النص المفهرس

صفحات 41-60

الموطأ
أسبوعين، وكرِهه أيضًا أبو حنيفةً، والشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ ، وإسحاقُ، الاستذكار
وأكثرُ أهلِ العلمِ . وقد كان بعضُ السلفِ يَقُنُ(١) بينَ الأسابيع؛ منهم عائشةُ أمّ
المؤمنين، والمِسوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ، ومجاهدٌ(٢).
ذكَر ابنُ عيينةً، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ السائبِ " ابنُ بركةَ، عن أمِّه)،
أن عائشةً كانت تطوفُ ثلاثةَ أسابيعَ تَقْرُنُ(٤) بينَها، وتركَعُ لكلِّ أسبوع
(٥)
ركعتين(٥).
وذگَر شعبةُ ، عن عبدِ اللهِ بنِ ابی نَجیح ، عن مجاهدٍ ، أنه کان لا یری بأسًا
أن يطوفَ الرجلُ ثلاثةَ أسابيعَ، أو خمسةً، وما كان وترًا ، ويصلِّىَ لكلِّ أسبوع
ركعتين ويجمَعَهن، وكان يكرّهُ سُبعين أو أربعًا. وقال به أبو يُوسفَ أيضًا،
وكان المسورُ بنُّ مخرمةَ يَقْرُنُ(١) بينَ الأسبوعين.
قال أبو عمرَ: الحُجَّةُ لمن كرِه ذلك أن النبيَّ وَلِّ طاف بالبيتِ سبعًا،
وصلَّی خلف المقام ركعتينٍ، وقال: «خذوا عنى مناسگكم))(٢) . فينبغى
القبس
(١) فى الأصل: ((يفرق)).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٩٠١٤)، ومصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع)
ص٣٩٤، ٣٩٥، وأخبار مكة للفاكهى ٢١٩/١، ٢٢١. (٣٨٧، ٣٨٨، ٣٩٤، ٣٩٧، ٣٩٩)،
وسنن البيهقى ١١١/٥ .
(٣ - ٣) فى م: ((عن أبيه)). وبركة أمه. ينظر الطبقات الكبرى ٤٨٩/٨، وتهذيب الكمال ٢٤٤/٢٥.
(٤) فى الأصل، م: ((تفرق)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٩٠١٧) عن سفيان بن عيينة به .
(٦) فى الأصل، م: ((يفرق)).
(٧) تقدم تخريجه فى ٩٧/٢، وسيأتى تخريجه ص ٨٢ ، وفى شرح الحديث (٩٦٢) من الموطأ .
٤١

الموطأ
الاستذكار
الاقتداءُ به والانتهاءُ إلى ما سنَّه لأمته وقآل﴾ . وعلةُ من أجاز ذلك أنها صلاةٌ لیس
لها وقت فیتعدَّی، والطوافُ لا وقت له أيضًا ، فحسبه أن يأتى من الطوافِ بما
شاء، ویر کعَ لکل اسبوعر کعتین، قیاسًا علی من کانت علیه کفارتان فى وقتین
يجمعُهما فى وقتٍ واحدٍ ، وأما كراهةٌ مجاهدٍ الجمعَ بينَ السُّبعين وإجازتُه ثلاثةً
أسابيعَ، فإنما ذلك، واللهُ أعلمُ، أن رسولَ اللهِ وَالتي انصرف إلى الركعتين بعد
وترٍ من طوافِه، ومن طاف أسبوعين لم ينصرِفْ على وترٍ، فلذلك أجاز أن
یطوفَ ثلاثةً أسابیعَ وخمسةً وسبعةً ، ولم يُجِزِ اثنين .
قال أبو عمرَ: ثبتت الآثارُ عن النبيِّ وَلِّ أنه لما طاف بالبيتٍ صلَّى عندَ
المقامِ ركعتينٍ(١)، وأجمعوا على قولٍ ذلك، وأجمعوا أيضًا على أنَّ الطائفَ
يصلِّى الركعتين حيثُ شاء من المسجدِ ، وحيثُ أمكنه ، وأنه إن لم يصلِ عندَ
المقامٍ أو خلفَ المقامِ فلا شىءَ عليه . واختلَفوا فيمن نسِىَ ركعتي الطوافٍ حتى
خرج من الحرم أو رجع إلى بلاده ؛ فقال مالك : إن لم یر کغهما حتى يرجع إلى
بلدِه فعليه هديّ . وقال الثورىُّ: يركڤُهما حيثُ شاء ما لم يخرُجْ من الحرمِ .
وقال الشافعىُّ وأبو حنيفةً: يركعُهما حيثُما ذكر من حِلِّ أو خَرمٍ . وحجةُ مالكٍ
فى إيجابِ الدمٍ فى ذلك قولُ ابنِ عباسٍ : مَن نسِىَ مِن نسكِه شيئًا فليُهرقْ
دمًاً . وركعتا الطوافٍ من النسكِ. وحجةُ من أسقَط الدمَ فى ذلك أنهما صلاةٌ
تُقضَى متى ذُكِرت؛ لقولِه وَلّهِ: (( من نام عن صلاةٍ أو نسِيّها فلْيصلِّها إذا
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٨٢٨).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٩٦٠).
٤٢

