النص المفهرس

صفحات 201-220

الموطأ
٨٧٧ - وحدَّثنى مالكٌ، عن نافعٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ ، أُن هَبَارَ
ابنَ الأسودِ جاء يومَ النخْرِ وعمرُ بنُ الخطابِ يَنْحَرُ هديه ، فقال: يا أميرَ
المؤمنين ، أُخطَأْنا العِدةَ؛ كنا نُرَى أن هذا اليومَ يومُ عرفةَ . فقال عمر:
اذهب إلی مکةً فطُفْ أنت ومن معك ، وانحروا هدیًا إن کان معكم،
ثم احلقوا أو قصِّروا وارجعوا ، فإذا كان عام قابل فحُوا وأهْدوا ، فمن
لم يجد فصيام ثلاثةِ أیامٍ فى الحج وسبعة إذا رجع .
قال مالكٌ: ومَن قرَن الحجّ والعمرةَ، ثم فاته الحجّ فعليه أن يَحُمَّ
قابلًا ، ويقژنَ بين الحج والعمرة وُهدِی هدیئن ؛ هديًا لقرانه الحجّ مع
العمرة ، وهدیًا لما فاته من الحجّ.
مالكٌ، عن نافع، عن سليمانَ بنِ يسارٍ ، أن هَبَّارَ بنَ الأسودِ جاء يومَ النَّحْرِ الاستذكار
وعمرُ بنُ الخطابِ يَنْحَرُ هديَه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أخطَأْنا العِدَّةَ؛ كنَّا نُرَى
أن هذا اليومَ يومُ عرفةً. فقال عمرُ: اذهبْ إلى مكةً فطُفْ أنت ومَن معك،
وانْحَرُوا هديًا إن كان معكم، ثم احلِقُوا أو قصِّروا وارجِعوا، فإذا كان عامُ قابل
فحُُّوا وَأَهْدُوا، فمَن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ فى الحجّ وسبعة إذا رجع() .
قال مالكٌ: ومَن قرَن الحجّ والعمرةَ، ثم فاته الحجّ فعليه أن يَحُجَّ قابلًا،
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٣١)، وبرواية يحيى بن بكير (٧/٥و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٤٣٠). وأخرجه ابن وهب فى موطئه (١٣٢)، والشافعى ١٦٦/٢، والبيهقى ١٧٤/٥،
والبغوى فى شرح السنة (٢٠٠٢) من طريق مالك به .
٢٠١

الموطأ
الاستذكار ويَقرُنَ بينَ الحجّ والعمرةِ ويُهدىَ هديَيْن؛ هديًا لقِرانِه الحجّ مع العمرة ، وهدیًا
لما فاته من الحجّ .
قال أبو عمرَ : لا أعلمُ خلافًا بينَ العلماءِ قديمًا ولا حديثًا ، أن مَن فاته الحُ
بفوتٍ عرفةً لا يكونُ يخرج من إحرامِه إلا بالطوافِ والسعي بين الصفا والمروةِ ،
إذا لم يَحُلْ بينَه وبينَ ذلك حائلٌ يمنعُه مِن عملٍ العمرةِ - إلا شىءٌ رُوِى عن جعفرٍ
ابنِ محمدِ بنِ علىٍّ، أنه قال: مَن فاتَتْه عرفةُ وأدرَك الوقوفَ بجَمْعٍ مع الإمامِ فقد
جزَى عنه حجُّه. ولا أعلمُ أحدًا قاله غيرَه، واللهُ أعلمُ، وسيأتى القولُ فى
الوقوفِ بالمزدلفةِ، ومَن رآه من فروضٍ الحجّ(١)، فى موضعِه إن شاء اللهُ(٢).
قال أبو عمرَ : الخلافُ بینَ الفقهاءِ فیمن فاته الحُ ، إنما هو فی الهدي
خاصةً ، ويدُلَّك على علم مالكِ بالاختلافِ ترجمتُه هذا البابَ («هدىُ من فاتَه
الحج)).
قال مالكٌ : من فاته الحجُ تحلَّل بعملٍ عمرةٍ ، وعليه الحجّ مِن قابلٍ . وهو
قولُ الثورىِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ ، وأبى ثورٍ . ومحَُّّتُهم إجماعُ
الجمیع علی مَن حبسه المرضُ ومنعه حتى فاته الحجُ ، أن عليه الهدىَ ؛ فقال أبو
حنيفةً وأصحابُه : مَن فاته الحُ تحلَّل بعمرةٍ ، وعلیہ حُ قابلٍ ، ولا هدىَ عليه .
وهو قولُ الأوزاعيِّ، إلا أنه قال: يعمَلُ ما بقى عليه مِن عملٍ الحجِّ ويقضى (١).
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((ومن أيامنا من ذلك)).
(٢) ينظر ما سيأتى ص ٢٤٦ - ٢٤٨.
(٣) فى م: ((يفيض)).
٢٠٢

