النص المفهرس
صفحات 181-200
الموطأ
حديثٍ هشامٍ بن عروةً ، عن أبيه، عن ناجيةً، وهذا عندَنا أصحُ مِن حديثٍ ابنِ التمهيد
عباسٍ عن ذؤيبٍ ، وعليه العملُ عندَ الفقهاءِ، ومِن جهةِ النظرِ أهلُ رُفْقتِه وغيرُهم
فى ذلك سواءٌ، ويدخُلُ فى قولِه عليه السلامُ: ((وَخَلِّ بينَ الناسِ وبينَه يأكلونه)).
أهلُ رُفْقتِه وغیرُهم .
وأما الضمانُ على مَن أكّل مِن هديه التطوعِ وإن لم يكنْ موجودًا فى
الحديثِ المسندِ، فإن ذلك عن الصحابة والتابعين، وعليه جماعةُ فقهاءٍ
الأمصارِ. ورُوِى عن عمرَ، وعلىٍّ ، وابنِ مسعودٍ: إن أكَل مِن الهدي التطوع
غرِمُ ) . وعن ابنِ عباسٍ: إن أُكَلْتَ أو أمَرتَ بأكلِه غرِمتَ(١) . وعن ابنٍ
المسيبٍ مثلُه سواءً، مِن روايةِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ ١٢. ورِوَى ابنُ أبی
ذئب، عن ابنٍ شهابٍ، عن ابنِ المسيبِ قال: مضَتِ السنَّةُ إذا أُصيبت البدنةُ
تطوعًا فى الطريقِ أن ينحرَّها ويغمسَ قلائدَها فى دمِها، ثم لا يأكلَ منها ولا
يُطعمَ ولا يَقْسِمَ، فإن فَعَل شيئًا مِن ذلك ضمِنُ . وعن ابنِ عمرَ، وابنٍ
عباسٍ، وعطاءٍ، والنخعىٌّ، فى الهدي الواجبِ يعطَبُ، قالوا: كُلْ إن شئتَ
إذا نحَرتَه، وعليك البدلُ(٥).
وأما اختلافُ الفقهاءِ فى هذه المسألةِ ؛ فقال مالك: ما عطِب مِن الهدي
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٤/ ٢٣٠، و(القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٥٢.
(٢) سيأتى فى الموطأ (٨٧١).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٨٧٠).
(٤) ينظر المحلى ٤٢١/٧ .
(٥) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٣/٤.
١٨١
الموطأ
التمهيد
قبلَ أن يبلُغَ محِلَّه ، فإن كان واجبًا أكل منه إن شاء وأبدله ، وإن كان تطوعًا نحره
ثم صبَغْ قلائدَه فى دمِه، وخلَّى بينَ الناسِ وبينَه، ولم يأْكُلْ ولم يُطعِمْ ولم
يتصدَّقْ، فإن أكّل أو أطعَمَ أو تصدَّق ضمِن. وهو قولُ الشافعىِّ،
والأوزاعىِّ، والثورىٌّ، إلا أنهم قالوا: يضمَنُ ما أكَل أو أطعَم أو تصدَّق،
وليس عليه البدلُ إلا لما أتلَف، فإن أتلَفه كلَّه ضمِنه كلَّه. وكذلك قال أبو
حنيفةً أيضًا ، إلا أنه قال : يتصدَّقُ بالهدي التطوع إذا عطِب أفضلُ مِن أن
يتؤكَه فتأكُلَه السبائحُ. قال: ولو أطعَم منه غنيًّا ضمِن. وقال فى الهدي
الواجبٍ : لا بأسَ أن يبيعَ لحمّه. وهو قولُ عطاءٍ؛ يستعينُ به فى ثمنٍ
هدي(). وهؤلاء(٢) يرون بيعه .
واختلفوا فيما يُؤْكلُ مِن الهدي إذا بلَغ محِلَّه؛ فقال مالكٌ: يُؤْكلُ مِن
الهدي كلِّه إذا بلَغ محِلَّه إلا جزاء الصيدِ، ونُشِكَ الأَذَى، وما نُذِر للمساكينِ .
وقال الشافعىُّ: لا يؤكلُ مِن الهدِى كلِّه شىءٌ إذا بلَغ محِلَّه إلا التطوُّعَ() وحدَه،
فأما الهدىُ الواجبُ فلا يأكلْ شيئًا منه . وقال أبو حنيفةَ : يؤكلُ مِن هدي المتعةِ
والقِرانِ والتطوع، ولا يؤكلُ مما سواه . وقال الثورىُّ: يُؤْكلُ مِن هدي المتعةِ
والإحصارِ والوصية والتطوعِ .
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٩٦.
(٢) بعده فی م: ((لا)).
(٣) فى النسخ: ((بالتطوع)). والمثبت من الاستذكار ٢٨٤/١٢ من النسخة المطبوعة.
١٨٢
٨٧٠ - مالك، عن ابنٍ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، أنه الموطأ
B
قال: من ساق بدنةً تطوعًا، فعطِبت ، فنحَرها، ثم خلّى بينها وبينَ
الناس يأكلونها، فليس عليه شىءٌ، وإن أكَل منها أو أمَر مَن يأكُلُ
منها غرِمها .
٨٧١ - مالك ، عن ثور بن زیدِ الدِیلی ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباس مثل
ذلك .
٨٧٢ - مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ ، أنه قال: من أهدَى بدنةً ، جزاءً أو
نذرًا أو هَدْىَ تمتُّعٍ، فَأُصيبت فى الطريقِ ، فعليه البدلُ .