الموطأ
الاستذكار
ذكّرها)) (١). وليستا بأوكدَ مِن المَكتوبةِ، ولا مَدخلَ للدمِ عندَهم.
وأما قولُ مالكٍ فى الرجلِ يدخُلُ الطوافَ ، فيسهُو حتى يطوفَ ثمانيةً
أطواف أو تسعةً ، فإنه یقطئُ ویر کثُ ر کعتين، ولا يعتدُّ بالذی زاد، ولا یینی
عليه . فهذه مسألةٌ اختلف الفقهاءُ فيها ؛ فقولُ أبى حنيفةَ ومحمدٍ فى ذلك كقولٍ
مالكٍ، وبه قال أبو ثورٍ، وهو الأُولى ؛ قياسًا على صلاةِ النافلةٍ (١) يسلِّمُ فى
ر کعتين ، فإذا قام إلى ثالثةٍ وعمِل فیھا ثم ذكر ، رجع إلى الجلوسِ وتشھَّد وسلَّم
وسجَد . وقال الثورىُّ: إن بنَى على الطوافٍ والطوافين أسبوعًا آخرَ فلا بأسَ ،
ولا أَحُّه. واستحَب الشافعىُّ فى ذلك ما قاله مالكٌ، ولم يخرجْ عندَه
(٣)
الساهی إذا بنى .
وأما قولُه: من شكَّ فى طوافِه بعدَما يركَعُ ركعتى الطوافِ فَلْيعُدْ فَلْيُتمَّ
طواقَه على اليقينِ، ثم ليُعدِ الركعتين؛ لأنه لا صلاةَ لطوافٍ إلا بعدَ إكمالٍ
السُبعِ. فقد احتَجَّ مالكٌ للمسألةِ بما لا رِيبةَ فيه (٤)، فإن رسولَ اللهِ وَلِّ قال:
((مَن شكَّ أثلاثًا صلَّى أم أربعًا فليينٍ على يقينٍ، وليأتِ بركعةٍ))(١). ولا خلافَ
أن الركعتين لا تكونان إلا بعدَ السبعةِ الأطوافٍ .
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٢٤).
(٢) بعده فى الأصل: ((منهين مبنى))، وفى م: ((فيهن يبنى و)).
(٣) بعده فى الأصل: ((اليسر))، وفى م: ((سهو).
(٤) بعده فى الأصل: ((الأمر فى ذلك )).
(٥) تقدم فى الموطأ (٢١١) .
٤٣

،
الموطأ
الاستذكار
وأما قولُه: من أصابه شىءٌ ينقُضُ وضوءَه . إلى آخرِ قولِه ؛ فالسنةُ المجتمَعُ
عليها أنه لا ينبغى أن يكونَ الطوافُ إلا على طهارةٍ ؛ لقوله عليه السلامُ للحائضِ
من نسائِه: ((اقضِى ما يَقضى الحاجُ غيرَ ألَّ تطُوفى)) (١). هذا هو الاختيارُ
عندَهم . واختلَفوا فيمن طاف على غيرِ طهارةٍ ؛ فجملةُ قولٍ مالكِ فى ذلك (٣أنه
قاسها على من صلَّى على غير وضوءٍ. وقال مالك : لا يطافُ إلا فى ثوپٍ طاهرٍ
وعلى طهارةٍ، فإن أحدَث فى الطوافِ توضأ واستقبَل إذا كان الطوافُ واجبًا
عليه أو مِن سننٍ الحجِّ، وأما الطوافُ التطويع فإنه إن أراد تمامَه استأنَف الوضوءَ
له. وقال أبو حنيفةً وأبو يوسفَ : إن ذكّر الذى طاف الطوافَ الواجبَ أو
المسنونَ(٣) على غيرِ طهارةٍ ذلك اليومَ أحبَبنا(٤) ، له الإعادةُ وعليه دمٌ . وقال
محمدٌ : ليس عليه إعادةُ الطوافِ ، وإن طاف كان حسنًا ، والدمُ عليه على كلِّ
حالٍ لا يُسقِطُه عنه إعادةُ الطوافٍ . وقال الشافعىُّ : إذا طاف فى ثوبٍ نجسٍ
أو على جسدِه شىءٌ مِن نجاسةٍ أو فى نعلِه نجاسةٌ ، لم يَعتدَّ بما طاف بتلك
الحالِ، كما لا يَعتدُّ (بالصلاةِ فى ذلك")، وكان فى حُكْمٍ مَن لم يَطُفْ . قال:
والطائفُ بالبيتٍ فى حكم المصلِّى فى الطهارةِ خاصةً . ولا يرى الشافعىُّ فى
الطوافِ تطوعًا على مَن قطَعه عليه الحدثُ أو قطَعه عامدًا - إعادةً ، كالصلاةِ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٩٤٥).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل. والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) بعده فى م: ((أنه كان)).
(٤) فى م: ((أو مُجُنُبًا)).
(٥ - ٥) فى الآم ١٧٩/٢: ((فى الصلاة بذلك)).
٤٤

الموطأ
النافلةِ عندَه، ولا يجِلُّ عندَه الطوافُ التطوعُ ولا صلاةُ التطوع إلا على طهارةٍ. الاستذكار
وقال أبو ثورٍ : إذا طاف علی غیرٍ ۇُضوءٍ، أو فى ثوبه بول ، أو قذرّ، أو دم كثيرٌ
فاحش ، وهو يعلم ، لم يجزئه ذلك، وإن كان لا يعلمُ أجزأه طواُه . وقال أحمدُ
وإسحاقُ : لا يجوزُ طوافٌ إلا على طهارةٍ. وقال إبراهيم النخعىُ ، وحمادُ بنُ أبی
سليمانَ ، ومنصورُ بنُ المعتمرِ ، والأعمشُ : يجزئُّ الطوافُ على غيرِ طهارةٍ .
روی شعبةُ عن منصورٍ ، وحمادٍ ، والأعمشِ ، فی الرجل يطوف بالبيتِ علی غیرِ
طهارةٍ ، فلم يرَوا بذلك بأسًا . قال الأعمشُ : أحَبُّ إلىّ أن يطوفَ على طهارةٍ .
قال أبو عمرَ : مَن أجاز الطوافَ على غيرِ طهارةٍ قاسَه على إجماع العلماءِ
فى السعي بينَ الصفا والمروةِ ، أنه جائزٌ على غيرِ طهارةٍ ، ومَن لم يُجِزْه إلا على
طهارةٍ احتجّ بما تقدَّم مِن قولِه عليه السلامُ: ((تَقْضِى الحائضُ المناسكَ كلَّها إلا
الطوافَ بالبيتِ ))(١) . وقولِه وقولٍ أصحابِه: ((الطوافُ بالبيتِ صلاةً))(٢). وهو
مرتبطٌ بالركعتين(١) بعدَه، ولا خلافَ بينَهما أنها لا تجزِئُّ على غيرِ ) طهارةٍ .
وأما قولُ مالكِ أنه لا يدخُلُ السعىَ ("إلا بطوافٍ". فهو اختيارٌ منه لمَن صحّ له
طواقُه على طهارةٍ .
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ١٥/١٠.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٦٦، ٦٧ .
(٣) فى الأصل، م: ((بالبيت)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٤) ليس فى : الأصل. وسياق العبارة السابقة غير مستقيم، وكأن هناك سقطا فى الكلام.
(٥ - ٥) كذا فى الأصل، م، ولعل الصواب: ((إلا بطهارة)). ففى الموطأ: ((إلا وهو طاهر
بوضوء).
٤٥

