النص المفهرس

صفحات 101-120

الموطأ
قال أبو عمرَ: قولُ مالكٍ، والليثِ بنِ سعدٍ، وأبى ثورٍ، أسعَدُ بظاهِرٍ التمهيد
الحديثِ، وأَقْيَسُ فى قولٍ مَن أوجَبَ السَّعىَ بينَ الصَّفا والمروةِ فَوْضًا .
وأمَّا قولُ مَن قال: إِنَّ رسولَ اللهِ ﴾ کان شا کیًا . فحُجّتُه فى ذلك حديثُ
عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال : حدَّثنا یزیدُ بنُ
أبى زيادٍ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لِهِ قَدِمَ مكةً وهو
يُشْتَكِى، فطاف على راحِلَتِه، كلَّما أتَى على الركنِ استلَمَ بمِحْجَنٍ، فلمَّا فَرَغ
مِن طوافِه أناخ فصلَّى ركْعَتينِ (١).
ومثلُ هذا قولُه ◌َله لأمّ سلمةَ حينَ اشْتَكَت إليه: ((طُوفى مِن وَراءِ الناسِ
وأنتِ راكِبٌ))(٢).
وقد اختَلَف الفقهاءُ فى السَّعي بينَ الصَّفا والمروةِ على الهَيْئَةِ المذكورة
فيه، هل هو مِن فُروضٍ الحجّ أو مِن سُتَيِه؟ فالذى ذهَب إليه مالكٌ،
والشافعىُّ، ومَن اتَّبَعَهما وقال بقولهما، أنَّ ذلك فرضٌ لا ينوبُ عنه الدَّمُ ،
ولا بُدَّ مِن الإتيانِ به، كالطَّوافِ بالبيتِ الطّوافَ الواجبَ سَواءٌ. وهو قولُ
٠
القبس
(١) أبو داود (١٨٨١). وأخرجه البيهقى ١٠٠/٥ من طريق خالد به، وأخرجه أحمد ٤٩٣/٤
(٢٧٧٢)، وعبد بن حميد (٦١١ - منتخب) من طریق یزید بن أبي زياد به .
(٢) تقدم فى الموطأ (٨٣٩).
١٠١

الموطأ
. .
التمهيد أحمدَ بنِ حنبلٍ، وإسحاقَ ابنِ راهُويَه، وأبى ثورٍ، وداودَ. وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه والثورىُّ: السَّعىُ بينَ الصَّفا والمروةِ ليسَ بواجبٍ، فإنْ ترَكَه
أحدٌ مِن الحجّاجِ حتى يَرجِعَ إلى بلادِهِ جَبَره بالدَّمِ؛ لأَنَّه سنَّةٌ مِن سُننٍ
الحَجّ، وسُنَنُ الحجّ تُجْبَرُ بالدَّمِ إذا سقَطَ الإتيانُ بها. هذا هو قولُ الثورىِّ .
ورُوِى عن قتادةَ والحَسَنِ البصرىِّ مثلُهُ(١). وأمَّا أبو حنيفةً وأصحابُه فقالوا :
إِن تَرَك أربعةً أشواطٍ مِن السَّعْي بينَ الصَّفا والمروةِ فعليه دمّ، وإن ترَك أَقَلَّ
كان عليه لكلِّ شَوطِ إطعامُ مسكينٍ نصفَ صَاعٍ مِن حِنْطَةٍ. قالوا: وإن
ترَكَ ذلك فى العمرة أو فى الحجّ ناسيًّا فعليه دمٌ. وقال قومٌ: هو فَرَضٌ فى
العمرةٍ ، وليسَ بفَرضٍ فى الحجّ. وقال طاوسٌ: من تَرَك السَّعىَ بينَهما فعليه
عُمرةٌ. واختَلَف فيه قولُ عطاءٍ (١) . ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، وابنِ الزبيرِ،
وأنسٍ بنِ مالكٍ، وابنٍ سيرينَ، أَنَّه تطَوَّعُ(٢). وحَّةُ أبى حنيفَةَ ومَن قال
بقوله فى السعي بينَ الصَّفا والمروةِ أنَّه ليس بفَرْضِ - قولُ رسولِ اللهِ وَلِهِ :
((الحجّ عرفاتٌ، فمَنْ أَدرَكها فقد أدْرَكَ الحَجَّ))(١). قالوا: فصار ما سِواه
يُنُوبُ عنه الدَّمُ. قالوا: وإنَّما السَّعْىُ بينَ الصَّفا والمروةِ تَبَعُ للطّوافِ، كما
أنَّ المبيتَ بالمزدَلِفَةِ تَبَعْ للوقوفِ بعرَفَةً، فلمَّا ناب عن المبيتِ بجَمْعِ
الدَّمُ، فكذلك يُنُوبُ عن السَّعي الدَّمُ.
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٨٨، ٨٩.
(٢) تقدم تخريج هذه الآثار ص ٨٨.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٣٥٦.
١٠٢

