ، قال : حدّثنی أبو نعيم، قال : حدّثنی ز کریا بنُ أبی زائدةً ، عن عامٍ ، قال : حدَّثنی عروةُ بنُ مضرّسٍ بنِ أوسٍ بن حارثةَ بنِ لامٍ ، أنه حجّ على عهدِ رسولِ اللهِ وَّه فلم يُدْرِكِ الناسَ إِلا ليلًا وهو بجَمْعٍ، فانطلَق إلى عرفاتٍ ليلًا، فأفاضَ منها ثم (٤) رجَع إلى جَمْعٍ، فَأَتَّى رسولَ اللهِ وَّر، فقال: يا رسولَ اللهِ ، أعمَلتُ نفسى وأَنْضَيْتُ (٥) راحلتى، فهل لى مِن حجّ؟ فقال: القبس (١) أخرجه الترمذى (٨٩١)، والنسائى (٣٠٣٩) من طريق داود به . (٢) أخرجه النسائى (٣٠٤٠) من طريق مطرف به . (٣) النسائى (٣٠٤٢)، وفى الكبرى (٤٠٤٥). وأخرجه أحمد ٢٣٣/٣٠ ٢٣٤، (١٨٣٠١)، والدارمى (١٩٣١) من طريق شعبة به . (٤) ليس فى: الأصل . (٥) فى م: ((أنصبت)). وأنضيت البعير: أهزلته وجعلته نِضْوا، والنضو: الدابة التى أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها. ينظر النهاية ٧٢/٥. ٢٤٣ الموطأ الاستذكار ((مَن صلَّى معنا الغداةَ بجمع، ووقّف معنا حتى نُفيضَ، وقد أفاضَ مِن عرفاتٍ قبلّ ذلك ليلً أو نهارًا، فقد تمَّ حُه وقضَى تَفْتَه))(١). اخترنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدَّثنی محمدُ بنُ بکرٍ ، قال: حدثنى أبو داودٌ ، قال : حدَّثنى مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنى يحيى بنُّ سعيدٍ، عن إسماعيلَ، قال : حدَّثنى عامٌ، قال: أخبرنى عروةُ بنُ مُضَرِّسٍ الطائىُ، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وَّه بالموقفٍ - يعنى بجمع - فقلتُ: جئتُ يا رسولَ اللهِ مِن جبلَىْ طَبِىُ(٢)، أكلَلتُ مطيَّتِى، وأَتعَبتُ نفسى، واللهِ ما ترَكتُ مِن جبلٍ إلا وقَفتُ عليه، فهل لى مِن حجّ؟ فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((مَن أدرَك معنا هذه الصلاةَ، وأَتَى عرفاتٍ مِن قبلٍ ذلك ليلًاً أو نهارًا، فقد تمَّ حَبُّه وقضَى تَفَتَه))(١). قال أبو عمرَ : هذا الحديثُ يَقْضِى بأن مَن لم يأتِ عرفاتٍ ، ولم يُفِضْ منها ليلاً أو نهارًا فلا حجّ له، ومَن أفاضَ منها ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حُه. وأجمعوا على أن المراد بقوله فى هذا الحديث: ((نهارًا)) . لم تُرِدْ به ما قبلَ الزوالِ ، فكان ذلك بيانًا شافيًا. وقال إسماعيلُ بنُّ إسحاقَ : إنما فى حديثٍ عروةً بنِ مُضَرِّسٍ إعلامُ منه ◌َ لّ أن الوقوفَ بالنهارِ لا يضُرُّه إن فاتَه؛ لأنه لمّا قيل: ((ليلاً أو نهارًا)). والسائلُ يعلمُ أنه إذا وقَف بالنهارِ فقد أدرَك الوقوفَ بالليل ، فأَعلِم أنه إذا القبس (١) ابن أبى خيثمة (٣٧٠٤). وأخرجه أحمد ١٤٥/٢٦ (١٦٢٠٩)، والبخارى فى تاريخه ٣١/٧ من طريق أبي نعيم به ، وأخرجه الحميدى (٩٠١)، وأحمد ١٤٢/٢٦ (١٦٢٠٨)، والترمذى (٨٩١)، والنسائى (٣٠٣٩)، وابن خزيمة (٢٨٢٠، ٢٨٢١) من طريق زكريا بن أبى زائدة به . (٢) جبلا طيئ: هما سلمى وأجأ. مراصد الاطلاع ٢٨/١، ٧٢٩/٢، وجنى الجنتين ص ٣٢ . (٣) أبو داود (١٩٥٠). وأخرجه الطبرانى ١٥٢/١٧ (٣٨٨) من طريق مسدد به ، وأخرجه أحمد ٢٣٣/٣٠ (١٨٣٠٠)، والنسائى (٣٠٤٣)، وابن خزيمة (٢٨٢٠) من طريق يحيى به . ٢٤٤ الموطأ وقَف بالليلِ وقد فاتَه الوقوفُ بالنهارِ أن ذلك لا يضرُّه، وأنه قد تمَّ حُّه، لا أنه الاستذكار أراد بهذا القول أن يقِفَ بالنهارِ دونَ الليلِ. قال: ولو حُمِل هذا الحديثُ على ظاهرِه كان من لم يُدركِ الصلاةَ بجَمْعٍ قد فاتَّه الحجّ . وقال أبو الفرج: معنى قولِ رسولِ اللهِ بَّهِ فى حديثٍ عروةَ بنِ مُضَرِّسٍ: (( وقد أفاضَ قبلَ ذلك مِن عرفةَ ليلًا أو نهارًا)). أراد، واللهُ أعلمُ، ليلاً ، أو نهارًا وليلاً . فسكَت عن أن يقولَ : وليلًا . لعلمه بما قدَّم مِن فعله ؛ لأنه وقَف نهارًا وأخذ مِن الليلِ ، فكأنه أراد بذكرِ النهارِ اتصالَ الليلِ به . قال: وقد يحتمِلُ أن يكونَ قولُه: ((ليلًا أو نهارًا)). فى معنى ليلًا ونهارًا، فتكونَ ((أو)) بمعنى ((الواوٍ)). قال أبو عمرَ: لو كان كما ذكر لكان الوقوفُ واجبًا ليلًا ونهارًا ، ولم يُغْنِ أحدُهما عن صاحبِهِ، وهذا لا يقولُه أحدٌ ، وقد أجمع المسلمون أن الوقوفَ بعرفةً ليلًا يجزئُ عن الوقوفِ بالنهارِ ، إلا أن فاعلَ ذلك عندَهم إذا لم يكنْ مُراهِقًا ولم يكنْ له عذرً فهو مسىءٌ. ومِن أهلِ العلم من رأى علیه دمًا ، ومنهم من لم يرَ شيئًا عليه. وجماعةُ العلماءِ يقولون : إن مَن وقَف بعرفةَ ليلًاً أو نهارًا بعدَ زوالِ الشمسِ مِن يومٍ عرفةً أنه مدرٌ للحجّ ، إلا مالكَ بنَ أنسٍ ، فإنه انفرد بقوله الذى ذكَرناه عنه، ويدُلُّ على أن مذهبَه والفرضَ عندَه الوقوفُ بالليلِ دونَ النهارِ، وعندَ سائرٍ العلماءِ الليلُ والنهارُ فى ذلك سواءٌ إذا كان بعدَ الزوالِ . والشنةُ أن يقِفَ كما وقَف رسولُ اللهِ وَِّ نهارًا يتصلُ له بالليلِ . ولا خلافَ بينَ العلماءِ أن الوقوف بعرفةً فرضٌ على ما ذكرنا مِن تنازعِهم فى الوقتِ المفترَضِ . وأما قولُه فى حديثٍ عروةَ بنِ مُضَرِّسٍ: (( مَن أدرَك معنا هذه الصلاةَ - يعنى القبس ٢٤٥ الموطأ الاستذكار صلاةَ الصبح بجَمْع - وكان قد أتَى قبلَ ذلك عرفاتٍ ليلاً أو نهارًا)). فإن ظاهرَ . هذا اللفظِ يوجبُ أن مشاهدةَ المشعرِ الحرامِ، وإدراكَ الصلاةِ فیه مِن فرضٍ الحجّ. وقد اختلف العلماءُ فى ذلك ؛ فكان علقمةُ بنُ قيسٍ، وعامرٌ الشعبىُّ، وإبراهيمُ النخعىُّ، والحسنُ البصرىُّ، وروِى ذلك عن ابنِ الزبيرِ ، وهو قولُ الأوزاعىِّ، أنهم قالوا: مَن لم يَنزلْ (١) بالمزدلفةِ، وفاتَه الوقوفُ بها ، فقد فاتَه الحجّ ويجعلُها عمرةً(٢) . وروِى عن الثورىِّ مثلُ ذلك(٢)، والأصحُ عنه أن الوقوفَ بها سنةٌ مؤكّدةٌ . وقال حمادُ بنُّ أبى سليمانَ: مَن فاتَتْه الإفاضةُ مِن جَمْعِ فقد فاته الحجُّ فَلْيُحِلِّ بعمرةٍ، ثم لْيَحجّ قابلًاً(١) . وحجّةُ مَن قال بهذا القولِ ظاهرُ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم ◌ِنْ عَرَفَاتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقولُ رسولِ اللهِ وَّله: ((مَن أدرك جَمْعًا، وكان قد أدرَك قبلَ ذلك عرفاتٍ فقد أدرَك)). وقال مالكٌ، والثورىُّ، وأبو حنيفةً ، والشافعىُّ ، وأبو ثورٍ ، وأحمدُ ، وإسحاقُ : الوقوفُ بالمزدلفةِ مِن سننِ الحجِّ المؤكَّدةِ ، وليس مِن فروضِها. وتفصيلُ أقوالِهم فى ذلك أن مالكًا قال: مَن لم يُنْ بالمزدلفةِ ، ولم ينزلْ فيها، وتقدَّم إلى منّى، ورمَى الجمرةَ فإنه يُهَرِيقُ دمًا ، فإن نزَل بها ، ثم دفَع منها فى أولِ الليلِ أو وسطِه أو آخرِهِ، وتَرَك الوقوفَ مع الإمامِ فقد أجزَأ ولا دمَ القبس (١) فى الأصل، م: ((يزل)). والمثبت مما سيأتى ص ٣٧٦. (٢) ينظر المحلى ١٧٠/٧، ١٧١. ٢٤٦ الموطأ عليه . وقال الثورىُّ: من لم يقِفْ بجَمْع ولم ينزلْ منها ليلةَ النحرِ فعليه دم. وهو الاستذكار قولُ عطاءٍ فى روايةٍ (١)، وقولُ الزهرىِّ وقتادةَ، وبه قال أحمدُ ، وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ . وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ : إذا ترَك الوقوفَ بالمزدلفةِ ، فلم یقِفْ بها ، ولم يَمُوَّ بها ، ولم تَنِتْ بها فعليه دمّ . قالوا : وإن بات بها وتعجّل فى الليلِ رجَع إذا كان خروجُه مِن غيرِ عُذْرٍ حتى يقفَ مع الإمامِ أو يُصبحَ بها ، فإن لم يفعلْ فعليه دمّ. قالوا: وإن كان مريضًا ، أو ضعيفًا ، أو غلامًا صغيرًا، فتقدَّموا بالليلِ من المُزدلفةِ فلا شىءَ عليهم. وقال