الموطأ
قال أبو عمرَ : هذا ظاهرُه على خلافٍ ما ذكرنا مِن عملِ العمرةِ ، وليس الاستذكار
كذلك؛ لأنه لابدَّ له مِن الطوافِ عندَه والسعي . واللهُ أعلمُ.
وحُجَّةٌ مَن أسقَط الهدىَ عمَّن فاتَّه الحجّ ، أن القضاءَ اللازمَ بذلك يُسقِطُ
الهدىَ عنه؛ لأن الهدىَ بدلٌ مِن القضاءِ، والقضاءَ(١) بدلٌ منه. قالوا: وإنما
وجَب على المحصَرِ الهدىُ؛ لأنه لا يصِلُ إلى البيتِ ، فیحِلَّ به فى وقتِه . قال :
والمحرمُ لا يحِلُّ مِن إحرامِه إلا بطوافٍ وسعى أو بهدي؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِنْ
أُخْصِرْتُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَديِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. أی: لا يحلّ إلا بهدي إذ مُنِع مِن
الوصولِ إلى البيتِ .
قال أبو عمرَ: هذا غيرُ لازم عندَ الحجازيّن؛ لأن المُحْرِمَ عندَهم إذا لم
يحصُرْه عدوٌّ(١) فلا يحِلُّه إلا الطوافُ بالبيتٍ، ومَن أحصَره العدوُّ" لم يحتجْ
عندَ بعضِهم إلى هدي، وقد مضَى القولُ فى ذلك . وأما قولُ مالكٍ فى القارِنِ
يفوتُه الحجُّ، فقد وافَقه الشافعىُّ، وخالَفهما أبو حنيفةً وأصحابُه؛ فقالوا :
يطوفُ ويسعَى لعمرتِه، ثم يطوفُ ويسعَى لحَاجَتِه ويحِلُّ، وعليه الحُ مِن
قابلٍ، وليس عليه عمرةٌ ، وتجزئُه عمرتُه، ويَسقطُ عنه دمُ القِرانِ .
قال أبو عمرَ : القولُ ما قال مالك والشافعيُ، فإن كلَّ مَن وجب عليه قضاءٌ
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى م: (( عذر)).
(٣) فى م: ((العذر)).
٢٠٣

الموطأ
الاستذكار إنما یقضیہ کما فاته ، وهدئُ القِران واجب بإجماع، وهدئ بدلِ میقاتِ الحجّ
واجبٌ ؛ لقولٍ عمرَ ، فى جماعةٍ مِن الصحابةِ ، رضِى اللهُ عنهم ، مِن غير نكيرٍ .
وجمهورُ العلماءِ على أن مَن فاتَّه الحجّ لا يُقيمُ على إحرامِه ذلك، وعليه ما
وصَفْنا مِن إتيانِ البيتِ للطوافِ به، والسعي بين الصفا والمروةٍ، ثم يحِلُّ
بالتقصيرِ أو الحلقِ ، ثم يقضِى حبّه، على ما يَنَّا قبلُ ، وأنه إن أقام على إحرامِه
حتى الحجّ مِن قابلٍ لم يجُزْ عندَهم. وممن قال به أبو حنيفةً، والشافعىُّ ،
وأصحابُهما، والثورىُّ، وأحمدُ (١)، وأبو ثورٍ. وهو قولُ مالكِ فى الاختيارِ لمَن
فاتَّه الحجُ ، أن يتحلّلَ بعملٍ عمرةٍ ، ولا يُقيمَ محرِمًا إلى قابلٍ، ولكنه جائزٌ عندَه
أن يُقيمَ على إحرامِه إلى قابلٍ ، فإن فعَل سقَط عندَه عنه الحجُ، ولم يحتجْ إلى أن
يتحلَّلَ بعمرةٍ ، وعندَ غيرِهِ لا يجزُّه إقامتُه على إحرامِه، ولا بدَّ له مِن أن يتحلَّلَ
بعملٍ عمرةٍ، ویحُّ مِن قابلٍ .
ثم اختلافُهم فى الهدي عليه على ما ذكرنا عنهم . ولمَّا قال اللهُ عزَّ وجلَّ :
﴿اَلْحَجُ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَ الْحَجَّ فَلَ رَفَثَ وَلَا
فُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] - دلَّ على أنه لا يصِحُ إحرامُ أحدٍ بالحجّ فى غيرِ
أشهرِ الحجّ . واللهُ أعلمُ .
وقد اختلف العلماءُ فيمَن أحرَم بالحجُ قبلَ أشهرِ الحجّ؛ فمنهم من ألزَمه
ذلك، منهم مالكٌ؛ لقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. على أن
القبس
(١) بعده فى م: ((وإسحاق)).
٢٠٤

الموطأ
هدئُ مَن أصاب أهله قبلَ أن يُفيضَ
٨٧٨ - حدَّثنى يحتِّى عن مالك ، عن أبى الزبير المكيّ ، عن عطاءٍ
ابنِ أُبی رباح ، عن عبد الله بن عباس ، أنه سُئِل عن رجلٍ وقَع بأهلِه وهو
بمنَّى، قبلَ أن يُفيضَ، فأمَره أن ينحَرَ بدنةً.
٨٧٩ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن ثورِ بنِ زيدِ الدِّيلىّ، عن عكرمةَ
مولَى ابنِ عباس - قال: لا أظنُّه إلا عن عبدِ اللهِ بن عباس - أنه قال:
الذى يُصيبُ أهلَه قبلَ أن يُفيضَ ، يعتمرُ ويُهدِى .
الاختيارَ عندَه ألَّ يفعلَ. ومنهم مَن جعَل إحرامَه عمرةً، كمَن أحرَم بالظهرِ قبلَ الزوال . الاستذكار
بابُ مَن أصاب أهلَه قبلَ أن يُفیضَ
مالكٌ، عن أبى الزبيرِ المكىِّ، عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ،
أنه سُئِل عن رجلٍ وقَع على أهلِه وهو بمنى، قبلَ أن يُفيضَ، فأمره أن ينحَرَ بدنةٌ() .
مالكٌ، عن ثورٍ بن زيدِ الدِّيلىِّ، عن عكرمةً مولَى ابنِ عباسٍ - " قال: لا أظنُّه
إلا عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ٢ - أنه قال: الذى يُصيبُ أهلَه قبلَ أن يُفیضَ ، يعتمرُ
(٣)
ویُهدِی
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥١٣)، وبرواية يحيى بن بكير (٥/٥و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٢٣٨). وأخرجه الشافعى ٢٤٤/٧، والبيهقى ١٧١/٥ من طريق مالك به.
(٢-٢) زيادة من الموطأ.
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٥و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٢٣٩). وأخرجه
البيهقى ١٧١/٥ من طريق مالك به .
٢٠٥
٤

