النص المفهرس

صفحات 221-240

الموطأ
حتى أَتَّى نَمِرَةَ، فلمَّا زاغَتِ الشمسُ أمْسَكَ عن التَّلْبِيَّةِ .
التمهيد
وهو قولُ الشّائِبِ بنِ يزيدٌ، وسليمانَ بنِ يسارٍ ، وابنٍ شهابٍ .
ذگر إسماعيلُ ، عن إبراهيم بن حنزةً ، حدثنا الدَّرًاوزْدِئُّ، عن ابنِ أُخِى
ابنِ شهابٍ، عن عَمِّه، أنَّه كان يُقْطَعُ التَّلْبِيَةَ يومَ عرفةً إذا زالتٍ الشمسُ.
وفى هذه المسألةِ قولٌ ثالثٌ ، وهو أنَّ التَّلِيَةَ لا یقْطَمُها الحائُ حتی یرُوحَ من
عَرَفَةَ إلى الموقفٍ، وذلك بعدَ جُمْعِه بينَ الظهرِ والعصرِ فى أوَّلِ وَقْتِ الظهرِ.
وهذا القولُ قريبٌ من القولِ الذى قبلَه، رُوِىَ أيضًا عن جماعةٍ من السَّلَّفِ ؛ منهم
عثمانُ، وعائشةُ، وسعدُ بنُّ أَبِى وَقَّاصٍ، وسعيدُ بنُّ المسئَّبِ، وغيرهم .
وروَى الدَّراوَزْدِىُّ، وابنُّ أبى حازمٍ، عن ابنِ حَرْمَلَةً، أنَّه سأل سعيدَ بنَّ
المسَيَّبِ : حتى متى أَّى فى الحجّ؟ قال: حتى تَرُوعَ من عَرَفَةً إلى الموقف (١).
والدَّرَاوَزْدِىُّ أيضًا، عن عَلْقَمَةَ(٢) بِنِ أبِى عَلْقَمَةً، عن أُمَّه، عن عائشةٌ، أَنَّها
كانت تَنْزِلُ عرفةً فى الحَجّ، وكانت تُهِلَّ فِى المنزل، ويُهِلَّ من كان معها،
وتُصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ كلْتَيْهما؛ الظهر والعصرَ، فى مَنْزِلِها ، ثم تَرُوحُ إلى الموقِفِ،
فإذا اسْتَرَتْ على دائِيْها قطّعَتِ التَّلْبِيَةً.
ذكَرَه إسماعيلُ بنُّ إسحاق، حدثنا إبراهيم بنُّ حمزةً، حدثنا الدَّرَاوَزْدِىُّ.
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٧٠ من طريق ابن حرملة به .
(٢) بعده فى م: ((عن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٩٨/٢٠.
٢٢١
٦

الموطأ
التمهيد
وروى مالكٌ(١)، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائِشَةً ، أنَّها
كانَتْ تَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ إِذا راحَتْ إِلى المَوْقِفِ . .
ومالكٌ(٢)، عن عَلْقَمَةَ بنِ أبى عَلْقَمَةَ، عن أُمّه، عن عائشةَ مثلَه بمَغْناه.
وحَمَّادُ بنُ زيدٍ (١، عن هشام بنٍ(١) عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً مثلَه .
وروَی ابنُ وَهْبٍ ، وعبدُ اللهِ بنُ نافعٍ، والمغیرةُ بنُ عبد الرحمنِ ، کلُّهم عن
عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ ، أنَّ عثمانَ كان يُقْطَعُ التَّلْبِيَّةَ إذا راح إلى الموقف .
وروَى علىُّ بنُ المدينىِّ، عن يَزِيدَ بنِ هارونَ ، عن محمدِ بنِ عمرو قال :
صَلَّيْتُ مع عمرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ الصبحَ بِمِنَّى ثم غَدا وغَدَوْنا معه، فرَأَى الناسَ
مُكَبْرِينَ لا يُلَّى أَحَدٌ، فَأُمَرَ صاحِبَ شُرْطَتِه عبدَ اللهِ بنَ سَعْدٍ فَرَكِبَ بَغْلَهُ(٥)،
فأمَرَه أن يَطُوفَ فى الناسِ فيُنادِىَ: أَيُّها الناسُ، إِنَّ الأميرَ يَأْمُؤُكم أن تُلَكُوا ، فإنَّما
هى التَّلْبِيَةُ حتى تَرُوحُوا إلى الموقفِ .
قال أبو عمرَ : هذه الرِّوَايَةُ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أَصَحُ من التى تقَدَّمَتْ عنه
فى هذا الباب من حديث ابنِ أبی أوئْسٍ. وژُوِی عن سالِم، ومحمدِ بنِ
المُنْكَدِرٍ ، ما يدْخُلُ فى مَعْنَى هذا القولِ .
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٧٥٨).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٧٦١).
(٣) بعده فى م: ((وغيره)).
(٤) فى م: (( عن ))
(٥) فى الأصل: (( قبله )).
٢٢٢

