النص المفهرس

صفحات 141-160

الموطأ
عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصى، (أنه أخبَرَه) أنه دخل على أبيه عمرو بن العاصى التمهيد
فوجَده يأكلُ، قال: فدعانى. قال: فقلتُ له: إنى صائمٌ. فقال: هذه الأيامُ
التى نهَى رسولُ اللهِ وَلِّعن صيامِهن، وأَمَرنا بفطرِهن. قال مالكٌ: وهى أيامُ
(٢)
التَّشْرِيقِ(٢) .
هكذا يقولُ يزيدُ(١) فى هذا الحديثِ: عن أبى مَّرةَ مولَى أمّ هانىٍّ. وأكثرُهم
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) بعده فى م: ((هكذا يقول يحيى فى هذا الحديث: عن أبى مرة مولى أم هانئ عن عبد الله بن
عمرو وأنه أخبره أنه دخل على أبيه عمرو بن العاصی . فجعل الحديث عن أیی مرة عن عبد الله بن
عمرو عن أبيه لم يذكر سماع أبى مرة من عمرو بن العاصى وقال يحيى أيضا : مولى أم هانئ امرأة
عقيل . وهو خطأ فاحش أدركه عليه ابن وضاح وأمر بطرحه قال: والصواب أنها أُخته لا امرأته . وقال
سائر الرواة عن مالك منهم القعنبى وابن القاسم وابن وهب وابن بكير وأبو مصعب ومعن والشافعى
وروح بن عبادة ومحمد بن الحسن وغیرهم فى هذا الحدیث : عن يزيد بن الهادى عن أبى مرة مولی
أم هانئ أنه دخل مع عبد الله بن عمرو بن العاصی . وروى ابن وهب وغيره عن مخرمة بن بکیر بن
الأشج عن أبيه قال : سمعت أبا مرة يحدث عن أبى رافع مولى ابن العجماء عن عبد الله بن عمرو
ابن العاصى قال: دخلت على عمرو بن العاصى الغد من يوم النحر وعبد الله صائم فقال : اقترب
فكل. فقلت: إنى صائم. فقال عمرو: فإنى سمعت رسول الله ول﴿ ينهى عن صيام هذه الأيام.
ذكره أبو الحسن الدارقطنى حدثنا أبو بكر النيسابوری حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن وهب
حدثنا عمى عبد الله بن وهب فذكره . ورواية مخرمة بن بكير هذه تشهد لرواية يحيى بن يحيى عن
مالك بأن أبا مرة لم يسمع الحديث من عمرو بن العاصى والله أعلم . وقال ابن أخى ابن وهب:
والربيع بن سليمان المرادى عن ابن وهب : أخبرنى ابن لهيعة عن مالك عن ابن الهادى عن أبى مرة
مولى عقيل بن أبى طالب أنه قال: دخلت مع عبد الله بن عمرو على أبيه)».
(٣) فى ف: ((مالك)).
١٤١
!

الموطأ
التمهید
يقولون: مولَى عَقيلِ بنِ أبى طالبٍ. واسمُه يزيدُ بنُ مئةً) .
وقال القعنبئُ فى هذا الحديثِ عن مالك : عن یزید بنِ عبدِ اللهِ بنِ الهادی ،
عن أبى مرَّةَ مولَى أمّ هانىٍّ ، أنه دخَل مع عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصى على أبيه
عمرو بنِ العاصى (١) . وكذلك قال رَوْحُ بنُ عُبادةَ عن مالكٍ. وكذلك قال
الليثُ : عن يزيدَ بنِ الهادى، عن أبى مرَّةَ مولَى عقيلٍ ، أنه دخَل هو وعبدُ اللهِ بنُ
عمرو بنِ العاصى على عمرٍو بنِ العاصى . وذكّر مثلَ حديثٍ مالكٍ(١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، حدَّثنا محمدُ بنُ
الجهمِ السّمَّرىُّ، حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن مالكِ ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
الهادى، عن أبى مرَّةَ مولَى أمّ هانىٌّ ، أنه دخَل مع عبدِ اللهِ بنِ عمرو على أبيه
عمرٍو بنِ العاصى، (" فقرّب إليهما" طعامًا، قال: كُلْ. قال: إنى صائمٌ. فقال
عمرو: كُلْ؛ فهذه الأيامُ التى كان رسولُ اللهِ وَِّ يَأْمرُنا بفطرِها، ويَنْهَى" عن
صيامِها . قال مالكٌ: وهى أيامُ التشريقِ(١) .
القبس
(١ - ١) سقط من: ف.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٤١٨)، والبيهقى ٢٩٧/٤ من طريق القعنى به.
(٣) أخرجه الدارمى (١٨٠٨)، وابن خزيمة (٢١٤٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٤٤/٢ من
طريق الليث به .
(٤ - ٤) فى الأصل: ((فقرب إليه))، وفى م: ((يقرب إليه)).
(٥) فى الأصل، م: ((ينهانا)).
(٦) أخرجه أحمد ٣٠٢/٢٩، ٣٠٣ (١٧٧٦٨) من طريق روح بن عبادة به .
١٤٢