الموطأ
قال أبو عمرَ: أمَّا الوقوفُ بعرفةَ ففرضٌ مُجتَمَعٌ عليه، وأمَّا المبيتُ أو التمهيد
خُضورُ المِزْدَلِفَةِ للصلاةِ والذِّكرِ بها، فمُختَلَفٌ فى فَرْضِه، وإن كان
مالِكٌ، وأبو حنيفةً، والشافِعِىُّ، لا يَرَوْنَه فَرْضًا. وسيأتى ذِكْرُ محُكْم
الوقوفِ بعرَفَةَ والمبيتِ بجَمْعِ فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن سالم ، إن
شاء اللهُ .
والحجّةُ لِمَن أُوجَبَ السَّعىَ بينَ الصفا والمروةِ فرضًا على مَن لم
يُوجِبْه، أنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ فَعَلَه وقال: ((خُذوا عنِّى منَاسِكَكم)) (١). فصارَ
بيانًا لمجْمَلِ الحَجّ، فالواجبُ أن يكونَ فَوْضًا، كبيانِه لرَكَعاتِ الصَّلواتِ
وما كان مثلَ ذلك إذا(٢) لم يُتَفَقْ على أنَّه سُنَّةٌ أو تطَوَّعْ، وقد قال اللهُ عَزَّ
وجلَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. فإن احتَجَّ مُحْتَجّ بقراءةِ ابنِ
مسعودٍ وما فى مُصْحَفِه، وذلك قولُه: ( فلا جناحَ عليه ألَّ يطَّوَّفَ بهما ).
قيل له: ليسَ فيما سقَطَ مِن مُصْحَفِ الجماعةِ حُجَّةٌ؛ لأنَّه لا يُقْطَعُ به على
اللهِ عزَّ وجلَّ، ولا يُحْكَمُ بأنَّه قرآنٌ إلَّ بما نَقَلْه الجماعةُ بينَ اللَّحينِ.
وَأحسَنُ ما رُوِىَ فى تأويلِ هذه الآيةِ ما ذَكَرَه هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه،
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ٣٥٤ - ٣٥٩، ٣٧٥ - ٣٨٢.
(٢) تقدم تخريجه ص ٨٢ ، وفى ٩٧/٢ ، وسيأتى فى شرح الحديث (٩٦٢) من الموطأ .
(٣) فى ق، م: ((إِذ)).
١٠٣

الموطأ
التمهيد
عن عائشةَ قالت: كانت مَنَاةُ على ساحلِ البحرِ، وحولَها الفُرُوثُ والدِّمَاءُ
ممَّا يَذْبَحُ بها المشركون، فقالتِ الأنصارُ: يا رسولَ اللهِ، إِنَّا كنّا إذا
أحرَمْنا لمَنَاةَ(١) فى الجاهليةِ لم يَحِلَّ لنا فى ديننا أن نطوفَ بينَ الصَّفا
والمروة. فأنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ مِن شَعَّبِ اللَّهِ فَمَنْ
حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَعَّوَّفَ بِهِمَأَ﴾. قال عروةُ :
أمّا أنا فلا أَبَالِى أَلَّ أَطُوفَ بينَ الصَّفا والمروةِ. قالت عائشةُ: لِمَ يابنَ
أُخْتِى؟ قال: لأَنَّ اللهَ يقولُ: ﴿فَلَّ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَعَّوَّفَ بِهِمَّأَ﴾.
فقالت عائشةُ: لو كان كما تقولُ لكانَ: فلا بجناح عليه ألَّ يَطّوَّفَ
بهما. فلعَمْرِى ما تَكَتْ حَجَةُ أُحدٍ ولا عُمرَتُه إن لم يَطُفْ بينَ الصَّفا
والمروةٍ (٢).
وزَواه الزهرىُّ، عن عروةَ، عن عائشةً مثلَّه(٣).
وقال فيه معمرّ، عن الزهرِىِّ: فَذَكَوْتُ ذلك لأبى بكرٍ بن
عِبدِ الرحمنِ"بن الحارثِ" بنِ هشامٍ، فقال: هذا العِلْمُ(٢)! وقد روّى
القبس
(١) فى الأصل، م: ((بمداة)).
(٢) تقدم فى الموطأ (٨٤٥) .
(٣) أخرجه أحمد ٤٨/٤٢، ٧٨/٤٣، ٧٩ (٢٥١١٢، ٢٥٩٠٥)، والبخارى (١٦٤٣،
٤٨٦١)، ومسلم (٢٦١/١٢٧٧ - ٢٦٣) من طريق الزهرى به .
(٤ - ٤) سقط من ؛ م.
(٥) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٧١٩/٢ من طريق معمر به.
١٠٤

الموطأ
مالكٌ هذا الحديثَ، عن هشام بن عروةً بمعنَّ واحدٍ ، وسنَذْكُرُه فى بابٍ التمهيد
هِشامٍ مِن هذا الكتابٍ إن شاء اللهُ(١).
ورَوَى ابنُ جريج، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِ قال لها:
( طَوَافُكِ بالبيتِ وبينَ الصفا والمروةِ يُجزِئُكِ - أو يَكَفِيكِ - لحَجُكِ
وعُمْرتِكٍ))(٢).
قال أبو عمرَ: ولو لم يكنْ واجبًا لما قال: ((يُجْزِئُكِ)). واللهُ أعلمُ. فقد
تَبَّرَ بما ذكّرَتْه عائشةُ مَخْرَجُ نُزولِ الآيةِ على أىِّ شىءٍ كان، وَيَّنَ رسولُ اللهِ
حَدَ ذلك بطَوافِه بينَ الصَّفا والمروةِ، وقوله: ((اسْعَوا بينَهما، فإنَّ الله كَتَبَ
عليك السَّعىَ)). و((كتَبَ)) بمعنَى ((أوْجَبَ))، كقولِ اللهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وكقولِ رسولِ اللهِ وَ له فى الخمس الصلواتِ:
((كتَبَهُنَّ اللهُ على العبادِ )) (١ . ومثلُه كثيرٌ.
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا سُريْجُ بنُ النَّعمانِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ
المؤمَّلِ، عن عطاءٍ، عن صَفيَّةً بنتٍ شيبةَ، عن حبيبَةً بنتٍ أبى تَجْرَاةً قالت :
رأيتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يَطُوفُ بينَ الصَّفا والمروةِ، والناسُ بينَ يديْه ، وهو
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٨٤٥) .
(٢) أخرجه الدارقطنى ٢٦٢/٢، والخطيب ٩٦/٥ من طريق ابن جريج به.
(٣) تقدم فى الموطأ (٢٦٨).
١٠٥
٠٠