٨٨٠ - وحدَّثنى عن مالكِ، أنه سمِع ربيعةً بنَ أبى عبدِ الرحمنِ
الموطأ
يقولُ فى ذلك مثلَ قولٍ عكرمةً عن ابنِ عباسٍ .
قال مالكٌ: وذلك أحبُّ ما سمِعتُ إلىّ فى ذلك .
قال مالكٌ : كان ربيعةُ بنُ أبى عبدِ الرحمنِ يقولُ فى ذلك مثلَ قولٍ عكرمةَ
الاستذكار
عن ابن عباسٍ (١).
قال مالكٌ: وذلك أحبُّ ما سمِعتُ إلىّ فى ذلك.
قال أبو عمرَ: کان مالك رحمه اللهُ قد سمع الاختلاف فى ذلك، وهو
ثلاثةُ أقوالٍ ؛ أحدُها ، قولُ مالكِ هذا: مَن وطِئ بعدَ الجمرةِ قبلَ الإفاضةِ فعليه
عمرةٌ وهدىٌّ . وهو قولُ عكرمةَ ، وبه قال ربيعةُ ، وفيه روايةٌ عن ابنِ عباسٍ ، وإليه
ذهب أحمدُ بنُ حنبل فیما ذكر عنه الأثرم . والثانی، أنه ليس عليه إلا هدئ
بدنة ، وحُهما تام . هذا هو الصحیح عن ابن عباسٍ ، روِی عنه من وجوهٍ ، وبه
قال عطاءً، والشعبىُّ ، وإليه ذهَب أبو حنيفةً ، والثورىُّ ، والشافعىُّ ، وأبو ثورٍ ،
وداودُ. وقال الشافعىُّ: يُجزُه ما استَيسرَ من الهَدي. والثالثُ ، أن حجّه
فاسدٌ ، وعليه حجةُ قابلٍ والهَدىُ. وهذا قولُ ابنِ عمرَ .
روَى هشيمٌ، قال: أخبرنا جعفرُ بنُ إياسٍ ، قال: أخبرنا علىّ البارقيُّ، أن
رجلاً من أهلِ عُمانَ حجَّ مع امرأتِه، فلما قضَيا نُسكَهما وحلَق الرجلُ رأسَه
ولبس الثيابَ وذبَح، ظنَّ أنه قد حلَّ له كلُّ شيءٍ ، فوقَع بامرأتِه قبلَ أن يطوفَ
بالبيتٍ . قال : فانطلقتُ به إلى ابن عمر ، فذكرتُ ذلك له ، فقال : اقضِیا ما بقِی
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/هو - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٢٤٠) . وأخرجه
البيهقى ١٧١/٥ من طريق مالك به .
٢٠٦

الموطأ
عليكما من نسكِكما وعليكما الحجّ فى قابل. قال: قلتُ : يا أبا عبد الرحمنِ، الاستذكار
إنهما من أهلِ عُمانَ بعيدُ الشّقةِ . فلم يَزِدْنى على ذلك(١) .
وقال الحسنُّ البصرىُّ وابنُّ شهابٍ الزهرىُّ - وهو معنَى قول عمر بن الخطابِ -
فيمَن رمَى جمرة العقبةِ، أنه قد حلَّ له كلُّ ما حرم عليه إلا النساءَ والطّيبَ(١).
قال أبو عمرَ: قد اختُلِف فى الطِّيبِ ، ولم يختلِفُوا أن النساءَ عليه حرامٌ .
وإلى هذا ذهَب إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضى وأبو الفرج عمرُو بنُ محمدٍ
المالكىُّ، قالا: مَن وطِئٍ قبلَ الإفاضةِ فسَد حتُه، سواءٌ كان قبلَ رمي الجمرةِ
أو بعدَه ؛ لأن وطءَ النساءِ عليه حرامٌ حتى يطوفَ طواف الإفاضةِ المفترَضَ
عليه . وقد ذكّرنا فيما تقدَّم روايةً ابنٍ ) أبى حازمٍ وأبى مصعبٍ فيمَن وطِئ بعدَ
يومِ النحرِ قبلَ رمي الجمرةِ، وذكرنا الإجماعَ فيمَن وطِئ قبلَ الوقوفِ بعرفةً .
وتحصيلُ مذهبٍ ابنِ القاسم عن مالكِ أن مَن وطِئٍ بعدَ يومٍ النحرِ ، وإن لم يرمِ
الجمرةَ، فليس عليه إلا الهدىُ والعمرةُ خاصةً ، وإنما يكونُ عندَهم الهدىُ إذا
وطِئ بعدَ رمي الجمرةِ يومَ النحرِ قبلَ الإفاضةِ . قال عبدُ الملكِ بنُ الماجشونِ :
إنما جعَلُ(٤) مالكٌ عليه العمرةَ مع الهدي ليكونَ طواقُه بالبيتِ فى إحرامٍ
صحيح. قال إسماعيلُ: هذا قولٌ ضعيفٌ ؛ لأن إحرامَه بالعمرةِ يوجب عليه
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٤١٤ من طريق على البارقى مختصرًا .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٩٤١، ٩٤٢).
(٣) ليس فى : الأصل ، م . وتقدم على الصواب ص ١٩٣ .
(٤) فى الأصل، م: ((فعل)). والمثبت يقتضيه السياق .
٢٠٧