الشافعىُّ: إن نزَل بالمُزدلفةِ وخرَج منها بعد نصف الليلِ فلا شىءً عليه، وإن خرَج قبلَ نصفِ اللیلِ ولم يَعُدْ إليها ليقفَ بها مع الإمامِ ولم يصبح فعليه شأةً . قال: وإنما حدَّدنا نصفَ الليلِ؛ لأنه بلَغْنا أن رسولَ اللهِ لِ لّهِ أَذِن لضَعَفةِ أهلِه أن يَرتحلوا مِن آخرِ الليلِ، ورخّص لهم فى ألا يُصبِحوا بها ولا يقفوا مع الإمامِ . والفرضُ على الضعيفِ والقوىِّ سواءٌ، ولكنه تأخّر ١ لموضعِ الفضلِ وتعليمِ الناسِ ، وقدَّم ضعَفةً أهلِه ؛ لأنه كان مُباحًا لهم . قال : وما كان مِن نصفِ الليلِ فهو مِن آخرِ الليلِ . وروِى عن عطاءٍ أنه إن لم ینزل بجمع فعلیه دٌ ، وإن نزل بها ثم ارتحل بلیل فلا شیءَ علیه . رواه عنه ابنُ جريجٍ، وهو الصحيح عنه . وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو(٤) يقولُ : إنما بجمعٌ القبس (١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٥/٤، ١٦. (٢) سيأتى تخريجه ص ٢٥٦، ٢٥٧ . (٣) فى م: ((ناظر)). (٤) فى الأصل، م، ونسخة من التمهيد: ((عمر)). والمثبت مما سيأتى ص ٣٧٦. ٢٤٧ الموطأ منزِلٌ ( تَدَّلِجُ منه" إذا شئتَ(٢). الاستذكار قال أبو عمرَ: لمَّا قال رسولُ اللهِ وَ لّ فى حديثٍ عروةَ بنِ مُضَرّسٍ: ((مَن أدرَك معنا هذه الصلاةَ - يعنى صلاةَ الصبحِ - بِجَمْعٍ)). وصحَّ عنه بَّهِأنه قدَّم ضَعَفَةَ أهلِهِ ليلاً ، ولم يشهدوا معه تلك الصلاةَ - دلّ على أنه موضعُ الاختيارِ. وقد أجمعوا على أن مَن وقَف بالمزدلفةِ ليلًاً ، ودفَع منها قبلَ الصبح أن حبَّّه تامّ، وكذلك مَن بات فيها ونام عن الصلاةِ فلم يُصلّها مع الإمام حتى فاتَّتْه أن حبَّّه تامّ. فلو كان حضورُ الصلاةِ معه عليه السلامُ مِن صُلبِ الحجّ وفرائضِه ما أجزَأه، فلم يَئِقَ إلا أن مشاهدةً الصلاةِ بجَمْعٍ سنةٌ حسنةٌ ، وسننُ الحجُ تُجيرُ بالدم إذا لم يفعلها مَن عليه فِعلُها . وأما احتجامجهم بقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ فِرْ عَرَفَاتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقولُهم: إن هذه الآيةَ تدُلُّ على أن عرفاتٍ والمُزدلفةً جميعًا مِن فروضِ الحجّ. فليس بشىءٍ؛ لأن الإجماعَ منعقِدٌ على أنه لو وقَف بالمزدلفةِ ، أو باتَ فيها بعضَ الليلِ ولم يذكُرِ اللهَ(٣) ، أن حجّه تاءٌ، فدلَّ على أن الذِّكرَ بها مندوبٌ إليه، وإذا لم يكنِ الذّكرُ المنصوصُ عليه مِن أيامِ الحجّ ، فالمبيتُ والوقوفُ أحرى بذلك إن شاء اللهُ. واختلف الفقهاءُ فى الذى يقفُ بعرفةً مُغمَّى عليه؛ فقال مالكٌ: إذا أحرَم ثم القبس (١ - ١) فى م: ((تذبح فيه)). والادلاج - بتشديد الدال - السير آخر الليل. وبتخفيف الدال: السير أول الليل. ومن العلماء من يجيز الوجهين فى كل واحد منهما . ينظر صحيح مسلم بشرح النووى ٤٩/١٥ . (٢) فى الأصل، م: ((جئت)). والمثبت مما سيأتى ص ٣٧٦. والأثر أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٣٥ ، والفاكهى فى أخبار مكة ٤٨/٥ (٢٨١٢) . (٣) بعده فى الأصل، م: ((على)). ٢٤٨ الموطأ أَغمِى عليه ، ووقَف به مُغمَّى عليه، فحجُّه تامّ ولا دمَ عليه . وهو قولُ أبى حنيفةً الاستذكار وأصحابِهِ . وقال الشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ ، وإسحاقُ: مَن وقَف بها مُغْمَى عليه فقد فاته الحجُّ. قال الشافعىُّ: عملُ الحجّ ثلاثةُ أشياءً؛ أن يُحرِمَ وهو يعقِلُ، ويدخُلَ عرفةَ فى وقتها وهو يَعقِلُ، ويطوفَ بالبيتٍ والصفا والمروةِ وهو يَعقِلُ، ولا تُجزِئُُ عنه هذه الثلاثةُ إلا وهو يَعقِلُ. واختلفوا فى الرجلِ يمُوُّ بعرفةَ ليلة النحرِ وهو لا يعلَمُ أنها عرفةٌ ؛ فقالت طائفةٌ: يجزتُه. حكَى أبو ثورٍ هذا القولَ عن مالكٍ ، وأبى