مالكٌ ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنه قال: مَن ساق بدنةً الاستذكار
تطوعًا، فعطِبتْ، فنخَرها، ثم خلَّى بينها وبينَ الناسِ يأكلونَها ، فليس عليه
شىءٌ، وإن أكَلَها أو أمَر مَن يأكُلُها غَرِمها(١).
مالكٌ ، عن ثورِ بنِ زيدٍ ، عن ابنِ عباسٍ مثلَ ذلك(٢).
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، أنه قال: من أهْدَى بدنةً، جزاءً(١) أو نذرًا أو هدىَ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٠٤)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٤ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٢١٦). وأخرجه البيهقى ٢٤٣/٥ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/٤ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٢١٧). وأخرجه
البيهقى ٢٤٣/٥ من طريق مالك به .
(٣) فى الأصل: ((جزورا)).
١٨٣
؛
الموطأ
٨٧٣ - مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه قال: من
أهدَى بدنةً، ثم ضلَّت أو ماتت ؛ فإنها إن كانت نذرًا أبدَلها، وإن
كانت تطوعًا فإن شاء أبدَلها وإن شاء تركها .
مالك ، أنه سمع أهلَ العلم یقولون : لا يأكلُ صاحبُ الهَدی من
الجزاءِ والنُّسكِ .
الاستذكار تمتّعٍ، فأُصيبت فى الطريقِ، فعليه البدلُ (١).
مالك ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ ، أنه كان يقولُ: من أهدَى بدنةً ، ثم ضلَّت
أو ماتت ؛ فإنها إن كانت نذرًا أبدَلها ، وإن كانت تطوعًا فإن شاء أبدَلها وإن شاء
ترکھا(٢).
مالكٌ ، أنه سمِع أهلَ العلم يقولون : لا يأْكُلُ صاحبُ الهدى من الجزاءِ والنسكِ(١).
قال أبو عمرَ: أما الهدىُ التطوُُّ إذا بلَغ محِلَّه فلا خلافَ بين العلماءِ فى أنه
يأكُلُ منه صاحبُه إن شاء كسائرِ النَّاسِ ؛ لأنه فى حكم الضحايا، وإنما اختلَفوا
فيمن أكَّل من الهدي الواجبٍ أو أكَّل من الهدي التطوع قبلَ أن يبلُغَ محلَّه؛
فكان مالكٌ، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ، يقولون فى الهدي التطوع يَعْطَبُ قبلَ
مجِلُّه: إن على صاحبِه أن يُخلِّىَ بينَه وبينَ الناسِ يأكلُونه، ولا يأمُرَ أحدًا يأكلُ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٦/٤و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٢١٩).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤١٤)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٤ ، ١٦و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٢١٨). وأخرجه البيهقى ٢٤٣/٥ من طريق مالك به.
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (١٢٢٨) .
١٨٤
الموطأ
منه فقيرًا ولا غنيًّا، ولا) يتصدَّقَ ولا يَطعمَ، وحسبُه والتخليةُ بينَه وبينَ الناس. الاستذكار
وكذلك قال أبو حنيفةً ، إلا أنه قال: يتصدَّقُ به أفضلُ من أن يتركَه للسباعِ
فتأكلَه. وأما ما يَضمَنُ(٢) الآكلُ من الهدي الذى لا يُحبُّ(١) له أن يأكل منه فقد
اختُلِف فيه أيضًا؛ فكان مالكٌ يقولُ: إِن أكل منه أبدلَه كلَّه . وروى ابنُ وهبٍ،
عن الليثِ بنِ سعدٍ فى الذى يأكلُ من هدي ليس له أن يأكلَ منه ، قال : أرى أن
يتصدَّقَ بقدرٍ ما أكّل طعامًا يُطعِمُه المساكينَ، ولا أُرَى عليه (+غيرَ بدلِه) . قال
ابنُّ وهبٍ : خالفه مالكٌ، فقال: إن أكَل منه شيئًا ولو نصفَه وآخرَه أبدَله كلَّه .
وبه يأْخُذُ ابنُ وهبٍ . وكذلك قال ابنُّ القاسم ، عن مالك: إن أكَل منه فعليه بدلُه
کلّه، کان الذی اگل منه قليلاً أو کثیرًا .
قال ابنُ القاسم: إن أكّل من الهدي الذى نذَر للمساكينِ فعلَيه أن يُطعِمَ
قيمةً ما أكّل للمساكينِ ، ولا يكونُ عليه البدلُ . وقال ابنُ حبيبٍ : إن أكَل ممالا
يُحبُّ(٣) أن يَأْكُلَ منه فعليه ثَمنُ ما أكَل طعامًا يَتصدَّقُ به . وهو قولُ الثورِئِّ،
وأبى حنيفةً ، والشافعى ، وأُبی ثورٍ ، وأحمد، وإسحاقَ . وژُوی عن على بنِ أبی
طالب ، وابن مسعودٍ ، وابن عباسٍ ، فی الهدي يَعْطَبُ قبلَ محِلُّه ، أن صاحبه إِن
القبس
(١ - ١) ليس فى : الأصل، م . ويقتضيه السياق .
(٢) فى م: ((يطمئن)).
(٣) فى م: ((يجب)).
(٤ - ٤) كذا فى: الأصل، م. ولعل الأنسب: ((غيرَه بدلَه)).