الموطأ
قال يحيى : سُئِل مالك عن رجلٍ نسِى الإفاضةَ حتى خرّج من مكةً
ورجَع إلى بلادِه؛ فقال: أَرَى إن لم يكنْ أصاب النساءَ فَلْيرجعْ
فَلْيُفضْ، وإن كان أصاب النساءَ فليرجع فلْيُفضْ، ثم لْيعتمر ولْيُهدِ ،
ولا ينبغى له أن يشترىَ هديه من مكةً وینحَرَه بها ، ولكن إن لم يكنْ
ساقه معه من حيثُ اعتمَر، فلْيشترِه بمكةً، ثم لْيُخرجْه إلى الحِلَّ
فلیشقه منه إلی مکةً ، ثم ینحوه بها .
الاستذكار طوافًا لها وسعيًا، فكيف يكونُ الطوافُ العمرةَ والإفاضةً معًا؟!
وأما قولُ مالكِ فى هذا البابِ أنه سُئِل عمن نبيِى الإفاضةَ حتى خرّج من
مكةَ ورجع إلى بلادِه، فقال: أَرَى إن لم يكنْ أصاب النساءَ أن يرجعَ فیُفیضَ ،
وإن کان أصاب النساء فلُفضْ ، ثم ليعتمز ولیهد ، ولا ينبغى له أن يشترى هدیه
بمکةً وینحره بها ، ولکن إن لم یکنْ ساقه من حیثُ اعتمر، فليشترِه بمكةً ، ثم
لْيُخرجْه إلى الحِلِّ، ولْتَشُقْه منه إلى مكةً، ثم ينحره بها .
قال أبو عمر : قد تقدّم القولُ فیمن نسِی الإفاضةَ فی پاپه من هذا الكتاب . وفی
هذا البابِ الجوابُ على مَن أصاب النساءَ قبلَ أن يُفيضَ، على مذهبِ العلماءِ فى
ذلك، وقد تقدَّم أيضًا التعريفُ بالهدي وما للسلفِ فى ذلك من الاختيارِ ).
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ١٥٤ .
٢٠٨

ما استيسَر من الهدى
الموطأ
٨٨١ - حدَّثنى يحيى عن مالك، عن جعفر بن محمدٍ ، عن أبيه،
أن علىَّ بن أبى طالبٍ كان يقولُ: ما استيسَر من الهَديِ شاةٌ .
٨٨٢ - وحدَّثنى عن مالك، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ كان
يقولُ: ما استيسَر من الهدي شاةٌ .
قال مالكٌ : وذلك أحبُّ ما سمِعتُ إلىّ فى ذلك؛ لأن الله تبارك
وتعالى يقولُ فى كتابِهِ: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
الاستذ کار
بابُ ما استيسَر من الهَديِ
مالكٌ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه، أن علىَّ بن أبى طالبٍ كان يقولُ:
ما استيسَر من الهَدي شاةً(١) .
مالكٌ ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ كان يقولُ: ما استيسَر من الهدي
مـ(٢)
شاة
قال مالكٌ : وذلك أحبُّ ما سمِعتُ إلىّ؛ لأن الله تبارك وتعالى قال فى
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٥٨)، وبرواية أبى مصعب (١٢٢٠). وأخرجه ابن جرير فى تفسيره
٣٥٢/٣، والبيهقى ٢٤/٥ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٢٢١). وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٥٣/٣ من طريق مالك به.
٢٠٩
(موسوعة شروح الموطأ : ١٤/١١)

الموطأ وَمَنْ قَثَلٍَُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا فَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيَا بَلِغَ
اُلْكَعْبَةِ أَوْ كَفََّرَةٌ طَعَامُ مَسَلِكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]. فمما يُحكمُ
به فی الهَدیِ شاةٌ ، وقد سمّاها اللهُ هدیًا ، وذلك الذى لا اختلافَ فيه
عندَنا ، وكيف يشُكُ أحدٌ فى ذلك؟ وكلُّ شىءٍ لا يبلُغُ أن يُحكم فيه
ببعيرٍ أو بقرةٍ فالحكمُ فيه شأةٌ ، وما لا يبلُغُ أن يُحكمَ فيه بشاةٍ فهو كفارةٌ
من صيامٍ أو إطعام مساكينَ .
الاستذكار كتابه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَ نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَثَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا
فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِء ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكُمْبَةِ﴾.
فممّا يُحكَمُ به فى الهدي شاةٌ، وقد سمّاها اللهُ تعالى هديًا، وذلك لا
اختلافَ فيه عندَنا، وكيف يشُكُ أحدٌ فى ذلك؟ وكلُّ شىءٍ لا يبلُغُ أن
يُحكمَ فيه ببعيرٍ أو بقرةٍ فالحكمُ فيه شاةٌ، وما لم يبلُغْ أن يُحكَمَ فيه بشاةٍ
فهو كفارةٌ من صيامٍ أو إطعامٍ مساكينَ.
قال أبو عمرَ : قد أحسَن مالكٌ فى احتجاجِه هذا ، وأتَی بما لا مزيدً لأحدٍ
فيه وجهًا حسنًا فى معناه، وعليه جمهورُ أهلِ العلم ، وعليه تدورُ فتوَى فقهاءٍ
الأمصارِ بالعراقِ والحجازِ فيما استيسرَ من الهدي. وكان ابنُ عمرَ يقولُ : ما
استيسَر من الهدي بدنةٌ دونَ بدنةٍ ، وبقرةٌ دونَ بقرةٍ(١) . وقد رُوِى عن عائشةَ مثلُ
القبس
(١) سيأتى تخريجه الصفحة القادمة .
٢١٠