حنيفةَ ، والشافعىِّ . وقال أبو ثورٍ: وفيه قولٌ آخر أنه لا يجزُه، وذلك أنه لا يكونُ واقفًا إلا بإرادةٍ . قال أبو عمرَ: مستحيلٌ أن يتأدَّى الفرضُ عمَّن لم يقصدْ إليه ولا علمه، والمُغمَى عليه ذاهبُ العقلِ، والذاهبُ العقلِ غيرُ مخاطَبٍ، واللهُ تعالى إنما أمَر عبادَه أن يعبدوه مخلصين له ، والإخلاصُ القصدُ بالنِّيّةِ إلى أداءِ ما افتُرِض عليه ، ويؤكِّدُ هذا قولُه عليه السلامُ: ((إنما الأعمالُ بالنِّئَاتِ))(١) . واختلفوا فى جماعةِ أهلِ المَوسمِ يُخطِئُون العددَ ، فيقِفون بعرفةً فى غيرِ يومٍ عرفةً ، على ثلاثةِ أقوالٍ ؛ أحدُها ، أنه إن وقَفوا قبلُ لم يجزِئْهم ، وإن وقَفوا بعدُ أجزأهم . والثانى، أنه يجزئُهم الوقوفُ قبلُ وبعدُ على حسَبِ اجتهادِهم. والثالثُ ، أنه لا يجزئُهم الوقوفُ قبلُ ولا بعدُ . وروِى عن عطاءٍ والحسنِ ، أنه يجزئُهم قبلُ وبعدُ . وبه قال أبو حنيفةَ. واختلَف أصحابُ الشافعىِّ؛ فقال القبس (١) تقدم تخريجه فى ٣٢/٥، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٢) من الموطأ. ٢٤٩ الموطأ الاستذكار بعضُھم : يجزُھم بعدُ ولا يجزئُهم قبلُ ؛ قياسًا على الأسيرِ تَلْتِسُ عليه الشھورُ، فيصومُ رمضانَ، فيجزُه بعدُ ولا يجزُه قبلُ. وهو قولُ مالكٍ. وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ : يجزئُهم قبلُ وبعدُ ؛ قياسًا على القبلةِ. وأبو ثورٍ وداودُ لا يُجيزان الوقوفَ لا قبلُ ولا بعدُ . وروَى يحيى بنُ يحيى ، عن ابنِ القاسمِ ، قال : إذا أخطأ أهلُ المَوسمِ، فكان وقوفُهم بعرفةَ يومَ النحرِ ، مضَوا على عملِهم (١)، وإن تبيَّن ذلك لهم، وثبت عندهم فی بقیة یومهم ذلك أو بعده، وینخرون مِن الغدِ ويعملون باقىَ عملٍ الحجّ ، ولا يتركوا الوقوف بعرفةً مِن أجلِ أنه يوم النحرِ ، ولا يَنْقُصوا(١) مِن رمي الجمارِ الثلاثةَ الأيامِ بعدَ يومِ النحرِ، ويجعلون يومَ النحرِ بالغدِ بعدَ وقوفِهم ويكونُ حالُهم فى ميقاتِهم كحالٍ مَن لم يُخطئُ . قال : وإذا أخطَئُوا ( بعد أن وقَفوا" بعرفةَ يومَ الترويةِ ، أعادوا الوقوفَ مِن الغدِ مِن يومٍ عرفةً نفسِه ولم يُجزئْهم الوقوفُ يومَ الترويةِ . وقال سُحنونٌ : اختلَف قولُ ابنِ القاسمِ فيمَن وقَف يومَ الترويةِ. وقال يحيى بنُ عمرَ(٤): اختلَف فيه قولُ سحنونٍ أيضًا. قال يحيى بنُ عمرَ فى أهلِ المَوسم ينزِلُ بهم ما نزَل بالناسِ القبس (١) فى الأصل، م: ((أملهم)). والمثبت من مواهب الجليل ٩٦/٣ . (٢) فى م: ((ينفضوا)). ينظر مواهب الجليل: الموضع السابق. (٣ - ٣) فى الأصل: ((فقد أملقوا)). (٤) يحيى بن عمر بن يوسف بن عامر أبو زكريا الكنانى الأندلسى، شيخ المالكية، كان فقيها كثير الكتب فى الفقه والآثار ضابطا لكتبه عالما بما فيها، وله شهرة كبيرة بإفريقية وحمل عنه عدد کثیر، رحمه الله . توفى سنة تسع وثمانين ومائتين. وقيل غير ذلك. تاريخ علماء الأندلس ٢/ ١٨٤، وسير أعلام النبلاء ١٣ / ٤٦٢. ٢٥٠ قال یحیی : قال مالك فى العبدِ یعتِقُ فى الموقفِ بعرفةً : فإن ذلك لا يُجزئُ عنه من حَجةِ الإسلامِ، إلا أن يكونَ لم يُحرِمْ، فيُحرِمُ بعدَ أن الموطأ: " سنةَ العَلوىِّ(١) وهروبِهم مِن عرفةَ ولم يَقُوا الوقوفَ؟ قال: يجزئُهم ولا دَ الاستذكار عليهم . قال أبو عمرَ : إنما هذا فى جماعةٍ أهلِ المَوسمِ وأهلِ البلدِ يغلَطون فى الهلالِ ، وأما المنفردُ فلا مدخلَ له فى هذا البابِ ، وإذا أخطأ العددَ فى أيامِ العشرِ لزمه إذا لم يدركِ الوقوف بعرفةً مِن ليلة النحرِ ما يلزمُ مَن فاته الحج، واجتهاده فى ذلك كلِّه اجتهادٌ، وكذلك مَن أخطأ وحدَه مِن بينِ أهلِ مصرِه فى هلالِ رمضانَ وشوالٍ وذى الحجةِ، وقد مضَى القولُ فى ذلك المُنْفردِ فى موضعِه. وأما الجماعةُ فاجتهادُهم سائقٌ، والحرجُ عنهم ساقطً ؛ لقوله عليه السلامُ : ((أضْحَاكم حينَ تُضَخُّون، وفطرُكم حينَ تُفطِرون))(٢). فأجاز الجميعُ اجتهادهم . وبالله التوفيقُ . قال مالك فى العبد يعتِقُ فى الموقف بعرفةً : فإن ذلك لا يجزئُ عنه مِن حجةِ الإسلامِ، إلا أن يكونَ لم يُحرِمْ، فيحرِمُ بعدَ أن يَعْتِقَ، ثم يقِفُ بعرفةً القبس (١ - ١) سقط من: م. والسنة هى سنة إحدى وخمسين ومائتين من الهجرة النبوية، والعلوى هو إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، وفيها قتل نحو من ألف ومائة من الحاج، وسلب الناس وهربوا إلى مكة ولم يقفوا بعرفة ليلا ولا نهارًا. ينظر تاريخ ابن جرير ٣٤٦/٩، ٣٤٧، والكامل لابن الأثير ١٦٦/٧. (٢) تقدم تخريجه فى ٣٣/٩ . (٣) فى الأصل: ((لمن)). ٢٥١ الموطأ يَعِقَ، ثم يقفُ بعرفةَ من تلك الليلةِ قبلَ أن يطلُعَ الفجرُ، فإن فعل ذلك أجزَأ عنه ، وإن لم يُحرِمْ حتى طلع الفجرُ، كان بمنزلةٍ من فاته الحجّ إذا لم يُدركِ الوقوفَ بعرفةَ قبلَ طلوع الفجرِ من ليلة المزدلفةِ ، ويكونُ على العبدِ حَجَّةُ الإسلامِ يقضيها . الاستذكار تلك الليلةَ قبلَ أن يطلُعَ الفجرُ، فإن فعل ذلك أجزَاً عنه ، وإن لم يُحرِم حتى يطلُعَ الفجرُ، كان بمنزلةٍ مَن فاته الحجُ إذا لم يُدركِ الوقوف بعرفةَ قبلَ طُلوعِ الفجرِ مِن ليلةِ المُزدلفةِ ، ويكونُ على العبدِ حَجَّةُ الإسلامِ . قال أبو عمرَ: لم يذكر يحيى عن مالكٍ فى ((الموطأً)) الصبىَّ يُحرِمُ مراهقًا ثم يحتلِمُ، وحكمُه فى" ذلك عندَهم حكمُ العبدِ سواءً. واختلف الفقهاءُ فى الصبىِّ المراهقِ والعبدِ يُحرِمان بالحجِّ، ثم يحتلِمُ هذا ويَعيِقُ هذا قبلَ الوقوفِ بعرفةً ؛ فقال مالكٌ وأصحابُه: "لا سبيلَ إلى رفضٍ الإحرام لا لهذين ولا لأحدٍ"، ويتمادَيان على إحرامِهما ، ولا يُجزتُهما حجُهما ذلك عن حجة الإسلام . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: إذا أحرَم الصبىُ والعبدُ بالحجّ، فبلَغ الصبىُّ، وعَتَق العبدُ قبلَ الوقوف بعرفةً ، أنهما يَشْتَأيِفان الإحرامَ ويُجْزُهما عن حجةِ الإسلامِ ، وعلى العبد دمّ لتركه الميقاتَ ، وليس على الصبىّ دمٌ. وقال الشافعىُّ: إذا أحرَم الصبىُ، ثم بلَغ قبلَ الوقوف بعرفةَ، فوقَف بها محرمًا أجزأه مِن حجةِ الإسلامِ، وكذلك العبدُ إذا أُحرَم، ثم عَتَق(٢) قبلَ الوقوف بعرفةَ ، فوقَف بها محرمًا أجزأه مِن حجةٍ القبس (١ - ١) فى الأصل، م: ((وهو)). والمثبت يقتضيه السياق. (٢ - ٢) ليس فى: الأصل. وفى م: ((برفض تجديد الإحرام)). والمثبت كما سيأتى فى شرح الحديث (٩٦٤) من الموطأ . (٣) فى الأصل: ((وقف)). ٢٥٢ الموطأ الإسلامِ، ولم يَحتجْ إلى تجديدِ إحرامٍ واحدٍ منهما. قال: ولو أعتِقِ العبدُ الاستذكار بمزدلفةً أو بلَغ الصبىُ بها ، فرجَعا إلى عرفةً بعدَ العتقِ والبلوغ، فأدرَ كا الوقوفَ بها قبل طلوع الفجرِ ، جزت عنهما مِن حجة الإسلام، ولم یکن علیھما دم ، ولو احتاطا فأهرقا کان أُحبّ إلىّ . قال : وليس ذلك بالبێّنِ عندى . قال أبو عمرَ: قال بهذه الأقوالِ الثلاثةِ جماعةٌ مِن التابعين وفقهاءٍ المسلمين. وحُبّةُ مالكِ أمرُ اللهِ عزَّ وجلَّ كلَّ مَّن دخَل فى حجّ أو عمرةٍ، بإتمامِه حجَّه تطوُّعًا كان أو فرضًا؛ لقولِه عزَّ وجلّ: ﴿ وَأَيِقُواْ الْمَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهَّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومَن رَفَض إحرامَه فلم يُِّمَّ حَّه ولا عمرتَه. وحُجَّةُ أبى حنيفةَ أن الحجَّ الذى كان فيه لمَّا لم يكنْ يُجزئُ عنه، ولم يكنِ الفرضُ لازمًّا له حينَ أُحَم به، ثم لزِمه حينَ بلَغ - استحالَ أن