النص المفهرس

صفحات 301-320

الموطأ
وأجمعوا على أنَّ مَكْيًّا لو أهلَّ بعمرةٍ مِن خارج الحرم فى أشهر الحجّ،
فَقَضَاها، ثم حَجَّ مِن عامِه ذلك ، أنَّه مِن حاضِرِى المسجدِ الحرامِ الذين لا مُتْعَةً
لهم، وأن لا شىءَ عليه .
التمهيد
وأجْمَعوا فى المكْىِّ يَجِىءُ مِن وراءِ المِيقاتِ مُخْرِمًا بِعُمْرَةٍ ، ثم يُنْشِئُّ الحَجّ
مِن مكةَ وأهلُه بمكةً، ولم يَشْكُنْ سِوَاها ، أنَّه لا دَمَ عليه، وكذلك إذا سَكَنَ
غيرَها وسَكَتَها ، وكان له أُهْلٌ فيها وفى غيرِها .
وأجمعوا على أنَّه لو انتقَلَ من مكةً بأهلِه وسگنَ غیرَها ، ثم قَدِمها فى أُشهر
الحجِّ مُعْتَمِرًا، فأقامَ بها حتى حَجَّ مِن عامِه ، أنَّه مُتَمَتٌِّ كسائرٍ أهْلٍ الآفاق . وقد
ذگونا مسألةً طاوسٍ فیما مضّی مِن هذا الباب .
واتفق مالك ، والشافعُ ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهم، والثورىُّ ، وأبو ثورٍ ،
على أنَّ المتَمَتِّعَ يطوفُ لعمرتِه بالبيتِ، ويَسْعَى بينَ الصَّفا والمروةِ ، وعليه بعدُ
أيضًا طوافٌ آخَرُ لحَجِّه، وسَعْىٌ بينَ الصَّفا والمروةِ. ورُوِى عن عطاءٍ،
وطاوسٍ، ومجاهِدٍ، أَنَّه يَكْفِيه سَعْىٌ واحِدٌ بينَ الصَّفا والمروةِ (١). وأمَّا طَوافُ
القارِنِ ، فقد ذكرناه فى بابِ ابنِ شهابٍ ، عن عروةً(٣) .
واخْتَلَفوا فى محُكّم المتَمَتِّع الذى يسوقُ الهَدْىَ ؛ فقال مالكٌ: إن كان
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣١٩، وتفسير القرطبى ٣٩٧/٢.
(٢) سيأتى تحت شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ .
٣٠١

الموطأ
التمهيد مُتَمَتّعًا حَلّ إِذا طاف وسَعَى، ولا يَنْحَرُ هَدْيَه (إِلَّا بِمِنَى(١) إِلَّا أنْ يكونَ مُفْرِدًا
للعمرةٍ ، فإن كان مُفْرِدًا للعمرةِ نَحَره (١) بمكةَ، وإن كان قارِنًا نَحَره بمِنَّى. ذكَرَه
ابنُّ وهب، عن مالِكِ. وقال مالكٌ: مَن أَهْدَى هَذْيًا للعمرةِ وهو مُتَمَنٌِّ لم يُجْزِئُه
ذلك، وعليه هَدْىٌّ آخَرُ لتمتّعِه؛ لأنَّه إنَّما يصيرُ مُتَمَّتِّعًا إذا أَنشَأُ الحَجّ بعدَ أن حَلَّ
مِن عمرتِه، وحِينَئِذٍ يجبُ عليه الهَدْىُ. وقال أبو حنيفةً ، والثورىُّ ، وأبو ثورٍ ،
وإسحاقُ : لا يَنْحَرُ المُتَمَتِّعُ هَدْيَه إلى يومِ النَّخْرِ. وقال أحمدُ : إن قَدِمِ المتَمَتِّعُ
قبلَ العَشْرِ طاف وسَعَى ونَحَرِ هَذْيَه، وإن قَدِم فى العَشْرِ لم يَنْحَرْ إلَّا يومَ النَّخْرِ .
وقاله عطاءُ(١) . وقال الشافعىُّ: يَحِلُّ مِن عُمْرَتِه إذا طاف وسَعَى ، ساق هَدْيًا أو
لم يَشُقْ. وقال أبو ثورٍ: يَحِلَّ، ولكنْ لا يَنْحَرُ هَدْيَه حتى يُحْرِمَ بالحَجِّ ، ويَنْحَرُه
يومَ النَّخْرِ. وقولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ فى التَّمَتُّعِ ومَسائِلِهِ المذكورَةِ هلهُنا كلِّها كقولٍ
الشافعىِّ سواءً. وله قولان أيضًا فى صيامِ المتَمَتِّعِ أيامَ التَّشْرِيقِ إِن لم يَصُمْ قبلَ يومٍ
النَّخْرِ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: إذا لم يَسْقِ المُتَمَتِّعُ هَدْيًا، فإذا فَرَغْ مِن عمرتِه
صار خلالًا ، فلا تزالُ كذلك حتى يُخْرِم بالحَجِّ فیصیرَ حَرَامًا . ولو كان ساق
هَدْيًا لمتْعَتِه لم يَحِلَّ مِن عُمْرَتِه حتى يَحِلَّ مِن حَجَّتِه؛ لأنَّه ساق الھَدْىَ، على
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، وفى ق عليها علامة الإلحاق ، ولا يوجد شىء فى الهامش بسبب
الأرضة .
(٢) فى م: (( نحر هديه )).
(٣) بعده فى الأصل: (( أجمعوا أن هدى المتعة والقران لا ينحر إلا يوم النحر لمن طاف لعمرته فى
العشر وقال مالك : لا ينحر أحد قبل يوم النحر ولا ليلة النحر).
٣٠٢