٨٨٣ - وحدّثنی عن مالك ، عن نافع، أن عبد الله بن عمر کان
يقولُ : ما استيسَر من الهدي بدنةٌ أو بقرةً .
الموطأ
ذلك؛ ذكَر سُنيدٌ، عن هشيم، قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن القاسم بنِ الاستذكار
محمدٍ ، عن عائشةَ وابنٍ عمرَ، أنهما قالا : ما استيسَر من الهدى الناقةُ دونَ(١)
الناقةِ ، والبقرةُ دونَ البقرةِ(٣) .
وكان ابنُ عمرَ يقولُ : الصيامُ للمتمثِّعِ أحبُّ إلىَّ من الشاةِ . رواه وَبْرُ بنُّ
عبدِ الرحمنِ وعطاءٌ عن ابنِ عمرَ .
وروَى عنه صدقةُ بنُ يسارٍ أنه قال : الشاةُ أُحبُّ إلىّ من البُدْنِ .
وعن حمّادٍ بنِ زید ، عن أبی جمرةً، عن ابنِ عباسٍ ، قال : ما استیسر من
الهدي ناقةٌ ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ ، أو شِركَ فى دم ) .
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: ما استيسَر من الهدي بدنةٌ
أو بقرةٌ (٥).
القبس
(١) فى الأصل، م: ((ثم)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٢٩٩ - تفسير) عن هشيم به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٩٣، ٩٤ من طريق وبرة به .
(٤) أخرجه سعيد بن منصور (٣١٨ - تفسير) من طريق حماد بن زيد به .
(٥) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٥٩)، وبرواية أبى مصعب (١٢٢٢). وأخرجه الشافعى ٧/ ٢٥٢،
والبيهقى ٢٤/٥ من طريق مالك به .
٢١١

الموطأ
٨٨٤ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ ، أن مولاةٌ
لعَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمن يقالُ لها : رقيّةُ . أخبَرَتْه أنها خرجت مع عَمرةً
بنتِ عبدِ الرحمنِ إلى مكةَ، قالت: فدخَلتْ عَمرةُ مكةَ يومَ الترويةِ وأنا
معها، فطافت بالبيتِ، وبينَ الصفا والمروةِ، ثم دخَلتْ صُفَّةَ
المسجدِ ، فقالت : أمعكِ مِقَصَّان؟ فقلتُ : لا . فقالت: فالتمسيه
لی . فالتمستُه حتی جئت به ، فأخذتْ من قرونِ رأسِها ، فلما كان يومُ
النحرِ ذبَحتْ شاةً .
الاستذكار
قال أبو عمرَ : هذا قولٌ مجمَلٌ يفسّرُه ما ذكرنا عنه ، عن عائشةً ، ومعلومٌ أن
أعلَى الهديِ البدنةُ، فكيف تكونُ ما استيسرَ من الهدي؟! إلا أن معناه ما
ذكرنا . وباللهِ توفیقُنا .
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ ، أن مولاةً لعمرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ يقالُ
لها : رقيّةُ. أخبَرتْه أنها خرَجتْ مع عَمْرةً بنت عبد الرحمنِ إلى مكةً، قالت :
فدخَلتْ عَمرةُ مكةَ يومَ الترويةِ وأنا معها ، فطافت بالبيتِ ، وبينَ الصفا والمروةِ ،
ثم دخَلتْ صُفَّةَ المسجدِ، فقالت: أمعكِ مِقِصَّان؟ قلتُ: لا. قالت :
فالتمسیه لی . فالتمستُه حتی جئتُ به ، فأخذتْ من قرونِ رأسِها ، فلما كان يومُ
النحرِ ذبَحتْ شاةً(١).
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٥٧)، وبرواية أبى مصعب (١٢٢٣).
٢١٢

الموطأ
قال أبو عمرَ: ليس فى هذا الخبرِ ما يحتاجُ إلى القولِ؛ لأن الشاةَ دونَ الاستذكار
الحلابِ، لا خلافَ فى ذلك، وإنما أدخَل مالكٌ هذا الحديثَ شاهدًا على
أن ما استيسَر من الهدىِ شأةً؛ لأن المتمتِّعَ قد قضَى اللهُ عليه ما استيسَر
من الهدي، لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى أَحْ فَمَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ
الْهَذّيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وعَمرةُ كانت متمتعةً، لاشكَّ فيه، وللمتمثِّع أن يؤخّرَ
الذبحَ إلى يومِ النحرِ .
٧٠٠
وفى أخذٍ عَمرةَ من قرون رأسِها فى المسجدِ دليلٌ على طهارةٍ شَعَرٍ
الإنسانِ (١)، وعلى هذا جمهورُ العلماءِ فى طهارةِ شعورٍ بنى آدمَ. وقد كان
للشافعيِّ فيه قولٌ رجَع عنه إلى ما عليه الجمهورُ، بدليلٍ حلقِ رسولِ اللهِ وَلآه
شعَرَ رأسِه فى حجتِه، وأنه أعطاه أبا طلحةَ وغيرَهُ(١) ، ولو كان نجسًا ما وهَبه
لهم ، ولا ملکھم إياه .
وأما قولُه: من قرونٍ رأسِها. فالقرونُ هنا الضفائرُ، ويُستحبُّ أن تأخذَ
المرأةُ من كلِّ ضغيرةٍ قدرَ أَنملةٍ ، فتعُمَّ بالتقصيرِ ضفائرها ، وإن لم تفعلْ جزَی
عنها أقلُّ ما يقعُ عليه اسمُ تقصيرٍ من شعَرِها .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((الإسلام)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٩٦٢) من الموطأ .
٢١٣