الموطأ
الصلاةُ بعدَ الصبحِ والعصرِ فى الطوافِ
٨٣٣ - مالكٌ، عن ابن شهابٍ ، عن محميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ
عوفٍ ، أن عبد الرحمن بنَ عبدٍ القارئَّ أخبره أنه طاف بالبيتِ مع عمرَ
ابنِ الخطابِ بعدَ صلاةٍ الصبح، فلما قضَى عمرُ طوافَه نظَر فلم يرَ
الشمس ، فر کِب حتی اناخ بذی طُوّی ، فصلّی ر کیتین .
الاستذكار
بابُ الصلاةِ بعدَ الصبح والعصرِ للطوافِ(١)
مالكٌ ، عن ابن شهابٍ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمنٍ، أن عبد الرحمنِ بنَ
عبد القارِئَّ أخبره أنه طاف بالبيتِ مع عمرَ بنِ الخطابِ بعدَ صلاةٍ الصبح ، فلما
قضَى عمرُ طوافَه نظَر فلم يرَ الشمسَ، فركِب (١) حتى أناخَ بذى طُوَّى، ثم صلَّى
(٣)
ركعتين (١).
القبس
الصلاةُ بعدَ الصبح وبعدَ العصرِ فى الطوافِ
رُوِى عِن النبيِّ وَ أنه قال: «یا بَنی عبدِ المُطَّلِبِ، یا بَنی عبد منافٍ، لا تمنَعُوا
أحدًا طاف بهذا البيتِ أَن يُصلِّىَ أَيَّةَ ساعةٍ شاءَ من ليل أو نهارٍ)) (١). وروَى أبو ذَرِّ عن
(١) فى م: ((فى الطواف)).
(٢) ليست فى : الأصل.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٤٠)، وبرواية يحيى بن بكير (٢٠/٤ ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٢٩٧). وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٨٧/٢، والبيهقى ٤٦٣/٢،
٩١/٥ من طريق مالك به .
(٤) تقدم تخريجه فى ٣٩٠/٧ .
٤٦

٨٣٤ - مالك، عن أبى الزُّبَيرِ المكرّ، أنه قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ الموطأ
عباسٍ يطوفُ بعدَ صلاةِ العصرِ، ثم يدخُلُ حجرتَه، فلا أدرى ما
يصنّغُ .
مالكٌ، عن أبى الزبيرِ المَكْىٌّ، قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ يطوفُ بعدَ الاستذكار
صلاةِ العصرِ، ثم يدخُلُ حجرتَه، فلا أدرى ما يصنَعُ " .
قال أبو عمرَ: روَى هذا الخبرَ ابنُ عيينةً، عن أبى الزبيرِ بخلافٍ روايةٍ
مالكِ، ذكره ابنُّ أبى عمرَ وغيرُه ، عن ابنٍ عبينةً، عن عمرو بنِ دينارٍ قال : رأيتُ
ابنَ عباسٍ طاف بعدَ العصرِ ، فلا أدری أصلَّی ام لا ؟ فقال له أبو الزبيرِ : يا عمرُو،
لم ترَه صلَّى؟ قال: لا . قال أبو الزبيرٍ: لكنى رأيتُه صلَّى.
القبس
النبيِّ وَِّ أنه قال: ((لا صلاةَ بعدَ الصبح حتى تطلُعَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعدَ العصرِ
حتى تغُّبَ الشمسُ، إِلا بمكةً)) (١). فلما كان هذا الحديثُ مرويًّا ولم تَصِحَّ طُرقُه(١)،
أُدخَل مالكٌ فعلَ عمرَ بنِ الخطابِ حينَ طاف بالبيتِ والشمسُ لم تطلُغ ورحل حتى
صلَّاها بذى طُوَّى ؛ فكان فعلُ عمرَ فى الصحابةِ ، وهو الخليفةُ المهدىُّ، أَولَی من
ذلك الحديثِ (٤) المروىٍّ، ولو كانت تلك الوصيةُ من النبيِّ وَ لِّ متقدِّمةٌ، وذلك
الحديثُ عن أبى ذرٍّ صحيحًا، لكان بمكةً مشهورًا ولَما خفى على عمرَ حالُه .
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٠/٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٢٩٨). وأخرجه
البيهقى ٩١/٥ من طريق مالك به .
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٩٠/٧، ٣٩١.
(٣) بعده فى د: (( و)).
(٤) فى د: ((بالحديث)).
٤٧