الموطأ
وروَى حمادُ بنُ زيدٍ ، عن أيوبَ قال: كنا بعَرَفَةَ ، فجَعَل سالِمُ بنُ عبدِ اللهِ التمهيد
يُكَبِّرُ، وصلَّى ابنُّ المُنْكَدِرِ الظهرَ بعَرَفَةَ، فلمّا سَلَّم لَّكَّى النُّه فحَصَبه .
وفيها قولٌ رابعٌ، أَنَّ المحرمَ بالحَجِّ يلِّى أَبَدًا حتى يَرْمِىَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ يومَ
النَّخْرِ. ثَبَت ذلك عن النبيِّ وَِّ. وهو قولُ عمرَ، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ،
وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، وميمونةً (١) . وبه قال عطاءُ بنُّ أَبِى رَبَاحِ، وطاوسٌ،
وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وإبراهيم النخعىُ. وهو قولُ جمهورٍ فقهاءِ الأمصارِ، وأهلِ
الحديثِ، وممَّن قال بذلك منهم ؛ سفيانُ الثورىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُه،
وابنُ أبى ليلى، والحسنُ بنُّ حَىٍّ ، والشافعىُّ ، وأحمدُ بنُ حنبلِ ، وإسحاقُ بنُ
راهُويَه، وأبو ثورٍ، وداودُ بنُ علىٍّ، والطبرىُّ، وأبو عبيدٍ، إلَّا أَنَّ هؤلاءِ اخْتَلَفوا
فى شىء من ذلك ؛ فقال الثوریُّ، والشافعُ ، وأبو حنيفةً ، وأصحابُهم ، وأبو
ثورٍ : يَقْطَعُها فى أوَّلِ حَصَاةٍ يَرميها من جَمْرَةِ العَقَبَةِ . وقال أحمدُ ، وإسحاقُ ،
وطائفةٌ من أهلِ النَّظَرِ والأثرِ: لا يَقْطَعُ التَّلْيِيَةَ حتى يَزْمِىَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ بأسرِها .
قالوا: وهو ظاهِرُ الحديثِ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ لِم ◌َزَلْ يُلَّى حتى رَمَّى جَمْرَةً
العَقَبَةِ. ولم يقلْ أحَدٌ من رُوَاةٍ (١) الحديثِ: حتى رَمَى بعضَها. ( على أنه قد "
قال بعضُهم فى حديثٍ عائشةً: ثم قطَعَ الَّلْبِيَةَ فى آخِرِ خَصاةٍ .
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٧٠، ٢٧١ . والمحلى
١٧٨/٧.
(٢) بعده فى ى، م: ((هذا)).
(٣ - ٣) فى ى، م: ((حتى إنه)).
٢٢٣

الموطأ
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، حدثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، حدثنا بكُ بنُ
التمھید
حَمَّادٍ ، حدثنا مُسَدَّدً ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ داود، عن ابنِ جریچٍ ، عن عطاءٍ، عن
ابنِ عباسٍ، عن الفضلِ بنِ عباسٍ، أَنَّه كان رِدْفَ النبيِّ نَّهِ، وَأنَّ النبيَّ وَ لَّى
حتى رَمَّى جَمْرَةَ العَقَبَةِ (١).
وحدّثنا عبدُ الوارِث، حدثنا قاسم، حدثنا بکرّ، حدثنا مُسَدَّدً ، حدثنا
يحيى بنُ سعيدٍ ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرنى عطاءٌ ، عن ابنِ عباسٍ ، أَنَّ النبيَّ
﴿ أَرْدَفَ الفضلَ من جَمْع، وأنَّ الفضلَ حدَّثَه. فَذَكَر الحديثَ مثلَه(٣).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدثنا التِّزْمِذِئُّ، حدثنا
الحمیدیُّ ، حدثنا سفيان ، حدثنا محمدُ بنُ أبی حزمَلَةً ،أخبرنا گُرَيْبٌ ، عن ابنِ
عباسٍ، عن الفضلِ بنِ عباسٍ، وكان رِذِفَ النبيِّ وَلّهِ مِن المُزْدَلِفَةِ حتى رَمَی
الجَمْرَةَ، قال: لم أَزَلْ أَسْمَعُ رسولَ اللهِ نَّهِ يُلَكِّى حتى رمَى الجَمْرَةَ ؛ جَمْرَةً
(٤)
العَقَبَةِ(٤) .
وروَی سفیانُ بنُ عیینةً ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاءِ بنِ یسارٍ ، عن ابنٍ
عباسٍ : سمِعتُ عمرَ يُهِلَّ بالمُزْدَلِفَةِ ، فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين، فيمَ الإهلالُ؟
القبس
(١) ليس فى : الأصل .
(٢) سيأتي تخريجه ص ٢٢٧ .
(٣) أخرجه أحمد ٣١٢/٣ (١٧٩٣) عن طريق يحيى بن سعيد به .
(٤) الحميدى (٤٦٢). وأخرجه أحمد ٣١١/٣ (١٧٩٢) عن سفيان به ، وأخرجه البخارى
(١٦٧٠)، ومسلم (١٢٨١) من طريق ابن أبى حرملة به .
٢٢٤

الموطأ
قال: وهل قَضّهْنا نُسُكّنا بعدُ(١)؟ ذكّرّه ابنُ المُقْرِىُّ عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ التمهيد
محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ تَزِيدَ المُقْرِىُّ، عن جَدِّه، عن سفيانَ .
قال أبو عمر: من اغْتُر الآثار المرفوعةً فى هذا الباب، مثل حديثٍ
محمد بن أبی بکړ التّقُفِىّ ، عن أنسٍ، وحديث ابنٍ (١ عمر، وحديثٍ ابنٍ
عباسٍ، وغيرِها ، اسْتَدّلٌ على الإباحةِ فى ذلك، ولهذا ما اخْتَلَف السَّلّفُ فيه هذا
الاختلاف ، ولم يُتْكِرُ بعضُهم على بعضٍ . ولما كان ذلك مُبَّاحًا اسْتَحُبَّ كلُّ
واحدٍ منهم ما ذكّرْنا عنه، ومال إليه اشْتِخْبابًا لا إيجابًا . واللهُ أعلمُ .
أخبرنا إبراهيم بنُّ شاكِرٍ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عثمانٌ ، قال :
حدثنا سعيدُ بنُ عثمانَ وسعيدُ بنُ خُميرٍ (٢) ، قالا: حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
صالِحٍ، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ خَلِيلٍ، قال: حدثنا علىَّ بنُ مُشهِرٍ ، قال :
أخبرنا الأعمشُ، عن سليمانَ بنِ مَهْسَرَةً، عن طارِقٍ بنٍ شهابٍ قال : أفاض
عبدُ اللهِ من عَرَفَاتٍ وهو يُلَّى، فسَمِعه رجلٌ فقال: من هذا المُلِِّّى وليس بحينٍ
الثّْيِقَةِ؟ فقيل له: هذا(٤) ابنُ أَمَّ عبدٍ. فانْدَسَّ بينَ الناسِ وذهَب، فذُكِر ذلك
لعبدِ اللهِ ، فجُعَل يُلَِّّى: لَبَيْكَ عَدَدّ التّرابِ .
القبس
(١) أخرجه البيهقى ١١٣/٥ من طريق ابن عيينة به .
(٢) ليس فى : الأصل ، م .
(٣) فى الأصل، ى: ((جبير))، وفى م: ((حمير)). وينظر ترتيب المدارك ١٦٢/٥.
(٤) فى ى، م: ((إنه )).
٢٢٥
( موسوعة شروح الموطأ ١٥/١٠)

