النص المفهرس

صفحات 161-180

الموطأ
وقال ابنُّ أحمرَ(١):
التمهيد
يُمِلُ بالفرقَدِ(٢) رُكبانُها كما يُهِلُّ الرَّاكبُ المُعتمِرْ
واختلفت الآثارُ فى الموضع الذى أحرّم رسولُ اللهِ مَّلَه فيه لحَّتِه من
أقطارِ ذِى المُحليفةِ ، ولا خلافَ أَنَّ ميقات أهلِ المدينةِ ذو الحليفة ، وسنذْكُرُ
المواقيت ، وما للعلماءِ فى حكمها من القول ، فى باب نافع(١)، إن شاءاللهُ ، من
كتابنا هذا؛ فقال قوم: أحرَم من مسجدٍ ذِى الحُلَيفةِ بعدَ أَنْ صلَّى فيه . وقال
آخرون: لم يُخْرِمُ إلَّا من بعدٍ أن اسْتَوَتْ به راحلَتُه بعدَ خُروجِه من المسجدِ .
وقال آخرون: إنَّما أَحرَمِ حينَ أظلُّ على البَيْداءِ وأُشرّف عليها. وقد أوضَح ابنُ
عباس المغنی فی اختلافهم رضِى اللهُ عنه .
فأمَّا الآثارُ التى ذُكِرَ فيها أنَّه أهلَّ حينَ أشرَف على البَيْداءِ ، فأخبرنا محمدُ بنُ
إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال :
أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا النَّصْرُ، قال: أخبرنا أَشْعَثُ بنُ
عبدِ المَلكِ، عن الحسنِ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ صِلَّى الظهرَ
بالتيداءِ، ثم ركب وصعد جبلَ البَيْداءِ، وأهلَّ بالحجّ والعمرةِ حِينَ صلَّى الظهرَ(٤).
القبس
(١) البيت فى الحيوان ٢/ ٢٥، واللسان، (هـ ل ل).
(٢) فى الأصل، م: ((بالغرقد)).
(٣) ينظر ما تقدم ص ١٢٦ - ١٤٠.
(٤) النسائى (٢٦٦١، ٢٧٥٤)، وفى الكبرى (٣٦٤٢)، وأخرجه الدارمى (١٨٤٨) عن إسحاق
ابن إبراهيم به مختصرًا.
١.٦١
(موسوعة شروح الموطأ ١١/٩٠)

الموطأ
التمهيد
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ بكرٍ ،
قال: حدثنا أبو داود، قال: حدّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال : حدثنا رَوْتٌ، قال :
حدَّثنا أشْعتُ، عن الحسن، عن أنسٍ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ِِّ صِلَّى
الظهرَ، ثم ركِب راحلته، فلمَّا علا على البَيْداءِ أهلِّ(١).
وقرَأْتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال :
حدَّثنا أبو قلابةَ ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ ، قال: حدَّثْنَا شُعبةُ،
عن موسى بن عقبةَ، عن سالم، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ أَحرَم من البيداءِ -
وربَّما قال: من المسجدِ - حِينَ اسْتَوَتْ به راحلَتُه . وروايةُ شُعبةً لهذا الحديثِ
عن موسى بنِ عُقبةَ مُخالفةٌ لرواية مالكٍ عنه باسنادٍ واحدٍ (١).
وروَى مالكٌ، عن سعيدِ المَقْثُرِىِّ، عن عُبيدِ بنِ نجريج أنَّه سمِع عبدَ اللهِ بنَ
عمرَ يقولُ: لم أرَ رسولَ اللهِ وَهِ يُّهِلُّ حتى تَنْبَعِثَ به راحِلَتُه(١).
وابنُ مجريجٍ وغيرُه، عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، عن أنسٍ مثلَه، بمعناهُ(١).
ومحمدُ بنُ إسحاقَ ، عن أبى الزِّنادِ ، عن عائشةَ بنتٍ سعدٍ ، عن أبيها ،
قال: كان رسولُ اللهِ وَ لَه إذا أَخَذ طريقَ الفُرْع أهلَّ إذا اسْتَقَلَّتْ به راحلتُه، وإذا
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٥٦.
(٢) أخرجه أحمد ٤٣٦/٨، ٤٣٧، ٤٠٨/٩ (٤٨٢٠، ٥٥٧٤). من طريق شعبة به بلفظ : كان
ابن عمر يكاد يلعن البيداء، ويقول: إنما أهل رسول الله وَلّ من المسجد.
(٣) سيأتى فى الموطأ (٧٤٧).
١٦٢

الموطأ
التمهید
أخَذ طريقَ أُحُدٍ أهلَّ إذا أشرف على البيداء(١).
ففى هذه الآثارِ كلِّها الإهلالُ بالبيداءِ، وهى مُخالفةٌ لحديثِ مالكٍ فى هذا
البابٍ. وقد ذكر هذه الآثارَ كلَّها أبو داودَ ، وهى آثارٌ ثابتةٌ صحاحٌ من جهةٍ
النَّقْلِ. وحديثُ ابنِ عباسٍ يُقَسِّرُ ما أوهَم الاختلافُ منها .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ یحیی، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکرِ بنِ
عبدِ الرَّزَّاقِ ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ الأَشْعَثِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مَنصورٍ ،
قال : حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعدٍ ، قال : حدثنى أبى ، عن ابنٍ إسحاقَ ،
قال : حدثنى خُصَيفُ بنُ عبدِ الرحمنِ الجَزَرِىُّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، قال : قلتُ
لعَبْدِ اللهِ بنِ عباسٍ : يا أبا عباسٍ ، عَجِئْتُ لاختلافٍ أصحاب رسولِ اللهِ أَّ فِى
إِهِلالِ رسولِ اللهِ وَلِّ حِينَ أَوجَب. فقال: إِنِّى لأعلمُ الناسِ بذلك؛ خرَج
رسولُ اللهِ وَّهِ حَاجًا، فلمَّا صلَّى بمسجدِه بذِى الحُلَيفةِ رَكْعَتَيْهُ(١) ( أوجب
فى٢٢ مجلسِه، فأهلَّ بالحجّ حين فرَغْ من ركعتيْه، فسمِع ذلك منه أقوامٌ،
فيحُفِظُ(٤) عنه، ثم ركِب ، فلمَّا اسْتَقَلَّتْ به ناقَتُه أهلَّ، وأدرَك ذلك منه أقوائم -
وذلك أنَّ الناسَ إنما كانوا يَأْتُون أَرْسالا - فسمِعوه حينَ اسْتَقَلَّتْ به ناقتُه يُهِلُ،
فقالوا: إنَّما أهلَّ حِين اسْتَقَلَّتْ به ناقتُه. ثم مضَى رسولُ اللهِ وََّةِ، فلمَّا وقَف
القبس .
(١) تقدم تخريجه ص ١٥٦، ١٥٧ .
(٢) فى م: ((ركعتين)).
(٣ - ٣) فى ى: ((أوجبه فى))، وفى م: ((أوجبه)).
(٤) عند أبى داود: ((فحفظته)) .
١٦٣