الموطأ
٨٣٥ - مالكٌ، عن أبى الزبيرِ المكيّ ، أنه قال : لقد رأيتُ البيتَ
يخلُو بعدَ صلاةِ الصبحِ وبعدَ صلاةِ العصرِ، ما يطوفُ به أحدٌ .
قال مالكٌ: ومَن طافَ بالبيتِ بعضَ أسبوعِه، ثم أُقيمت صلاةُ
الصبحِ أو صلاةُ العصرِ، فإنه يصلِّى مع الإمامِ ، ثم يبنى على ما طاف
حتى يُكملَ سُبعًا، ثم لا يصلِّى حتى تطلُعَ الشمسُ أو تغرُّبَ . قال: وإن
أُخَّرهما حتى يصلِّىَ المغربَ فلا بأسَ بذلك.
قال مالكٌ: ولا بأسَ أن يطوفَ الرجلُ طوافًا واحدًا بعدَ الصبحِ وبعدَ
العصرِ، لا يزيدُ على سُبْعٍ واحدٍ ، ويُؤْخِّرُ الركعتين حتى تطلع الشمسُ
الاستذكار
مالكٌ، عن أبى الزبيرِ المَكَّىّ ، قال: لقد رأيتُ البيتَ يخلو بعدَ صلاةٍ
الصبحِ وبعدَ صلاةِ العصرِ، ما يطوفُ به أحدٌّ(١).
قال أبو عمرَ: هذا خبرٌ منكَرٌ يدفتُه كلُّ مَن رأى الطوافَ بعدَ الصبحِ
والعصرِ ولا يرى الصلاةَ حتى تغرُبَ الشمسُ ؛ مالكٌ ومن قال بقوله ، ويدفعُه
أيضًا كلٌّ من رأى الصلاةَ والطوافَ بعدَ الصبحِ وبعدَ العصرِ .
قال مالكٌ: ومَن طاف بالبيتٍ بعضَ سُبوعِه، ثم أُقيمتِ الصلاةُ؛ صلاةٌ
الصبح، أو صلاةُ العصرِ، فإنه يصلِّى مع الإمامِ ، ثم بينى على ما طاف حتى
يَستكملَ شُبعًا، ثم لا يصلِّى حتى تطلُعَ الشمسُ أو تغربَ . قال مالك: وإن
أخّرهما - يعنى الركعتين - حتى يصلِّىَ المغربَ فلا بأسَ بذلك.
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٣٩)، وبرواية يحيى بن بكير (٢٠/٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (١٢٩٩). وأخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٢٦٦/١ (٥٣٠) من طريق مالك به.
٤٨

كما صنَع عمرُ بنُ الخطابِ، ويُؤْخِّرُهما بعدَ صلاةِ العصرِ حتى تغرُبَ الموطأ
الشمسُ، فإذا غربتِ الشمسُ صلاهما إن شاء، وإن شاء آخرهما حتى
يصلِّىَ المغربَ ، لا بأسَ بذلك .
قال مالكٌ: ولا بأسَ أن يطوفَ الرجلُ طوافًا واحدًا بعدَ الصبح وبعدَ الاستذكار
العصرِ، لا يزيدُ على سُبعٍ واحدٍ، ويؤخِّرُ الركعتين حتى تطلع الشمسُ كما
صنَع عمرُ بنُ الخطابِ، ويؤخِّرُهما بعدَ صلاةِ العصرِ حتى تغرُبَ الشمسُ،
فإِذا غرَبتْ صلَّاهما إن شاء، وإن شاء أنّرهما حتى يصلِّىَ المغربَ، لا
بأسَ بذلك.
قال أبو عمرَ: قد قال فى ((الموطأً)) عندَ جماعةٍ مِن رواتِه: أحبُّ إلىَّ أن
يركعَهما بعدَ صلاةِ العصرِ.
قال أبو عمرَ : للمسألةِ فى هذا البابِ ثلاثةُ أقوالٍ ؛ أحدُها ، إجازةُ الطوافِ
بعدَ الصبحِ وبعدَ العصرِ، وتأخيرُ الركعتين حتى تطلُعَ الشمسُ أو تغربَ . وهو
مذهبُ عمرَ بنِ الخطابِ، ومعاذِ ابنِ عفراءَ ، وجماعةٍ، وهو قولُ مالك
وأصحابه .
القبس
(١) معاذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن النجار الأنصارى المعروف بابن
عفراء وهى أمه، شهد العقبة الأولى مع الستة الذين هم أول من لقى النبى وٍَّ من الأوس والخزرج،
وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله وَطيفة، توفى فى خلافة عثمان، وقيل: فى خلافة
على. تهذيب الكمال ١١٥/٢٨، والإصابة ٦/ ١٤٠.
٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٤/١١ )

الموطأ
الاستذكار
روى ابنُّ عیینةً، عن ابنِ أبی نَجیح ، عن أبيه، قال: قدِم علینا أبو سعيدٍ
الخدرىُّ، فطاف بالبيتِ سُبعًا بعدَ الصبح، فقلنا: انظُرُوا كيف يصنعُ ؟ فجلَس
حتى طلَعتِ الشمسُ، ثم قام فصلَّى ركعتين (١).
والقولُ الثانى، كراهةُ الطوافِ، وكراهةُ الركوعِ له بعدَ الصبحِ وبعدَ
العصرِ. قاله سعيدُ بنُّ جبيرٍ، ومجاهدٌ، وجماعةٌ .
والثالثُ، إباحةُ ذلك كلِّه وجوازُه بعدَ الصبح وبعدَ العصرِ. وبه قال
الشافعىُّ وجماعةٌ غيرُه. وكرِه الثورىُّ وأبو حنيفةً وأصحابُه الطوافَ بعدَ
الصبحِ وبعدَ العصرِ ، وقالوا : فإِن فعَل فلا يركعُ حتى تحِلَّ الصلاةُ النافلةُ بعدَ
طلوعِ الشمسِ وبعدَ الغروبِ . وقال سعيدُ بنُّ جبيرٍ ومجاهدٌ : لا تطوفُ
ولا تُصلِّى" بعدَ الصبح وبعدَ العصرِ. وقال عطاءٌ: يطوفُ ولا يصلِّى. وقد
رُوِى عنه: يطوفُ ويصلِّى(٢). مثلَ قول الشافعيّ، وهو الصحيحُ عنه .
وروَی شعبة ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ ، عن نصرِ بنِ عبد الرحمنِ، عن جدِّه
معاذٍ القرشىِّ ، أنه طاف بالبيتِ مع معاذِ ابنِ عفراءَ بعدَ العصرِ أو بعدَ الصبحِ
فلم يصلِ، فسألتُه، فقال: قال رسولُ اللهِ وَِّهِ: (( لا صلاةَ بعدَ صلاةِ الغداةِ
القبس
· من هنا تبدأ مخطوطة المتحف البريطانى المشار إليها بالرمز ((ب)).
(١) أخرجه عبد الرزاق (٩٠١٠)، والفاكهى فى أخبار مكة ٢٦٤/١ (٥٢٢)، والبيهقى ٤٦٤/٢
من طريق ابن عيينة به .
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((يطوف)).
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٦٠.
٥٠