الموطأ
التمهید
أخبرنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفیانَ ، قال : حدثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال : حدثنا
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدثنا علىُ بنُّ المدينىِّ، قال: حدثنا يحيى بنُ
سعيدٍ ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالِدٍ ، قال: حدثنى وَبَرَةُ، قال : سألْتُ ابنَ عمرَ
عن التَّلْبِيَةِ يومَ عَرَفَةَ ، فقال: التَّكْبِيرُ أحَبُّ إِلَىَّ(١).
وذكرَ ابنُ وَهْبٍ، عن عمرو بنِ الحارِثِ ، عن أبى الزبيرِ، عن جابٍ قال:
يُهِلُّ ما دونَ عَرَفَةَ، ويُكَبِّرُ يومَ عَرَفَةَ(١).
وذكرَ حمادُ بنُ زيدٍ، عن سلمةَ بنِ علقمةً، عن محمدِ بنِ سِيرِینَ قال :
حَجَجْتُ زَمَنَ ابنِ الزبيرِ، فسَمِعْتُه يومَ عَرَفَةَ يقولُ: ألا وإنَّ أَفْضَلَ الدُّعَاءِ اليومَ
التَّكْبِيرُ. وهذا على الأَفْضَلِ عندَه . واللهُ أعلمُ .
ومِن حُجَّةٍ مَن اخْتَارَ التَّلْبِيَةَ حتى يَوْمِىَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَه
كذلك فَعَل، وقال: ((خُذُوا عِنِّى مَنَاسِكَكم)) (١) . وهو المبِّنُ عن اللهِ مُرادَه،
وهى زِيادَةٌ فى الرّوَايَةِ يَجِبُ قَبُولُها . ومِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ المحرمَ لا يَحِلُّ من شىءٍ
من إحرامِه ، ولا يُلْقِى عنه شيئًا من تفَتِه، حتى يَزْمِىَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ ، فإِذا رَمَاها فقد
حَلَّتْ له أَشياءُ كانت مَحْظُورَةً عليه، وذلك أوَّلُ إِحْلالِه ، فيَتْبَغِى أن تكونَ تَلْبِيُِّه
بالحجُّ على حسَبٍ ما كانت عليه من حينَ أَحْرَمَ إلى ذلك الوَقْتِ . واللهُ أعلمُ .
ومَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجابَةُ إبراهيمَ فيما ذكّروا، قال مجاهدٌ وغيرُه: لما أُمِرِ إِبراهيمُ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٤٣٣ من طريق إسماعيل بن أبى خالد به .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٢٣/٢ من طريق أبى الزبير به .
(٣) تقدم تخريجه فى ٩٧/٢، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٨٤٢) من الموطأ .
٢٢٦

الموطأ
التمهيد
وَ لّ أنْ يُؤَذِّنَ فى الناسِ بالحجُّ قام على المَقامِ، فقال: يا عبادَ اللهِ ، أَجِيبُوا اللهَ .
فقالُوا : رَبَّنَا لَبَيْكَ، رَبَّنَا لَئِكَ. فَمَن حَجَّ البيتَ فهو ممَّن أجاب دعوتَهُ(١) .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بكرٍ ،
قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ حنبل ، قال : حدثنا و کیٹ ، عن ابنِ
جريج، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن الفضلِ بنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ الله وَه
لَّى حتى رَمَّى جَمْرَةَ العَقَبَةِ(١) .
واخْتَلَف الفقهاءُ فى قَطْعِ التَّلْبِيَةِ فى العُمْرَةِ؛ فقال الشافعىُّ: يَقْطَعُ التَّلْبِيَّةَ فى
العُمْرَةِ إذا اقْتَتَحِ الطَّوافَ . وقال مالكٌ: لا يُقْطَعُ المحرمُ التَّلْبِيَّةَ فى العمرةِ إذا أخْرَم
من التَّنْعِيمِ حتى يَرَى البيتَ، وأَمَّا مَن أخْرَم من المواقِيتِ بِعُمْرَةٍ ، فإِنَّه يقْطَعُ التَّلْبِيَّةَ
إذا دخَل الحرمَ وانتهَى إليه. قال: وبَلَغَنِى ذلك عن ابنِ عمرَ وعروةَ بنِ الزبيرِ .
واخْتَلَف العلماءُ فى التَّلْبِيَةِ فى الطََّافِ للحَاجِّ؛ فكان ربيعةُ بنُ أبى
عبد الرحمنِ يُلَبِّى إذا طاف بالبيتِ ، ولا يَرَى بذلك بأسًا. وبه قال الشافعىُّ،
وأحمدُ بنُ حنبلٍ ، أنَّه لا بَأْسَ بذلك. وأَنْكَر ذلك سالمٌ. وقال ابنُ عيينةً: ما
رَأَيْتُ أحدًا يُقْتَدَى بِهِ يُلَّى حولَ البَيْتِ إِلَّ عطاءَ بنَ السائِبِ . وقال إسماعيلُ : لا
يَزالُ الرجلُ مُلًَّا حتى يَبْلُغَ الغايةَ التى إليها تكونُ اسْتِجابتُه؛ وهو الموقفُ بعرفةً .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٥١ .
(٢) أبو داود (١٨١٥)، وأحمد ٣٢٨/٣ (١٨٢٥). وأخرجه أحمد ٣١٠/٣ (١٧٩١)، والنسائى
(٣٠٥٥)، والترمذى (٩١٨) من طريق ابن جريج به .
(٣) سيأتى فى الموطأ (٧٧٣، ٧٧٤).
٢٢٧

٧٥٧ - مالك، عن جعفرٍ بنِ محمدٍ ، عن أبيهِ، أن علىَّ بنَ أُبی
الموطأ
طالبٍ كان يُلَبِّى فى الحجّ، حتى إذا زاغتِ الشمسُ مِن يوم عرفةً قطَع
التلبيةً .
قال يحيى : قال مالكٌ: وذلك الأمر الذى لم يزلْ عليه أهلُ العلمِ
ببلدنا .
٧٥٨ - وحدَّثنى عن مالك، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم، عن
أبيه، عن عائشةً زوج النبيِّ وَّهِ، أنها كانت تتركُ التلبيةَ إذا راحَتْ إلى
الموقفٍ .
وقد تقَدَّم قولُ علىّ، وابنٍ عمرَ (١)، واختيارُ مالكٍ لذلك. والحمدُ للهِ .
التمهید
الاستذكار
وعن جعفر بنٍ محمدٍ، عن أبيه، أن علىَّ بنَّ أبى طالبٍ كان يُلَّى فى
الحجّ، حتى إذا كان يومُ الحجُ قطَع التلبيةً(٢) . قال مالك: وذلك الأمر الذى لم
تزلْ عليه أهلُ العلمِ ببلدنا .
وذكّر عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشةً ، أنها كانت تتركُ
التلبيةً إذا راحت إلى الموقف " .
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ٢١٨ - ٢٢١.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٠٩٠) .
(٣) الموطأ بروية محمد بن الحسن (٣٩٠)، وبرواية أبى مصعب (١٠٩١). وأخرجه الطحاوى فى
شرح المعانى ٢٢٦/٢ من طريق مالك به .
٢٢٨

الموطأ
٧٥٩ - مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ کان یَقْطَئُ التلبیةً فی
الحجّ إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيتِ وبينَ الصَّفا والمروةِ ، ثم
يُلِّى حتى يغدوَ مِن منّى إلى عرفةً، فإذا غدا ترَك التلبيةَ، وكان يَتركُ
التلبيةَ فى العمرةٍ إذا دخَل الحرمَ .
٧٦٠ - مالكٌ، عن ابن شهاب ، أنه كان يقولُ: كان عبدُ اللهِ بنُ
عمرَ لا يَلَبِّى وهو يطوفُ بالبيتِ .
٧٦١ - مالكٌ، عن علقمةَ بنِ أبى علقمةً، عن أُمِّه، عن عائشةَ أُمّ
المؤمنين، أنها كانت تنزلُ مِن عرفةَ بنَمِرةَ ، ثم تحوَّلتْ إلى الأراكِ .
وعن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، أنه كان يقطعُ التلبيةَ فى الحجّ إذا انتهى إلى الحرم الاستذكار
حتى يطوفَ بالبيتِ وبينَ الصفا والمروةِ ، ثم يلبّى حتى يغدوَ مِن منّى إلى عرفةً ،
فإذا غدا ترَك التلبيةَ، وكان يتركُ التلبيةَ فى العمرةِ إذا دخَل الحرمَ ".
و کان لا يُلِّی وهو يطوفُ بالبيتٍ . وبعضُ هذا ذكره ابنُ شهاب ، عن ابنٍ
عمرَ هكذا(٢).
القبس .
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٨٩)، وبرواية أبى مصعب (١٠٩٢، ١١٢٢). وأخرجه
الشافعى ٢٥٤/٧، والبيهقى فى المعرفة (٣٠٢٠، ٣٠٢١) من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٠٩٣). وأخرجه البيهقى ٤٣/٥ من طريق مالك به .
٢٢٩

قالت : وكانت عائشةُ تُهِلَّ ما كانت فى منزلها ، ومن كان معها ،
الموطأ
فإِذا ركِبَتْ فتوجّهَتْ إلى الموقفِ ترَكتِ الإهلالَ .
قالت : و کانت عائشةُ تعتمر بعد الحجّ مِن مکةً فی ذی الحِجَّةِ ، ثم
تركت ذلك، فكانت تخرجُ قبلَ هلالِ المحرَّمِ حتى تأتىَ الجُحفَةَ
فتُقيمَ بها حتى ترى الهلالَ، فإذا رأتِ الهلالَ أهلَّتْ بعمرةٍ (١).
٧٦٢ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ غدا يومَ
عرفةً من منَّى، فسمِع التكبيرَ عاليًا، فبعَث الحرسَ يَصيحونَ فى
الناسِ : أيُّها الناسُ ، إنها التلبيةُ .
وعن يحيى بن سعيدٍ ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ غدًا يومَ عرفةً مِن منّى ، فسمِع
الاستذكار
التكبيرَ عاليًا، فبعَث الحرسَ يَصيحون فى الناسِ: أيُّها الناسُ، إنها التلبيةُ(٢).
قال أبو عمرَ : قائلون: إن الحاج جائزٌ له قطعُ التلبيةِ(١) قبلَ الوقوف بعرفةً ،
وقبلَ رمي جمرة العقبةٍ. وهو موضع اختلف فيه السلف والخلفُ ؛ فروِی عن
أنسٍ بنِ مالك فى ((الموطأ))(٤)، ورُوِى عن ابنِ عمرَ فى غيرِ ((الموطأَ)) مثلُه(٥)
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٩١)، وبرواية أبى مصعب (١٠٩٤). وأخرجه ابن وهب فى
موطئه (١٤١، ١٤٧) عن مالك به .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٠٩٥).
(٣) فى م: ((الوقوف)). والمثبت مما تقدم ص ٢١٦ .
(٤) تقدم فى الموطأ (٧٥٦) .
(٥) ليس فى: الأصل . وينظر ما تقدم ص ٢١٦، ٢١٧ .
٢٣٠