الموطأ
التمهيد وراءَهم، وهو يَسْعَى حتى أَرَى رُكبَتَيْه مِن شدَّةِ السَّعى، وهو يقولُ: ((اسْعَوا،
فإِنَّ اللهَ كتَب عليكم السّعىَ))(١).
هكذا قال: عن عبدِ اللهِ بنِ المؤمَّلِ، عن عطاءٍ. وبينَ عطاءٍ وعبدِ اللهِ
ابنِ المؤَمَّلِ فى هذا الحديثِ عمرُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ مُحَيْصِنِ السَّهْمِىُّ.
أخبَرنا عبيدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مسؤُورٍ، قال: حدَّثنا
عيسى بنُ مسكينٍ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: أخبرنا الفَضْلُ بنُ
دُكَيْنٍ، قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ المؤَمَّلِ، عن عمر بنِ عبد الرحمنِ الشَّهْمِىِّ ،
عن عطاءٍ، عن صَفيَّةً بنتٍ شَيْبَةَ، عن حبيبةَ بنتِ أبِى تَجْرَاةَ امرأةٍ مِن أهلِ اليمَنِ
قالت: لما سعَى النبىُّ فَ لِّ بِينَ الصَّفا والمروةِ دخَلْنا فى دارِ آلٍ أبى محسيْنٍ فى
نسوةٍ مِن قريشٍ، فرأيتُ النبىَّ عليه السلامُ يَشْعَى) فى بَطْنِ الوادى وهو
يقولُ: ((اسْعَوا، فإِنَّ اللهَ كَتَب عليكم السَّعْىَ)). حتى إِن ثَوبَه يُديرُه مِن شِدَّةِ
(٣)
الشَّغْيِ().
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٦٧/٤٥ (٢٧٣٦٨)، وأبو نعيم فى المعرفة (٧٦١٤) من طريق سريج به .
(٢) بعده فى الأصل، م: ((بين الصفا والمروة)).
(٣) ذكره ابن حجر فى الإصابة ٥٧٣/٧ عن محمد بن سنجر به، وأخرجه الدارقطنى فى المؤتلف
والمختلف ٣١٥/١، ٣١٦ من طريق الفضل بن دكين، عن عبد الله بن المؤمل، عن عمر بن
عبد الرحمن ، عن حفصة بنت شيبة، عن حبيبة بنت بجراة. قال الدارقطنى عن هذه الرواية: وفى
إسناد هذا الحديث وهم فى ثلاثة مواضع؛ أحدها، قوله: بجراة. بالباء، وإنما هو بالتاء. الثانى،
قوله : حفصة بنت شيبة. وإنما هى صفية بنت شيبة ... الثالث ، قوله : عن عمر بن عبد الرحمن، عن
بنت شيبة ... وصوّب أنه عن عطاء، عن صفية .
١٠٦

الموطأ
التمهید
وكذلك رواه الشافِعِىُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ المُؤَمَّلِ .
أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ
حمزةَ الحُسْنِىُّ، قال: أخبرنا أبو جعفرِ الطحاوىُّ، قال: حدَّثنا المُزَنِىُّ،
قال: حدَّثنا الشافعىُّ، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ المُؤَمَّلِ العائذىُّ(١)، عن
عمرَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ مُحَيْصنٍ، عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، عن صَفيَّةً بنتٍ
شَيبَةَ ، قالت : أخبرتنى ابنةُ أَبِى تَجْرَاةَ إحدى نساءِ بنى عبدِ الدَّارِ قالت:
دخلْتُ مع نِشْوَةٍ مِن قريشٍ دارَ أبى حُسيْنٍ نَنْظُرُ إلى رسولِ اللهِ وَله وهو
يَسْعَى بينَ الصَّفا والمروةِ، فَرَأيْتُه يَسعَى وإنَّ مِثْزَرَه لِيَدُورُ مِن شدَّةِ السَّغْي
حتى أقولَ: إِنِّى لأَرَى رُكْبَيْه، وسَمِعْتُه يقولُ: ((اسْعَوا، فإنَّ اللهَ كَتَبَ
عليكمُ السَّغْىَ))(٢).
وذكَرَه أبو بكرٍ بنُ أبى شيْئَةً فأخْطَأُ فى إسنادِه؛ إمَّا هو، وإمَّا محمدُ بنُ
بشرٍ .
حدَّثنا سعيدُ بنُّ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ وضاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُّ بشرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ المؤَمَّلِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
أبى حسينٍ، عن عَطاءٍ، عن حبيبةً بنتِ أبِى تَجْرَاةَ قالت: نظَرْتُ إلى
القبس
(١) فى الأصل، م: ((العابدى)). وينظر تهذيب الكمال ١٨٧/١٦.
(٢) الشافعى ٢/ ٢١٠، ٢١١، ومن طريقه الطبرانى ٢٢٦/٢٤ (٥٧٣).
١٠٧

الموطأ
التمهید
رسولِ اللهِ وَ ل﴿. فذكَرَ الحديثَ بمعنَى ما تقدَّمَ سواءً(١)، ولكنَّه أخْطَأ فى
مَوْضِعين مِن الإسنادِ ؛ أحدُهما ، أنَّه جعَل فى موضعٍ عمرَ بنِ عبدِ الرحمنِ :
عبدَ اللهِ بنَ أبى محسينٍ. والآخرُ، أَنَّه أسْقَط صَفيَّةَ بنتَ شَيبةً مِن الإسنادٍ ،
فأفسَدَ إِسنادَ هذا الحديث، ولا أدرِى ممَّن هذا؛ أمِن أبى بكرٍ، أم مِن
محمدٍ بنٍ بشْرٍ؟ ومِن أَيُّهما كان فهو خَطَأْ لا شَكَّ فيه .
وقد روَاه محمدُ بنُّ سِنَانِ العَوَقِئُ(٢)، عن عبدِ اللهِ بنِ المؤَمَّلِ، فَجَعَلَه
بالطواف بالبيتِ .
ذكَر أبو جعفرِ العُقيلِىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أَيُّوبَ ، قال : أخبرنا
محمدُ ابنُّ سنانِ العَوَقُّ (١) ، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ المؤمَّلِ المكىُّ، قال :
أخبرنا عمرُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ مُحَيْصنِ السَّهْمِىُّ، عن صَفيَّةً بنتٍ شَيبَةً،
عن امرأةٍ يقالُ لها: حَبيبَةُ بنتُ أبى تَجْرَاةَ. قالت: دخَلتُ المسجدَ أنا
ونسوةٌ معى مِن قريشٍ(٢) ، والنبى عليه السلامُ يطوفُ بالبيتِ. قالت: وإنَّه
لَيَشْعَى حتى إنِّى لأَرْثِى له، وهو يقولُ لأصحابِهِ: ((اسْعَوا، فإِنَّ اللهَ كَتَب
علیکم الشّغْیَ)) .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٣٢٩٦)، والطبرانى ٢٢٦/٢٤، ٢٢٧ (٥٧٥) من
طریق ابن أبى شيبة به .
(٢) فى ق، م: ((العوفى)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٢٠.
(٣) بعده فى الأصل، م: ((قالت)).
١٠٨