الموطأ
٧٤٧ - وحدَّثنى عن مالك، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدِ المَقْبُرىِّ، عن
عبيدِ بنِ مجرَيجٍ، أنه قال لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ : يا أبا عبدِ الرحمنِ ، رأيتُك
تَصنعُ أربعًا لم أرَ أحدًا مِن أصحابِك يَصْنَعُها. قال: وما هُنَّ يا ابنَ
مجرَيج؟ قال: رأيتك لا تَمسُّ مِن الأركانِ إِلا اليَمانِتَيْنِ، ورأيتُك تَلْبَسُ
النِّعالَ السِّبْتِيَّةَ، ورأيتُك تَصْبُغُ بالصُّفْرَةِ، ورأيتُك إذا كنتَ بمكةً ، أهلُّ
الناسُ إذا رأوا الهلالَ، ولم تُهْلِلْ أنت حتى يكونَ يومُ الترويةِ . فقال
عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: أما الأركانُ، فإنى لم أُرَ رسولَ اللهِ وَلَهِ يمَسُ إلا
اليَمانِتَيْنِ، وأما النِّعالُ السَّبِيَّةُ، فإنى رأيتُ رسولَ اللهِ وَّ لَهِ يَلبسُ النعالَ
على شَرَفِ البَيْداءِ أهلَّ، وأدرَك ذلك منه أقوامٌ، فقالُوا: إنَّما أهلَّ حينَ علا على
التمهيد
شَرَفِ البيداءِ. فمن أخَذ بقولِ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ أهلٌّ فى مُصَلَّه إذا فرغ من
(١)
.
ر کیتیه
قال أبو عمر : قد بان بهذا الحديث معنی اختلافٍ الآثار فى هذا الباب ،
وفيه تهذيبٌ لها ، وتلخيصٌ وتفسيرٌ لما كان ظاهرُه الاختلافَ منها ، والأمرُ فى
هذا البابِ واسعٌ عندَ جميعِ العلماءِ. وباللهِ التوفيقُ .
مالكٌ، عن سعيدٍ بن أبى سعيدِ المقْبُرىِّ، عن عبيدِ بنِ جريج أنه قال
لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ: يا أبا عبدِ الرحمنِ ، رأيْتُك تَصْنَعُ أربعًا لم أرَ أحدًا مِن أصحابِك
القبس
(١) أبو داود (١٧٧٠). وأخرجه أحمد ١٨٨/٤، ١٨٩ (٢٣٥٨)، والحاكم ١/ ٤٥١، والبيهقى
٣٧/٥ من طريق يعقوب به .
١٦٤ ٠

التى ليس فيها شَعَرٌ ويَتوضَّأَ فيها، فأنا أحبُ أن أَلْتَسَها، وأمَّا الصُّفْرَةُ، الموطأ
فإنى رأيتُ رسولَ اللهِ وَِّهِ يَصْبُغُ بها، فأنا أُحِبُّ أن أصْبُغَ بها ، وأمّا
الإهلالُ، فإنى لم أرَ رسولَ اللهِ وَلَهِ يُهِلُّ حتى تَنبعثَ به راحلتُه.
التمهيد
يَصْنَعُها؟ قال: ما هنَّ يابنَ جريج؟ قال: رأيتُك لا تَمَسُ مِن الأركانِ إلا
اليَمانِتَيْن، ورأيتُك تَلْبَسُ النِّعالَ السَّبِيَّةَ، ورأيتُك تَصْبُغُ بالصّفْرةِ، ورأيتُك إذا
كنتَ بمكةَ أهَلَّ الناسُ إذا رأوا الهلالَ، ولم تُهِلَّ أنت حتى كان يومُ التَّرْوِيّةِ .
فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: أما الأركانُ فإنى لم أرَ رسولَ اللهِ وَلّهِ يَمَشُ إلا
اليَمانِتَيْن، وأما التّعالُ السَّيْتِيةُ فإنى رأيتُ رسولَ اللهِ وَّ لَهِ يَلْبَسُ النِّعالَ التى ليس
فيها شعَرٌ، ويَتَوَضَّأُ فيها ، فأنا أُحِبُّ أن ألبَسَها، وأما الصُّفْرةُ فإنى رأيتُ رسولَ اللهِ
وَلِّ يَصْبُغُ بها، فأنا أُحِبُّ أن أصْبُغَ بها، وأمّا الإهْلالُ فإنى لم أرَ رسولَ اللهِ وَله
يُهِلُّ حتى تَنْبَعِثَ به راحلتُه(١).
عبيدُ بنُ جريجٍ مِن ثقاتِ التابعين، ذكَر الحسنُ بنُ علىِّ الحُلْوانئُ ، قال:
حدّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال : حدثنا ابنُ وهپ ، قال : حدّثنی أبو صخرٍ ، عن
ابنِ قُسَيْطٍ ، عن عبيدِ بنِ جريجٍ قال : حجَجْتُ مع عبدِ اللهِ بنِ عمرَ بينَ حجّ
وعُمْرةٍ اثنتَى عشْرةَ مرةً(١) .
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ دليلٌ على أن الاخْتِلافَ فى الأفعالِ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٧٨)، وبرواية أبى مصعب (١٠٦٨). وأخرجه أحمد ٢٤٢/٩،
١٣٤/١٠ (٥٣٣٨، ٥٨٩٤)، والبخارى (١٦٦، ٥٨٥١)، ومسلم (٢٥/١١٨٧)، وأبو داود
(١٧٧٢)، والنسائى (١١٧، ٢٧٥٩، ٢٩٥٠)، والترمذى فى الشمائل (٧٦) من طريق مالك به.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦/١١٨٧)، وابن خزيمة (٢٦٩٦) من طريق ابن وهب به.
١٦٥