الموطأ
جامع الھدی
٨٨٥ - حدَّثنى يحيى ، عن مالك، عن صدقةً بنِ يسارِ المكيّ ،
أن رجلاً من أهلِ اليمنِ جاء إلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وقد ضفَّر رأسَه،
فقال : يا أبا عبدِ الرحمنِ ، إنى قدِمتُ بِعُمْرةٍ مفردةٍ . فقال له عبدُ اللهِ بنُ
عمرَ: لو كنتُ معك، أو سألتنى لأمرتُك أن تَقرُنَ . فقال اليمانئُ : قد
كان ذلك. فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ : خذْ ما تطاير من رأسِك وأهدٍ .
فقالت امرأةٌ من أهل العراقِ : وما هديُّه يا أبا عبد الرحمنِ ؟ فقال :
هديُه. فقالت له : ما هديُه؟ فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: لو لم أجدْ إلا أن
أذبحَ شاةً ، لكان أحبَّ إلىّ من أن أصومَ .
الاستذكار
باب جامع الھَديِ
مالكٌ ، عن صدقةَ المكيّ ، أن رجلاً من أهلِ اليمنِ جاء إلى عبدِ اللهِ بنِ عمر
وقد ضفَّر رأسَه ، فقال: يا أبا عبد الرحمنِ ، إنى قدِمتُ بعُمرةٍ مفرَدةٍ . فقال له
عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: لو كنتُ معك لأمَرتُك أن تَقْرُنَ . فقال اليمانى : قد كان
ذلك . فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: خُذْ ما تطاير من رأسِك(١) وأهدٍ. فقالت امرأةٌ من
أهلِ العراقِ: ما هديُه يا أبا عبد الرحمنِ ؟ فقال: هديه. فقالت له : ما هدیُه؟
القبس
(١) أى: ما ارتفع وخرج عن موضعه وحده. الاقتضاب ١/ ٤٣٢.
٢١٤

الموطأ
فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: لو لم أجدْ إلا أن أذبَحَ شاةً ، لكان أحبّ إليَّ من أن الاستذكار
(١)
أصومَ(١) .
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ أن للمحرم أن يضفِّرَ رأسَه ، إلا أن مَن ضفّر
أو لبَّد أو عقَص فعليه الحِلاقُ عندَ عمرَ بنِ الخطابِ وعندَ جماعةٍ منَ العلماءِ
بعدَه ؛ لما فى التضفيرِ من وقايةِ الرأسِ لئلا يصلَ الغبارُ إلى جلدِه. وفى هذا
الحدیثِ دلیلٌ علی أن القران کان عند ابن عمر أولی من التمتع، وقد کان فی
أولٍ أمرِه يُفضِّلُ التمتعَ، ثم رجع إلى هذا، وقال: ما أمرُهما إلا واحدٌ، أُشهدُكم
أنى قد أوجبتُ مع العمرة الحجّ .
وأمَّا قولُ اليمانى: قد كان ذلك. أى: قد فات القِرانُ. لأنه ، واللهُ أعلمُ ،
سأله بعدَ أن طاف وسعى لتُمْرتِهِ، ولا سبيلَ إلى القِرانِ بعدَ ذلك ؛ لأن الحجّ لا
يدخُلُ على العمرةِ إلا قبلَ ذلك . وأما أمر ابنٍ عمرَ اليمانىَ بالتقصيرِ وقد ضفَّر،
فإِنما ذَلك ، واللهُ أعلمُ، لأنه رأَى عليه حلقَ رأسِه يومَ النحرِ فى حجّه الذى تمتّع
بالعمرة إليه ، فأراد ألّا يحلِقَ فى العمرةِ ؛ ليحلِقَ فى الحجّ . وأما قولُه : فأهدٍ . فإنه
يريدُ هدىَ متعتِه. ثم سئل: ما الهدىُ؟ فقال: لو لم أجدْ إلا شاةً ، لكان أحبَّ
إلىَّ من الصومِ. فهذا يُرُدُّ روايةَ مَن روَى عنه: الصيامُ أحبُّ إلىَّ من الشاةِ " .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٩٥)، وبرواية يحيى بن بكير (١٦/٤ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٢٢٥). وأخرجه محمد بن الحسن فى الحجة ٦١/٢، ٤٧٣ عن مالك به.
(٢) تقدم فى الموطأ (٨١٤).
(٣) تقدم تخريجه ص ٢١١ .
٢١٥