يشتغلَ عن فرضٍ قد تعيَّن عليه بنافلةٍ ويعطّلَ فرضَه، كمَن دخَل فى نافلةٍ (١ وأُقيمت١) عليه المكتوبةُ وخشِى فوتَها، قطّع النافلةَ ودخَل فى المكتوبةِ فأحرَّم لها . وكذلك الحجّ عنده يلزَمُه أن يجدد الإحرامَ له ؛ لأنه لم يكنْ للفريضةٍ، وإنما وجَب على العبدِ؛ لأنه مُكلَّفٌ يلزَمُه العباداتُ . ويجزتُه حبُّه عندَ بعضِ الناسِ. والجمهورُ مُتَّفِقون أن العبدَ لا يدخلُ الحرمَ إلا محرمًا، والصبيُّ غيرُ مُكَلَّفٍ، فلا يلزَمُه الإحرام ولا غيرُه، فافترقا لهذه العلّةِ . واحتجَّ الشافعىُّ فى إسقاطِ النيةِ بأنه جائزٌ لكلِّ مَن نوَى بإهلالِه الإحرامَ أن يصرفَه إلى ما شاء مِن حجٍّ أو عمرةٍ؛ لأن رسولَ اللهِ وَ له أمَر أصحابَه المُهِلِّين فى القبس (١ - ١) فى الأصل: ((قامت))، وفى م: ((فقامت)). والمثبت مما سيأتى فى شرح الحديث (٩٦٤) من الموطأ . ٢٥٣ الموطأ تقديمُ النساءِ والصبيانِ ٨٩٣ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن نافعٍ، عن سالم وعبيدِ اللهِ ابنَى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن أباهما عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يُقدِّمُ أهلَه وصبیانَه من المزدلفةِ إلى منّى حتى يُصَلُّوا الصبحَ بمنّى، ويرمُوا قبلَ أن يأتىَ الناسُ . ٨٩٤ - وحدَّثنى عن مالك، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عطاءِ بنِ الاستذكار الحجّ أن يفسَخوه فى عُمْرةٍ ، وبقولٍ علىٍّ وأبى موسى: أهلَلْنا بإهلالٍ كإِهلالٍ النبيِّ وَّه(١). يريدُ أن إِهلالَهما على إهلالِه كائنًا ما كان، فدَلَّ على أن النیةً فی الإحرامِ ليست كالنية فى الصلاةِ . بابُ تقديم النساءِ والصبيانِ مالكٌ ، عن نافعٍ، عن سالم وعبيدِ اللهِ ابنَی عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن أباهما عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يُقدِّمُ أهلَه وصبيانَه مِن المزدلفةِ إلى مِنَّى حتى يصلُّوا الصبح بِمِنَّى، ويرمُوا قبلَ أن يأتىَ الناسُ(١) . مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن عطاءٍ بن أبى رباحٍ، أن مولاةً لأسماء بنتٍ القبس ٠ (١) تقدم تخريجه فى ٢٠٣/١٠، ٢٠٤. (٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٠٥)، وبرواية أبى مصعب (١٣٥٣). ٢٥٤ أبى رباح، أن مولاةً لأسماءَ بنتٍ أبى بكرٍ أخبرَته ، قالت: جئنا مع الموطأ أسماء بنتِ أبى بكرٍ مِنَّى بِغَلَسٍ. قالت: فقلتُ لها: لقد جئنا مِنِّى بغَلَس . فقالت : قد کنا نصنعُ ذلك مع من هو خيرٌ منك . ٨٩٥ - وحدَّثنى عن مالكِ، أنه بلغه أن طلحةَ بنَ عبيدِ اللهِ کان يُقدِّمُ نساءه وصبيانَه من المزدلفةِ إلی منی . وحدَّثنى عن مالكِ، أنه سمِع بعضَ أهلِ العلم يكرهُ رمىَ الجمرةِ حتى يطلع الفجرُ من يوم النحرِ ، ومَن رمَی فقد حلّ له النحر. أبى بكرٍ أخبرته، قالت: جئنا مع أسماءَ ابنةٍ أبى بكرٍ مِنَّى بِغَلَسٍ. قالت: الاستـ فقلتُ لها: لقد جئنا مِنَّى بغَلَسٍ. فقالت: قد كُنَّا نصنعُ ذلك مع مَن هو خيرٌ منكٍ(١). مالكٌ ، أنه بلغه أن طلحةَ بنَ عبيدِ اللهِ كان يُقَدِّمُ نساءَه وصبيانَه مِن المزدلفةِ إلى مِنّی . مالكٌ ، أنه سمِع بعضَ أهلِ العلمِ يكرهُ رمىَ الجِمارِ حتى يطلُعَ الفجرُ مِن يومٍ النحر، ومن رمی فقد حَلَّ له النحرُ. القبس (١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٣٥٤). وأخرجه النسائى (٣٠٥٠) من طريق مالك به. ٢٥٥ ٨٩٦ - وحدَّثنى عن مالك، عن هشام بن عروةً، أن فاطمةً بنتَ الموطأ المنذر أخبرته أنها كانت ترَى أسماء بنت أبى بكرٍ بالمزدلفةِ تأمرُ الذى يصلِّى لها ولأصحابِها الصبحَ يصلّى لهم الصبحَ حينَ يطلُعُ الفجرُ، ثم