الموطأ
التمهید
والأقوال والمذاهبٍ كان فى الصحابة موجودًا، وهو عندَ العلماءِ أُصُ ما
يكونُ فى الاختلافِ ؛ إذا كان بينَ الصحابةِ، وأما ما أجْمَع عليه الصحابةُ
واخْتَلَف فيه مَن بعدَهم، فليس اختلافُهم بشىءٍ ) ، وإنما وقَع الاختلافُ بينَ
الصحابةِ ، واللهُ أعلمُ، فى التأويل٣ِ) المخْتَمِلِ فيما سمِعوه ورأَوْه، أو فيما انْفَرَد
بعلمِه بعضُهم دونَ بعضٍ ، أو فيما كان منه عليه السلامُ على طريقِ الإباحةِ فى
فعلِه لشيئَيْن مختلِفَيْن، وقد بيََّّ العِلَلَ فى اختلافِهم فى غيرِ هذا الكتابِ .
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أن الحُجَّةَ عندَ الاخْتِلافِ السنةُ ، وأنها حجةٌ
على مَن خالَفها، وليس مَن خالَفها حُجّةً عليها ، ألا تَرَى أن ابن عمرَ لما قال له
عبيدُ بنُ جريجٍ : رأيْتُك تَصْنَعُ أشياءَ لا يَصْنَعُها أحدٌ مِن أصحابِك . لم يَسْتَوْحِشْ
مِن مُفارقةِ أصحابِهِ، إذ كان عندَه فى ذلك علمٌ مِن رسولِ اللهِ وَلَه ، ولم يقلْ له
ابنُ جريج: الجماعةُ أعلمُ برسولِ اللهِ نَّه منك، ولعلك وهِمْتَ. كما يقولُ
اليومَ مَن لا عِلمَ له، بل انقاد للحقِّ إذ سمِعه، وهكذا يَلْزَمُ الجميعَ. وباللهِ
التوفيقُ .
وأما قولُه : رأيتُك لا تَمَسُ مِن الأركانِ إِلا اليَمانِتَيْن. فالسنةُ التى عليها
جمهورُ الفقهاءِ أن ذَينِك الركنين يُسْتَلَمان دونَ غيرِهما. وأما السلفُ فقد
اختلفوا فى ذلك ؛ فروى عن جابرٍ ، وأنسٍ ، وابنِ الزبيرِ ، والحسنٍ، والحسینِ
٠٤
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ص ١٦، ص ٢٧.
(٢ - ٢) فى ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧: ((بالتأويل)).
١٦٦

الموطأ
التمهيد
أنهم كانوا يَسْتَلِمون الأركانَ كلَّها. وعن عروةَ مثلُ ذلك(١). واختلف عن
معاويةً، وابنِ عباسٍ، فى ذلك؛ فقال أحدُهما: ليس مِن البيتِ شىءٌ
مهجورٌ (١) . والصحيحُ عن ابنِ عباسٍ أنه كان لا يَسْتَلِمُ إلا الركنينِ الأُسودَ
واليَمانىَ()، وهما المعروفان باليَمانِتين، وهى السنةُ. وعلى ذلك جماعةٌ
الفقهاءِ؛ منهم مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ، والثورىُّ، والأُوْزاعىُّ،
وأحمدُ، وإسحاقُ ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ ، والطبرىُّ. وحجتُهم حديثُ ابنِ عمرَ
هذا وما كان مثلَه عن النبيِّ وَله فى ذلك.
حدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنٍ علىٍّ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
خالدٍ ، حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ يونُسَ ، وحدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال :
حدّثنا أبو الوليدِ الطیالسیُ ، قالا : حدثنا الليثُ بنُ سعدٍ ، عن ابنِ شهاب ، عن
سالم، عن ابنِ عمرَ قال: لم أرَ رسولَ اللهِ وَلّهِ يَمْسَحُ مِن البيتِ إلا الرُّكنين
.. (٤)
٠
اليَمانِیَیْن
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٩٤٧، ٨٩٤٨، ٨٩٥٠، ٨٩٥٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ( القسم
الأول من الجزء الرابع ) ص ٤٢٢، وشرح المعانى ١٨٣/٢، وسنن البيهقى ٧٦/٥، ٧٧.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٥٩٠، ٥٩١ .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٤٢١، وينظر ما سيأتى ص ٥٩٠، ٥٩١.
(٤) أخرجه البيهقى ٧٦/٥ من طريق محمد بن بكر به . وهو عند أبى داود (١٨٧٤). وأخرجه
البخارى (١٦٠٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٨٣/٢ من طريق أبى الوليد الطيالسى به، وأخرجه
أحمد ٢١٤/١٠ (٦٠١٧)، ومسلم (١٢٦٧)، والنسائى (٢٩٤٩) من طريق الليث بن سعد به .
١٦٧