الموطأ
التمهيد
حديثٍ حَفْصَةً(١) . وحُجَّةُ الشافعيِّ فى جوازِ إِحْلالِه، أنَّ المتَمَتِّعَ إنَّما يكونُ
مُتَمَتِّعًا إذا اسْتَمْتَع بإخلالِه إلى أنْ يُحْرِمَ بالحَجِّ، وأمَّا مَن لم يَحِلُّ مِن المعْتَمِرِين
فإِنَّما هو قارِنٌ لا مُتَمَتِّعٌ، والقرآنُ قد أباح التَّمَنُّعَ .
فهذه مجملَةُ أَصولِ أحكامِ التَّمَتُّعِ بالعمرةِ إلى الحجّ، وهذا هو الوَجْهُ
المشهورُ فى التَّمَتُّع. وقد قيل: إنَّ هذا الوجه هو الذى رُوِىَ عن عمر بن الخطابِ
وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ كَراهِيَتُه ، وقالا ، أو أحَدُهما: يَأْتِى أَحَدُهم مِنَّى وذَكَرُه يَقْطُرُ
مَنِيًّا. وقد أجْمَع علماءُ المسلمين على جوازِ هذا، وعلى أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّأُباحَه
وأُذِن فيه . وقد قال جماعةٌ مِن العلماءِ: إِنَّما كَرِهه عمرُ رضِى اللهُ عنه لأنَّ أهلَ
الحرمِ كانوا قد أصابتهم يومَئِذٍ مَجاعةٌ، فأراد عمرُ أَن يَنْتَدِبَ الناسَ إليهم
لِيَنْعَشُوا بما يُجْلَبُ مِن المِيَرِ. وقال آخرون: أحَبَّ أن يُزارَ البيتُ فى العامِ
مَرَّتَيْن؛ مَرَّةً للحَجِّ، ومَرَّةً للعمرةِ، ورَأى أنَّ الإِفْرادَ أَفْضَلُ، فكان يَمِيلُ إليه ،
ويَأْمُرُ به، ويَنْهَى عن غيرِهِ اسْتِحْبَابًا، ولذلك قال: اقْصِلُوا بينَ حَجُكم
وعُمْرَتِكم، فإنَّه أَتَمُ لحَجُ أحَدِكم ولعُمْرَتِهِ أن يَعْتَمِرَ فى غيرِ أشهرِ الحَجُّ(١) .
أخبرنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ
موسى، عن مالكِ بنِ دينارٍ ، قال: سألتُ بالحِجازِ عَطاءَ بنَ أبى رَباحِ،
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٩٠١).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٧٨٢).
٣٠٣