الموطأ
وقد رُوِى هذا الحديثُ عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النبيِّ وَّ ه. وإنما هو التمهيد
عن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن النبيِّ أَلِّ، وأحسنُ أُسانید حدیثِ
عمرو بنِ العاصى هذا، إسنادُ(١) مالكٍ هذا، عن يزيدَ بنِ الهادى، عن أبى مرَّةً،
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو، عن أبيه، وقد يجوزُ أن يكونَ أبو مرةَ سَمِعَه من عمرو بنِ
العاصی مع عبد الله بن عمرو علی ما ذكّر اللیثُ وغیرُه وأکثر الرواةِ عن مالك فی
هذا الحدیثِ " .
وقد روى عن النبيِّ وَ ◌ّرِ أنه نهَى عن صيامٍ أيام التشريقِ جماعةٌ من
الصحابة؛ منهم علىُّ بن أبى طالبٍ(٢)، وعبدُ اللهِ بنُ حذافةً ، وبشرُ بنُ
سُحَيمٍ، وعمرُو بنُ العاصى، وعقبةُ بنُ عامٍ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ،
قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ علىّ، قال: حدَّثنا() وهبّ،
قال: حدَّثنا موسى بنُ عَلَىٌّ، وحدَّثنا عثمانُ بنُ أبى شيبةً، قال: حدّثنا وكيع،
عن موسى بنٍ عُلَىِّ - والإخبارُ فى حديثٍ (٧) وهبٍ - قال: سمِعتُ أبى(٨) ، أنه
القبس
(١) أخرجه النسائى فى الكبرى (٢٨٩٩، ٢٩٠٢)
(٢) بعده فى الأصل: ((حديث)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) تقدم تخريجه ص ١٣٤ .
(٥) تقدم فى الموطأ (٨٥١).
(٦) تقدم تخريجه ص ١٢٨.
(٧) بعده فى الأصل، م: ((ابن)). وينظر تهذيب الكمال ١٢١/٣١.
(٨) بعده فى م: ((يقول)).
١٤٣

الموطأ
سمِع عقبةَ بنَ عامٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((يومُ عرفةَ، ويومُ النحرِ، وأيامُ
التمهید
التشريقِ ، عيدُنا(١) أهلَ الإسلامِ، وهى أيام أكلٍ وشربٍ))().
لا یوجدُ ذکژ یوم عرفً فی غیر هذا الحدیثِ ؛ وقد مضی القولُ فی ذلك فی
غيرِ هذا البابِ من هذا الكتابِ ، منها بابُ ابنِ شهابٍ(٢) ، وبابُ أبى النضرِ(٤)،
ومضَى هنالك كثيرٌ من معانى هذا البابٍ . والحمدُ للهِ .
واختلف الفقهاءُ فى صيامٍ أيامِ التشريقِ للمتمثِّعِ إذا لم يجدِ الهَدْىَ ولم يصُمْ
قبلَ يومٍ النحرِ، ولمن نذَر صومَها أو صومَ بعضِها؛ فذكر ابنُ عبدِ الحكمِ عن
مالكٍ، قال: لا بأسَ بصيامِ الدهرِ إذا أفطَر يومَ الفطرِ ، ويومَ النحرِ ، وأيامَ
التشريقٍ؛ لنهي رسولِ اللهِ وَّ ر عن صيامِها. وقال فى موضعٍ آخرَ: ولا يتطوَّعُ
أحدٌ بصيامٍ أيامٍ منّى . وروى ابنُّ وهبٍ عن مالكِ، قال: لا يصامُ يومُ الفطرِ،
ويومُ النحرِ ، وأيامُ التشريقِ . وروى ابنُ القاسمِ عن مالكِ، قال: لا يصومُ أحدٌ
يومَ الفطرِ ولا يومَ النحرِ بحالٍ من الأحوالِ ، ولا ينبغى لأحدٍ أن يصومَ أيامَ الذَّبح
الثلاثةَ . قال: وأما اليومان اللذان بعدَ يوم النحرِ، فلا يصومُهما أحدٌ متطوعًا ،
ولا يقضِى فيهما صيامًا واجبًا من نذرٍ ولا رمضانَ، ولا يصومُهما إلّ المتمتع
القبس
(١) فى م: (عید)).
(٢) أبو داود (٢٤١٩). وتقدم من طريق أخرى ص ١٢٣، ١٢٤ .
(٣) تقدم ص ١٣٥ .
(٤) تقدم ص ١١٣ - ١٢٤.
١٤٤

الموطأ
الذى لم يصُمْ فى الحجّ ولم يجدِ الهدىَ. قال: وأما آخِرُ أيام التشريقِ فيصامُ إن التمهيد
نذَره رجلٌ، أو نذَر صيامَ ذى الحجةِ ، فأما قضاء رمضانَ أو غيرِه فلا يَفعلُ، إلَّا
أن يكونَ قد صام قبلَ ذلك صيامًا متتابعًا فمرِض ثم صحَّ وقوِى على الصيامِ فى
هذا اليومٍ، فيبنى على الصيامِ الذى كان صامه فى الظهارِ أو قتلٍ النفسِ، وأما
رمضانُ خاصَّةً فإنه لا يصومُّه عنه . وقال الشافعىُّ فى روايةِ الربيعِ والمُزنىٌ:
ولا يصامُ يومُ الفطرِ، ولا يومُ النحرِ، ولا أيامُ منَى، فرضًا ولا تطوعًا ، ولو صامها
متمتعً لم يجدْ هديًا لم يُجزِئْ عنه بحالٍ . قال المُزنىُّ: وقد قال مرةً: يُجْزِئُ
عنه. ثم رجَع عنه . وأصحابُ الشافعىِّ على القولين جميعًا .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه وابنُ عُليَّةً: لا يصامُ يومُ الفطرِ ولا يومُ النحرِ ولا
أيامُ التشريقِ على حالٍ ، ومَن نذَر صيامَها لم يَجُزْ له ، وقضاها ، ولا يصومُها
المتمتعُ ولا غيرُه. وقال الليثُ: لا يصومُ أحدٌ أيامَ منّى، متمتعٌ ولا غيرُه.
والحجةُ لمذهبِ الليثِ ومَن قال كقولِه، أن رسولَ اللهِ وَ لَّهِ أَمَر مناديَه فنادَى فى
أيامِ التشريقِ: ((إنها أيامُ أكلٍ وشربٍ)). ونهَى عن صيامِها، وقد علِم أن فى
أصحابِهِ من المتمتعين مَن يمكنُ أن يكونَ لا يجدُ هديًا ، وحقيقةُ النھی حملُه
على العموم ، إلا أن يُعقَ على أنه أُرید به الخصوصُ . وقد ژُوِی عن عمر") وابنٍ
عباس ) أنهما نھیًا المتمتعَ عن صیامٍ أیامٍ منی، وقد أجمعوا على أن النھی عن
صيامٍ يومِ النحرِ ويومِ الفطرِ نهىُ عمومٍ، فكذلك نهيئه عن صيامٍ أيامٍ منّى . هذه
القبس
(١ - ١) سقط من: ف.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص١٢٢، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٤٨/٢.
(٣) ينظر المحلى ١٩١/٧.
١٤٥
(موسوعة شروح الموطأ ١٠/١١)