١٨٥
الموطأ
الاستذكار أكَل منه أو أمَر غرِمٌ ١ . وعن ابنِ المسيَّبِ وجماعةٍ من التابعين مثلُ ذلك ، إلا
أنهم ليس عندَهم تفسِيرُ ما يغزَمُ(١). " والظاهرُ أنه يغرَمُ " ما أكَل أو أَتْلَف . وقالت
طائفةٌ - منهم عطاءٌ والزهرىُّ - أن عليه البدلَ إن فعَل شيئًا من ذلك(٤) . ومن
قال : عليه البدلُ . أوجَب عليه غُرْمَ الجميع. وعلى هذين القولين اختلافُ
الفقهاءِ على ما قدَّمْنا . واختلفوا فى الهدي الذى يؤكلُ منه ؛ فقال مالكٌ: يؤكلُ
من كلِّ الهدي إلا جزاء الصيدِ، ونذرَ المساكينِ، وفديةَ الأذى، وهدىَ التطوع
الذى يَعْطَبُ فى الطريقِ قبلَ أن يبلُغَ محِلَّه . وقال الثورىُّ: يؤكلُ من هدي المتعةِ
والإحصارِ والوصيةِ والتطوع إذا بلَغ محِلَّه، ولا يؤكلُ من غيرِها . وقال أبو
حنيفةً، وأبو يوسفَ ، ومحمدٌ : لا يؤكلُ من الهدي إلا هدىّ المتعة وهدى
التطوعِ - يَعنون: إذا بلَغْ محِلَّه - وهدىَ القِرانِ ، وأما غيرُ ذلك فلا يؤكلُ منه
شىءٌ . وقال الشافعىُّ: لا يؤكلُ من الهدي كلِّه إلا التطوعَ خاصةً إذا بلغ مجِلَّه،
وكلُّ ما كان واجبًا من الهدى فلحمُه كلَّه للمساكين وجلدُه، وكذلك مجلُّه
والنعلان اللتانِ عليه . قال: وكذلك عندی ھدی المتعةِ ؛ لأنه واجبٌ ، فسبیلُه
سبیلُ جزاء الصيدِ، وهدي الإفساد ، وهدي القِران ، فكلّ ما وجب عليه فلا
القبس
(١) فى م: ((عزم)).
والآثار تقدم تخريجها ص ١٨١ .
(٢) تقدم فى الموطأ (٨٧٠) .
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٣/٤.
١٨٦
الموطأ
الاستذكار
يأكُلْ منه شيئًا. وقال أبو ثورٍ مثلَه .
ذكَر ابنُ أبى شيبةً(١)، قال: حدّثنا ابنُ عُليةَ(٢) ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ،
وطاوسٍ، ومجاهدٍ ، أنهم كانوا يقولون : لا يؤكلُ من الفديةِ ولا من جزاءٍ
الصيد .
عبدُ الرزاقِ ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ قال: لا يأكُلُ من جزاءِ الصيدِ ،
ولا من نذْرِ المساكينِ، ولا من الكفاراتِ، ویأكُلُ مما سوى ذلك. فإن
كان الهدىُّ واجبًا وعطِبَ قبلَ محِلُّه فإن صاحِبَه يأكلُه كلَّهُ() إن شاء أو ما
شاء منه، ويُطْعِمُ منه مَن شاء ما شاء؛ لأن عليه بدلَه. وعلى هذا جمهورُ
العلماءِ. ومنهم من أجاز له بيعَ لحمه وأن يستعين به فى البدل . و کړه ذلك
مالكٌ؛ لأنه بيعُ شىءٍ أُخرَجَه للهِ عزَّ وجلَّ. ومن أجاز بيع لحمِه على جوازٍ
أكلِه. وقد كان عطاءٌ يُبيخُ البيعَ فى ذلك(١)، ثم رجع عنه . وروَی سفيانُ بنُ
عيينةً، عن عبدِ الكريمِ، عن عكرمةً، عن ابن عباسٍ قال: إذا أهديتَ
هديًا واجبًا فعطِب فانحَرْه؛ فإن شئتَ فَكَّلْ، وإن شئتَ فأهْدٍ، وإن
القبس
(١) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٥٣.
(٢) بعده فى الأصل، م: ((قال حدثنا يزيد بن زريع)). والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب
الكمال ٢٣/٣، ٢٧٩/٢٤.
(٣) سقط من: م.
(٤) تقدم تخريجه ص ١٨٢.
١٨٧
الموطأ
الاستذكار شئتَ فتَقوّ(١) به فى هدي آخرَ(٢).
وأما قولُ ابنِ عمرَ أنه من أهدى بدنةً ، ثم ضلَّتْ أو ماتتْ؛ فإنها إن كانت
نذرًا أبدَلها، وإن كانت تطوعًا فإن شاء أبدَلها وإن شاء تركها .
قال أبو عمرَ: لا خلافَ فى هذا بينَ العلماءِ، وأصلُهم فيه : الصلاةُ النافلةُ
لا تُقضى لمن غلَبه(٢) عليها ما يُفسدُها، والنذرُ والصلاةُ الفريضةُ ما غلَبه عليها
من الحدثِ وغيرِه لا يُسقطُها . قال عبدُ الرزاقِ : عن ابن جريج، عن عطاءٍ قال :
أما النذرُ فإن كان للمساكينِ فكان بمنزلةٍ جزاء الصيدِ، وإن قال: علىَّ بدنةٌ أو
هدیّ. ولم یذکر فیه شيئًا ، فهو وهدى المتعة سواءٌ ؛ ليُهدِ منهما لمن هو غنئِّ
عنهما مِن صديقٍ أو ذى رحِم ، ولْيأكُلْ هو وأهلُه ، ولْيتصدَّقْ، ولْينتفع بجلودِها
ولا يبغ. قال: وهدىُ المتعةِ كهدى المحصَرِ فیما يؤكلُ منه سواءٌ. واختلفوا
فى هدى التطوع إذا عطِب وقد دخَل الحرمَ؛ فقال منهم قائلون: إذا دخَل الحرمَ
فقد بلَغ مجِلَّه، والحرمُ كلَّه ومكةُ ومِنّى سواءٌ؛ لأنه حرمٌ كلُّه. وأجمعوا أن قولَه
عزَّ وجلَّ : ﴿ثُمَّ يَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. لم يُرَدْ به الذبخ ولا
النحرُ فى البيتِ العتيقِ؛ لأن البيتَ ليس بموضع للدماءِ، لأن الله تعالى قد أمر
بتطهيرِه، وإنما أراد بذكرِه البيتَ العتيقَ مكةً ومنَّى. وكذلك قال وَلِّ: ((مكَّةُ
القبس
(١) فى م: ((فتقول)).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور - كما فى المحلى ٤٢٢/٧ - عن سفيان به .