الموطأ
حتى تطلُعَ الشمسُ، ولا بعدَ العصرِ حتى تغرُبَ الشمسُ)) . وبمثلِ هذا الاستذكار
احتجّ من كرِه الطوافَ بعدَ الصبحِ والعصرِ، وزاد : إن مِن سُنَّةِ الطوافِ أن
يُصلَّىَ بعدَه ركعتين بلا فصلٍ، ولا تؤخَّرُ الركعتان بعدَ الفراغ مِن الطوافٍ إلا
من عذرٍ ، فإذا لم تكنِ الصلاةُ جائزةً لم يكنِ الطوافُ جائزًا؛ لأن الطوافَ لا
يتمُّ إِلا بالركعتين، وسنتُهما ألَّ يفرّقَ بينَهما.
ومن حجةِ الشافعىّ ومن قال بقولِه حديثُ سفيانَ بن عيينةً ، عن أبى الزبيرِ ،
عن عبدِ اللهِ بنِ باباه - ويقالُ: ابنُ بابَيْه - عن جبيرٍ بنِ مُطعِمٍ، عن النبيِّ وَّه
أنه قال: ((يا بنى عبد منافٍ - أو: يا بنى عبد المطلبٍ - إن وليتم مِن هذا الأمرِ
شيئًا فلا تمنَعوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ وصلَّى أىَّ ساعةٍ شاء مِن ليلٍ أو نهارٍ)).
رَواه الشافعىُّ(١) وغيرُهُ عنِ ابنِ عُبِينَةَ. قالُوا: فقد عمَّ الأوقاتَ كلَّها، فليسَ لأحدٍ
أن يخُصَّ وقتًا مِن الأوقاتِ. ومَنْ(٢) أجازَ الطوافَ والصلاةَ بعدَ العصرِ
والصبحِ؛ عبدُ اللهِ بنُّ عمرَ، وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ ، وعبدُ اللهِ بنُّ الزبيرِ ، والحسنُ،
والحسينُ . وبه قال عطاءً، وطاوسٌ، والقاسمُ بنُ محمدٍ ، وعروةُ بنُ الزبيرِ .
روَى ابنُّ عيينةَ، عن عمرو بنِ دينارٍ قال: رأيتُ أنا وعطاءٌ عبدَ اللهِ بنَ
عمرَ طاف بالبيتِ بعدَ الصبحِ وصلَّى(٤).
القبس
(١) أخرجه الطيالسى (١٣٢٢)، وأحمد ٤٤٧/٢٩ (١٧٩٢٦)، والنسائى (٥١٧) من طريق شعبة به.
(٢) الشافعى ١٤٨/١، وتقدم تخريجه فى ٣٩٠/٧ .
(٣) فى ب: ((من)).
(٤) أخرجه الشافعى ١٦٣/١ (١٧١)، والفاكهى فى أخبار مكة ٢٥٧/١ (٤٩٤) من طريق ابن
عيينة به .
٥١

الموطأ
وداعُ البيتِ
٨٣٦ - مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن عمرَ بنَ
الخطابِ قال: لا يَصدُرَنَّ أحدٌ مِن الحاجٌ حتى يطوفَ بالبيتِ ، فإنَّ
آخرَ النُّسكِ الطوافُ بالبيتِ .
قال مالكٌ فى قول عمرَ بنِ الخطابٍ: فإن آخرَ النُّسكِ الطوافُ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : لا ينبغى لأحدٍ أن يطوفَ ولا يركَعَ عندَ طلوع الشمسِ ولا
عندَ غروبِها؛ لأن الآثارَ متفِقةٌ فى ذلك صحاحٌ لا تحتملُ تأويلاً. وأما (« الآثارُ
فى٢ الصلاةِ بعدَ الصبحِ وبعدَ العصرِ فقد عارَضها مثلُها ، وتأويلُ العلماءِ فيها
أن النهىَ إنما ورَد لئلّا يُتطرّقُ بذلك إلى الصلاةِ عندَ الطلوع والغروبِ، وقد
أوضَحنا هذا المعنى فى كتابٍ الصلاةٍ، فلم أرَ وجهًا لإعادتِه هلهنا .
بابُ وداعِ البيتِ
مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: لا يَصْدُرَنَّ(٢)
أحدٌ مِن الحاجُ حتى يطوفَ بالبيتِ، فإنَّ آخِرَ التّسْكِ الطوافُ بالبيتِ(٣).
قال مالكٌ فى قولٍ عمرَ: فإنَّ آخرَ النُّسُكِ الطوافُ بالبيتِ : إِن ذلك -
القبس
(١ - ١) فى ب: ((النهى عن)).
(٢) الصدّر بالتحريك: رجوع المسافر من مقصده، والشاربة من الورد. يقال: صدَر يصدُر صدورًا
وصّدّرًا. النهاية ١٥/٣.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥١٧)، وبرواية أبى مصعب (١٤٤٢). وأخرجه الشافعى=
٥٢