الموطأ
جملةُ ما احتج به الكوفيون ومن قال بقولهم فى ذلك .
التمهيد
ومن حجةٍ مَن أجاز صيامَ أيامِ التشريقِ للمتمتعِ إذا لم يجدِ الهدىّ،
عمومُ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ فى المتمتعِ: ﴿فَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَةِ أَيَّامٍ فِي
لْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومعلوم أنها من أيامِ الحجّ؛ لِما فيها من عملِه ، فبهذا
(١)
قلنا : إن النهىَ خرَج على التطوع بها، كنهيه عن الصلاةِ بعد العصرِ والصبحِ،
علی ما قد ذگرناه. والحمدُ للهِ .
قال أبو عمرَ : تحصيلُ مذهبٍ مالكٍ فى صيامِ المتمتع إذا لم يجدِ الهدىَ
ولم يصُم الثلاثةَ الأيامِ فى الحجّ أنه يصومُ أيام التشريقِ . وهو قولُ ابنِ عمرَ
(٢)
وعائشةً(١) ، وهو أحدُ قولى الشافعىِّ. قال مالكٌ: فإن فاته صيامُ أيامِ التشريقِ
صام العشرةَ كلَّها إذا رجع إلى بلاده وأجزاه ، وإن وجد هدیًا بعد رجوعه أهدى
ولم يَضُمْ .
قال أبو عمرَ : رُوِى عن ابنِ عمرَ، والزُّبيرِ ، وأبى طلحةَ، والأُسودِ بنِ يزيدَ ،
أنهم كانوا (4) يصومون أيام التشريقِ تطوعاً°). وليس ذلك بصحيح عنهم، ولو
صحّ كانت الحجةُ فيما جاء عن رسولِ اللهِ وَّهِ لا فيما جاء عنهم، وجماعةٌ
العلماءِ والفقهاءِ على كراهيةٍ صيامٍ أيام التشريقِ تطوعًا . وباللهِ التوفيقُ .
القبس
(١) بعده فى ف: (( ما)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٩٧٧).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٩٧٦).
(٤) سقط من: م.
(٥) ينظر ما تقدم ص ١٣٦ .
١٤٦
1

ما يجوزُ مِن الھدی
الموطأ
وأمّا أيامُ التشريقِ فهى أيامُ منَّى، وهى(١) أيامُ الذَّبحِ بعدَ يومِ النحرِ عندَ جماعةٍ التمهيد
من أهلِ العلم، وقد اختلف العلماءُ فی أیام الذبح للأضحى، وقد ذكرنا
اختلافَهم فى ذلك فى بابٍ يحيى بن سعيدٍ ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ من هذا
الكتاب (١) . والحمدُ للهِ .
وفى اشتقاقِ أيام التشريقِ لأَهلِ اللغةِ قولان ؛ أحدُهما ، أنها سُمِّيت بذلك
لأن الذبح فیھا یجبُ بعدَ شروق الشمس . والآخرُ ، أنها شُمِّیت بذلك لأنهم
كانوا يشرّقون(١) فيها لحومَ الأضاحى ( إذا قُدِّدت. قاله(٥) قتادةٌ. وقولٌ ثالثٌ:
إنما سُمِّيت أيام التشريقِ ؛ لأنهم كانوا يشرقون للشمسِ فى غيرِ بيوتٍ ولا أبنيةٍ
للحجِّ. هذا قولُ أبى جعفرِ محمدِ بنِ علىّ، ( والثانى قولُ قتادة(٤).
القولُ فى الهذيِ: إن اللهَ سبحانَه لو شاء لآمَن مَن فى الأرضِ كلُّهم جميعًا، القبس
كما أنه لو شاء لأيَّد الأنبياءَ بآيةٍ تذهَلُ لها الألبابُ وتخضَعُ لها الرقابُ ، ولأوطأهم
رقابَ الخلقِ حتى ينقادوا إليهم، وذلِّل لهم الجبابرةَ حتى يُطيعوهم، ولكنه ابتلَی
بعضَنا ببعضٍ ، ورفَع بعضَنا على بعضٍ ؛ حكمةً بالغةً ومشيئةً نافذةً ، فكان مَن سلّف
من الأنبياءِ قبلَ محمدٍ وَ لِّ، ما بينَ مضطهَدٍ") من الخلقِ، أو مغلوبٍ بالملوكِ
(١) ليس فى : الأصل ، م .
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٠٥٤) من الموطأ .
(٣) تشريق اللحم : هو تقديده وبسطه فى الشمس ليجِفّ. النهاية ٤٦٤/٢.
(٤ - ٤) سقط من: ف .
(٥) فى م: ((قال)).
(٦ - ٦) سقط من : م .
(٧) فى ج: ((مضهد))، وفى م: ((مظهر)).
١٤٧