(٣) فى م: ((غلب)).
١٨٨
ء
الموطأ
كلّها منحَرٌ)). يعنى فى العمرة، ((ومنَّى كلَّها منحَرٌ)). يعنى فى الحجّ. الاستذكار
فالحرمُ كلُّه كمكةً(٢) ومنّى؛ لأن ذلك كلَّه حرمٌ ، فإذا عطِب الهدىُ التطوعُ فى
الحرمِ جاز لصاحبِهِ أن يأكل منه. وإذا كان هديًا واجبًا، وبلَغ الحرمَ وعطِب،
فقد جزَى عنه ؛ لأن العلةَ فى سياقةِ الهدي إطعامُ مساكينِ الحرم . وهذا كلُّه قولُ
الشافعىِّ، وعطاءٍ، وكثيرٍ من العلماءِ. وروَى ابنُ جريجٍ، وحبيبٌ المعلمُ،
وغيرهما، عن عطاءٍ قال: كلَّ هدي بلَغ الحرمَ ، فعَطِب، فقد أجزَأ. وقد اتفَق
العلماءُ على أن قتلَ الصيدِ بمكةً ومنّى وسائرِ الحرمِ سواء فى وجوبِ الجزاءِ،
وقال وَلَّه فى مكةَ: ((لا يُختَلَى خلاها، ولا يُنفَّرُ صيدُها، ولا يُعضَدُ
شجرها))(٢). وأجمعوا أن الحرمَ كلَّه فى ذلك حكمه حكمُها ، وقد قال مالك:
مَن أَحرَم من الميقاتِ قَطَع التلبيةَ إذا دخَل الحرمَ. ومن قولِه: إن الحرمَ لا يُدخَلُ
إلا ياحرام . فسواء فى ذلك بينَ الحرم ومکةً ، إلا أن مذهبهفیما عطِب أو نُحِر من
الهدي قبلَ بلوغ مكةً أنه لا يُجزئُّ؛ لقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ
الْعَتِّيقِ﴾. واحتجّ له إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضى بإجماعِهم على أن الطوافَ
والسعىَ لا يكونان إلا بمكةً، وأن رمىَ الجمارِ لا يكونُ إلا بمنّى، وكذلك
النحرُ لا یکونُ إلا فیھما .
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٨٩٩).
(٢) فى م: ((مكة)).
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٠٨) من الموطأ .
١٨٩
الموطأ
هَدىُ المحرِمِ إذا أصاب أهلَه
٨٧٤ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ الخطابِ ،
وعلىَّ بن أبى طالبٍ، وأبا هريرةَ، سُئِلوا عن رجلٍ أصاب أهله وهو محرمٌ
بالحج ، فقالوا : يَنفُذان لوجههما حتی یقضیا حجّهما، ثم علیھما حُ
قابلٍ والهَدىُ. قال: وقال علىُّ بن أبى طالب: وإذا أهلًا بالحجُّ من عامٍ
قابل تفرّقا حتى يقضيا حجّهما .
الاستذكار
بابُ هدي المحرمِ إذا أصاب أهلَه
مالكٌ، أنه بلّغَه أن عمرَ بنَ الخَطَّابِ، وعلىَّ بن أبى طالبٍ، وأبا
هريرةَ، سُئلوا عن رجلٍ أصاب أهلَه وهو محرمٌ بالحجّ، فقالوا: يَنفُذان(١)
لوجهِهما حتى يقضِيا حبّهما، ثم عليهما حُ قابلٍ والهدىُ. قال :
وقال علىُّ بن أبى طالبٍ: وإذا أهلًا بالحجُّ من عامِ قابلٍ تفرَّقا حتى
يقضيا حجّهما(٢).
القبس
(١) بعده فى م: ((يمضيان)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/٥و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٢٣٠). وأخرجه
البيهقى ١٦٧/٥ من طريق مالك به .
١٩٠
الموطأ
٨٧٥ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، أنه سمِع
سعیدَ بنَ المُسيَّبِ یقول : ما ترون فی رجلٍ وقَع بامرأته وهو محرمٌ ؟
فلم يقلْ له القومُ شيئًا، فقال سعيدٌ : إن رجلاً وقَع بامرأتِه وهو
محرمٌ، فبعَث إلى المدينةِ يسألُ عن ذلك. فقال بعضُ الناسِ : يُفرَّقُ
بينَهما إلى عامٍ قابلٍ. فقال سعيدُ بنُ المُسيَّبِ: لِيَنفُذا لوجهِهما
فلیُتِمَّا حجهما الذی أفسدا ، فإذا فرغا رجعا ، فإن أدرَ کھما حُ قابلٍ
فعليهما الحجّ والهدىُ، ويُهِلَّان من حيثُ أهلًا بحجّهما الذى
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقولُ: ما ترون فى الاستذكار
رجلٍ وقَع بامرأتِه وهو محرمٌ؟ فلم يقلْ له القومُ شيئًا، فقال سعيدٌ: إن رجلاً وقَع
بامرأته وهو محرمٌ، فبعَث إلى المدينةِ يسألُ عن ذلك . فقال بعضُ الناسِ : يُفرَّقُ
بينَهما إلى عامٍ قَابلٍ . فقال سعيدُ بنُ المسيَّبِ: لِيَتْفُذا لوجهِهما فلْيْتمَّا حجّهما
الذی أفسداہ ، فإذا فرغا رجعا ، فإن أدرَ کھما حُ قابل فعليهما الحج والهدئُّ،
ويُهِلَّان من حيثُ أهلَّا بحجّهما الذى أَفَسَدا، ويتفرَّقان حتى يَقْضِيا حجّهماً(١).