الموطأ
هكذا قال: يطوفُ بالبيتِ. وأسْقَط مِن إسنادِ الحديثِ عطاءً، التمهيد
والصحيح فى إسنادٍ هذا الحديثِ ومثنِه ما ذكره الشافعىُّ وأبو نُعيم ، إلّا أنَّ
قولَ أبى نعيم: امرأةٍ مِن أهلِ اليمنِ. ليس بشىءٍ، والصَّوابُ ما قال
الشافعىُّ . واللهُ أعلمُ.
فإن قال قائلٌ: إنَّ عبدَ اللهِ بنَ المؤَمَّلِ ليس ممَّن يُحْتَجُ بحديثه لضَعْفِه،
وقد انفَرَد بهذا الحديثِ. قيل له: هو سَيِّئُّ الحفظِ، فلذلك اضطرَبتٍ
الروايةُ عنه، وما علِمْنا له خُرْبَةً(١) تُشْقِطُ عدالته، وقد روى عنه جماعةٌ مِن
جِلَّةٍ العلماءِ، وفى ذلك ما تَزْفَعُ مِن حالِهِ، والاضْطِرابُ عنه لا يُشْقِطُ
حديثَه؛ لأَنَّ الاخْتِلافَ على الأئيَّةِ كثيرٌ ولم يَقْدَخ ذلك فى روايتهم، وقد
اتَّفَقِ شاهِدانٍ عَدْلانِ عليه؛ وهما الشافعىُّ وأبو نعيمٍ، وليس مَن لم يَحْفَظْ
ولم يُقِمْ مُحبّةً على من أقام وحَفِظ. وممَّا يَشُدُّ حديثَ عبدِ اللهِ بنِ المؤمَّلِ
هذا، حديثُ المغيرَةِ بنِ حَكِيمٍ، عن صفيَّةً بنتٍ شيبةً، فإنَّه ◌ُبيِّنُ صِحَّةً ما
قاله عبدُ اللهِ بنُ المؤمَّلِ.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ المُجهَنِىُّ، قال: أخبرنا حمزةُ بنُ محمدٍ ،
قال أخبرنا أحمدُ بنُّ شعيبٍ ، قال : أخبرنا قتيبةُ بنُّ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُّ
زيدٍ، عن بُدّيلٍ، عن المغيرةِ بنِ حكيمٍ، عن صفيةً بنتِ شيبةً، عن امرأةٍ
قالت: رأيتُ النبىَّ ◌َّهُ يَسْعَى فى بطنِ المَسِيلِ ويقولُ: ((لا يُقطَّعُ
· القبس
(١) الخربة: الفساد فى الدين. اللسان ( خ ر ب).
١٠٩

الموطأ
التمهید
الوادِى إِلَّ شِدًّا))(١).
وقد ذكَرَ أبو جعفرِ العُقيلُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ موسى النَّهْرُتِيرىُّ،
قال : أخبرنا يوسفُ بنُ موسى القطانُ، قال: أخبرنا مِهرانُ بنُ أبى عمرَ الرَّازِىُّ،
قال : أخبرنا سفيانُ، عن مُثَنَّى بنِ الصَّبَّاحِ، عن المغيرةِ بنِ حكيم، عن صفِئَّةً
بنتِ شيبةً ، عن تَمْلَكَ - قال العقيلىُّ: يعنِى الشَّنِيَّةَ - قالت: نظَرْتُ إلى النبيِّ
وَلَه وأنا فى غُرِفَةٍ لى بينَ الصفا والمروةِ، وهو يقولُ: ((يأَيُّها الناسُ، إِنَّ اللهَ
گتب علیکم السّغْی، فاشعوا))(٢).
قال أبو عمرَ: فهذا القولُ مع قولِ رسولِ اللهِ وَله لعائشةَ: ((طَوَافُكِ
بالبيتٍ وبينَ الصفا والمروةِ يكفِيكِ لحَجِّكِ وعُمرَتِكِ)). يُوضِحُ وُجوبَ
السَّغْيِ . وباللهِ التوفيقُ.
وقد ذكرنا اختلافَ أصحابِنا فيمن تَرَكَ الرَّمَلَ فى الطوافِ بالبيتِ ،
أو ترَك الهَرْوَلَةَ فى السَّعْىِ بينَ الصفا والمروةِ، فيما تقَدَّم مِن كِتابِنا
هذا٢)، والذى عليه أكثرُ الفقهاءِ أنَّ ذلك خفيفٌ لا شىءَ فيه، وذلك ،
واللهُ أعلمُ، لِمَا ذَكَرَه عبدُ الرَّزَّاقِ، عن الثورىِّ، عن عبدِ الكريم
الجزَرِىِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: رأيتُ ابنَ عمرَ يمشِى بينَ الصفا
القبس
(١) النسائى (٢٩٨٠)، وفى الكبرى (٣٩٧٤). وأخرجه أحمد ٢٥٢/٤٥ (٢٧٢٨١) من طريق
حماد بن زيد به .
(٢) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٣٤٥٤)، والطبرانى ٢٠٦/٢٤، ٢٠٧ (٥٢٩)،
وأبو نعيم فى المعرفة (٧٥٨٩)، والبيهقى ٩٨/٥ من طريق يوسف القطان به .
(٣) ينظر ما تقدم ص ١٦ - ١٨ .
١١٠