الموطأ
التمهید
القبس
والجبابرة، أو منصورٍ بالقتالِ. ولما بعَث اللهُ تعالى محمدًا وَلّ اختار له جزيرةَ
العربِ، وأَنزَل بها أباه إسماعيلَ عليه السلامُ، ومهَّد له حالَها من ذلك الحينِ ؛ بلادٌ
جَدْبةٌ ومواضعُ وَخْشٌ تَنَفِرُ عنها قلوبُ الخلقِ، ومهَّد فيها للعربِ لِما أراد اللهُ من
فضيلتهم، وكانوا قومًا فوضى لا مُلكَ عندَهم، وقد كان نفَذ القضاءُ بأنَّه لا بدَّ للخلقِ
من وازعٍ حينَ كانت الاستطالةُ والتظالُمُ سليقةَ الجِلَّةِ ، وجعَل تبارك وتعالى الذِّمامَ
فى العرب والجوارَ؛ دفعًا عن المظلومِ، ثم لم يستقِلَّ هذا الخصوصُ بعمومِ التظالُمِ
فى الخلقِ، فجعَل الكعبةَ مُعظّمةً فى النفوسِ وذاتَ هيبةٍ فى القلوبِ، وألقَى فى
رُوعِهم أنها مواضع١ُ أمنٍ لا يُراعُ فيها أحدٌ ، ولا يُؤْخَذُ فيها بحقٌّ، وبالَغ فى تعديةِ
الأمن فحرّم إذايةً الصيد، وزاده تأكيدًا بأن حرّم الحطب والحشیشَ، حتى تمكَّنت
تلك الهَيبةُ فى نفوسِهم(٢)، وصار الحرمُ مأوَى لأمنِهم، وامتنَّ بذلك عليهم
فقال عزَّ مِنْ قائلٍ: ﴿أَوَلَمَّ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُنَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ
[العنكبوت: ٦٧]. ثم کان البیتُ نائیًا عن أقطار ١ العرب فلم یگن لهم
ـولھِمْ﴾
نِعَمُ العصمةِ، فجعَل الأشهُرَ الحُرْمَ، وهى ثُلُثُ العامِ ، محرَّمةً معظَّمةً، ليستريحَ
إليها المضطهَدون، ويأمَنَ فيها الخائفون، وقرّر ذلك فى نفوسِهم تقريرًا انتهى إلى أن
يلقَى الرجلُ قاتلَ أبيه فيه (٥) فلا يَرُوعُه. ثم كانت الأشهُرُ الحُرمُ لا تستقِلُّ بعمومٍ
الزمانِ، فجعَل الهدْىَ قائمًا مَقامَه؛ فكان إذا خاف الرجلُ حلَق رأسَه وأشعَر هديه
(١) فى ج: ((موضع).
(٢) فى ج، م: ((قلوبهم)).
(٣) فى ج: (( أبطال )).
(٤ - ٤) فى ج، م: ((تكن تعم).
(٥) سقط من: ج، م.
١٤٨

الموطأ
التمھید
القبس
وقلَّده باسم البيتِ فلا يَرُوعُه أحدٌ، فقامت هذه العواصمُ مقامَ المَلِكِ العاصمِ يقومُ
بأحوالِ الخلقِ فى المصالح ويدفَعُ عنهم المضارَّ، وعن هذا المعنى عبَّر تعالى بقولِه:
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾ الآية [المائدة: ٩٧].
فجاء النبيُ وَ ﴿ بالنبوَّةِ على أمَّةٍ خاليةٍ عن (١) الملوكِ والقوة ، فكان ذلك أفسح (١)
للقَبولِ ، وأبلغَ فى نَيلِ المأمولِ، وقد كان الهدىُ قُربانًا مشروعًا لآدمَ، ثم مهَّده اللهُ
بينَ إسماعيلَ وإبراهيمَ، ولم يزَلْ مستمرًّا على تلك السبيلِ حتى أوضَح اللهُ تعالى فيه
الرسولِه البيانَ؛ فقال: ﴿وَاَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُرُ مِّن شَعَِ اللَّهِ لَكُنْ فِيهَا خَيْرٌ﴾. إلى
قوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦]. فصارت هذه الآيةُ أَصلَ الشريعةِ فى الهدايا؛ لأنه
تبارَك وتعالَى بَيَّن شرعيتها فى شعيرتِها، وأمَر بحملها أو بعثِها، وضمِن لنا الخيرَ()
فيها بقوله: ﴿لَكُمْ فِيَهَا خَيْرٌ﴾. بالعصمةِ أُولى من الظلم ، وبالغِدية أخرى من النارِ،
وأمر بنحرِها للهِ العظيم ، وأباح أكلها رِفقًا بالخلقِ ، وبِّن اُنَّذلك کلَّ راجٹے إلينا ودائرٌ
علينا حينَ قال وهو القدُّوسُ: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ أُوْمُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى
كُمْ﴾ الآية [الحج: ٣٧]. المعنى: أنه ليس المقصودُ إراقةً الدمٍ ولا تفرقةَ اللحمِ،
إنما المقصودُ إِذعانُ الخلقِ إلى الطاعةِ ، وامتثالُهم ما لا تَهتدِى إليه عقولُهم ؛ قيامًا
بحقِّ الربوبيةِ، وتَقِيَّةً من عقوبةِ العبوديةِ. ولمّا قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا
فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]. فأباح الأكلَ بعدَ بلوغ الهدي مَحِلَّه، وقَعت(١) الإباحةُ على
(١) فى م: ((من)).
(٢) فى ج، م، وحاشية د: ((أسمح)).
(٣) فى د: ((بالخير)).
(٤) فى ج: ((وقفت)).
١٤٩