قال مالكٌ : يُهدیان جميعًا بدنةً بدنةً .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/٥، ٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٢٣١).
وأخرجه البيهقى ١٦٨/٥، والمصنف فى جامع بيان العلم (٧٦٦) من طريق مالك به .
١٩١
الموطأ أَفسَدا، ويتفرَّقان حتى يقضيا حجّهما.
قال مالكٌ: يُهديان جميعًا بدنةً بدنةً .
قال یحیی : قال مالك فى رجل وقَع بامراته فى الحجُ ما بينَه وبين أن
يدفعَ من عرفَةً ويَرمىَ الجمرةَ ، أنه يجبُ عليه الهدىُّ وحُ قابلٍ . قال:
الاستذكار
قال أبو عمرَ: قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتُ فَمَنْ فَرْضَ
فِيهِنَ اْحَجَّ فَلَ رَفَثَ﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]. وأجمع علماء المسلمين على أن
وطءَ النساءِ على الحاجُ حرامٌ مِن حينٍ يُحرمُ حتى يطُوفَ طواف الإفاضةِ،
وذلك لقولِه تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾. والرَّفَتُ فى هذا الموضعِ الجِمَاعُ عندَ
جمهورِ أهلِ العلمِ بتأويلِ القرآنِ، وقد قيل غيرُ ذلك، والصوابُ عندَهم ما
ذكّرتُ لك فى تأويلِ الرفثِ فى هذه الآيةِ .
وأجمعوا على أن مَن وطِئَ قبلَ الوقوف بعرفةً فقد أفسَد حجّه، ومن وطِئَ
مِن المعتمِرين قبلَ أن يطوفَ بالبيتٍ ويسعى بين الصفا والمروةِ فقد أفسد
عمرتَه، وعليه قضاءُ الحجّ والهدىُ قابلًا، وقضاءُ العمرةِ والهدىُ فى كلِّ وقتٍ
یمکنُه ذلك .
واختلفوا فيمن وطِئَ أهلَه بعدَ عرفةً وقبلَ رمي جمرة العقبةِ، وفيمن وطِئَ
قبلَ الإفاضةِ أيضًا، وسنذكُرُ ذلك فيما بعدُ إن شاء اللهُ.
فأما اختلافُهم فيمن وطِئَ بعدَ عرفةً وقبلَ أن يرمىَ الجمرةَ ؛ فقال مالكٌ فى
((موطئِه)) فى رجلٍ وقَع بامرأته فى الحجّ ما بينَه وبينَ أن يدفَعَ مِن عرفةً ويرمِىَ
القبس
١٩٢
الموطأ
فإن كانت إصابته أهله بعد رمى الجمرة ، فإنما عليه أن يعتمر ويُهدى ،
وليس عليه حج قابل .
الجمرةَ، أنه يجبُ عليه الحجُ قابلًا والهدىُ. قال: فإن كانت إصابتُه أهلَه الاستذكار
بعد رمي الجمرة فإنما علیه أن يعتمر ويُهدِیَ، وليس عليه حُ قابلٍ . وروَی
ابنُ أبى حازمٍ وأبو مصعبٍ، عن مالك أنه رجع عن قولِه فى ((الموطاً)) فيمن
وطِئ بعدَ الوقوفِ بعرفةً وقبلَ رمي الجمرةِ ، أن حجّه يَفسُدُ بوطئِه ذلك،
وقال: ليس عليه إلا العمرةُ والهدىُ، وحجّه تامّ، كمن وطِئ بعدَ رمي
الجمرة سواءً. قال أبو مصعبٍ : إن وطِئ بعدَ طلوع الفجرِ مِن ليلةِ النحرِ
فعليه العمرةُ(١) والهدىُ، وإن كان قبلَ طلوع الفجرِ فقد فسد حُه. وفی
((الأسدية)) لابنِ القاسم: إن وطِئ بعدَ مغيبِ الشمسِ يومَ النحرِ فحُه تامّ ؛
رمَى الجمرةً أو لم يرمٍ. وقد تقصَّينا الاختلافَ فى ذلك عن مالكٍ وأصحابِه
فى كتابٍ ((اختلافِهم)) .
وروَى ابنُّ وهبٍ وغيرُه عن مالكِ فى ((الموطأُ)) أيضًا؛ قال مالكٌ فى
((الموطأُ)): مَن أفسَد حجّه أو عمرتَه بإصابةِ نساءٍ ، فإنه يُهلَّ مِن حيثُ كان أهَلَّ
بحجّه الذى أفسد أو عمرتِه ، إلا أن يكونَ أهَلَّ مِن أبعدَ مِن الميقاتِ ، فليس عليه
أن يُهلَّ إلا من الميقاتِ. وقال ابنُّ القاسم وأشهبُ ، عن مالكٍ فى الذى يُفسِدُ
حجَّه بإصابةِ أهلِه: يحُجَّان من قابلٍ ، ويفترقان إذا أحرَما . قال : فقلتُ له : ولا
القبس
(١) فى الأصل، م: ((الفدية)).