الموطأ
والمروةٍ، ثم قال: إن مشَيْتُ فقد رأيتُ رسولَ اللهِ وَهِ يَمْشِى، وإن التمهيد
سَعَيْتُ فقد رأيتُ رسولَ اللهِ وَلّهِ يشْعَى(١).
وروَى سفيانُ أيضًا ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن كثيرِ بنِ جمهانَ ، عن ابنِ
عمرَ مثلَه سَواءً، وزاد: وأنا شيخٌ كبيرٌ ..
قال أبو عمرَ : لا ينبغى لأحدٍ قَوِى على السّنْي والهَزْولَةِ والاشْتِدادِ تَزْكُه،
ومَن كان شيخًا ضعيفًا أو مريضًا، فاللهُ أعذَرُ بالعُذْرِ، ويُجْزِئُه المشْئ؛ لأنَّ
السَّغْىَ العَمَلُ ، وقد عَمِله بالمشي .
واختَلَف العلماءُ فيمَن قدَّم السَّعْىَ بينَ الصفا والمروةِ على الطوافِ
بالبيتٍ؛ فقال عطاءُ بنُ أبى رَبَاح: يُجْزِئُه، ولا يُعيدُ السَّعْىَ، ولا شىءَ
عليه. وكذلك قال الأوزاعىُّ وطائفةٌ مِن أهلِ الحديثِ . واختُلِفَ فى ذلك
عن الثورِىِّ؛ فرُوِىَ عنه مثلُ قولِ الأوزاعىِّ وعطاءٍ، ورُوِىَ عنه أَنَّه يُعيدُ
السَّعْىَ. وقد قال مالكٌ، والشافعىُ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهم: لا يُجْزِثُه،
وعليه أن يعيدَ. إلّا أنَّ مالكًا وأبا حنيفةَ قالا: يُعيدُ الطَّوافَ والسَّعْىَ جميعًا .
وقال الشافعىُّ: يُعيدُ السَّغْىَ وحدَه ليكونَ بعدَ الطَّوافٍ، ولا شىءَ عليه .
واختلَفوا والمسألةُ بحالِها إذا خرَج مِن مكةً فأبْعَد، أو وطِئَ النساءَ؛ فقال
مالكٌ: يَرْجِعُ فيطوفُ ويَشْعَى، وإن كان وطِئَ النساءَ اعْتَمَر وأَهْدَى . يعنِى
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٠/ ٤٥١، ٤٥٢ (٦٣٩٣)، وعبد بن حميد (٧٩٨ - منتخب)، والنسائى
(٢٩٧٧) من طريق عبد الرزاق به .
(٢) أخرجه أحمد ٩/ ١٤٢، ١٤٣ (٥١٤٣)، والنسائى (٢٩٧٦)، وابن خزيمة (٢٧٧١) من
طريق سفيان به .
١١١

الموطأ
التمهید
إذا كان وَطْؤُه بعدَ رَمْيِهِ جَمْرَةَ العَقَبةِ وبعدَ الوقوفِ بعرفَةً . وقال الشافعىُّ :
يرجعُ حيثُ كان، فيسْعَى وَيُهْدِى، ولا معنَى للعمرةِ ههنا. ورُوِىَ عن
أبى حنيفةً مثلُ قولِ الشافعىِّ سَواءٌ. ورُوِىَ عنه: إذا بلَغَ بلادَه أهدَى
وأجزاه .
قال أبو عمرَ : لا فَوْقَ عندَ مالكٍ والشافعىِّ بينَ مَن نَسِى السَّعْىَ بينَ الصفا
والمروةِ وبينَ مَن قَّدَّم السَّعْىَ على الطوافٍ، وعليه أنْ يأتِىَ بالسَّعْىِ عندَهما أبدًا
وإن أبعدَ ، على ما قدَّمْنا مِن اختلافهما فى إعادة الطّوافِ معه ، فإن وَطِئَ كان
علیه هَدْئُ بَدَنةٍ عندَ الشافعىِّ لا غیرُ، مع الإتيان بالشّعي ، و کان علیه عندَ مالكِ
أن يطوفَ ويَشْعَى ويَعْتَمِرَ وَيُهْدِىَ. وكذلك مَن نَسِى الطّوافَ الواجبَ بالبيتِ
سَواءٌ عندَهما، كمَن نَسِى السَّغْىَ بينَ الصَّفا والمروةِ، على أَصْلِ كلِّ واحدٍ
منهما ، لا فَرْقَ بین شیءٍ مِن ذلك عندهما وعندَمن قال بقولِهما . قال مالكٌ فی
((مُوَطِئِهِ)): من نَسِىَ السَّعْىَ بينَ الصفا والمروةِ فى عمرةٍ، فلم يَذْكُرْ حتى
يسْتبْعِدَ مِن مكةً، أنَّه يَرْجِعُ فِيَسْعَى، وإن أصاب النساءَ فليَرْجِعْ فليَسْعَ بِينَ
الصَّفا والمروةِ حتى يُتِمَّ ما بَقِىَ عليه مِن تلك العُمرةِ، ثم عليه عُمرةً أخرى
والھَدْئُ .
قال أبو عمرَ : إنَّما أوجبَ مالكٌ فى هذه المسألةِ العمرةَ والهَدْىَ ؛ ليكونَ
سَغْيُه فى إحرامٍ صحيحٍ، لا فى إحرامٍ فاسِدٍ بالوَطْءِ، ولیکونَ طَواقُه بالبيتِ فى
إحرامٍ صحيحٍ، لا فى إحرامٍ فاسدٍ . واللهُ أعلمُ.
القبس
١١٢ .