٨٨٦ - وحدّثنی عن مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمر كان
الموطأ
يقولُ: المرأةُ المحرمةُ إذا حلَّت لم تمتشطْ حتى تأخذَ من قرونٍ
رأسِها، وإن كان لها هدىّ، لم تأخذٌ من شعَرِها شيئًا حتى تنحرَ
هدیھا .
وروايةُ مالكٍ عن صدقةً بنِ يسارٍ هذه أصحُ عنه؛ لأنه معروفٌ من مذهبِه تفضيلُ
الاستذكار
إراقة الدماءِ فى الحجّ على سائرِ الأعمالِ . ويُروى: ما هديُه؟ و: ما هدِيُّه؟ وهو
الأولَى ؛ لأنه مما يُهدَى إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. وعلى نحوِ هذا قولُ ابنٍ مسعودٍ :
الصلاةُ أفضلُ من الصدقةِ ، والصدقةُ أفضلُ من الصومِ .
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ : المرأةُ المحرمةُ إذا حلَّتْ
لم تمتشطْ حتى تأخذَ من قرونٍ رأسِها ، وإن كان لها هدىٌ، لم تأخذْ من شعَرِها
شيئًا حتى تنحرَ هدیھا(١).
إنما قال هذا؛ لأن الحِلاقَ نُسكٌ يُحِلُّ لمَن رمَى الجمرةَ إلقاءَ التفثِ كلِّه،
وهو الشعَتُ . ومَن لم يجعلِ الحِلاقَ من النسكِ ، وجعَله أولَ الحِلِّ فهو مذهبٌ
سنذكرُه فى بابِ الحِلاقِ إن شاء اللهُ. وأما مَن حلَق قبلَ أن ينحَرَ فقد قدَّم وأُخَّر ،
وتقديم الأفعالِ المفعولةِ يوم النحرِ وتأخیژُها لا حرج فيه. وسنذ کژ ما فى ذلك
للعلماءِ من المذاهبِ فى هذا الكتابِ إن شاء الله .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥١٨)، وبرواية يحيى بن بكير (١٦/٤ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٢٢٦).
٢١٦

وحدَّثنى عن مالكٍ، أنه سمِع بعضَ أهلِ العلمِ يقولُ: لا يشتركُ
الرجلُ وامرأته فى بدنةٍ واحدةٍ ، ليُهدِ كلُّ واحدٍ منهما بدنةً بدنةً .
الموطأ
مالكٌ، أنه سمِع بعضَ أهلِ العلم يقولون: لا يشتركُ الرجلُ وامرأتُه فى بدنةٍ الاستذكار
واحدةٍ ، وليُهدِ كلُّ واحدٍ منهما بدنةً بدنةً .
قال أبو عمرَ: إن كان أراد أن مَن وطِئ امرأتَه فى الحجّ لا يجزئُهما بدنةٌ
واحدةٌ ، فقد مضَى مذهبُه ومذهبُ مَن خالَفه فى ذلك، وإن كان أراد الاشتراكَ
فى النسكِ كلِّه من ضحيةٍ أو هدي ، فقد اختلف قولُه فى هدي التطوع؛ فمرةً
أجاز الاشتراكَ فيه، ومرةً لم يُجزْه. ولم يختلِفْ قولُه أنه لا يجوزُ الاشتراكُ فى
الهدي الواجب . وسنذ کرُ فى كتابٍ الضحايا مذهبه فى الاشتراك فى الضحايا
كيف هو عندَه . وقال أبو حنيفةً، والشافعىُّ، وأصحابُهما : يجوزُ أن يشتركَ
سبعةٌ فى بَدَنَةٍ ويُجزئُهم ، بعدَ أنْ يكونَ على كلِّ واحدٍ منهم شاةً بوجوهٍ مختلفةٍ ؛
من جزاءٍ صيدٍ ومن إحصارٍ أو تمتع أو من غيرِ ذلك . وقال زُفَرُ : لا يُجزئُ حتى
تكونَ الجهةُ الموجبةُ للهدي عليهم واحدةً ، فإما جزاءُ صيدٍ كلُّه، وإما تطوعٌ
گلُّه ، فإن اختلف لم يُجزِئُّ . وقالوا : وإن كان فیھم ذمِّئٌ أو من لا يريدُ أن يُهدىَ
فلا يُجزئُهم مِنَ الهَدْيِ. وقال أبو ثورٍ: إن كان أحدُ السبعةِ المشتركين فى
الهديِ ذِمِّيًّا، أو مَن يريدُ حِصتَه من اللحم ولا يريدُ الهدىَ، أجزأْ مَن أراد الهدى
منه ، ويأخذُ الباقون حصصَهم من اللحمِ .
قال أبو عمرَ: ذكَّر ابنُ وهبٍ عن مالكٍ فى ((موطئِهِ)) قال: إنما العمرةُ التى
يَتَطوعُ الناسُ بها ، فإن ذلك يجوزُ فيها الاشتراكُ فى الهديِ، وأما كلُّ هدي
القبس
٢١٧

الموطأ
قال یحیی : وسُئِل مالكٌ عمن بُعث معه بهدي ينحژه فى حجّ وهو
مُهِلَّ بِعُمرةٍ ، هل ينحرُه إذا حلّ ، أم يؤخِّرُه حتى ينحرَه فى الحجّ ويَحِلّ
هو من عمرته؟ فقال : بل يؤخّژه حتی ینحرّه فی الحج ويَحِلّ هو من
عمرته .
الاستذكار واجبٍ فى عمرةٍ أو ما أشبهَها، فإنه لا يجوزُ الاشتراكُ فيه. قال: وإنما
اشتركوا يومَ الحديبيةِ؛ لأنهم كانوا معتمرين تطوعًا . وقال ابنُّ القاسم: لا
يُشتَركُ فى الهدي الواجبِ ولا فى التطوعِ عندَ مالكِ. قال مالك: إِذا
قلَّد الهدىَ وأشعَره، ثم مات وجَب فى تنفيذه على ورثتِه من رأسٍ
المالِ، ولم يرثوه. وهو قولُ الشافعىِّ وأبى يوسفَ. وقال أبو حنيفةً
ومحمدٌ : يكونُ ميراثًا .
وقال مالكٌ: مَن قلَّد الهدىَ لا يجوزُ له بيعُه ولا هبتُه ولا بَدَلُه، وكذلك
الأضحيةُ إذا أوجَبها ونَعَلها ، فإنْ لم يفعلْ كان له بدَلُها بأحسنَ منها . وقال أبو
حنيفةً: جائزٌ له بيعُها لهدي وعليه بدلُها (١) . وقال الثورىُّ: لا بأسَ أن يُبدِلَ
الرجلُ هديَه الواجبَ ولا يبدِلَ التطوعَ. وقال الأوزاعىُّ : له أن يُدِلَ هدیَه إذا
قلَّده وأشعره ما لم يتكلَّمْ بفرضِه .
وسئل مالكٌ عمن بُعث معه بهدي ينحرُه فى حج وهو مهلً بعمرةٍ ، هل
ینحُه إذا حلّ ، أم یؤخّرُه حتی ینخرّه فى الحج ويحلّ هو من عمرته ؟ فقال : بل
القبس
(١) فى الأصل، م: ((بدله)). والمثبت يقتضيه السياق، وينظر مختصر اختلاف العلماء ٨٢/٢.
٢١٨