الموطأ
التمهيد
القبس
ذلك الشرطِ، وتشعَّبت الشّبلُ على علمائِنا باختلافٍ أحوالِ الهدْىِ، فاضطَرَبَت
لذلك أقوالُهم اضطرابًا تحصّل منه خمسة أقوالٍ ؛ الأول ، أنه لا يؤكّلُ من الهدى ، لا
قبلَ النحرِ ولا بعدَه . الثانى، أنه يؤكَلُ قبلُ وبعدُ(١). الثالثُ، أنه يؤكَلُ بعدُ ولا يؤكَلُ
قبلُ . الرابعُ، أنه يؤكَلُ كلُّه إلا جزاء الصيدِ ونحوَه. الخامسُ، أنه يؤكَلُ كلُّه إلا
هدیّ الفساد .
ولكلِّ قولٍ من هذه الأقوالِ مُنتخَى (١) نزَع به صاحبُه، والأصلُ فى ذلك الآيةُ
المُحكّمَةُ المتقدِّمةُ التى ذكرها اللهُ عزَّ وجلَّ فى معرِضِ الامتنانِ ، وأباح الأكلَ منها
مبالغةً فى الإحسانِ ، فلما استقرَّ هذا العمومُ فى نصابِه ظهَر من الشريعةِ أن جزاءً الصيدِ
ويجب على المُحرِمِ غُوْمُه، فمُحالٌ أن يأْكُلَ ما غرِمِ فترجِعَ ذِمَّتُه مشغولةٌ كما كانت ،
وهذا قياسٌ جليٌّ مُخصَّصٌ به العمومُ باتفاقٍ، ولقد روَى ابنُّ نافعٍ أنه يجوزُ أكلُ جزاءٍ
الصيدِ ؛ استمرارًا على العموم، وتقديمًا له على القياس الجلىٌّ. وقال ابنُ المؤازِ:
لا يأكُلُ من هدي الفسادِ؛ لأنه وجَب عليه عقوبةً(١) على طريقِ التغليظِ ، فكيف
يُخَفَّفُ عنه بإباحةِ الأكلِ له، فينتقِضَ أصلُ التغليظِ ويجتمِعَ الضُّدَّانِ؟! وهذا
أيضًا قياسٌ جلىٌ تخصّص بمثله العمومُ. ورُوى عن النبيِّ بَ ليل أنه قيل له: كيف
نصنَعُ بما عَطِبَ(٢) منها؟ قال: ((انخرها، وخلٌ بينَ الناسِ وبينَها)) (٥) . وبهذا تعلَّق
(١) أى قبل المحل وبعده .
(٢) فى م: ((منحى)).
(٣) فى د: ((عقوبته)).
(٤) عطَبُ الهدى: هلاكه ، وقد يعبر به عن آفة تعتريه وتمنعه عن السير فينحر. النهاية ٢٥٦/٣.
(٥) سيأتى فى الموطأ (٨٦٩).
١٥٠

٨٥٤ - مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ الموطأ
عمرٍو بنٍ حزمٍ، أن رسولَ اللهِ وَلَّهِ أَهدَى جملًا كان لأبى جهلِ بنِ
هشامٍ ، فى حجّ أو عمرةٍ .
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمٍو بنٍ حَزْمِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ التمهيد
وَلِّ أَهْدَى جملًا كان لأُبِى جهلٍ بنِ هشامٍ، فى حجّ أو عمرةٍ .
وقَع عندنا وعندَ غيرِنا فى كتابٍ يحبى فى ((الموطأ )» فى هذا الحديثِ :
مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ . وهذا مِن الغَلَطِ البيّنِ(١)، ولا أَدْرِى
مَن منَع الأكلَ قبلَ بُلوغ الهدي مَحِلَّه. قلنا: لم يمتَعْه من الأكلِ ولا جرَى له ذكرٌ، القبس
وإنما أخبرَه بوجهِ العملِ فيه، وبقِىَ جوازُ الأكلِ على أصلِه. وقولُه: ﴿فَإِذَا وَجَتْ
جُوبُهَا﴾. خرَج مَخرِجَ الغالبِ من الأحوالِ لا على طريقِ الشرطِ، وأبدعُ من هذا كلِّه
أن النبيُّ وَّ كان فى حَاجَتِّه قارنًا ومعَه الهدىُ، فلما نخَرِها بمِنَى أَمَر بطبخِها ،
وجعَل فى القِدْرِ من كلِّ بَدَنةٍ بَضْعةً ، فأكل من لحمِها وشرِب من مَرَقِها ، وفيها لحمُ .
هدي () القران ، ولم یمیّزه ولا فصله . فأما ما نُذِر للمساکینِ فلا ینبغی أن تذكروه فى
هذه المسائلِ، ولا أن تجعَلوه من جملتها كما فعَل بعضُ علمائِنا؛ لأن ذلك صدقةٌ ،
والصدقةُ لها حكمُها المعلومُ(٢) فلا تدخُلُ فى الهدي، وهذه أصولُ طُرْقٍ (٤) الخلافِ
ومطالعِ النظرِ، وتركيبُ الأقوالِ عليها مبسوطٌ فى مسائلِ الفقهِ .
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٣/١٠.
(٢) سقط من : ج .
(٣) سقط من : م .
(٤) فى د: ((طريق)).
١٥١

الموطأ
ما وجهُه، ولم يختلِفِ الرواةُ لـ ((الموطّأُ)) عن مالكٍ، فيما عِلِمْتُ قديمًا
التمهید
وحديثًا ، أنَّ هذا الحديثَ فى ((الموطّأُ)) لمالكِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبی بکرٍ ،
ولیس لنافع فیه ذکرٌ ، ولا وجه لذ کر نافعٍ فیه، ولم یزوِ نافے عن عبدِ اللهِ بنِ ابی
بکر قطّ شیئاً ، بل عبدُ اللهِ بنُ ابی بکرٍ ممن يصلُح ان یرویَ عن نافع، وقد روى
عن نافعٍ مَن هو أجَلَّ منه، وهذا الحديثُ فى ((الموطأً)) عندَ جَماعَةِ رواتِه
لمالك، عن عبدِ اللهِ بنِ ابی بکر ) ، ورواه سویدُ بنُ سعیدٍ، عن مالك، عن
الزهرىِّ، عن أنسٍ، عن أبى بكرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّ أَهدَى جَمَلًا لأَبِى جَهْلٍ(٢).
وهذا من خطاً سويدٍ وغَلَطِه . وهذا الحديثُ يستندُ مِن حديثِ ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا به عبدُ الوارثِ بنُّ سُفْيَانَ ، قال حدَّثْنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثْنَا عُبَيْدُ
ابنُ عبدِ الواحِدِ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبَ ، قال: حدّثنا إبراهيمُ بنُ
سَعْدٍ، عن محمدِ بنِ إِسْحاقَ ، قال: وقال عبدُ اللَّهِ بنُ أبى نَجيحِ: حدَّثنِى مجاهدٌ،
عن ابنِ عباسٍ ، اُنَّ رسولَ الله ێ أهدى عام الحدَتِيَةِ فی هَدَايَاه جمَلًا لأبى جهل
ابنِ هشامٍ، فى رَأْسِه بُرَةٌ (١) مِن فِضَّةٍ؛ لِيَغِيظَ به المشركين".
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/١٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١١٩٩). وأخرجه
البيهقى ٢٣٠/٥ من طريق مالك به .
(٢) أخرجه الإسماعيلى فى معجمه ٣١٢/١، ٣١٣، والخطيب ٨٢/٤ - ٨٥ من طريق سويد بن سعيد به.
(٣) البرة: حلقة تجعل فى لحم الأنف، وربما كانت من شعر. النهاية ١٢٢/١.
(٤) أخرجه الطبرانى (١١١٤٧) من طريق أحمد بن محمد بن أيوب به، وأخرجه أحمد ١٩٣/٤
(٢٣٦٢) من طريق إبراهيم بن سعد به .
١٥٢