- الموطأ
صیامُ يوم عرفةً
٨٤٨ - مالك، عن أبى النضرِ مولی عمر بن عبيد اللهِ ، عن مُمیر
مولَى عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ، عن أُمّ الفضلِ بنتِ الحارثِ ، أن ناسًا تمارّوا
عندَها يومَ عرفةً فى صيامِ رسولِ اللهِ وَّهِ؛ فقال بعضهم: هو صائمٌ.
وقال بعضُهم : ليس بصائمٍ. فأرسَلت إليه بقدحٍ لبنٍ وهو واقفٌ على
بعيره، فشرب .
مالكٌ، عن أبى النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عبيدِ اللهِ، عن عُمَّيْرٍ مولى ابنِ عباسٍ، التمهيد
عن أمّ الفَضْلِ بنتِ الحارثِ ، أن ناسًا اخْتَلَفوا عندَها فى يومٍ عرفةً فى رسولِ اللهِ
وَه ؛ فقال بعضُهم: هو صائمٌ. وقال بعضُهم: ليس بصائم. فأَرْسَلَت إليه
بقَدَحٍ لبنٍ وهو واقفٌ على بعيرِهِ، فشرِب(١).
صيامُ يومٍ عرفةَ
القبس
رُوِى عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((صيام يوم عرفةَ يُكفِّرُ ذنوبَ سنةٍ قبلَه وسنةٍ
بعدَه)) (١) . وقال علماؤنا: معنى هذا إذا لم يجِدْ قبلَه ذنوبَ عامَين، فإن وجَد قبلَه
ذنوبَ عامَين كان هما العامين اللذين يُكفَّران. ومع حثّ النبيِّ وَلِّ على صومِه
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٦٩)، وبرواية أبى مصعب (٨٩١، ١٣٦٥). وأخرجه أحمد
٤٥١/٤٤ (٢٦٨٨١)، والبخارى (١٦٦١، ١٩٨٨)، ومسلم (١١٠/١١٢٣)، وأبو داود
(٢٤٤١)، وابن خزيمة (٢٨٢٨) من طريق مالك به .
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٤٢/٩، ٢٤٣، وسيأتى ص ١٢١، ١٢٢.
١١٣
(موسوعة شروخ الموطأ ٨/١١ )

الموطأ
. التمھید
قال أبو عمرَ: مَحْمَلُ هذا الحديثِ عندَنا أنه كان بعرفةً، وقد رُوِى ذلك
منصوصًا، وإذا كان بعرفةَ فالفطرُ أفضلُ؛ تَأْسِّيًّا برسولِ اللهِ وَّهِ، وقوَّةً على
الدعاءِ، وقد قال ◌َله: ((أفضلُ الدُّعاءِ دُعاءُ يوم عرفةَ)) (١). ونهَى عن صومٍ يومٍ
عرفة بعرفةً(١) . وتخصيصُه بعرفةَ دليلٌ على أن غيرَ عرفةً ليست كذلك، وقد
رُوِى عنه ◌َله فضلُ صومٍ يومٍ(٣) عرفةً، وأنه يُكَفِّرُ سنَتَينَ(٤). واللهُ أعلمُ.
وقد رُوِى عن ميمونةَ فى هذا البابِ مثلُ حديثٍ أُمّ الفضلِ سواءٌ .
حدَّثناه أحمدُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا ابنُ أبى دُلَيْمِ، حدَّثنا ابنُ وَضَّاحِ، حدَّثنا
يعقوبُ بنُ حُمَيْدٍ ، حدَّثنا الدَّراوَزْدىُّ، عن إبراهيم بن عقبةً، عن کُرِئْبٍ ، عن
ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، أنهم تَمارَوْا فى صيامِ رسولِ اللهِ بَلَّهِ يومَ عرفةَ ، فقالت
ميمونةُ : سأَبْعَثُ إليه بشَرابٍ ، فإن كان مُفْطِرًا لم يَرُدَّه . فبعَثَت إليه بِقَدَحِ لبنٍ،
وإخبارِه عن فضلِه، فإنه أفطره يومَ حَجّه، وذلك لوجهين؛ أحدُهما: لئلَّ يشُقَّ على
القبس
أمتِه . الثانى: ليسُنَّ فطرَه لمَن كان حاجًا، فإنه أقوى له على الدعاءِ والعبادةِ ، فيكونُ
ذلك تخصيصًا للحاجّ من عمومِ الحديثِ، ويبقَى الفضلُ لغيرِ الحائجُ . والتأويلُ الأولُ
هو الأشبهُ بمذهبٍ مالكٍ؛ لأنه أدخَل فى البابِ أن عائشةً كانت تحُجُّ وتصومُ يومَ
عرفةً حاّةً(١)، كأنها فهِمت أن النبيَّ وَ ◌ّهِ إنما أفطره خوفَ المشقةِ على الأمةِ.
(١) ينظر الموطأ (٥٠٢، ٩٦٦).
(٢) سيأتى تخريجه ص ١١٩.
(٣) ليس فى: الأصل، ص ١٦، ص ١٧، م.
(٤) تقدم تخريجه فى ٢٤٢/٨، ٢٤٣.
(٥) سيأتى فى الموطأ (٨٤٩).
١١٤

الموطأ
فشرِب والناسُ يَنْظُرُون. يَعْنى يومَ عرفةً(١).
التمهيد
وكان مالكٌ، والثورىُّ، والشافعىُّ، يَخْتارون الفطرَ يومَ عرفةً " بعرفةَ. قال
إسماعيلُ بنُ(٣) أبى أُوَيْسٍ، عن مالكٍ، أنه كان يَأْمُرُ بالفطرِ يومَ عرِفَةً فى الحجّ،
ويَذْكُرُ أن رسولَ اللهِ نَّهِ كان ذلك اليومَ مُفْطِرًا. وقال الشافعىُّ : أحِبُّ صومَ يومٍ
عرفةً" لغيرِ الحاج، فأما مَن حجَّ فَأحَبُّ إلىَّ أن يُفْطِرَ ؛ ليُقَوِّيَه الفطرُ على الدعاءِ.
قال أبو عمرَ : قولُ الشافعىِّ أحسنُ شیءٍ فی هذا الباب ، و کان ابنُ الزبيرِ
وعائشةُ يصومان يومَ عرفةً (١) . وعن عمرَ بنِ الخطابِ وعثمانَ بنِ أبى العاصى
مثلُ ذلك ، إلا أنه قد جاء عن عمرَ أنه لم يَصُمْ يومَ عرفةً . وهذا عندى على أنه
بعرفةً ؛ لئلا تَتَضادًّ عنه الروايةُ فى ذلك .
روی سفيانُ بنُ عیینةً ، عن عمرو بنِ دینارٍ ، عن عطاءٍ، عن عبیدِ بنِ عمیرٍ ،
أن عمرَ بنَ الخطابِ لم يَصُمْ يومَ عرفةً (١) .
وأما عثمانُ بنُ أبى العاصى فكان يصومُه .
ذکر الفا کھیُ(١) قال: حدّثنا حسینُ بنُ حسنٍ ویعقوبُ بنُ حمیدٍ ، قالا :
القبس
(١) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٣٠/٥ (٢٧٧٤)، والطبرانى ١٩/٢٤ (٤١) من طريق يعقوب
ابن حميد به .
(٢ - ٢) سقط من : ص١٧.
(٣) فى الأصل، ص٢٧، م: ((عن ابن))، وفى ص١٦: ((عن)). والمثبت من الاستذكار ٢٣٥/١٢ من
النسخة المطبوعة .
(٤) أثر ابن الزبير فى المحلى ٤٤١/٦، وأثر عائشة سيأتى فى الموطأ (٨٤٩).
(٥) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٣١/٥ (٢٧٧٦) من طريق سفيان به .
(٦) الفاكهى فى أخبار مكة ٢٨/٥ (٢٧٦٧).
١١٥