١٩٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٣/١١)
الموطأ
الاستذكار يؤخّران ذلك حتى يأتىَ الموضعُ الذى أَفسَدا فيه حجّهما؟ فقال: لا ، وهذا
الذى سمِعتُ . قال أشهبُ : فقلتُ له : مما افتراقُهما؟ أيفترقان فى البيوتٍ ، أو
فى المناهل؛ لا يجتمعان فى منھَل ؟ قال : لا يجتمعان فى منزل ، ولا يتسایران ،
ولا فى الجُخْفَةِ(١) ولا بمكةَ ولا بمنّى .
وقال الثورىُّ: إذا جامع المحرم امرأته أفسد حبّه وحجّها ، وعليه بدنةٌ ،
وعليها أخرى ، فإن لم تكنْ بدنةٌ أْزَا(٢) كلَّ واحدٍ منهما شاً ، ثم يمضيان فى
حجّهما ، فإذا فرَغا من حجّهما حلَّ ، وعليهما الحجُ من قابل ، ولا ينزلان بذلك
المکانِ الذی تواقعا فیه إلا وهما مُهلَّان ، ثم يفترقان (١) من ذلك المكانِ ، ولا
يجتمعان حتى يفرغا من حجّهما، لا يكونان فى مَحْمِلِ) ولا فسطاطِ . وقال
أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إذا جامع المحرِمُ امرأتَه(٥) قبلَ الوقوف بعرفةً
كان على كلِّ واحدٍ منهما شاةٌ يذبَحُها، ويتصدقان(١) بلحمِها ، ويقضيان(٧)
حّهما مع الناسٍ، وعليهما الحجّ من قابلٍ، ولا يفترقان، فإن جامَع بعدَ
الوقوف بعرفةً، فعليه بدنةٌ - ويجزُه شاةٌ - ولا حجّ عليه. وقال الشافعىُّ :
القبس
(١) فى الأصل، م: ((الجعفة)). والجحفة: ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا على المدينة. ينظر
مراصد الاطلاع ٣١٥/١.
(٢) فى م: (( أخرى)).
(٣) فى الأصل، م: ((يفترقا)).
(٤) المخيل: الهودج. المصباح المنير (ح م ل) ..
(٥) فى الأصل، م: ((امرأة)). والمثبت من المبسوط ١١٨/٤.
(٦) فى الأصل، م: ((يتصدقا )).
(٧) فى الأصل، م: ((يقضيا)).
١٩٤
الموطأ
الجماعُ يُفسِدُ الإحرامَ - ما كان - إذا جاوَز الختانَ، فإذا جامع المفردُ أو القارنُ الاستذكار
فعليه أن يمضِىَ فى إحرامِه حتى يفرغَ، ثم يحُجَّ قابلًا بمثلٍ إحرامِه الذى أفسد ؛
حائَّجًا قارنًا أو مفرِدًا(١)، ويُهدىَ بدنةً تجزئُ عنهما معًا، وإذا أهلًّا بقضاءٍ
حجّهما أهلًا مِن حيثُ أهلًّاً أولًا وإن كان أبعدَ مِن الميقاتِ ، فإن كانا أهلًّا
بالإحرام الذى أفسدا (" من أقرب٢) مِن ميقاتِهما أحرَما مِن ميقاتهما، فإن جاوَزاه
أهرَقا(٣) دمًا(٤). وقال أبو ثورٍ مثلَ قولِ الشافعىِّ، إلا أنه قال: على المرأةِ (٥) إن
كانت طاوَعته دمٌ مثلُ ما على الرجلِ، ولا يفترِقان .
قال أبو عمرَ: تلخيصُ أقوالِهم ، أن مالكًا ذهَب إلى أن مَن وقَع بأهلِه بعدَ
الوقوفِ بعرفةً وقبلَ رمي جمرة العقبةِ فقد فسَد حبُّه. وهو قولُ الأوزاعىِّ ،
والشافعىِّ، وأبى ثورٍ (١). وقال أبو حنيفةً وأصحابُه والثورىُّ: إذا وطِئ بعدَ
الوقوف بعرفةً فعليه بدنةٌ وحَجُّه تامّ. وقال مالكٌ: يُجزئُ الواطئَ شاةٌ كسائرٍ
الهَدَايا. وهو قولُ أبى حنيفةَ. وقال الشافعىُ: لا يجزئُّ الواطئَ إلا بدنة أو سَبعٌ
مِن الغنمِ .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((معتمرًا)) . والمثبت يقتضيه السياق .
(٢ - ٢) سقط من: م. وفى الأصل: ((من افرد من أقرب).
(٣) فى م: (( أهديا)).
(٤) بعده فى الأصل: (( فان جاء من عشره الكلب اعزية اهلا من هذا الموضع الذى اهلا منه اولا)) !
(٥) بعده فى الأصل، م: ((إلا)).
(٦) فى الأصل، م: ((حنيفة)). والمثبت موافق للكلام المتقدم.
١٩٥
قال یحیی : قال مالك : والذى يُفسِدُ الحج أو العمرةَ - حتى يجب عليه
الموطأ
فى ذلك الهدىُ فى الحج أو العمرةِ - التقاءُ الخِتانين، وإن لم يكنْ ماء دافقٌ .
قال: ويُوجبُ ذلك أيضًا الماءُ الدافقُ إذا كان من مُباشرةٍ ، فأما رجلٌ ذكّر
شيئا حتى خرج منه ماء دافقٌ فلا أرى عليه شيئًا .
قال مالك: ولو أن رجلًا قبّل امرأته ولم یکنْ من ذلك ماء دافقٌ ، لم
يكنْ عليه فى القُبلةِ إِلا الهَدئُ .