الموطأ
وحدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا التمهيد
أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نعيمٍ،
حدَّثنا سفيانُ، عن ابنٍ أبى ليلى، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنٍ
عباسٍ، أن النبيَّ وَ ل﴿ِ سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فيها جملٌ لأبى جهل، عليه بُرَةٌ مِن
فِضَّةٍ().
وأخبرنا قاسمُ بنُّ محمدٍ، قال: أخبرنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ عمرو بن منصورٍ، وأخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ وعبيدُ بنُ
محمدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مسرورٍ، "قال: حدَّثنا عيسى) بنُ
مِسكينٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سَنْجَرَ، قال: حِدَّثنا أبو
نُعَيْم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنٍ أبى ليلى، عن الحكم، عن مِقْسَمٍ، عن
ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ وَّهِ سَاقَ مائَةً بَدَنَةٍ، فيها جملٌ لأبى جهلٍ،
عليه بُرَةٌ مِن فضةٍ.
وقد رُوِیَ عن عبد الکریم الجزرِئِّ ، عن مجاهدٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبی
ليلى، عن علىِّ، أنَّ النبيَّ وَّ أَهْدَى فى حَجَّتِه مائَةً بَدَنَةٍ، فيها جَمَلٌ لأبِى
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (١٢٠٥٧) عن على بن عبد العزيز به، وأخرجه البيهقى ٢٣٠/٥ من طريق أبى
نعيم به، وأخرجه أحمد ٥٠٢/٣، ٢٤٩/٤ (٢٠٧٩، ٢٤٢٨)، وابن ماجه (٣٠٧٦، ٣١٠٠)
من طريق سفيان الثورى به .
(٢ - ٢) فى ص ١٦: ((قالا: حدثنا يحيى).
١٥٣
١

الموطأ
جَهْلٍ(١) . وفى هذا اللَّفْظِ بهذا الإِسْنَادِ نَظَرٌ.
التمهيد
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على استسمانِ الهدايا واختيارِها وانْتِخَابِها، وأنَّ
الجَمَّلَ يُسَمَّى بَدَنَةً، كما أنَّ النَّقَةَ تُسَمَّى بَدَنَةً، وهذا الاسمُ مُشْتَقٌّ مِن عِظَمِ البَدَنِ
عندَهم . وفى هذا الحديثِ رَدُّ قَوْلٍ مَن زَعَمَ أنَّ البَدَنَةَ لا تكونُ إِلَّا أنثى، وفيه إجازةٌ
هديٍ ذكورِ الإبلِ، وهو أمرٌ مُجْتَمَعٌ عليه فى الهَدْيِ، وأما استسمانُ الضحايا
والهدايا والغُلُرُ فى ثمنها واختيارِها ، فداخلٌ عندِى تحتَ عُمُومٍ قَوْلِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ:
﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكْبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] . وسُئِل رسولُ
اللهِ وَلِّ عِن أَفضلِ الرَّقَابِ، فقال: ((أغلاها ثَمَنً))(١). وهذا كلُّه مدارُه على
صحةِ النِّيّةِ، قال رسولُ اللَّهِ وَله: ((الأعمالُ بالنّاتِ))(٢). وقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ:
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُوْمُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وفى حديثٍ مجاهدٍ عن ابنِ عباسٍٍ المذكورِ فى هذا البابِ، فيه قولُه :
لِيَغِيظَ به المشركين. وذلك عندى تفسيرٌ لهذا الحديثِ لمَن تدبَّر. وباللهِ
التوفيقُ .
القبس
(١) أخرجه البزار (٦١٧) من طريق عبد الكريم الجزرى به .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٥٥٣).
(٣) تقدم تخريجه فى ٣٢/٥، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٢) من الموطأ .
١٥٤

٨٥٥ - مالكٌ، عن أبى الزنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أن الموطأ
رسولَ اللهِ وََّ رأى رجلاً يسوقُ بدنةً فقال: ((اركَبْها)). فقال:
يا رسولَ اللهِ ، إنها بدنةٌ. فقال: ((اركَبها، ويْلَكَ)». فى الثانيةِ أو
الثالثةِ .
مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَِّ التمهيد
رَأَى رجلاً يشُوقُ بَدَنَةً فقال: ((ارْكَبْها)). فقال: يا رسولَ اللهِ، إِنَّها بدَنةٌ .
فقال: ((ارْكَبْها)). فقال: يا رسولَ اللهِ، إِنَّها بدَنةٌ. فقال: ((ارْكَبْها، وَيْلَكَ)).
فى الثانيّةِ أو الثالثةِ(١).
هكذا يروِيه أكثرُ الروَاةِ عن مالكِ فى ((الموطأً)) ؛ فى الثانيةِ أو فى الثالثةِ.
وممن قال ذلك عتيقُ بنُ يعقوبَ الزُّبيرىُّ وقتيبةٌ(١) . وقال فيه ابنُ عبدِ الحكم :
فى الثالثةِ أو فى الرابعةِ .
حدَّثناه خلفٌ، حدَّثنا ابنُّ الوردِ ، حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيدَ، حدَّثنا ابنُ
عبد الحکم ، أخبرنا مالكٌ . فذكره بإسناده .
هكذا قال مالكٌ فى هذا الحديثِ : عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤١٢)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٤ و- مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (١٢٠٣). وأخرجه أحمد ٢١٢/١٦، ٢١٣ (١٠٣١٥)، والبخارى (١٦٨٩، ٢٧٥٥)،
ومسلم (٣٧١/١٣٢٢)، وأبو داود (١٧٦٠) من طريق مالك به .
(٢) أخرجه البخارى (٦١٦٠)، والنسائى (٢٧٩٨) عن قتيبة به .
١٥٥