الموطأ
مرفوعًا، وعن أنسٍ بنِ مالكٍ، وقد ذكرناه فى ((التمهيدِ))(١). قالوا: وإن أخَّر الاستذكار
قطعَ التلبيةِ إلى زوالِ الشمسِ بعرفةً، فحسنٌ ليس به بأسٌ. ورُوِى عن
الحسن البصرىِّ مثلُ قولِ ابنِ عمرَ (١) . وقال آخرون: لا تُقطعُ التلبيةُ إلا عندَ
زوالِ الشمسِ بعرفةَ. رُوِى ذلك عن جماعةٍ مِن السلفِ. وهو قولُ مالك
وأصحابِهِ وأكثرِ أهلِ المدينةِ. قال ابنُ شهابٍ: كان الأئمةُ أبو بكرٍ،
وعثمانُ، وعمرُ، وعائشةُ، وسعيدُ بنُ المسيّبِ، يقطّعون التلبيةَ إذا زالَت
الشمسُ يومَ عرفةً(٢).
قال أبو عمرَ: أما عثمانُ وعائشةُ فقد رُوِى عنهما غيرُ ذلك، وكذلك
سعيدُ بنُ المسيَّبِ(٤) . وأما علىُّ بن أبى طالبٍ فلم يُختَلَفْ عنه فى ذلك ، على ما
علِمتُ ، فيما ذكّره مالكٌ فى هذا البابِ . وكذلك أمُّ سلمةً كانت تقطعُ التلبيةً
إذا زالت الشمسُ يومَ عرفةً(٢). وقد رُوِى عن ابنِ عمرَ مثلُ ذلك، والروايةُ الأُولى
أثبتُ، وهو قولُ السائبِ بنِ يزيدَ، وسليمانَ بنِ يسارٍ ، وابنِ شهابٍ (١) . وفى
المسألةِ قولٌ ثالثٌ، وهو أن التلبيةً لا يقطعُها الحاجُ حتى يروع مِن عرفةً إلى
الموقفِ ، وذلك بعدَ جمعِه بينَ الظهرِ والعصرِ فى أولِ وقتِ الظهرٍ . وهو قريبٌ
مِن القول الذی قبله . ژُوِی ذلك عن عثمانَ ، وعائشةً ، وسعدِ بنِ أبى وقاصٍ،
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٧٥٦).
(٢) تقدم ص ٢١٩ .
(٣) تقدم ص ٢٢٠ .
(٤) تقدم ص ٢٢١، ٢٢٢، وتقدم أثر عائشة فى الموطأ (٧٥٨، ٧٦١) بمعناه.
(٥) تقدم تخريجه ص ٢٢٠ .
(٦) تقدم ص ٢٢٠، ٢٢١.
٢٣١

الموطأ
الاستذكار وسعيدِ بنِ المسئَّبِ، وغيرِهم. وفيها قولٌ رابعً، أن المحرم بالحجِّ يلِّى أبدًا
حتى تَرمى جمرة العقبةِ يومَ النحرِ. ثبت ذلك عن النبيِّ عليه السلامُ، وهو
قولُ ابنِ عمرَ، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وميمونةً (١)، وبه قال
عطاءُ بنُ أبى رباحٍ، وطاوسٌ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، والنخعىُّ ، وهو قولُ جمهورٍ
الفقهاءِ، وأهلِ الحديثِ ؛ منهم سفيانُ الثورىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه، وابنُ
أبى ليلى، والحسنُ بنُّ حىٍّ، والشافعىُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُ
راهويه، وأبو ثورٍ، وداودُ، والطبرىٌّ، وأبو عبيدٍ، إلا أن هؤلاء اختلفوا فى
شىءٍ مِن ذلك؛ فقال الثورىُّ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهم، وأبو
ثورٍ : يقطعُها فى أولِ حصاةٍ يرمِيها مِن جمرةٍ (٢) العقبةِ. وكذلك كان ابنُّ
مسعودٍ يفعلُ ؛ يقطعُ التلبيةَ بأولِ حصاةٍ مِن جمرة العقبةٍ(٢). وقال أحمدُ،
وإسحاقُ، وطائفةٌ مِن أهلِ النظرِ والأثرِ: لا يقطعُ التلبيةً حتى يرمىَ جمرةٌ
العقبةِ بأسرِها. قالوا: وهو ظاهرُ الحديثِ أن رسولَ اللهِه لم يزلْ يلبّى
حتى رمى جمرةً العقبةِ، ولم يقلْ أحدٌ ممن روَى الحديثَ: حتى رمّى
بعضَها . وقال بعضُهم فيه: ثم قطَع التلبيةَ فى آخرٍ حصاةٍ . رواه ابنُ جريجٍ،
عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍٍ، عن الفضلِ بنِ عباسٍ، وكان رِذْفّ النبيّ عليه
القبس
(١) تقدم تخريجها ص ٢٢٣.
(٢) فى الأصل، م: ((جمر)). والمثبت مما تقدم ص ٢٢٣.
(٣) بعده فى الأصل: ((وكذلك لابن))، وبعده فى م: ((يوم النحر)).
٢٣٢