قال مالك : والذى يُحكمُ علیه بالهدي فی قتلِ الصيد ، أو يجبُ
عليه هدىٌ فى غيرِ ذلك ، فإن هديَه لا يكونُ إلا بمكةً، كما قال اللهُ
تبارك وتعالى: ﴿هَدِيًّا بَلِغَ اُلْكُعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. فأما ما عُدِل به
الهدىُ من الصيام أو الصدقةِ ، فإن ذلك يكونُ بغيرِ مكةً ، حيثُ أُحبُّ
صاحبه أن يفعله فعله .
الموطأ
يؤخّرُه حتی ینخَرَه فى الحجّ ونَحِلَّ هو من عمرتِه .
الاستذكار
قال أبو عمرَ : إنما قال كذلك لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ
اٌلْعَتِّيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. وقال: ﴿هَدْيًا بَلِغَ الْكُمْبَةِ﴾. يعنى أيامَ النحرِ وسائرِ أيامٍ
الذبحِ إلا بمنّى ومكةَ . إلا أن الاختيارَ أن يذبحَ الحاجُ بمنَّى والمعتمرُ بمكةً،
ومَن ذبح بمكةً من الحاجٌ لم يَحْرَجْ ، ولا يُذبحُ بمنّى إلا أيامَ منّى، وسائِرَ السنةِ
بمكةً. ولما لم يكنْ هذا الهدىُ للمعتمرِ؛ وإنما بُعِث به معه، لم يرتبطْ نحرُه
بشىء من عمرته .
قال مالك : والذى يُحكم عليه بالهدي فى قتلِ الصيد ، أو يجبُ عليه هدئ
فى غيرِ ذلك، فإن هديَه لا يكونُ إلا بمكةً، كما قال اللهُ تبارَك وتعالَى: ﴿هَدَيّاً
بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾. وأما ما عُدِل به الهدىُ من الصيامِ أو الصدقةِ ، فإن ذلك يكونُ
بغيرِ مكةً ، حيثُ أحبَّ صاحبُه أن يفعلَه فعله .
قال أبو عمرَ : أجمَع العلماءُ أن الكعبةَ البيت الحرامَ - وهو البيتُ العتيقُ ۔
لا يجوزُ لأحدٍ فيه ذبح ولا نحرّ، وكذلك المسجدُ الحرامُ . فدلَّ ذلك علی أن
القبس
٢١٩

الموطأ
الاستذكار معنى قولِه عزَّ وجلّ: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾. أنه أراد الحرمَ، يعنى مساكينَ
الحرم، أو أراد مكةَ لمساكينها؛ رفقًا بجيرانِ بيتِ اللهِ وإحسانًا إليهم،
وهم أهلُ الحرم وأهلُ مكةَ. على هذين القولين العلماءُ فى قولِ اللهِ عزَّ
وجلّ: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾. وأما قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ
صَدَقَّةٍ أَوْ نُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فليس ذلك عندَ أكثرِ العلماءِ، وسنذكرُ ما لهم
فى ذلك كلُّه، إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ. وكان مالكٌ يذهبُ إلى أن معنى قولِه
تعالَى: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾. أنه عنَى مكةً ولم يُردِ الحرمَ .
قال أبو عمرَ: لما قال رسولُ اللهِ وَّلَه للحائجُ: ((مكةُّ وطرقُها مَنحَوّ))(١)
دلَّ على أنه أراد مكةَ . واللهُ أعلمُ .
قال مالكٌ: من نحَر هديه فى الحرم لم يُجزِتْه أن يَنحرّه إلا بمكةً . وقال أبو
حنيفةَ والشافعىُّ: إن نحَره فى الحرمِ أجزأه . وهو قولُ عطاءٍ. وقال الطبرىُّ:
يجوزُ نحر الهديِ حيثُ شاء المُهدِى، إلا هدىَ القِرانِ وجزاءَ الصيدِ ، فإنه لا
ينحرُّه إلا فى الحرم. وقال مالكٌ: إذا نحَر هدىَ التمتع أو الهدىَ التطوُّعَ قبلَ يومٍ
النحرِ لم يُجزِئْه. وقال أبو حنيفةً فى الهدي التمتع كقول مالك، وخالَفه فى
التطوعِ فجوَّزه قبلَ يومِ النحرِ. وقال الشافعىُّ: يُجزئُّ نحرُ الجميعِ قبلَ يومٍ
النحرِ .
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٨٩٩).
٢٢٠