الموطأ
ورواه ابنُ وهب، عن يونسّ، عن ابن شهابٍ، عن سالم، عن أبيه مثلَه (١).
التمهید
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، قال : حدَّثنا أبو
داودَ، قال: حدَّثنا مَخْلَدُ بنُ خالدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا
معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، أنه أَخْبِر بقولٍ عائشةً: إن الحِجْرَ
بعضُه مِن البيتِ . فقال ابنُ عمرَ : واللهِ إنى لأُظُنُّ عائشةَ إن كانت سمِعَت هذا
مِن رسولِ اللهِ وَله، إنى لأَظُنُّ رسولَ اللهِ وَلَّه لم يَتْرُكِ اسْتِلامَهما إلا أنهما ليسا
على قَواعدِ البيتِ ، ولا طاف الناسُ مِن وراءِ الحِجْرِ إلا لذلك(١).
وأما قولُه : رأيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعالَ السَّيْتِيَةَ. فهى النّعالُ الشَّودُ التى لا شعَرَ لها .
كذلك فسَّره ابنُّ وهبٍ صاحبُ مالكِ. وقال الخليلُ فى ((العَيْنِ))(١): السُّبْتُ
الجلدُ المدبوُ بالقَرَظِ . وكذلك قال الأصْمَعىُّ. وهو الذى ذكر ابنُ قتيبةً(٤).
وقال أبو عمرٍو: هو كلُّ جلدٍ مَذْبوغٍ . وقال أبو زيدٍ: السّبْتُ جلودُ البقرِ خاصَّةٌ،
مَدْبوغةً كانت أو غيرَ مدبوغةٍ ، ولا يقالُ لغيرِها : سبْتٌ ، وجمعُها سُبُوتٌ . وقال
غيرُه : السُّبْتُ نوعٌ مِن الدِّباغ يَقْلَعُ الشَّعَرَ . والِّعالُ السّجنيةُ مِن لباسٍ وُجودِ الناسِ
وأشْرافِ العربِ، وهى مَعْروفةٌ عندَهم، قد ذكَّرَها شُعراؤُهم ؛ قال عَنْتَرَةُ يَمْدُ
القبس
(١) أخرجه مسلم (٢٤٣/١٢٦٧)، والنسائى (٢٩٥١)، وابن ماجه (٢٩٤٦)، وابن خزيمة
(٢٧٢٥) من طريق ابن وهب به .
(٢) أخرجه البيهقى ٨٩/٥ من طريق محمد بن بكر به . وهو عند أبى داود (١٨٧٥)، وعبد الرزاق
(٨٩٤١)، وسيأتى فى الموطأ (٨٢٠).
(٣) العين ٢٣٩/٧.
(٤) غريب الحديث لابن قتيبة ٢/ ٣٨٠.
١٦٨

الموطأ
رجلًاً(١) :
التمھید
بطلٌ كأن ثِيابَه فى سَرحةٍ(٢)
يعنى أنه لم يُولَّدْ توأمًا .
يُحْذَى نعالَ السِّبْتِ ليس بتَوْأَمٍ
وقال حُميّو(٣) :
إذا ما قارفَتْ(٤) قَمَعَ ) الذبابِ
كأن مَشافرَ النجداتِ منها
نعالُ السّجْتِ أو عَذَبُ الثيابِ
بأيدى مأتم مُتساعداتٍ().
شبّه اضْطِراب مشافرٍ الإبل وهى تَنّفِى الذُّباب عنها ، بنعالِ السّئْتِ فى أيدى
المَأْتَم ، والمَأْتُمُ : النِّساءُ اللَّواتى يَتْكِين ويَنُحْنَ على الميتِ . وقولُه: أو عذَبُ
الثيابِ. يُريدُ خِرَقًا يَحْبِسُها النساءُ بأيديهنَّ عندَ النِّياحِ، ويَحْبِسْنَ أيضًا النعالَ
بأيديهنَّ، كان هذا مِن فعلِ المَأْتُمِ فى الجاهليةِ .
ولا أعْلَمُ خِلافًا فى جوازٍ لباسِ التِّعالِ السِّبْتِيَّةِ فى غيرِ المقابرِ، وحسْبُك أنَّ
ابنَ عمرَ يَرْوِى عن رسولِ اللهِ وَ أنه كان يَلْبَسُها، وفيه الأَسْوةُ الحسنةُ وَِ .
وقد رُوِى عنه أنه رأى رجلاً يَلْبَسُهما فى المقبرةِ فأمَره بخلعهما. وقد يجوزُ أن
القبس
(١) شرح ديوان عنترة ص ١٢٧.
(٢) السرحة: الشجرة الطويلة، وجمعها سرح . شرح القصائد السبع الطوال ص٣٥٢.
(٣) لم نجد البيتين فى ديوانه وهما فى الحيوان ٣٩٨/٣ بدون نسبة.
(٤) فى ص١٦، ص١٧، ص٢٧: ((فارقت)).
(٥) القمعة : ذباب أزرق عظيم يدخل فى أنوف الدواب، ويقع على الإبل والوحش إذا اشتد الحر
فيلسعها، وقيل: يركب رءوس الدواب فيؤذيها. والجمع قَمَع ومقامع. اللسان ( ق م ع).
(٦) فى الأصل، م: ((متصاعدات))، وفى ص ٢٧: ((متقاعدات)).
١٦٩

الموطأ
یکون ذلك لأذیرآه فیها ، أو لما شاء اللهُ ؛ فإنه حدیثٌ مُخْتَلَفٌ فيه ، وقد ژُوِی
التمهيد
عنه ما يُعارِضُه .
والحديثُ حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ بنِ داودَ المِنْقَرِىُّ البصرىُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا
سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا الأسودُ بنُ شيبانَ، قال: أخبرنى خالدُ بنُ
سُمَيْرٍ، قال : أخبرنى بَشيرُ بنُ نَهيكِ ، قال: أخبرنى بَشِيرُ ابنُ الخَصاصِيَةِ -
وكان اسمُه فى الجاهلية زَحْمًا، فسمَّاه رسولُ اللهِ وَ لَه بَشيرًا - قال بَشيرٌ: بينما
أنا أَمْشِى بينَ المقابرِ وعلىَّ نَعلان، فإذا رجلٌ يُنادِى مِن خلفى: (( يَا صَاحبَ
السُّبْيَّتَين، يا صاحبَ السِّبْبَيْن)). فالتَفَتُّ فإذا رسولُ اللهِ وَلّهِ، فقال لى:
((إذا كُنْتَ فى مثلِ هذا الموضِعِ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)). قال: فخلَعْتُهما(١).
هكذا قال ، إنه كان اللابسَ لهما والمأمورَ فيهما .
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال : حدَّثنا أبو
داودَ، قال: حدَّثنا سهلُ بنُ بَكَّارٍ، قال: حدَّثنا الأسودُ بنُ شَيْيانَ ، عن خالدِ بنِ
شُمَيْر السّدوسیّ ، عن بشیرِ بنِ نَهِیكٍ ، عن بشیر - قال: وكان اسمُه فى
الجاهليةِ زَحْمَ بنَ مَعْبَدٍ. فقال له رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((بل أنتَ بَشيرٌ)) - قال: بينما
أنا أُماشى رسولَ اللهِ وَلَه مَرَّ بِقُبورٍ المشركين، فقال: ((لقد سَبَق هؤلاء خَيْرًا
كَثِيرًا)). ثلاثًا. ثم مرّ بقُبورِ المسلمين، فقال: «لقد أدرَكَ هؤلاء خَيْرًا كثيرًا)).
القبس
(١) أخرجه ابن حزم ٢٠٣/٥ من طريق محمد بن سليمان به .
١٧٠