الموطأ
السلامُ، أنه عليه السلامُ لبَّى حتى رمَى جمرة العقبةٍ ().
الاستذكار
قال أبو عمرَ: مَن تأمّل الأحاديثَ المرفوعةَ فى هذا البابِ ؛ مثلَ حديثٍ
محمدٍ بنٍ أبى بكرِ الثقفىٌّ عن أنس، وحديثِ ابنِ عمرَ، استدلّ على الإباحةِ فى
ذلك، ولهذا اختلف السلفُ فيه هذا الاختلافَ، ولم يُنكر بعضُهم على بعضٍ، وقال
کُّ واحدٍ منهم بما ذهب إليه استحبابًا لا إيجابًا .
ذکر یحیی بنُ سعید القطانُ ، عن إسماعيل بن أبی خالدٍ ، قال: حدَّثنی
وَبَرةُ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن التلبيةِ يومَ عرفةً، فقال: التكبيرُ أُحبُّ إِلىّ(١).
وقال طارقُ بنُ شهابٍ : أفاضَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ مِن عرفاتٍ وهو يلِّى ، فسمِعه
رجلٌ ، وقال: مَن هذا، وليس بحينٍ تلبيةٍ؟ فقيل له : هذا ابنُّ أمِّ عبدٍ . فاندَسَّ بينَ
الناسِ وذهَب، فذُكِر ذلك لعبدِ اللهِ ، فجعَل يلبّى: لَيك ليَيك عدد الترابِ.
فهذا يدُلُّ على أن الاختلافَ قديمٌ فى هذه المسألةِ ، وأنه لا ينكؤُه إلا مَن لا علمَ
له .
وروَى حمادُ بنُ زیدٍ ، عن سلمةَ بنِ عِلقمةَ، عن محمدِ بنِ سیرینَ ، قال :
حججتُ مع ابنِ الزبيرِ، فسمِعتُه يقولُ يومَ عرفةً : ألا وإن أفضلَ الدعاءِ اليومَ
التكبير. وهو على الأفضلِ عندَه وما کان یستحبُّه، لا على دفع ما سِواه .
ذكر ابنُّ وهب، عن عمرو بنِ الحارثِ ، عن أبى الزبيرٍ ، عن جابرٍ ، قال :
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٢٧ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٢٦ .
٢٣٣

الموطأ
الاستذكار يُهلَّ ما دونَ عرفةً، ويكبّرُ يومَ عرفةً(١) .
ومِن حُجَّةٍ مَن قال: يلبِّى الحاجُ إلى أن يرمىَ جمرة العقبةِ يومَ النحرِ . أن
رسولَ اللهِ پټ لبی حتی رمَی جمرة العقبة ، ژُوِی عن ابن عباسٍ ، عن الفضل بنِ
عباسٍ، عن النبيِّ ◌َ﴿ مِن طرقٍ. وقال عليه السلامُ: ((خُذوا عنى
مناسگکم »().
أخبرنا عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ حنبلٍ ، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، عن عطاءٍ، عن
ابنِ عباسٍ، عن الفضلِ بنِ عباسٍ، أن النبىُّ ونَ ﴿ لَبَّى حتى رمَى جمرة العقبةِ " .
وذكر أبو عيسى الترمذىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ
أبى عدىٍّ، عن محمدٍ بن إسحاقَ، قال: سأل أبى عكرمةَ، وأنا أسمعُه، عن
الإهلالِ متى يُقطعُ؟ فقال: أهلَّ رسولُ اللهِ وَلِّ حتى رمَى الجمرةَ، وأبو بكرٍ ،
. (٤)
وعمرُ، وعثمانُ(٤) .
قال ابنُ إسحاقَ : وأنبأنى أبانُ بنُ صالح، عن عكرمةَ، قال : وقَفتُ مع
الحسينِ بنِ علىٍّ بالمزدلفةِ ، فلم أزلْ أسمعُه يقولُ : لبيك لَيك. فقلتُ : ما هذا
القبس
(١) تقدم ص ٢٢٦ .
(٢) تقدم تخريجه فى ٩٧/٢، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٨٤٢) من الموطأ .
(٣) تقدم تخريجه ص٢٢٧ .
(٤) ينظر علل الترمذى الكبير (٢٢٩). وأخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع)
ص ٢٧٠، ٢٧١ من طريق ابن إسحاق به .
٢٣٤

إهلالُ أهل مكةً ومَن بها مِن غيرِهم
٧٦٣ - مالك، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه ، أن عمرَ بنَ
الموطأ
الإهلالُ يا أبا عبدِ اللهِ ؟ فقال: سمِعتُ عليًّا يُهِلَّ حتى رمَى جمرة العقبةِ، الاستذكار
وحدَّثنى أن رسولَ اللهِ وَلّهِ أَهلَّ حتى انتهى إليها. قال: فأتيتُ ابنَ عباسٍ،
فسألته، وأخبرتُه بقولِ الحسينِ ، فقال: صدَق ؛ حدَّثنى الفضلُ بنُ عباسٍ وكان
رديفَ النبيِِّ نَّه يومَئذٍ، فسمِع النبىَّ،وَلَّهِ يُّهِلُّ حتى رمَى جمرةَ العقبةِ (١). قال
أبو عيسى : سألتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ عن هذا الحديثِ ، فقال: هو حديثٌ
محفوظٌ (٢) . واختلف العلماءُ فى التلبيةِ فى الطوافٍ للحاجّ؛ فكان ربيعةُ بنُ أبی
عبد الرحمنِ يُلِّى إذا طافَ بالبيتٍ ولا يَرى بذلك بأسًا، وبه قال الشافعىُّ
وأحمدُ بنُ حنبلٍ ، وكرِهه مالكٌ، وهو قولُ سالم بنِ عبدِ اللهِ . وقال ابنُ عيينةً:
ما رأيتُ أحدًا يُقتدى به يلِّى حولَ البيتِ إلا عطاءَ بنَ السائبِ. وقال
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ : الذى نقولُ به : لا يزالُ الرجلُ مليًِّا حتى يبلُغَ الغايةَ التى
إليها تكونُ استجابةٌ ، وهو الموقفُ بعرفةَ. عن الشافعيِّ أنه قال: لا أحبُّ لمَن
البَّى فى الطوافِ أن يجهرَ. وبالله التوفيقُ .
بابُ إهلالِ أهلِ مکةً، ومَن بها مِن غیرِ هم
ذكَر فيه عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال :
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٦٩، وأحمد ٢٤١/٢، ٤٤٧
(٩١٥، ١٣٣٤)، وأبو يعلى (٣٢١، ٤٦٢) من طريق محمد بن إسحاق به .
(٢) علل الترمذى الكبير (٢٢٩).
٢٣٥