الموطأ
أبى هريرةَ. وخالَفَه ابنُ عيينةَ، فقال فيه: عن أبى الزِّنادِ ، عن مُوسى بن أبى
عثمانَ ، عن أبيه ، عن أبى هريرةَ .
التمهید
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مطرفٍ ، قال :
حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعناقيُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُّ إسماعيلَ العثمانىُّ
الأيلىُ، قال : حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن أبى الزِّنادِ ، عن مُوسی بن أبى عثمانَ ،
عن أبيه، عن أبى هريرةً قال: مرَّ النبيُّ نَّهِ برجلٍ يسُوقُ بَدَنةً، فقال:
((ارْكَبْها)). فقال: إنَّها بدَنةٌ يا رسولَ اللهِ. فقال: ((وَيْلَكَ، ارْكَبْها))(١).
اختلف العلماءُ فى رُكوبِ الهَدْيِ الواجبِ والتطوُّعِ؛ فذهَب أهلُ الظاهرِ
إلى أنَّ رُكُوبَه جائزٌ من ضرورةٍ ( وغيرِ ضرورةٍ"، وبعضُهم أوْجَب ذلك.
وذهبت طائفةٌ مِن أهلِ الحديثِ إلى أنَّه لا بأسَ بركوبِ الهَدْيِ علی کلِّ حالٍ
أيضًا، على ظاهرٍ هذا الحديثِ. والذى ذهَب إليه مالكٌ، وأبو حنيفةً،
والشافعىُّ، وأكثرُ الفقهاءِ، كراهيةُ رُكوبِهِ مِن غيرٍ ضرورةٍ ؛ فَكَرِه مالكٌ رُكوبَ
الهَدْيِ من غيرِ ضرورةٍ، وكذلك كَرِهَ شُربَ لِبَنِ البَدَنةِ وإن كان بعدَ رِئِّ
فصِيلِها، فإن فعَل شيئًا من ذلك كلِّه فلا شىءَ عليه. وقال أبو حنيفةً والشافعىُّ:
إن نقصها الرُّكوبُ، أو شرِبَ لبْنَها، فعليه قيمَةُ ما شرِبَ من لَبَنِها وقيمةُ ما
القبس
(١) أخرجه الحميدى (١٠٠٣)، وأحمد ٣٠٣/١٢ (٧٣٥٠)، وابن الجارود (٤٢٧)، والطحاوى
فى شرح المعانى ١٦٠/٢ من طريق سفيان بن عيينة به.
(٢ - ٢) سقط من: م.
١٥٦

٨٥٦ - مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، أنه كان يرَى عبدَ اللهِ بنَ الموطأ
عمرَ يُهدِى فى الحجّ بدنتين بدنتين، وفى العمرةِ بدنةً بدنةً . قال :
نقصها الرُّكوبُ . وحُجةُ مَن ذهَب هذا المذهَبَ ، أن ما خرَج للهِ فغيرُ جائزِ التمهيد .
الرجوع فى شىءٍ منه ، ولا الانتقامُ به، فإن اضطُرّ إلی ذلك جاز له ؛ لحديث
جابرٍ فى ذلك .
حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن ابنِ
جريج، قال : أخبرنا أبو الزّبيرِ، قال: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ عن رُکوب
الهَدْىِ، فقال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَه يقولُ: ((اركَبْها بالمَعْرُوفِ إِذا أَلْجِئتَ
إليهَا حتَّى تجِدَ ظهْرًا))(١).
وأما قولُه: ((وَيْلَكَ)) . فمخْرَ بجه الدُّعاءُ علیه إذ أُتی مِن رُ كوبها فى أوّل مرّةٍ،
وقال له: إنَّها بدَنّةٌ. وقد كان رسولُ اللهِ وَلّهِ يعلَمُ أنها بدَنةً ، فكأنَّه قال له :
الوَئِلُ لكَ فى مُراجعتِكَ إِيَّاى فيما لا تعرِفُ (" وأعرف٢ُ) . واللهُ أعلمُ. وكان
الأصمعىُ يقولُ : وَيْلٌ كلمَةُ عذابٍ، ووَئِعٌ كلمَةُ رحمَةٍ .
مالكٌ(*) ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، أنه كان يرَى عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يُهدى فى الاستذكار
القبس
(١) أبو داود (١٦٧١)، وأحمد ٣٠٥/٢٢ (١٤٤١٣). وأخرجه مسلم (٣٧٥/١٣٢٤)،
والنسائى (٢٨٠١)، وابن خزيمة (٢٦٦٣) من طريق يحيى بن سعيد به.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
(٥) من هنا خرم فى المخطوط ((ب))، وينتهى فى شرح الحديث (٩٨٧) من الموطأ .
١٥٧