الاستذكار
وقال مالكٌ: الذى يُفسدُ الحجّ والعمرةَ التقاءُ الختانَين، وإن لم يكنْ ماءٌ
دافٌ. قال: ويوجِبُ ذلك أيضًا الماءُ الدافقُ إذا كان من مباشرةٍ ، فأما رجلٌ
ذكر شيئًا حتى خرج منه ماء دافقٌ فلا أرى عليه شيئًا ) . قال: ولو قبل امرأته ولم
يكنْ مِن ذلك ماء دافٌ، لم يكنْ عليه فى القُبلةِ إلا الهدىُ .
هذا كلُّه قولُه فى ((الموطأُ)). وجملةُ مذهبِه عندَ أصحابِهِ ، أنه مَن لمس
فقبَّل(٢) فأَنزَل، أو تابعَ النظرَ فأنزل، فقد فسَد حُه. وقال الأوزاعىُّ: إن لمَس
فَأَنزَل، أو وطِئَ دونَ الفرج فأَنزَل، فقد أفسَد حجّه. وقال "عبيدُ الله٣ِ) بنُ
الحسن : إذا لَمس فأنزَل فقد أفسَد حجّه. قال (٤عبيدُ اللهُ): وإن نظَر فأنزل لم
يفشُدْ حُّه . وقال الشافعىُّ : الذى يُفسدُ الحجّ مِن الجماع ما يوجبُ الحدّ،
وذلك أن تغيبَ الحَشَفةُ ويلتقِىَ الخِتانان ، لا يُفسدُه شىءٌ غيرُ ذلك . قال: وإن
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) كذا فى: الأصل، م. ولعل الصواب: ((أو قبّل)).
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((عبد الله)). وقد تقدم على الصواب مرارًا.
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((عبيد)).
١٩٦
الموطأ
قال یحیی : قال مالك : وليس على المرأة التى يُصیئها زوجها ،
وهى محرمةٌ مِرارًا ، فى الحجّ أو العمرةِ ، وهى له فى ذلك مُطارِعةٌ - إلا
الهَدىُ وحجُ قابلٍ إن أصابها فى الحجّ، وإن كان أصابها فى العمرة
فإِنما عليها قضاءُ العمرةِ التى أفسدت ، والهَدىُ .
جامَع دونَ الفرج فأحبُّ إلىّ أن ينحرَ بدنةً، ويجزُه شاةً . قال: وكذلك كلُّ ما الاستذكار
تلذَّذ به(١) مِن امرأتِه مِن قُبلةٍ أو مباشرةٍ أو غيرِها، أجزأه الدمُ . قال: وتُكفِّرُ المرأةُ
إذا تلذَّذت بالرجل كما يكفِّرُ الرجلُ . وبذلك كلِّه قال أبو ثورٍ . وقال أبو حنيفةً:
لا يُفسِدُ الحجّ إلا أن يُنزِلَ() .
قال أبو عمرَ : حُجّةٌ مَن لم يرَفسادَ الحجّ إلا بالوطءِ فى الفرج القياسُ على
ما أجمَعوا عليه مِن وجوبٍ الحدِّ، وعِلَّةُ مَن جعَل الإفسادَ بالإنزالِ فى الفرجِ وفى
غيرِ الفرجِ القياسُ على ما أجمَعوا عليه من الغُسلِ ، واتفقوا فيمن قبَّل وهو محرمٌ .
قال مالكٌ: ليس على من جامع مرارًا إلا هدىّ واحدٌ، وعليها(*) واحدٌ إِن
طاوعته . وقال أبو حنيفةً: إن كرّر الوطءَ فى مجلسٍ واحدٍ أجزأه هدىٌ واحدٌ ،
وإن كان فى مجالسَ مختلفةٍ فعليه فى كلِّ مجلسٍ هدىٌ. وقال محمدُ بنُ
الحسنِ: يجزئُّه هدىٌ واحدٌ ما لم يبعُدْ وطؤُه الأولُ. وللشافعيِّ فى ذلك ثلاثةُ
أقوالٍ ؛ أحدُها ، كقولٍ مالكٍ، وهو الأشهرُ عنه. والآخرُ، عليه فى كلِّ وَطءٍ
هدئ. والآخِرُ، إن كان قد كفَّر فعلیه هدیٌ آخرُ. مثلُ قولِ محمدٍ .
القبس
(١) ليس فى: الأصل ، م. والمثبت من الأم ٢١٨/٢.
(٢) أى: فى الفرج. ينظر المبسوط ١٢٠/٤ .
(٣) فى الأصل، م: ((الحاج)).
(٤) ليس فى : الأصل ، م . والمثبت يقتضيه السياق.
(٥) فى الأصل، م: ((عليهما)).
١٩٧
الموطأ
الاستذكار. واختلفوا فيمن وطِئ امرأته ناسيًّا؛ فقال مالك: سواءٌ وطِئ ناسيًّا أو عامدًا
فعلیه الحُ قابلًا(١) والهدئُ. وهو قولُ الشافعى فى القدیم، وقال فى الجديد :
لا كفارةً عليه إذا وطِئ ناسيًا ولا قضاءً. و(١)من أصحابِ الشافعيِّ مَن قال: لا
يختلفُ قولُه أنه لا قضاءَ عليه ولا كفارةَ ، كالصيامِ .
قال أبو عمرَ : أحکامُ الحجّ فی قتلِ الصیدِ ولُبسِ الثيابِ وغير ذلك، يستوى
فيه الخطأُ والعمدُ، فكذلك يجبُ أن يكون الوطءُ فى الحجّ. واللهُ أعلمُ .