الموطأ الخطابِ قال: يا أهلَ مكةَ، ما شأنُ الناسِ يأتونَ شُغًا وأنتم مُدَّهِنُون؟
أهِلُّوا إذا رأيتُمُ الهلالَ .
٧٦٤ - مالكٌ، عن هشام بن عروةً ، أن عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ أقامَ بمكةً
تِسْعَ سنينَ ، يُهلّ بالحجّ لهلالٍ ذى الحِجَّةِ ، وعروةُ بنُّ الزبيرِ معه يفعلُ
ذلك .
قال يحيى : قال مالكٌ: وإنما يُهِلُّ أهلُ مكةَ وغيرُهم بالحجّ إذا
كانوا بها ، ومَن كان مُقيمًا بمكةً مِن غيرِ أهلِها مِن جَوْفٍ مكةً لا يخرجُ
مِن الحرمِ .
الاستذكار يا أهلَ مكةً، ما شأنُ الناسِ يأتون شُغْئًا وأنتم مُدَّهِنون ؟ أهِلُوا إذا رأيتُم
الهلالَ(١) .
وعن هشام بن عروةَ، أن عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ أقام بمكةً تسعَ سنينَ، يُهِلَّ
بالحجّ لهلالٍ ذى الحجةِ ، وعروةُ بنُ الزبيرِ معه يفعلُ ذلك(١) . قال مالكٌ: وإنما
يهِلُّ أهلُ مكةَ بالحجُّ إذا كانوا بها، ومَن كان مقيمًا بمكةً مِن غيرِ أهلِها مِن
جوفٍ مكةً لا يخرجُ مِن الحرمِ.
قال أبو عمر : ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير فی إهلال
أهل مكةَ اختيارٌ واستحبابٌ ليس على الإلزامِ والإيجابِ ؛ لأن الإهلالَ إنما
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥١٤)، وبرواية أبى مصعب (١٠٨٣).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٠٨٤) .
٢٣٦

الموطأ
يجبُ على مَن يتصلُ به عملُه فى الحجّ لا على غيرِهِ ؛ لأنه ليس مِن السنةِ أن يقيمَ الاستذكار
المحرمُ فی أهله . والأصلُ فی هذا حدیثُ مالك ، عن سعیدِ بنِ أیی سعیدٍ ، عن
عبيدِ بنِ جريجٍ، أنه قال لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ: رأيتُك تفعلُ أربعةً لم أرَ أحدًا مِن
أصحابِك يفعلُها. فذكّر منها : ورأيتُك إذا كنتَ بمكةَ أهلَّ الناسُ إذا رأَوا الهلالَ
ولم تُهِلَّ أنت إلى يوم الترويةِ. فأجابَه ابنُ عمَ أنه لم يرَرسولَ اللهِ نَّهِ أَهلَّ إلا حينَ
انبعَثت به راحلتُهُ ١. يريدُ ابنُ عمَ أنه بَلِّ أهلَّ مِن ميقاتِه فى حينٍ ابتدائِه عملَ
حَّتِه. وفى حديث عبيدِ بنِ جريجٍ هذا دليلٌ (١) على أن الاختلافَ فى هذه
المسألةِ قديمٌ بينَ السلفِ، وأن ابنَ عمرَ لم يرَأحدًا حُبَّةً على الشُّنَّةِ ، ولا التفّت
إلى عملٍ مَن عَمِل عندَه بغيرِها ، وإن كان أبوه رضِى اللهُ عنه كان يأمرُ أهلَ مكةً
بخلافٍ ذلك . وقد تابعَ ابنَ عمرَ فى هذه المسألةِ جماعةٌ؛ منهم ابنُ عباسٍ وغیرُه .
ذكَر عبدُ الرزاقِ(٣)، عن معمرٍ، (٤)عن ابنٍ طاوسٍ ، عن أبيه) عن ابنٍ
عباسٍ، قال: لا يُهِلَ أحدٌ بالحجُ مِن مكةً حتى يَروعَ إلى مِنِی .
قال : وأخبرنا ابنُ جريج، قال : أخبرنا عطاءً: وجهُ إِهلالِ أهلِ مكةً حينَ
تتوجَّهُ به دابتُه نحوَ مِنَّى، فإن كان ماشيًا فحينَ يتوجّهُ نحوَ منّى.
قال ابنُ جريجٍ: وقال لى عطاءٌ: إنما أهلَّ أصحابُ () رسولِ اللهِ وَلّهِ إِذ
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٧٤٧).
(٢) ليس فى: الأصل، م. والمثبت يقتضيه السياق، وينظر ما تقدم ص٢٣٣.
(٣) تقدم تخريجه ص ١٨٤ .
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((عن أبيه، عن طاوس)). والمثبت مما تقدم ص١٨٤ .
(٥) سقط من : الأصل ، م . والمثبت مما تقدم ص ١٨٤.
٢٣٧