الموطأ
التمهيد
وحانَت مِن رسولِ اللهِ وَلَهَ نَظْرَةٌ فإذا رجلٌ يَمْشِى فى القبورِ وعلیه نَعلان ،
فقال: ((يا صاحِبَ السِّبْتِيََّيْنِ، وَيْحَك أَلْقِ سَبِيَيْكَ)). فنظَرَ الرجلُ، فلمَّا عرَّف
رسولَ اللهِ مَّهِ خِلَعهما فرقَى بهما(١).
وذهَب قومٌ إلى أنه لا يجوزُ لأحدٍ المشْئُ بالنِّعالِ والحِذاءِ بينَ القبورِ لهذا
الحديثِ . وقال آخرون : لا بأسَ بذلك. واخْتَبُوا بما حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ
محمدِ بنِ یحیی ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بکرِ بنِ داسَةً ، قال : حدّثنا أبو داودَ ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ سليمانَ الأنبارىُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ - يعنى ابنَ
عطاءٍ - عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّل أنه قال: ((إنَّ العبدَ إذا
وُضعَ فى قبرِهِ وتَوَلَّى عنه أَصْحابُه إِنَّه لِيَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهم))(١.
وقال الأثرمُ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسْألُ عن المشي بينَ القُّبورِ فى
النعلين، فقال: أما أنا فلا أَفْعَلُه، أَخْلَعُ نَعلَىَّ على حديثٍ بشيرٍ. قال: وقد تأوَّل
بعضُ الناسِ : ((إنَّه لِيَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهم)) .
وقال أبو عبدِ اللهِ : الأسودُ بنُ شيبانَ ثقةٌ، وبَشيرُ بنُّ نَهِيك ثقةٌ روَى
القبس
(١) أبو داود (٣٢٣٠). وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٧٧٥)، والطبرانى (١٢٣٠) من طريق
سهل به، وأخرجه أحمد ٣٨٢/٣٤، ٣٨٣ (٢٠٧٨٧، ٢٠٧٨٨)، وابن ماجه (١٥٦٨) ،
والنسائى (٢٠٤٧) من طريق الأسود به.
(٢) أبو داود (٣٢٣١). وأخرجه أحمد ١١٨/٢١ (١٣٤٤٦)، ومسلم (٧٢/٢٨٧٠)، من طريق
عبد الوهاب به، وأخرجه أحمد ٢٨٩/١٩، ٢٩٠ (١٢٢٧١)، والبخارى (١٣٣٨، ١٣٧٤)،
ومسلم (٧١/٢٨٧٠)، والنسائى (٢٠٤٨)، من طريق سعيد به .
١٧١

الموطأ
التمهيد عنه عدَّةٌ. قلتُ له: روَى عنه النضرُ بنُ أنسٍ، وأبو مِجْلَزِ، وبَرَكةُ ؟ قال :
نعم .
قال الأثرمُ: حدَّثنا عقَّنُ وسليمانُ بنُ حربٍ - وهو لفظُ عفانَ - قال :
حدَّثنا الأسودُ بنُ شيبانَ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سُمَيْرٍ، قال: حدَّثنی بَشِيرُ بنُ
نَّهِيكِ، عن بَشيرٍ قال: بينما أنا أُماشِى رسولَ اللهِ وَِّ، فَأَتَى على قبورٍ
المسلمين، فقال: ((لقد أدرَك هؤلاء خيرًا كثيرًا)). ثم حانَت مِن رسولِ اللهِ
وَ نَظْرَةٌ، فإذا برجلٍ يَمْشِى فى القبورِ عليه نَعْلاه، فناداه رسولُ اللهِ وَّةِ: ((يَا
صَاحِبَ السُّبْتَيْتَيْنِ، ويَحَك ألقِ سِبِئْتَيْكَ)). فنظَر الرجلُ، فلما عرّف رسولَ اللهِ
ۋ خلع نعليه فرمی بهما .
قال : وحدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُّ سَلَمَةَ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ
عمرٍو، عن أبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ ((إنه لَيَسْمَعُ
خَفْقَ نِعالِهم إذا وَلَّا)) (١). قال: ورأيتُ أبا عبدِ اللهِ عندَ المقابرِ مُعَلِّقًا عليه بيدِه.
وأما قولُه : رأيتُك تصبُغُ بالصفرةِ. وقولُ ابنِ عمرَ: رأيتُ رسولَ اللهِ وَله
يَصْبُغُ بها. فإن العلماءَ اخْتَلَفوا فى تأويلِ هذا الحديثِ؛ فقال قومٌ: أراد
الخِضابَ للحيةِ بالصَّفْرةِ. واخْتَبُوا بما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قال :
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال :
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبى، عن ابنٍ إسحاقَ، قال: حدَّثنی
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٣٣/١٤ (٨٥٦٣) عن عفان به.
١٧٢