تركبُ فتسيرُ إِلى منَّى ولا تقفُ . الاستذكار مالكٌ عن هشام بن عروةَ، أنَّ فاطمةَ بنتَ المنذرِ أخبرته أنها كانت ترى أسماءَ بنتَ أبى بكرٍ بالمُزدلفةِ تأمرُ الذى يصلِّ لها ولأصحابها الصبح، أن يصلِّىَ لهم الصبحَ حينَ يطلُعُ الفجرُ، ثم تركبُ فتسيرُ إِلى مِنَّى ولا تقفُ(١). قال أبو عمرَ : جملةُ القولِ فى هذا البابِ ، أن حديثَه عن نافعٍ، عن سالم وعبيدِ اللهِ ابنَى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ - الحديثَ الأُولَ - إنما أخَذ ابنُ عمرَ فعلَه ذلك من السنةِ التى رواها هو وغيرُه عن النبيِّ وَّد . ذكَر عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن ابنٍ عمرَ، أن النبيَّ ◌َّهِ أَذِن لضعفاءِ الناسِ مِن جَمْعٍ بليلٍ(٢) . قال: وأخبرنا معمر، عن الزهرىِّ، عن سالم، أن ابنَ عمرَ كان يُقَدِّمُ ضَعَفةً أهلِه يقفون عندَ المشعر الحرامِ بليلٍ، فيذكرون الله ما بدًا لهم، ثم يدفعون؛ منهم مَن يأتى مِنِّى لصلاةِ الصبحِ، ومنهم مَن يأتى بعدَ ذلك، وأولئك ضعفاءُ القبس (١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٣٥٥). (٢) أخرجه أحمد ٤٩٤/٨ (٤٨٩٢)، والنسائى فى الكبرى (٤٠٣٧) من طريق عبد الرزاق به . ٢٥٦ الموطأ أهلِه، ويقولُ: أذِن رسولُ اللهِ وَله فى ذلك(١). الاستذكار قال : وأخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ ، عن نافع، قال: بعَثنى ابنُ عمرَ فى ضَعَفةٍ أهلِه، فرمَينا الجمرةَ قبلَ أن يأتينا الناسُ. قال: وأخبرنا ابنُ عيينةً، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبى يزيدَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كنتُ ممن قدَّم رسولُ اللهِ وَّهِ مِن ضَعَفةِ أهلِه فى النَّقَلِ (١) مِن المزدلفةِ إلى مِنَّی() . وروى عن عطاءٍ، وعكرمةً، عن ابنِ عباس، أن رسولَ اللهِ أَێ أمره فى ضَعَفةِ بنى هاشمٍ وصبيانِهِم أن يتعجّلوا مِن بجمعٍ بليلٍ (٤) . قال أبو عمرَ : المبيتُ بجَمْع ليلةَ النَّحْرِ سُنَّةٌ مسنونةٌ مجتمَعٌ عليها، إلا أن هذه الأحاديثَ وما كان مثلَها يدُلَّ على أن ذلك إنما هو فى أكثرِ الليلِ ، وأنه قد رُخِّص ألّا يصبحَ البائتُ فيها، وأن له أن يصبحَ بمِنَى، على أن الفضلَ عندَ الجميعِ المَبيتُ بها حتى يصلىَ الصبحَ، ثم يدفعَ منها قبلَ طلوع الشمسٍ لا القبس (١) أخرجه ابن خزيمة (٢٨٧١) من طريق عبد الرزاق به . (٢) فى م: ((التعجل)). والثقل: متاع السفر. النهاية ٢١٧/١. (٣) أخرجه أحمد ٤١٢/٣ (١٩٣٩)، والبخارى (١٦٧٨)، ومسلم (٣٠١/١٢٩٣) من طريق ابن عيينة بدون لفظ: ((الثقل)). (٤) أخرجه أحمد ٣٩٩/٣ (١٩٢٠)، ومسلم (٣٠٢/١٢٩٣)، والنسائى (٣٠٣٣، ٣٠٤٨) من طريق عطاء به بنحوه ، وأخرجه أحمد ٨٣/٤ (٢٢٠٤)، والبخارى (١٦٧٧)، والترمذى (٨٩٢) من طريق عكرمة به بنحوه . ٢٥٧ ( موسوعة شروح الموطأ ١٧/١١) الموطأ الاستذكار يختلفون فى ذلك، ولا فى أن رسولَ اللهِ وَّ لَ فعَل كذلك. ولم يختلِفوا أنه مَن لم يَبِتْ بجَمْعِ ليلةَ النَّحْرِ عليه دم، وأنه لا يُسقِطُ الدمَ عنه وقُوفُه بها ولا مرورُه عليها . وقد قالت طائفةٌ منهم مجاهدٌ: أنه مَن أفاضَ مِن جَمْعٍ قبلَ الإمامِ - وإن بات بها - أن علیه دَمًا (١) . قال أبو عمرَ: أظنُّهم لم يسمَعوا بهذه الآثارِ. واللهُ أعلمُ . وروی معمر، عن أيوب، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشةً، قالت: كانت سودةُ بنتُ زمعةَ امرأةً ثقيلةً ثَبِطةً(١) ، فاستأذَنت رسولَ اللهِ وَّ فِى أَن تَدَّلِجَ مِن جَمْع فأذِن لها، قالت عائشةُ: ودِدتُ أنى كنتُ استأذنتُه. وكانت تقولُ: ليس الادِّلامجُ مِن المزدلفةِ إلا لمَن أذِن له رسولُ اللهِ (٣) ومعمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، قال: المشعرُ الحرام المزدلفةُ كلُّها(٤). القبس (١) ينظر ابن أبى شيبة ١٥/٤، ١٦. (٢) ثبطة: ثقيلة بطيئة، من التثبيط، وهو التعويق والشَّغل عن المراد. النهاية ٢٠٧/١ . قال ابن حجر: ((امرأة ثقيلة ثبطة)) من الإدراج الواقع قبل ما أدرج عليه ، وأمثلته قليلة جدا ، وسببه أن الراوى أدرج التفسير بعد الأصل فظن الراوى الآخر أن اللفظين ثابتان فى أصل المتن فقدم وأخر ، والله أعلم . فتح البارى ٥٣٠/٣ . (٣) أخرجه مسلم (٢٩٤/١٢٩٠)، والنسائى فى الكبرى (٤٠٣٤)، وابن خزيمة (٢٨٦٩) من طریق أیوب به . : (٤) أخرجه عبد الرزاق - كما فى تفسير ابن كثير ٣٥٢/١ -ومن طريقه ابن جرير فى تفسيره = ٢٥٨ الموطأ ٦ وروَى الثورىُّ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ، قال: الرحيلُ مِن جَمْع إذا الاستذكار غابَ القمرُ. .قال أبو عمرَ: مغيبُه ليلةَ النحرِ معلومٌ . وابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن أبى العباسِ الأعمى (١)، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قالا: إنما جَمْعٌ منزلٌ تَدَّلِجُ منه إذا شئتَ (٢). قال معمرٌ: وأخبرنى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، قال: أمَر رسولُ اللهِ وَلَّهِأُمّ سلمةً أن تصبحَ بمكةَ يومَ النَّحْرِ وكان يومَها(١) . : قال أبو عمرَ: اختُلِف على هشامٍ فى هذا الحديثِ ؛ فروته طائفةٌ عن هشامٍ، عن أبيه مُؤْسلًا(١) ، كما رواه معمرٌ. ورواه آخرون عن هشامٍ ، عن أبيه، عن عائشةً، أن رسولَ اللهِ وَّلِ أَمَر أمّ سلمةَ بذلك، مسندًا(٤) . ورواه آخرون، عن هشام، عن أبيه، عن زينبَ بنتٍ أبى سلمةً، عن أمّ سلمةً مستَدًا (٥) أيضًا، وكلُّهم ثقاتٌ مِن رواةِ هشامٍ . القبس = ٥١٧/٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٥٣/٢ (١٨٥٦)، والحاكم ٢٧٧/٢. (١) فى الأصل: ((الأعمش)). وينظر تهذيب الكمال ١٩٠/١٠. (٢) تقدم تخريجه ص ٢٤٧، ٢٤٨. (٣) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٣٤، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٢١/٢ . (٤) سيأتى تخريجه ص ٢٦٣ . (٥) ليس فى: الأصل، م. والمثبت من تفسير القرطبى ٥/٣. والحديث سيأتي تخريجه ص ٢٦٤ . ٢٥٩ الموطأ وهذا الحديثُ خلافُ سائرِ الأحاديثِ؛ لأن فى غيرِهِ مِن الأحاديثِ الاستذكار الادِّلاجَ مِن جَمْعٍ إلى مِنِّى، وصلاةَ الصُّبْحِ بِها ، وأقصى ما فى ذلك رمى الجمرةِ قبلَ طلوعِ الشمسِ وبعدَ الفجرِ . ويَدُلَّ حديثُ أمّ سلمةً على أن رمىَ الجمرةِ بمِنَّى قبلَ الفجرِ؛ لأن رسولَ اللهِ وَلَه أمرها أن تصبحَ بمكةً يومَ النحرِ، وهذا لا يكونُ إلا وقد رُميتٍ الجمرةُ بِنَّی ليلًا قبلَ الفجرِ . واللهُ أعلمُ . وأجمع العلماءُ على أن النبيَّ وَ﴿ وَقَف بالمشعرِ الحرامِ بعدَ ما صلَّى الفجرَ، ثم دفَع قبلَ طلوع الشمسِ. ونقل ذلك أيضًا الآحادُ العدولُ . أخبرنا عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنى محمدٌ، قال: حدَّثنى أبو داودَ ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ كثيرٍ، قال : أخبرنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ ، عن عمرو بنِ ميمونٍ، قال: قال عمر: كان أهلُ الجاهليةِ لا يُفيضون - يعنى مِن جَمْعٍ - حتى " يرَوا الشمسَ على ثَبِيرٍ(١)، قال: فخالَفهم النبيُّ وَلِّ، فدفَع قبلَ طلوعٍ (٣) الشمس ". وروى ابنُّ عیینۀَ ، عن ابن جریج ، عن محمد بن قیسٍ بن مخرمةً ، وعن ابنِ القبس (١) فى م: ((حين)). (٢) ثبير : أعظم جبال مكة ، بينها وبين عرفة . معجم البلدان ٩١٧/١ . (٣) أبو داود (١٩٣٨). وأخرجه أحمد ٣٧٧/١ (٢٧٥)، والبخارى (٣٨٣٨) من طريق سفيان به . ٢٦٠