بالبيتٍ : إن ذلك - فيما نُرَى واللهُ أعلمُ - لقولِ اللهِ تباركَ وتعالى: الموطأ
﴿وَمَنْ يُعَظِمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَىَ الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] . وقال
تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيفِ﴾ [الحج: ٣٣]. فمحِلُّ الشعائرِ
كلِّها وانقضاؤُها إلى البيتِ العتيقِ .
٨٣٧ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ رَدَّ
رجلاً من مرّ الظهرانِ لم يكنْ ودَّع البيتَ حتى ودَّع.
٨٣٨ - مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيهِ ، أنه قال : من أفاض
فيما نُرى واللهُ أعلمُ - لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعََبِرَ اَللَّهِ فَإِنَّهَا مِن الاستذكار
تَقْوَىَ الْقُلُوبِ﴾. وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَنِّيقِ﴾. فجعَل
:
الشعائرَ كلَّها وانقضاءَها) إلى البيتِ العتيقِ.
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ردَّ رجلًا مِن مَرٌ
الظّهْرانِ(٢) لم يكنْ ودَّع البيتَ حتى وقَّع(٣).
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أنه قال: مَن أفاضَ فقد ( قضَى
اللهُ حجّه٢، فإن لم يكنْ حبَسه شىءٌ فهو حقيقٌ أن يكونَ آخرَ عهدِه
القبس
=٢ /١٨٠، ٢٣٨/٧، والبيهقى ٥/ ١٦١، ١٦٢ من طريق مالك به.
(١ - ١) فى م: ((فمحل الشعائر كلها وانقضاؤها)).
(٢) الظهران واد قرب مكة، ومؤ قرية عند هذا الوادى، تضاف إليه فيقال: مؤ الظهران . معجم
البلدان ٣/ ٥٨١.
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (١٤٤٤). وأخرجه الشافعى ٢٣٨/٧، والبيهقى ١٦٢/٥ من طريق
مالك به .
(٤ - ٤) فى الأصل: (( قضى حجه).
٥٣

الموطأ فقد قضَى اللهُ حَجَّه، فإنه إن لم يكنْ حبسه شىءٌ فهو حقيقٌ أن يكونَ
آخرَ عهدِه الطوافُ بالبيتِ ، وإن حبَسه شىءٌ أو عرَض له فقد قضَى اللهُ
حجّه .
قال مالكٌ: ولو أن رجلًا جهل أن يكونَ آخرَ عهدِه الطوافُ بالبيتِ
حتى صدَر، لم أرَ عليه شيئًا ، إلا أن يكونَ قريبًا، فيرجعَ فيطوفَ
بالبيتِ ، ثم ينصرفَ إذا كان قد أفاض .
الاستذكار الطوافُ بالبيتٍ، وإن حبسه شىءٌ أو عرَض له فقد قضَى اللهُ حجّه(١).
قال مالكٌ: ولو أن رجلاً جهل أن يكونَ آخرَ عهدِه الطوافُ بالبيتِ حتى
صَدَر، لم أرَ عليه شيئًا ، إلا أن يكونَ قريبًا، فيرجعَ فيطوفَ بالبيتٍ ، ثم ينصرفَ
إن كان قد أفاضَ .
قال أبو عمرَ: ودائعُ البيتِ لكلِّ حاجٌ أو معتمرٍ لا يكونُ مكيًّا، مِن
شعائرِ الحجّ وستَّتِه، إلا أنه رُخِّص للحائضِ إذا كانت قد أفاضَت،
والإفاضةُ الطوافُ بالبيتٍ بعدَ رمي جمرة العقبةِ ، وهو الذى يسمّيه أهلُ
الحجازِ طوافَ الإفاضةِ، ويسمّيه أهلُ العراقِ طوافَ الزيارةِ ، فمَن طاف
ذلك الطوافَ مِن النساءِ، ثم حاضَت ، فلا جناحَ عليها أن تصدُرَ عن
البيتِ وتنهضَ راجعةً إلى بلدِها دونَ أن تودِّعَ البيتَ . وَرَدت السنَّةُ بذلك
فى الحائضِ التى قد أفاضَت، وسيأتى ذلك فى بابِهِ مِن هذا الكتابِ إن
• القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٤٤٥).
٥٤

الموطأ
شاء اللهُ عزَّ وجلَّ، وسنذكُرُ هناك مَن رخّص للحائضِ فى ذلك مِن الاستذكار
العلماءِ اتباعًا للسنةِ التى بلَغته فيها، ومَن لم يرخِّصْ لها لِما غاب عنه من
(١)
ذلك(١) .
قال ابنُ وهبٍ: قال لى مالكٌ فى قولِ عمرَ بنِ الخطابِ: آخِرُ
النَّسُكِ الطوافُ بالبيتِ. قال: ذلك الأمرُ المعمولُ به الذى لا ينبغى
لأحدٍ تركُه إلا مِن عذرٍ، وذلك لمَن كان بمنَّى مَّنُ(٢) أراد الصَّدَرَ، فأما
مَن رجَع إلى مكةً بإفاضةٍ فإن له سَعةً أن يخرُجَ - وإن لم يطُفْ بالبيتِ -
إذا أفاضَ .
قال أبو عمرَ: هو قولُ عطاءٍ؛ ذكَر ابنُ جريج، عن عطاءٍ قال: إذا
أخَّرتَ طوافَك إلى أن تجىءَ يومَ الصَّدَرِ أجزأك لزيارتك وصَدَرٍك. يعنى
الوداعَ. وقال الثورىُّ: مَن نسِى فخرج ولم يودّخْ رجَع - إن ذكَر فی
الحرم - فطاف، وإن كان قد خرَج مِن الحرمٍ لم يرجع ، ومضَى وأهَرَاقَ
دمًا. وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِهِ. وأوصَى سفيانُ الثورىُّ عندَ موتِه أن
يُهَراقَ عنه دمٌ؛ لأنه خرَج مرةً بغيرِ وداعٍ .
واختلفوا فيمَن طاف طوافَ الوداعِ ثم بدا له فى شراءِ حوائجَ مِن السوقِ
ونحوِ ذلك ؛ فقال عطاءً : إذا لم يبقَ إلا الركوبُ والنهوضُ فحينئذٍ يودٌّمُ، وإنما
القبس
٠
(١) ينظر ما سيأتى ص ٥١٢ - ٥١٦ .
(٢) فى م: ((فمن)).
٥٥