الموطأ
سعيدٌ المقبرىُّ، عن عُبَيدِ بنِ جريجٍ ، قال : قلتُ لابنِ عمرَ : يا أبا عبد الرحمنِ، التمهيد
إنى رأيتُكَ تُصَفِّرُ لحيتك. قال: إن رسولَ اللهِ وَ لَّ كان يُصَفِّرُ بالوَرْسِ، فأنا
أُحِبُّ أن أُصَفِّرَ به كما كان يَصْنَعُ(١) .
وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ،
قال : حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةً ، عن ◌ُبيدِ اللهِ بنِ
عمرَ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيد المقبرىِّ، عن ابن جريج - كذا قال - قال : رأيْتُ
ابنَّ عمرَ يُصَفِّرُ لحيتَه، فقلتُ: أَراك تُصَفِّرُ لحيتك. قال: رأيتُ النبيَِّوَ لَ يُصَفِّرُ
(٢)
لحيته(٢).
ورواه يحيى القَطَّانُ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن سعيد المقبرئِّ ، عن ابنِ
جريجٍ، وفى حديثه أنه قال: "رأيْتُك تُصَفِّرُ لحيتك) .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثْنا قاسمُ بنُّ أَصْبَغَ، قال: حدثّنَا
أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدّثنا عيسى بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا عبدُ الواحدِ بنُ
زيادٍ، قال: حدَّثنا الحجاج، عن عطاءٍ قال: رأيتُ ابنَ عمرَ ولحيتُه صَفْراءُ(٤).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٥١/١٠ (٦٢٢٥ - مكرر) عن يعقوب به.
(٢) أخرجه ابن سعد ١٧٩/٤، وابن أبى شيبة ٨/ ٢٥٥، وابن ماجه (٣٦٢٦) من طريق عبيد الله به .
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((رأيته يصفر لحيته)).
والحديث أخرجه أحمد ٢٩٧/٨، ٢٩٨ (٤٦٧٢)، والبيهقى فى الشعب (٦٤٠١) من طريق
پحيي به .
(٤) أخرجه ابن سعد ٤/ ١٨٠، وابن أبى شيبة ٢٥٣/٨ من طريق عطاء به .
١٧٣

الموطأ
التمهيد
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثْنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ(١)، حدَّثنا
محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الرُّزِّىُّ(٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الزِّبْرِقَانِ ) أبو هَمَّامٍ
الأَهْوازىُّ، عن مَزْوانَ بنِ سالم، عن عبدِ اللهِ بنِ هَمَّامٍ قال: قلتُ : يا أبا
الدَّرْداءِ، بأىِّ شىءٍ كان رسولُ اللهِ وَ لَهِ يَخْضِبُ؟ قال : يابنَ أخى - أو: يا
بنىٌّ - ما بلَغ منه الشَّيْبُ ما كان يَخْضِبُ، ولكنه قد كان منه هلهنا شَعَراتٌ
بِيضٌ، وكان يَغْسِلُه بالحِنَّاءِ والسّدْرِ() .
قال : وحدَّثنا ابنُ الأَصْبَهانيّ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن عثمانَ بنِ مَوْهَبٍ ،
قال: رأيتُ شعرَ النبيِّ بَّرِ عندَ بعضٍ نسائِه أحمرَ.
قال: وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سَلَّامُ بنُ أبى مُطِيعٍ، عن
عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَوْهَبٍ قال: دخَلْتُ على أمّ سلمةَ زوج النبيِّ وَّارِ،
فَأُخْرَجَتْ إِلينا شعرَ النبيِِّ نَّهِ مَخْضوبًا بالحِنَّاءِ والكَتَم(٥).
قال: وحدَّثنا ابنُ الأصبهانيّ، قال: أخبرنا شَريك، عن سَدِيرٍ الصَّْرَفىِّ ،
عن أبيه قال : کان على لا يخْضِبُ ، فذكرتُ ذلك لمحمدِ بنِ علىٍّ ، قال : قد
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((قال و))، وبعده فى ص ٢٧: ((و)). وينظر تهذيب الكمال
٢٥/ ٥٧٥.
(٢) فى م: ((الرازى)).
(٣) فى ص ١٧، ص ٢٧، م: ((الزبير قال)). وينظر تهذيب الكمال ٢٠٨/٢٥.
(٤) أخرجه ابن عساكر ١٦٥/٤ من طريق محمد بن عبد الله به .
(٥) أخرجه البخارى (٥٨٩٧)، والبيهقى فى الدلائل ٢٣٦/١ من طريق موسى بن إسماعيل به.
١٧٤

الموطأ
خضَب مَن هو خيرٌ منه؛ رسولُ اللهِ وَتِ .
قال: وحدَّثنا هارونُ بنُ مَعروفٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ، عن على بن أبى
حَمَّلةً(١) قال: كان رجاءُ بنُ حَيْوةَ لا يُغَيِّرُ الشَّيْبَ، فحجّ، فشهِد عندَه أربعةٌ أن
النبىَّ ◌َّ غيّرَ. قال: فغيَّر فى بعضِ المياهِ (١).
وذكر البخارى(١) ،عن ابنِ بُگیر ، عن اللیثِ ، عن خالدٍ ، عن سعیدِ بنِ أبی
هلالٍ، عن ربيعةَ بنِ أبى عبد الرحمنِ، سمِعْتُ أنسًا يَصِفُ النبىَّ وَلِّ، فقال:
کان رَبْعٌ مِن القوم، ليس بالطويل. وذكر الحدیثَ إلى قوله : وليس فى رأسِه
ولحيتِه عشرون شعَرةً بيضاءَ . قال رَبيعةُ : فرأَيْتُ شعَرًا مِن شعَرِهِ ، فإذا هو أحمرُ،
فسألْتُ، فقيل : احمٌّ مِن الطِّيبِ .
وقد ذكرنا فى بابٍ حُمَيْدٍ الطويلِ إجازةَ أكثرِ السلفِ للباسِ الثيابِ المزَعْفَرةِ
على ما قال مالكٌ رحِمه اللهُ(٤) ، فذهَب جماعةٌ مِن أهلِ العلم إلى أن رسولَ اللهِ
وَه كان يَخْضِبُ بالحِنَّاءِ، وَيُصَفِّرُ شيبه ، على أنهم مُجْمِعون أنه إنما شاب منه
عَنْفَقتُهُ(٥) وشىءٌ فى صُدْغَيْه لا غيرُ وَلِّ. وقال آخرون : معنى حديث مالكٍ،
القبس
(١) فى ص ١٦: ((جبلة))، وفى ص ١٧، ومصدر التخريج: ((جملة))، وفى ص ٢٧:
((حلمة)). وينظر تبصير المنتبه ٢٦٦/١.
(٢) فى م: ((المرات)).
والأثر أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثاني (٢٨٩٥) من طريق ضمرة به .
(٣) البخارى (٣٥٤٧).
(٤) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١١٧٣) من الموطأ .
(٥) العنفقة: الشعر الذى فى الشفة السفلى. وقيل: الشعر الذى بينها وبين الذقن. النهاية ٣٠٩/٣.
١٧٥
التمهيد
.