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ حميدًا يحدِّثُ عن الحسنِ قال: لقد
رأيتُ عثمانَ بنَّ أبى العاصي يُرَثّ عليه ماءً فى يومٍ عرفةً وهو صائمٌ .
وهذا يَحْتَمِلُ أن يكونَ بغيرِ عرفةً أيضًا .
قال(١) : وحدَّثنا يعقوبُ بنُّ حميدٍ، حدَّثنا الوليدُ بنُّ مسلمٍ ، عن ابنِ جابرٍ ،
عن أبيه، عن عطاءٍ قال : صِيامُ يومٍ عرفةَ كصيامٍ ألفٍ يومٍ.
وهذا أيضًا بغيرٍ عرفةً، واللهُ أعلمُ . وكان إسحاقُ بنُّ راهُويَّه يَمِيلُ إلى صومِه
بعرفةً وغيرِ عرفةً. وقال قتادةُ: لا بأسَ به إذا لم يَضعُفْ عن الدعاءِ(١). وكان
عطاءٌ يقولُ: أصومُه فى الشتاءٍ، ولا أصومُه فى الصيف (١) . وهذا لئلا يُضْعِفَه
صومُّه مع الحرّ عن الدعاءِ. واللهُ أعلمُ .
وكان ابنُّ عمرَ يقولُ: لم يَصُئه رسولُ اللهِ وَّهِ، ولا أبو بكرٍ، ولا عمرُ،
ولا عثمانُ، فأنا لا أَصُومُه .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُّ عمرَ، حدَّثنا علىُّ بنُ حرپٍ ،
حدَّثنا سفيانُ، عن ابن أبى نجيحِ، عن أبيه، عن ابنٍ عمرَ قال : حجَجْتُ مع
النبيِّ وَّ فلم يَصُمْه، ومع عمرَ فلم يَصُمْه، ومع عثمانَ فلم يَصُمْه، وأنا لا
القبس
(١) الفاكهى فى أخبار مكة ٢٨/٥ (٢٧٦٦).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٨٢٤).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٧٨٢٢).
١١٦

الموطأ
أصومُه، ولا آمُرُ بصيامِه، ولا أنھَى عنه (١).
التمهيد
وهذا يُوضِحُ لك أن ذلك كان فى الحجُ بعرفةً؛ لِما ذَكَرْنا .
واللهُ أعلمُ .
أخبرنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُّ خالدٍ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُّ
إبراهيمَ، وحدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا الحارثُ بنُ عبيد
أبو قدامةَ الإِيادىُّ، قال: حدَّثنا هُودُ(١) ١ بنُّ شهابٍ بنِ عِبَادٍ(٤) العَصَرىّ)، عن
أبيه، عن جدِّه قال: مرَّ عمرُ بنُ الخطابِ بأبياتٍ بعرفاتٍ فقال: ما هذه
الأبياتُ؟ قلنا : لعبدِ القيس . فقال لهم خيرًا، ودعالهم، ونهاهم عن صوم يومٍ
عرفةَ . قال: وحجّ أبى وطَليقُ بنُ محمدِ الخُزاعىُ، فاخْتَلَفا فى صومِ يومٍ عرفةً،
فقال أبی : بینی وبینَك سعیدُ بنُ المسئِّب . فأتتناه فقلتُ له : يا أبا محمدٍ ، إِنا
اخْتَلَفْنا فى صومِ يومِ عرفةَ فجعَلْناك بيننا . فقال: أنا أَخْبِرُ كم عمَّن هو خيرٌ منی؛
عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، كان لا يَصومُه، وقال: حجَجْتُ مع رسولِ الله وَظله، ومع
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٨٢٩)، والحميدى (٦٨١)، وأحمد ١٠٠/٩ (٥٠٨٠)، والترمذى
(٧٥١)، والنسائى فى الكبرى (٢٨٢٦) من طريق سفيان بن عيينة به .
(٢) فى النسخ: ((هوذة)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر التاريخ الكبير ٢٤٢/٨، والجرح
والتعديل ١١٢/٩.
(٣ - ٣) فى م: ((أبو الأشهب بن خليفة بن عبد الله البصرى)).
(٤) فى ص ١٧: ((عبادة)).
١١٧