الموطأ
الاستذكار دخلوا فى حجتهم مع النبيِّ وَّهِ عشيةَ الترويةِ حينَ توجهوا إلى منّى(١).
قال ابنُ جریج : وأخترنی أبو الزبيرِ، أنه سمع جابر بن عبدِ اللهِ يُخبرُ عن
حجةِ النبيِّ عليه السلامُ، قال: فأمَرنا بعدَما طُفْنا أن نَحِلَّ، وقال: ((إذا أردتُم
أن (" تَحِلُّوا إلى منّى فانطلقوا")).
قال أبو عمرَ: يقولُ: لمَّا فسَخوا حبّهم فى عمرةٍ، وحلّوا إلى النساءِ،
صاروا كأهل مكةً فى اطْراح الشِّعَثِ ، والتَّفَثِ ، ومسِّ النساءِ، فإذا كانت السنةُ
فیھم ألا يُھلُّوا إلى يوم التروية ، فكذلك أهلُ مکةً . وهذا خلافُ ما ژُوِی عن ابنِ
عمرَ، وابن الزبيرِ، مِن روايةِ مالكِ وغيرِه، ولا وجهَ لقولٍ عمرَ عندى إلا
الاستحبابُ كما وصفنا، وباللهِ توفيقُنا. وقد رُوِى عن ابنِ عمرَ ما يوافقُ قولَ
عمرَ لأهلِ مكةَ وفعلَ ابنِ الزبيرٍ. ذكَّره مالكٌ فى ((موطئِهِ))(٤)، أن عبدَ اللهِ بنَ
عمرَ كانَ يُهِلُّ لهلالٍ ذى الحجةِ مِن مكةَ، ويؤخِّرُ الطوافَ والسعىَ بينَ الصفا
والمروة حتى يرجعَ مِن منّ .
وذكَر عبدُ الرزاقٍ ، عن عبدِ العزيزِ بنِ أبِى رَوَّادٍ ، عن نافعٍ، قال : أهلَّ ابنُ
عمرَ بحجةٍ حينَ رأى الهلالَ مِن جوفِ الكعبةِ ، ومرةً أخرى حينَ انطلَق إلى
منّى .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((حتى)). والمثبت مما تقدم ص ١٨٤.
(٢) تقدم ص ١٨٤.
(٣ - ٣) كذا فى الأصل، م. وتقدم ص ١٨٤، ١٨٥: ((تنطلقوا إلى منى فأهلوا . قال: فأهللنا
من البطحاء )) .
(٤) سيأتى ص ٢٤٢ .
٢٣٨

الموطأ
وأخبرنا عُبيدُ(١) اللهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه أهل بالحجّ مِن الاستذكار
مکةً ثلاثَ سنواتٍ .
وعن معمر ، عن أيوب ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ مثلَه .
وعن ابن جريج، "عن خُصَيْفٍ)، عن مجاهدٍ ، نحوَه. قال مجاهدٌ :
فقلتُ لابنِ عمرَ : قد أهللتَ فينا إِهلالًا مختلفًا؟ قال: أمّا أولُ عام فأخذتُ بأخذٍ
بلدى، ثم نظرتُ فإذا أنا أدخلُ على أهلى حرامًا ، وأخرج حرامًا ، وليس كذلك
كنا نصنعُ، إنما كنا نهِلَّ، ثم نُقبِلُ(١) على شأنِنا. قلتُ: فبأىِّ شىءٍ تأخذُ ؟
قال : نُحرِمُ يومَ الترويةِ .
قال : وأخبرنا ابنُ عيينةَ، عن ابن جريج ، عن عطاءٍ، قال : إن شاء المکئ
ألا يُحرِمَ بالحجِّ إلا يومَ منّى فعَل.
أخبَرنا هشامُ بنُّ حسانَ ، قال: كان عطاءُ بنُ أبى رباح يُعجبُه أن يُهِلَّ إذا
توجّه إلى منّى. قال: وقال عطاءٌ: إذا أُحرَم يومَ الترويةِ فلا يطوفُ بالبيتٍ حتى
یروح إلی منّی .
قال هشام: وقال الحسنُ: أىَّ ذلك فعَل فلا بأسَ؛ إن شاء أهلَّ حينَ يتوجّهُ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((عبد)). والمثبت مما تقدم ص ١٨٦، وينظر تهذيب الكمال ١٢٤/١٩.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م. والمثبت مما تقدم ص ١٨٧ .
(٣) فى الأصل، م: ((نجعل)). والمثبت مما تقدم ص ١٨٧.
٢٣٩

الموطأ قال يحيى: قال مالكٌ: ومَن أهلَّ مِن مكةً بالحجُ فَلْيؤخِرِ الطوافَ
بالبيتٍ والسعىَ بينَ الصَّفا والمروة حتى يرجعَ مِن منّى ، و كذلك صنع
عبدُ الله بن عمر .
الاستذكار إلى منّى، وإن شاء قبلَ ذلِك، وإن أهلَّ قبلَ يوم التروية فإنه يطوف بالبيت ويسعى
بينَ الصفا والمروة . يعنى إن شاء. وليس طوافُه ذلك له بلازم ولا سنةٍ ؛ لأنه
طوافُ سُنَّةٍ لقادم مکةً مِن غيرِها مِن الآفاق . وأما قول مالك فى هذا الباب : إن
المكىّ لا يخرجُ مِن مكةً للإِهلالِ، ولا يُهِلُ إلا مِن جوفٍ مكةَ. فهذا أمرٌ
مجتمَعٌ عليه لا خلافَ فيه، وليس كالمعتمرٍ عندَ الجميع؛ لأن الشأنَ فى الحاج
والمعتمرِ أن يجمعَ بينَ الحلِّ والحرم ، فأمَروا المعتمرَ المكيّ أو مَن كان بمكةً أن
يخرج إلى الحلّ ؛ لأن عمرتَه تَنقضِى بطوافِه بالبيتِ وسعيِهِ بينَ الصفا والمروةِ ،
والحائجُ لا بدَّله مِن عرفةَ وهى حلِّ، فيحصُلُ له بذلك الجمعُ بينَ الحلِّ والحرمِ،
ولذلك لم يكنْ له (١) الخروج إلى الحلِّ لُهِلَّ منه، بخلافٍ المعتمرِ .
وأما قولُ مالكٍ فى هذا البابِ: مَن أهلَّ مِن(١) مكةَ بالحجّ فلْيؤخِّرِ الطوافَ
بالبيتٍ والسعىَ بينَ الصفا والمروة حتى يرجعَ مِن منّى. قال: و کذلك صنع
عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وفعَله أصحابُ رسولِ اللهِ وَ لَه الذين أهلُّوا بمكةً؛ لم يطوفوا
ولم یسعوا حتی رجعوا مکةً . فإن ما ذكره عن أصحاب رسولِ اللهِ أَێله ، وعن
ابنِ عمرَ أيضًا، فالآثارُ به متواترةٌ محفوظةٌ صِحاحٌ، وأهلُ العلمِ كلّهم قائمون
القبس
(١) ليس فى : الأصل، م . والمثبت يقتضيه السياق.
(٢) ليس فى : الأصل .
٢٤٠
..