الموطأ
التمهيد عن سعيد المقبرىِّ، عن عُبَيدِ بنِ جريجٍ، عن ابنِ عمرٌ: رأيتُ رسولَ اللهِ
وَالهِ يَصْبُغُ بالصُّفْرةِ. أراد أنه كان يُصَفِّرُ ثيابَه، وَيَلْتَسُ ثيابًا صُفْرًا، وأما
الخِضابُ فلم يكن رسولُ اللهِ وَلَّه يَخْضِبُ. واخْتَبُوا مِن الأثرِ بحديثٍ
ربيعةً، عن أنسٍ، وما كان مثلَه. وقد ذكَرْنا حديثَ ربيعةً فى بابِه مِن
هذا الكتاب(١) .
وبما حدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ ،
قال: حدَّثنا خلفُ بنُ الوليدِ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ ، عن جابرِ بنِ
سَمُرةَ قال: كان رسولُ اللَّهِ وَالْهِ قد شَمِط مُقَدَّمُ رأسِه ولحيتِه، فإذا ادُّهَن
وامْتَشَط لم يَتَبَيَّنْ شيئُه، فإذا شعِث رأيتَه مُتَبَيِّنًا، وكان كثيرَ شعَرِ الرأسِ
(٢)
واللحيةٍ(٢).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ هشام، قال: حدَّثنا أبى،
عن قتادةً قال: سألْتُ سعيدَ بنَ المسَيَّبِ: أَخَضَب رسولُ اللهِ وَلِ؟
قال: لم يَتِلُغْ ذلك .
قال: وحدَّثنا عاصمُ بنُ علىّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ راشدٍ، عن
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٧٧٣).
(٢) أخرجه الطبرانى (١٩٢١)، وابن عساكر ٢٩٤/٣، ١٦٥/٤ من طريق خلف به، وأخرجه أحمد
٥٠٥/٣٤ (٢٠٩٩٨)، ومسلم (١٠٩/٢٣٤٤) من طريق إسرائيل به .
١٧٦

الموطأ
مكحول، عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: لم يَبْلُّغ النبيُّ وَلّ مِن الشيبِ ما التمهيد
(١)
يَخْضِبُ(١).
قال: وحدَّثنا علىّ بنُّ الجَعْدِ، قال: حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ معاويةً، عن محمَيْدٍ
الطويلِ قال: سُئِل أنس عن الخضابِ، فقال: خضّب أبو بكرٍ بالحِنَّاءِ والكُتّم،
وَخَضَب عمرُ بالحِنَّاءِ وحدَه. قيل له: فرسولُ اللهِ وَلَه؟ قال: لم يكنَّ فى لحيتِه
عشرون شعرةٌ بيضاءً . وأصْغَى محمَّيْدٌ إلى رجلٍ عن يمينه فقال: كُنَّ سبعَ عشْرَةَ
(٢)
شعرةٌ (٢) .
وذكر مالكٌ فى («الموطأ)(٣)، عن يحيى بن سعيدٍ، قال : أخبرنى محمدُ بنُ
إبراهيمَ التَّيْمِىُّ، عن أبى سلمةَ بنِ عبد الرحمنٍ ، أن عبد الرحمن بن الأسود بنِ
عبدٍ يَغُوثَ - قال: وكان جليسًا لهم، وكان أبيضَ الرأسِ واللحيةِ - قال: فغدا
عليهم ذاتَ يومٍ وقد حمَّرهما ، قال: فقال له القومُ : هذا أحسنُ. فقال : إن أمى
عائشةً زوج النبيِّ وَ لَّ أَرْسَلْت إلىَّ البارحةَ جارِيتَها نُخْلَةَ، فَأَقْسَمَّت علىَّ
لَأَصْغَنَّ، وأخبرتنى أن أبا بكرٍ الصديقَ كان يَصْبُغُ. قال مالكٌ : فى هذا
الحديثِ بيانُ أن رسولَ اللهِ وَ له لم يَصْبُغْ، ولو صبغ رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ لأَرْسَلَت
بذلك عائشةُ إلى عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ . وقال مالكٌ فى صَبْغِ الشعرِ بالسّوادِ :
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٤٥/٢٠ (١٣٠٥١)، والطحاوى فى شرح المشكل (٣٦٨٧) من طريق
محمد بن راشد به .
(٢) أخرجه البغوى فى الجعديات (٢٦٧٨) عن على بن الجعد به ،
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٨٣٨).
١٧٧
(موسوعة شروح الموطأ ١٢/١٠)