الموطأ
الاستذكار هو عملٌ يُختمُ به. وبه قال الشافعىُّ، والثورىُّ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ. وقال
الشافعىُّ: إذا اشتَرَى ( شيئًا فى طريقه لم يُعدِ الطوافَ . وقال محمدُ بنُ الحسنِ :
لا بأسَ أن يشترىّ" فى بعضٍ جَهازِه وطعامِه وحوائجِه فى السوقِ بعدَ الوداعِ.
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: أحبُّ إلينا أن يكونَ(١) طوافُه حينَ يخرُجُ ، فلو ودَّع
البيتَ ثم أقام شهرًا أو أكثرَ ، أجزأه ذلك، ولم تكنْ عليه إعادةٌ .
قال أبو عمرَ: هذا خلافُ قولٍ عمرَ رضِى اللهُ عنه: فليكنْ آخرَ عهدِه
الطوافُ بالبيتِ .
واختلفوا فى المعتمرِ الخارجِ إلى التنعيمِ هل يودّيحُ ؟ فقال مالك والشافعي:
لیس علیه ودائڅ. وقال الثوریُ : إن لم یودّغ فعليه دم .
قال أبو عمرَ: قول مالك آقْیسُ؛ لأنه راجٹ فی عمرته إلى البيتِ ولیس
بناهضٍ إلى بلدِه. و(٢) يقولون: إن بينَ مَرّ الظَّهْرانِ وبينَ مكةً ثمانيةَ عشرَمِيلًا .
وهذا بعيدٌ عندَ مالكِ وأصحابِه، ولا يرون أن يُردَّ أحدٌ إلى الطوافٍ للوداعِ مِن
مثل هذا الموضع. وجملةُ قولِ مالكٍ فیمَن لم یطُفْ للوداع ، أنه إذا كان قريبًا
رجَع فطاف لوداعِ البيتِ، وإن بَعُدُ ) فلا شيء عليه .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : يرجعُ إلى طوافِ الوداعِ ما لم يبلّغ المواقيتَ ،
القبس
(١ - ١) ليس فى : الأصل، م.
(٢) بعده فى ب: ((فى)).
(٣) فى ب: ((قال أبو عمر )).
(٤) فى الأصل: ((يعد))، وغير منقوطة فى : ب .
٥٦

جامع الطوافٍ
الموطأ
٨٣٩ - مالكٌ، عن أبى الأسودِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ نوفلٍ،
عن عروةَ بنِ الزبيرِ، عن زينبَ بنتِ أبى سلمةً، عن أمّ سلمةً
فإن بلَغها ولم يرجع فعليه دمّ . وقالوا فى أهلِ بستانٍ ابنٍ عامٍ وأهلِ المواقيتِ: الاستذكار
إنهم بمنزلةِ أهلِ مكةً فى طوافِ الصَّدَرِ .
وقال سفيان الثورىُّ والشافعىُّ: مَن لم يطُفِ الوداعَ فعليه دمّ إِن بَعُد ، وإن
أمكنه الرجويُ رجَع. وهو قولُ الحسنِ البصرىِّ، والحكم، وحمادٍ،
ومجاهدٍ ، کلُّھم یقول : علیه دم . وثبت عن ابنِ عباسٍ أنه قال : مَن نسِی مِن
نُشْكِه شيئًا فليُهْرِقْ دمًا (١) . ولا خلافَ أن طوافَ الوداع مِن النُّسْكِ. والحُجَّةُ
لمالكِ أن طواف الوداع ساقطٌ عن المكيّ وعن الحائضِ، فليس مِن السننِ
اللازمةِ ، والذمَّةُ بريئةٌ ، فلا يجبُ فيها شىء إلا بيقينٍ.
مالكٌ، عن أبى الأُسْوَدِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن ◌ُروةَ بنِ الزُّبِيرِ ، عن
التمهید
القبس
(١) بستان ابن عامر هو بستان ابن معمر؛ وهو مجتمع النخلتين النخلة اليمانية والنخلة الشامية ،
وهما واديان ، والعامة يسمونه بستان ابن عامر، وهو غلط. وقال البطليوسى : بستان ابن معمر غير
بستان ابن عامر، وليس أحدهما الآخر، فأما بستان ابن معمر فهو الذى يعرف ببطن مكة، وابن
معمر هو عمر بن عبيد الله بن معمر التيمى، وأما بستان ابن عامر فهو موضع آخر قريب من الجحفة ،
وابن عامر هو عبد الله بن عامر بن كريز. معجم البلدان ١/ ٦١١.
(٢) سيأتى فى الموطأ (٩٦٠).
٥٧

زوج النبيِّ وَ له، أنها قالت: شكوتُ إلى رسولِ اللهِ وَ لِ أَنى أشتكِى،
الموطأ
فقال: ((طوفِى من وراءِ الناسِ وأنتِ راكبةٌ)). قالت: فطُفتُ
ورسولُ اللهِ وَلّهِ حينئذٍ يصلّى إلى جانبِ البيتِ، وهو يقرأُ بـ:
اُلْتُطُورِ ﴾ وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾.
التمهيد زينبَ بنتٍ أبى سلمةَ، عن أمّ سلمةَ زوج النبيِّ وَلِّ، أَنَّها قالت: شَكَوتُ إلى
رسولِ اللهِ وَّهِ أَنَّى أَشتَكِى، فقال: ((طُوفِى مِن وَراءِ النَّاسِ وأنتِ راكِبةٌ)).
قالت: فَطُفْتُ(١) ورسولُ اللهِ وَهِ حِينَئِذٍ يُصلِّى إلى جانبِ البيتِ، وهو يقْرأُ
بـ: ﴿اَلُّورِ ) وَكِنَبٍ مَّسْطُورٍ﴾(١).
قال أبو عمرَ : هذا ما لا خِلافَ فيه بينَ أهلِ العلمِ ، كلُّهم يقولُ : إنَّ مَن
کان له ◌ُذرٌ، أو اشْتگی مَرَضًا ، أنَّه جائزٌ له الگگُوبُ فی طوافِه بالبيتِ ، وفى
سعیه بينَ الصَّفا والمروة. واختلفُوا فی جوازِ الطّوافِ راکِبًا لِمَنْ لم يَگنْ له ◌ُذرٌ
أو مَرضٌ، على ما ذكرنا عنهم فى بابٍ جعفرِ بنِ محمدٍ من كتابِنا هذا ، فلا
وجهً(٤) لإِعادتِه ههُنا، وكلُّهم يَكرهُ الطَّوافَ راكِبًا للصَّحِيحِ الذى لا عُذرَ له،
القبس
i
(١) بعده فى م: ((راكبة بعيرى)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٧٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١٧/٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (١٣٠٢). وأخرجه أحمد ٨٦/٤٤، ٣٠٥ (٢٦٤٨٥، ٢٦٧١٤)، والبخارى (٤٦٤،
١٦١٩، ١٦٢٦، ١٦٣٣، ٤٨٥٣)، ومسلم (٢٥٨/١٢٧٦)، وأبو داود (١٨٨٢)، والنسائى
(٢٩٢٥)، وابن ماجه (٢٩٦١)، وابن خزيمة (٥٢٣، ٢٧٧٦) من طريق مالك به.
(٣) سيأتى ص ٩٩ - ١٠١ .
(٤) فى م: ((حاجة)).
٥٨