الموطأ ورأيتُه فى العمرةِ ینحرُ بدنهً وهی قائمةٌ فى دارِ خالدِ بنِ أَسیدٍ ، وكان
فيها منزلُه . قال: ولقد رأيتُه طعَن فى لَئَةٍ بدنتِه حتى خرجت الحربةُ من
تحتٍ کتِفِها .
الاستذكار الحجّ بدنتين بدنتين، وفى العمرةِ بدنةً بدنةً . قال: ورأيتُه فى العمرةِ ينحرُ بدنةً
وهى قائمةٌ فى دارٍ خالدٍ بنِ أَسيدٍ ، وكان فيها منزلُه. قال: ولقد رأيتُه طعَن فى لَةٍ
بَدنتِه حتى خرَجتِ الحَربةُ من تحتِ كِتِفِها (١).
قال أبو عمرَ : فى هذا الخبرِ من الفقهِ أن للإنسانِ أن يتطوَّعَ من الهدي بما
شاء، ويسوقَ منه ما شاء. وقد ساق رسولُ اللهِ وَالآلِ فى حَجتِه مائةَ بدنةٍ وجعَلها
بينَه وبينَ علىِّ رضِى اللهُ عنه(١)، وكان يضحّى بكبشين(١).
وأما نحره بُدْنَه قائمةً فهى الشنةُ؛ تُنحرُ البُدْنُ قيامًا لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ:
فَذَكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَآَنَّ﴾ [الحج: ٣٦]. والصوافُّ التى قد صُفَّت
قوائمُها ، ومَن قرأ : (صَوافِنَ)(١) . فإِنه يريدُ: قائمةً على ثلاثٍ قوائمَ ، ومَن قرأ:
(صَوافِيَ) (١). أراد : خالصةً للهِ. والاختيارُ عندَ الجميع ألا تُنحرَ البدنةُ إلا
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٠٦)، وبرواية يحيى بن بكير (٤/١٨ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٢٠٠).
(٢) سیأتی تخريجه ص٣٠٣ - ٣٠٥.
(٣) أخرجه أحمد ٢٤/١٩ (١١٩٦٠)، والبخارى (٥٥٥٨)، ومسلم (١٨/١٩٦٦) من حديث
أنس، وينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٠٥٤) من الموطأ.
(٤) قرأ بها ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وقتادة ومجاهد وعطاء والضحاك والكلبى والأعمش. ينظر
تفسير ابن جرير ٥٥٥/١٦، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ٩٧، ٩٨، والبحر المحيط ٣٦٩/٦.
(٥) قرأ بها مجاهد والحسن وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعرى وشقيق وسليمان التيمى =
١٥٨

الموطأ
قائمةً، إلا أن تمتنعَ من ذلك، وما أظنُّهم ، واللهُ أعلمُ ، استحبُّوا نحرَها قيامًا إلا الاستذكار
لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]. أى : سقطتْ على ◌ُنوبِها
إلى الأرض . وأما نحژه فى منزله فی دارٍ خالدِ بنِ أُسیدٍ فإن مکةً كلّها منحرٌ ينحر
منها حيثُ شاء فى العمرةٍ ، ومنّى منحرٌ فى الحجّ، وأما طعنُه فى لَّةِ بُدْنِه فهو
موضئُ النحر ، ولا خلاف أن نحر الإنسان ییده لما ◌ُنحژ من هدیه، وذبحه لِما
يُذْبَحُ منه، أفضلُ من أن يولِّيْه غيرَه عندَ جماعةِ أهلِ العلم؛ لأن رسولَ اللهِ وَليه
نخر بعض هدیه بیدِه ، وهو الأكثرُ، وولّی علًّا نحر سائره، و كان قد أشر كه فى
هديه . وكان مالكٌ رحِمه اللهُ يشدِّدُ فى ألَّا يَذبحَ ولا يَنحرَ للمرءِ غیرُه ضَحیتَه ولا
بدنتَه ، إلا أن يكونَ مَن يريدُ كفايتَه ويقومُ له مقامَ نفسِه .
حدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ معاويةً، وحدَّثنی
عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنی حمزةُ بنُ محمدٍ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُّ
شعيبٍ ، قال : أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنى يحيى بنُ سعيدٍ ، قال :
حدَّثنى جعفرُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنى أبى، قال: أَتَينا جابرَ بنَ عبدِ اللهِ
فحدَّثنى أن جماعةَ الهَديِ التى أَتَّى بها علىٍّ من اليمن - والذى أنابَهُ) النبىُ وَله
عليه - مائَةٌ؛ فنحَر النبيُّ ◌َلِّ منها بيدِه ثلاثًا وستين، وأعطَى عليًّا فنحَر ما غبّر ،
وأشر كه فی هدیه، ثم أمر مِن كلِّ بَدنةٍ ببضعةٍ فجعلتْ فی قِدٍ، فأكلا من
القبس
= والأعرج. ينظر تفسير ابن جرير ٥٥٥/١٦، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ٩٧، والمحتسب ٢/ ٨١،
والبحر المحيط ٣٦٩/٦.
(١) فى م: (( أتى به)).
١٥٩

الموطأ
٨٥٧ - مالكٌّ، عن يحتِى بنِ سعيدٍ، أَن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أهدَى
جملاً، فى حجّ أو عمرةٍ .
الاستذكار لحمِها وشرِبا من مرّقِها (١).
قال أبو عمرَ : وأما خروجُ الحربةِ من تحتٍّ كتفِ البدنةِ فدالٌ على قوةِ
عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضِى اللهُ عنه ، وكان هو وأخوه عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ يُشپهان أباهما
فى القوةِ والجلَدِ وعِظَمٍ (٢) المخلقِ .
مالك ، عن یحیی بن سعیدٍ ، أن عمر بن عبد العزیز اهدی جملًا ، فی حے
(٣)
أو عمرة().
قال أبو عمرَ: هذا، واللهُ أعلمُ، لِما بلغه أن رسولَ اللهِ وَلَّهِ أهدى جملًا
كان لأبى جهلٍ بن هشامٍ فى حجةٍ أو عمرةٍ(١)، تأسِّيًّا برسولِ اللهِ وَّهِ وامتثالاً
لفعله. وهذان الخبران یدُلّان على أن هدیّ الناسِ کان فى الثُّوقِ أكثر منه فى
الجِمالِ ، وكذلك رأى بعضُ العلماءِ واستحبّ أن تكونَ البَدنةُ أَنْثَى ، وذلك عندَ
الجمهورِ منهم؛ لأن اسمَها عندَهم مشتقٌّ من عِظَم البدَنِ ، وقد يُسمّون البقرةَ
بدنةً؛ لأنها أعظمُ بدنًا من الشاةِ .
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (٤١١٩). وأخرجه ابن خزيمة (٢٨٩٢، ٢٩٢٤) من طريق يحيى بن
سعيد به .
(٢) فى الأصل، م: ((أعظم)). والمثبت يقتضيه السياق .
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/١٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٢٠١).
(٤) تقدم فى الموطأ (٨٥٤).
١٦٠