الموطأ
لم أَسْمَعْ فى ذلك شيئًا معلومًا، وغيرُ ذلك مِن الصِّبْغِ أحَبُّ إِلىَّ. قال: وتركُ
التمهید
الصَّبْغِ كلّه واسعٌ إن شاء اللهُ، ليس على الناسِ فيه ضِيقٌ .
قال أبو عمرَ: فضَّل جماعةٌ مِن العلماءِ الخِضابَ بالصُّفرةِ والحُمْرةِ على
بیاضِ الشَّئْبِ وعلی الخضاب بالسّواد ، واختُوا بحدیثِ الزهرىِّ ، عن أبی
سلمةَ وسليمانَ بنِ يَسارٍ جميعًا، عن أبى هريرةَ، أن النبيَّ وَ لِّ قال: ((إنَّ اليهودَ
والنصارى لا يصْبُغُون فخالِفوهم)). رواه سفيانُ بنُ عيينةَ وجماعةٌ عن
الزهرىٌّ(١).
ومِن حديثٍ ابنٍ عيينةَ وغيرِه أيضًا، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةً،
أن أبا بكرٍ خضَب بالحِنَّاءِ والكَتَم (١) . فاحْتَبُوا بهذا أيضًا .
وجاء عن جماعةٍ مِن السلفِ مِن الصحابة والتابعين وعلماءِ المسلمين أنهم
خضَبوا بالحُمْرةِ والصُّفْرةِ. وجاء عن جماعةٍ كثيرةٍ منهم أنهم لم يَخْضِبوا ،
وكلُّ ذلك واسعٌ كما قال مالكٌ، والحمدُ للهِ. وممَن كان يَخْضِبُ لحيته
حَمْراءَ قانيةً؛ أبو بكرٍ، وعمرُ، ومحمدُ ابنُ الحَنَفيةِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ أبى أَوْفَى،
والحسنُ بنُ علىٍّ ، وأنسُ بنُ مالكِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ الأسودٍ ، وخضَب علىِّ
مرّةً ثم لم يَعُدْ(١) . وممَّن كان يُصَفِّرُ لحیتَه ؛ عثمانُ بنُ عفانَ رضِى اللهُعنه ، وأبو
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢١٨/١٢ (٧٢٧٤)، والبخارى (٥٨٩٩)، ومسلم (٨٠/٢١٠٣)، وأبو داود
(٤٢٠٣)، والنسائى (٥٢٥٦)، وابن ماجه (٣٦٢١) من طريق سفيان به .
(٢) أخرجه ابن سعد ٣/ ١٩٠، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٦) من طريق سفيان به.
(٣) ينظر طبقات ابن سعد ١٨٨/٣، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٤٥/٨ - ٢٤٨، والآحاد =
١٧٨

الموطأ
التمهید
هريرةَ ، وزيدُ بنُ وهبٍ ، وابنُ عباسٍ ، وابنُ عمرَ ، وعبدُ اللهِ بنُ بُشرٍ ، وسَلَمةُ بنُ
الأكوعِ، وقيسُ بنُ أبى حازمٍ، وأبو العاليَّةِ ، وأبو السَّوَّارِ، وأبو وائلٍ، وعطاءٌ،
والقاسمُ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ، والأسودُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ، ويزيدُ بنُ
الأسودِ ، وجابرُ بنُ عبدِ اللهِ، وجابرُ بنُّ سَمُرةً(١) . ورُوِى عن علىٍّ، وأنسٍ ، أنهما
كانا يُصَفِّرانِ لِحاهماً) . والصحيحُ عن علىِّ رضِى اللهُ عنه أنه كانت لحيثُه
بيضاءَ قد ملَأَت ما بينَ مَنْكِبَيْه .
ذكَر وكيع، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن الشعبىِّ قال: رأيتُ علىَّ بنَ
أبى طالبٍ أبيضَ الرأسِ واللِّحيةِ، قد ملَأَت ما بينَ مَنْكِبَيْه(١٢).
وقال أبو إسحاقَ الشَّبيعيّ): رأَيْتُ عليًّا أَصْلَعَ، أبيضَ الرأسِ
(٥)
واللحيةٍ (*) .
و کان السائبُ بنُ یزیدَ ، وجابر بنُ زیدٍ ، ومجاهدٌ ، وسعیدُ بنُ جبیرٍ ، لا
القبس
= والمثانى (٣٥، ٢٢٣٦، ٢٢٣٩).
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٥٢/٨ - ٢٥٦.
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٥٣/٨، والآحاد والمثانى لابن أبى عاصم (٢٢٣٤).
(٣) أخرجهالطبرانى (١٥٧) من طريق وكيع به.
(٤ - ٤) فى م: ((عائشة التيمى)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٢٠١٨٨)، وابن سعد ٢٥/٣، وابن أبى شيبة ٢٥٧/٨، وابن أبى عاصم
فى الآحاد والمثانى (١٥٣)، والطبرانى (١٥٣، ١٥٤) من طريق أبى إسحاق به.
١٧٩

الموطأ
التمهيد يَخْضِبونُ(١) . ذكّر الربيعُ بنُ سليمانَ قال: كان الشافعىُ يَخْضِبُ لحیتَه حمراءَ
قانيةً .
وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُّ قُطَيْسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُّ یحیی ،
قال : رأيتُ الليثَ بنَ سعدٍ يَخْضِبُ بالحِنَّاءِ. قال: ورأيتُ مالكَ بنَ أنسٍ لا يُغَيّرُ
الشيب ، وكان نَّقِىَّ البَشَرةِ، ناصعَ بياضِ الشيبٍ ، حسنَ اللحيةِ ، لا يَأْخُذُ منها
مِن غيرٍ أَن يَدَعَها تَطولُ. قال : ورأيتُ عثمانَ بنَ كِنانةَ، ومحمدَ بنَ إبراهيم بنِ
دينارٍ، وعبدَ اللهِ بنَ نافعٍ، وعبدَ الرحمنِ بنَ القاسمِ، وعبدَ اللهِ بنَ وهبٍ،
وأَشْهَبَ بنَ عبدِ العزيزِ، لا يُغَيِرون الشيبَ ، ولم يكنْ شيئُهم بالكثيرِ . يعنى ابنَ
القاسم، وابنَ وهپٍ ، وأُشْھَبَ .
وذكَر الحسنُ بنُّ علىّ الحُلْوانِيُّ، قال: حدّثنا أبو مُسلم، قال: حدَّثنا
سفيانُ ، قال: كان عمرُو بنُ دينارٍ ، وأبو الزُّبِيرِ ، وابنُ أبى نَجِيحِ، لا يَخْضِبون .
وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
فُطَيْسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةً
البغدادىُّ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن أبى عُشّانةً، قال: رأيتُ عقبةً بنَ
عامٍ يَخْضِبُ بالسَّوادِ ، ويقولُ :
* نُسَوِّدُ أعلاها وتَأْبِى أُصولُها(٢)
*
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٥٧/٨، ٢٥٨.
(٢) أخرجه ابن سعد ٣٤٤/٤، ٤٩٨/٧، وابن أبى شيبة ٢٥٠/٨، والطبرانى ٢٦٨/١٧ =
١٨٠.