الموطأ
وفى ذلك ما يُبيِّنُ أنَّ طوافَ رسولِ اللهِ وَلَ راكبًا فى حَجَّتِّه - إن صحّ ذلك التمهيد
عنه - كان لعُذْرٍ ، واللهُ أعلمُ ، وقد أوضَخْنا ذلك ومضَى القولُ فيه هناك . وباللهِ
العِصمةُ والتوفيقُ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا من الفِقْهِ أنَّ النّساءَ فى الطَّافِ يَكُنَّ خلفَ الرِّجالِ ،
كهيئةِ الصَّلاةِ . وفيه الجَهْرُ بالقراءةِ فى التَّطوُّع بالنَّهارِ ، وقد قيل: إنَّ طوافَ أُمّ
سلمةً كان سَحَرًا . وقد ذكّرنَا الاختلافَ فى رميها ذلك اليومَ، وطَوافِها بعدَه،
فيما سلَف من كتابِنا هذا، فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن عيسى بنِ طلحةً (١).
والحمدُ للهِ .
وفيه إباحةُ دُخولِ البعيرِ المسجدَ، وذلك، واللهُ أعلم ، لأُنَّ بولَه طاهرٌ ، ولو
كان بولُهُ نَجِسًا لم يَكُنْ ذلك؛ لأَنَّه لا يُؤْمَنُ منه أن يَئُولَ .
وقيل: إِنَّ رسولَ اللهِ وَلَه إنَّما صلَّى إلى جانِبِ البيتِ يَومَئذٍ من أجلِ أنَّ
المَقامَ كان حينئذٍ مُلْصقًا بالبيتِ قبلَ أن ينقُلَه عمرُ بنُ الخطّابِ من ذلك المكانِ
إلی الموضع الذى هو فيه اليوم من صحن المسجد .
قال أبو عمرَ : ما أُدْرِی ما وجهُ هذا القول ؛ لأنَّ جعفر بن محمدٍ رَوی عن
أبيه، عن جابرٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَِّ لِمَّا طافَ فى حَجَّتِهِ أَتَى المَقامَ، فصلَّى عندَه
ركعتين، ثم أَتَى الحَجَرَ فاستلَمه، ثم خرَج إلى الصَّفا فبدأ منها بالسَّعي . وقد
نم.
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٩٦٢) من الموطأ .
٥٩

الموطأ
٨٤٠ - مالكٌ، عن أبى الزبير المكيّ، أن أبا ماعزِ الأسلمىّ
عبدَ اللهِ بنَ سفيانَ أخبره أنه كان جالسًا مع عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فجاءته
امرأةً تستفتیه فقالت : إنى أقبلتُ أريدُ أن أطوف بالبيتِ ، حتى إذا کنتُ
عند باب المسجدِ هرقت الدماءَ ، فرجعتُ حتى ذهب ذلك عنی ، ثم
أقبَلتُ ، حتى إذا کنتُ بباب المسجدِ هرَقتُ الدماء، فرجعتُ حتى
ذهَب ذلك عنى ، ثم أقبَلتُ ، حتى إذا كنتُ عندَ بابِ المسجدِ هرَقتُ
الدماءَ، فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: إنما ذلكِ رَكْضَةٌ من الشيطانِ ،
فاغتسلی ، ثم اسْتٹفری ثوپ ، ثم طُوفِى .
التمهيد ذكَّرنَا هذا الحديثَ من طُرُقٍ فى بابٍ بلاغاتِ مالكٍ من هذا الكتابِ (١) . والوجهُ
عندِى فى صلاتِه إلى جانبِ البيتِ؛ لأَنَّ البيتَ كلَّه قِلَةٌ ، وحَيثُما صلَّى المُصَلِّى
منه - إذا جعَله أمامَه - كان حَسَنًا جائزًا . واللهُ أعلمُ .
الاستذكار
مالكٌ، عن أبى الزبيرِ المَكِّ ، أن أبا ماعزِ الأُسلمىَّ عبدَ اللهِ بنَ سفيانَ أخبره
أنه كان جالسًا مع عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فجاءته امرأةٌ تَسْتفتِيه فقالت: إنى
أقبَلتُ "أريدُ أن" أطوفَ بالبيتِ، حتى إذا كنتُ ببابِ المسجدِ هرَقتُ الدماءَ،
فرجَعتُ حتى ذهَب ذلك عنى ، ثم أقبَلتُ ، حتى إذا كنتُ ببابِ المسجدِ هرَقتُ
الدماء، فرجعتُ حتى ذهب ذلك علِّی ، ثم أقبلتُ ، حتى إذا کنتُ عندَ بابٍ
المسجدِ هَرَقْتُ الدماءَ . فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: إنما ذلكِ رَكْضةٌ مِن
القبس
(١) تقدم ص ٢١، ٢٢، ٢٤.
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل.
٦٠