وقال مالكٌ: كلُّ نقصٍ دخَل الإحرامَ؛ من وطءٍ، أو حلقٍ شَعَرٍ ، أو إحصارٍ
بمرضٍ ، فإن صاحبه إذا لم يجدِ الهدىَ صام ثلاثةَ أيامٍ فى الحجِ وسبعةً إذا رجع،
لا مدخلَ للإطعامِ فيه . وقال أبو حنيفةً: كلُّ جنايةٍ وقَّعت فى الإحرامِ فلا يجزئُّ
فيها إلا الهدىُ، ولا يجوزُ فيها الصيامُ ولا الإطعامُ. وقال الشافعىُّ: على
المجامِعُ(١) بدنةٌ، فإن لم يجِدْ قُوَّمتِ البدنةُ دراهمَ، وقوَّمتِ الدراهم طعامًا ، فإن لم
يجِدْصام عن كلِّ مدِّ يومًا، إلا أن الطعامَ والهدىَ لا يُجزُه واحدٌ منهما إلا بمكةً أو
بمنّى ، والصومُ حيثُ شاء. وقال محمدُ بنُ الحسن نحوَ قول الشافعىِّ .
وقال مالك : من أکره امرأته فعليه أن يُحِبّها من ماله، ويُهدىَ عنها كما
يُهدى عن نفسِه، وإن طاوَعتْه فعليها أن تحجّ وتُهدىَ من مالِها . وهو قولُ أبی
حنیفةً ، إلا أنه قال: وإن أکرهها فإنها تحُ من مالها ، ولا ترجئُ به على من
أكرهها . وقال أصحابُه: ترجعُ بكلِّ ما أنفقَت على الزوج إذا أكرهها . وقال أبو
القبس
(١) فى الأصل، م: ((قابل)). وينظر المدونة ٤٢٦/٢.
(٢) ليست فى : الأصل ، م . وإثباتها أنسب للسياق .
(٣) فى الأصل: ((الحج))، وفى م: ((الحاج))، والمثبت يقتضيه السياق. وينظر مختصر اختلاف العلماء ١٩٥/٢ .
١٩٨
الموطأ
ثورٍ ، وأحمدُ ، وإسحاقُ ، كقولٍ مالكٍ. وقال الشافعىُّ: إن طاوَعتْه فعليهما أن الاستذكار
يُحُجًا ويُهديا بدنةً واحدةً عنه وعنها. كقولِه فى الصوم: إن كفارةً واحدةً
تجزئُ عنهما. ولم يختلفْ قولُه على الرجلِ إذا أكرهها أن يُحِبّها ولا
شىءً عليها .
قال أبو عمرَ : قد قال الشافعىُّ فى حلال حلَق رأسَ محرمٍ لغيرِ أمرِه : إن على
المحرمِ الفديةَ، ويرجِعُ على الحلالِ. قال مالكٌ: مَن وطِئ امرأتَه فأفسد
حجتَه، فإنهما يحُبَّان مِن قابلٍ، فإذا أهلًا تفرَّقا مِن حيثُ أحرَما. وقال
الثورىُّ والشافعىُّ : يفترِقان مِن حيثُ أفسَدا الحجةَ الأولى. وقال أبو
حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ : لا يفترِقان . وهو قولُ أبى ثورٍ. وقال زُفرُ:
يفترقان .
قال أبو عمرَ: الصحابةُ رضِى اللهُ عنهم على قولَين فى هذه المسألةِ ؛
أحدُهما، يفترقان مِن حيثُ أَحرَماً(١) . والآخرُ، يفترقان من حيثُ أَفسَدا
الحجّ. وليس عن أحدٍ منهم: لا يفترِقان(١). واختلف التابعون فى ذلك؛
فبعضُهم قالوا: (يفترقان. وبعضُهم قالوا : لا يفترِقان(٤).
القبس
(١) بعده فى م: ((والآخر يفترقان من حيث أحرما)).
(٢) ينظر سنن البيهقى ١٦٧/٥، ١٦٨، والمحلى ٧/ ٢٧٥، ٢٧٦.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٣٧، ١٣٨.
١٩٩
الموطأ
هدئ من فاته الحج
٨٧٦ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أنه قال :
أخبرنى سليمانُ بنُ يسارٍ ، أن أبا أيوب الأنصارىَّ خرَج حامجًا ، حتى إذا
كان بالنَّازِيَةِ مِن طريقٍ مكةَ أَضلِّ رواحلَه، وأنه قدِم على عمرَ بنِ
الخطابِ يومَ النحرِ ، فذكر ذلك له، فقال عمرُ: اصنَعْ كما يصنَعُ
المعتمُ، ثم قد حللتَ ، فإذا أُدرَ کك الحُ قابلًا فاحجج ، وأهْدِ ما
استيسَر من الهدي .
الاستذكار
بابُ هدىٍ مَن فاته الحجّ
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أنه قال: أخبرنى سليمانُ بنُ يسارٍ ، أن أبا
أيوب الأنصارىَّ خرَج حائًّا حتى إذا كان بالنَّازِيَةِ(١) مِن طريقِ مكةً أضلَّ
رواحلَه، وأنه قدِم على عمر بن الخطاب يوم النحرِ ، فذكر ذلك له ، فقال عمر:
اصنع كما يصنَعُ المعتمِرُ، ثم قد حلَلتَ، فإذا أدرَكك الحجّ قابلًا فاحجُجْ،
وأهْدِ ما استيسَر مِن الهدي(١) .
القبس
٠٠
(١) النازية: عين ثَرَّةً - غزيرة الماء - على طريق الآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء وهى إلى
المدينة أقرب. معجم البلدان ٧٢٨/٤، واللسان (ث ر ر).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٧/٥و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٤٢٩). وأخرجه
الشافعى ١٦٦/٢، والبيهقى ١٧٤/٥ من طريق مالك به.
٢٠٠