الموطأ
أبى بكرٍ ، ومع عمرَ، ومع عثمانَ، فكلُّهم كان لا يصومُه، وأنا لا أصومُه (١).
التمهيد
قال أبو عمرَ: مَحْمَلُ هذا عندى بعرفةَ خاصةً ، والله أعلمُ، والآثارُ تَدُلُّ
على ذلك، ألا تَرَى أَن فى هذا الحديثِ عن عمرَ أنه مرّ بأبياتٍ بعرفاتٍ لعبدٍ
القيسِ، ومعلومٌ أن عمرَ إنما كان يَأْتِى فى خلافتِهِ عرفةً فى أيامِ الحِّ خاصةً،
ومثلُ هذا حديثُ ابنٍ أبى نَجِيحِ ، عن أبيه ، عن ابنٍ عمرَ ، أنه سُئل عن صيامٍ يومٍ
عرفةً، فقال : حججْتُ مع رسولِ اللهِ پټ فلم يصُمْه، وحججْتُ مع عمرَ فلم
يَصُمْه، وحجَجْتُ مع عثمانَ فلم يَصُمْه، وأنا لا أصومُه، ولا آمُرُ به، ولا أَنْهَى
عنه . وهذا يُبَيِّنُ أن ذلك فى أيامِ الحَجِّ ، وأنه لا يَصِحُ النهى عن صومِ يومٍ عرفةَ إِلا
بعرفةً فی أیامِ الحج ، ومثلُ هذا أيضًا حدیثُ یحیی بن أبىإسحاق ، عن سعيدِ بنِ
المسئَّبِ ، عن ابن عمر فى ذلك .
حدَّثناه سعيدُ بنُّ نصرٍ قراءةً منى عليه، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال :
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال : حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ ، قال : حدثنا حمادُ
ابنُّ زيدٍ، قال: حدَّثَنى يحيى بنُ أبى إسحاقَ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسئَّبِ
عن صومٍ يومٍ عرفةَ، فقال: كان ابنُ عمرَ لا يَصُومُه. فقلتُ: غيرُه؟ فقال:
حَسْبُك به شيخًا(٢).
القبس
(١) مسدد - كما فى المطالب العالية (١١٤٨) - وعنه البخارى فى تاريخه ٣٤/٦. وأخرجه
الطيرانى (١٣٠٩٠) من طريق على بن عبد العزيز به.
(٢) فى ص ١٧: ((شهيدا)).
والأثر أخرجه ابن سعد ١٥٨/٤ من طريق حماد بن زيد به، وأخرجه الفاكهى فى أخبار مكة
٣١/٥ (٢٧٧٧) من طريق يحيى بن أبى إسحاق به .
١١٨

الموطأ
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا أبو داودَ ، حدَّثنا التمهيد
سليمانُ بنُ حربٍ ، قال: حدَّثنا حَوْشَبُ بنُ عَقيلٍ ، عن مَهْدىِّ الهجَرىِّ، قال :
حدَّثنا عكرمةُ قال: كنا عندَ أبى هريرةَ فى بيتِه، فحدَّثنا أن رسولَ اللهِ ێے نھی
عن صومٍ يومٍ عرفةً بعرفةً(١) .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ ، قال: حدَّثنا حَوْشَبُ بنُ عَقيل، عن
مَهْدىٍّ الهجَرىِّ ، قال: حدَّثنا عكرمةُ قال: كنا عندَ أبى هريرةَ فى منزلِه، فحدَّثنا
أن رسولَ اللهِ مِ ◌ّ نَهَى عن صوم يومٍ عرفةً بعرفةً.
وروَى حمادُ بنُّ زيدٍ وإسماعيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ
عباسٍ قال: أَقْطَرَ رسولُ اللهِ وَلِّ بِعرفَةَ، وبعَثَت إليه أم الفضلِ بلبنٍ فشرِبه . وفى
حديثٍ حمادِ بنِ زيدٍ ، عن أيوبَ ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ قال: حدَّثتنى أم
الفضلِ أن رسولَ اللهِ وَ لَّهِ أَفْطَر بعرفةَ، أَتَتْه بلبنٍ فشرِبه .
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبی
أسامةَ ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ نوح، حدَّثنا حمادٌ ، حدَّثنا أيوبُ ، عن عكرمةً ،
.
القبس
(١) أبو داود (٢٤٤٠). وأخرجه البخارى فى تاريخه ٤٢٤/٧، ٤٢٥، والنسائى فى الكبرى
(٢٨٣٠) من طريق سليمان بن حرب به، وأخرجه أحمد ٤٠١/١٣، ٤٧٣/١٥ (٨٠٣١،
٩٧٦٠)، وابن ماجه (١٧٣٢)، والنسائى فى الكبرى (٢٨٣١)، وابن خزيمة (٢١٠١) من طريق
حوشب بن عقيل به .
١١٩

الموطأ
التمهيد عن ابن عباس ، أنه أَفْطَر بعرفةَ ، وأَتِى بِرُمَّانٍ فأكَلَه، وقال: حدَّثَتَنى أمُّ الفضلِ.
(١)
فذكره(١) .
وحديثُ ابنِ عُلَيَّةً ذكره ابنُ أبى شيبةً(١) عنه .
وهذا كلُّه يَدُلُّ على أن فِطْرَ رسولِ اللهِ وَلِّ يومَ عرفةً فى حديثٍ أمِّ الفضلِ
کان بعرفةً .
وقد ذهَبَت طائفةٌ إلى تركِ صومِه بعرفةً وغيرِ عرفةً للدعاءِ ، وقالوا : دُعاءُ يومٍ
عرفةً بعرفةً وغيرِها دعاءٌ مَرْجُوٌّ إجابتُه ("مَرْغوبٌ فيه١٢) . ومئن ذهَب إلى هذا عُبَيْدُ
بنُ عُمَيْرٍ ومحمدُ بنُّ المنكدرِ (٤) . وكان ابنُ عباسٍ يقولُ لأصحابه : مَن صحِبنى
مِن ذكرٍ أو أُنثى فلا يَصُمْ يومَ عرفةً (٥).
وروَى سفيانُ، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، أنه قال : أَقْطِرُ يومَ عرفةً
لأَتْقَوَّى على الدعاءِ(١) .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٤٠/٤٤، ٤٥٣ (٢٦٨٦٩، ٢٦٨٨٥)، والنسائى فى الكبرى (٢٨١٧،
٢٨٢٠)، وابن خزيمة (٢١٠٢) من طريق حماد به.
(٢) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٨٠.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٨١، ١٨٢، وأخبار مكة
للفاکهى ٣٢/٥ (٢٧٧٩، ٢٧٨١).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٧٨٢٠)، ومسدد - كما فى المطالب العالية (١١٤٧) - والفاكهى فى
أخبار مكة ٣٢/٥ (٢٧٨٠).
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٨١ ، والفاكهى فى أخبار مكة
٣٣/٥ (٢٧٨٢) من طريق سفيان به.
١٢٠