الموطأ
التمهيد وطاوسًا، والقاسِمَ بنَّ محمدٍ، وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ ، وسألْتُ بالبصرةِ الحسنَ،
وجابِرَ بنَ زيدٍ، ومَعْبدًا الجُهَنِىَّ، وأبا المُتَوَكَّلِ الناجِىَّ، كلَّهم أمَرَنِى بِمُتْعَةِ
(١)
الحج(١).
والوَجْهُ الثانى مِن وُجُوهِ التَّمَتُّعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، هو أن يَجْمَعَ الرجلُ بِينَ
الحجّ والعُمْرَةِ ، فيُهِلَّ بهما جميعًا فى أشهرِ الحجُّ أو غيرِها ، يقولُ : لَئِكَ بعمرةٍ
وحَجَّةٍ معًا. فإذا قَدِم مكةَ طاف لحجَتِه وعمرتِه طَوافًا واحِدًا، وسَعَى سَعْيًّا
واحِدًا، أو طاف طَوَافَيْن، وسَعَى سَعْنَيْن، على مَذْهَبٍ مَن رَأى ذلك. وقد
ذكّرْنا القائِلِين بالقَوْلَئِنِ جميعًا، ومحجّةً كلٌّ فريقٍ منهم ، فى بابِ ابنِ شهابٍ ،
عن عروةً(١) . وإنَّما يجعل القِرَانُ مِن بابِ التَّمَتَّعِ؛ لأَنَّ القارِنَ يَتَمَتَّعُ بتَرْكِ النَّصَبِ
فى السَّفَرِ إلى العُمْرَةِ مَرَّةً وإلى الحَجِّ أَخْرَى، وتَمَتَّعَ بجُمْعِهما، لم يُحْرِمْ لكلّ
واحِدَةٍ مِن مِيقاتِهِ، وضمّ العمرةَ (١) إلى الحَجِّ، فدَخَل تحت قولِ اللهِ عزَّ وجلّ :
﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْمَحْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيَّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهذا وَجْهٌ مِن
التَّمَتَّعِ لا خِلافَ بينَ العلماءِ فى جوازِهِ، وأهلُ المدينةِ لا يُجِيزُونَ الجمعَ بينَ
الحَجِّ والعُمْرَةِ إلَّا بِسِيَاقِ الهدي، وهو عندَهم بَدَنَةٌ لا يجوزُ دُونَها. وأهلُ العراقِ
يَخْتارُونَ البدنةَ ويَسْتَحِبُونَها، وتُجْزِئُ عندَهم عن القارِنِ شاةٌ. وهو قولُ
الشافعىِّ. وقد قال فى بعضٍ كُتُبِه: القارِنُ أَخَفُّ حالًا مِن المُتَمَّتِّعِ. فإنْ لم يَجِدِ
القبس
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٣٩٩/٥٦ من طريق أحمد بن زهير به، وأخرجه ابن أبى شيبة
(القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٢٨ ، وابن عساكر ٣٩٩/٥٦ من طريق مالك بن دينار به .
(٢) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ .
(٣) سقط من : م .
٣٠٤

الموطأ
التمهيد
القارِنُ الهَدْیَ، صام ثلاثةَ أيَّامٍ فى الحج وسبعةً إذا رجع إلى بلده، حُكْمُه فى
ذلك محكّمُ المتّمَتِّع بالعمرةِ إلى الحَجّ. وممَّا يَدُلَّك على أنَّ القِرانَ تَمَتُّعٌ، قولُ
ابنِ عمرَ: إنَّما مجعِل القِرانُ لأُهلِ الآفاقٍ . وتَلا: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُ
حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فمن كان مِن حاضري المسجد
الحرامِ، وتَمَتَّعَ أو قَرَن، لم يكنْ عليه دَمُ قِرانٍ ولا تَمَتُّعِ، ومَن لم يكنْ أهْلُه
حاضِرِى المسجِدِ الحرامِ، وقَرَن أو تَمَنَّعَ، فعليه دَمٌّ. وكان عبدُ الملكِ بنُ
الماجِشُونِ يقولُ : إذا قرّن المكُّ الحجّ مع العمرة، كان عليه دمُ القِرانِ ؛ مِن
أجْلِ أنَّ اللهَ تعالى إنَّما أسْقَط عن أهلِ مَكّةَ الدَّمَ والصِّيامَ، فى التَّمَتَّعِ لا فى
القِرانِ. وقال مالكٌ: لا أُحِبُ لمكىٌّ أن يَقْرِنَ بينَ الحجّ والعُمْرَةِ، وما سمِعتُ أنَّ
مَكِّيًّا قرَن، فإن فعَل لم يكنْ عليه هدىٌ(١) ولا صيامٌ. وعلى قولِ مالِكِ جمهورُ
الفقهاءِ فى ذلك .
والوَجْهُ الثالِثُ مِن التَّمَتَّع، هو الذى تَوَاعَدَ عليه عمرُ بنُ الخطابِ الناسَ،
وقال: مُتْعَتان كانتا على عهد رسولِ اللهِ وَّهِ أَنا أَنْهَى عنهما () وأُعاقِبُ
عليهما)؛ مُتْعَةُ النِّساءِ ومُتْعَةُ الحجّ(٢) . وقد تنازَعَ العلماءُ بعدَه فى جوازِ هذا
الوَجْهِ مَلُمْ جًّا؛ وذلك أنْ ◌ُھِلَّ الرجلُ بالحج ، حتىإذا دخل مكةً فسخَ حجه فى
عُمْرَةٍ، ثم حَلَّ وأقام حَلَالًا حتى يُهِلَّ بالحجٌ يومَ التّزْوِيَةِ . فهذا هو الوجهُ الذى
القبس
(١) فى م: ((دم)).
(٢ - ٢) سقط من : م.
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٩٠٠) من الموطأ .
٣٠٥
( موسوعة شروح الموطأ ٢٠/١٠)

الموطأ
التمهید
تواترتِ الآثارُ عن رسولِ اللهِ پڼ فیه ، اُنَّه أمر أصحابه فی خځّتِه ؛ مَن لم یکنْ
معه منهم هَدْىٌ، ولم يَسُقْه، وقد كان أخْرَم بالحَجِّ ، أن يَجْعَلَها عُمْرَةً. وقد
أجْمَع العلماءُ على تَصْحِيح الآثارِ بذلك عنه نَّه ولم يدْفَعُوا شيئًا منها، إلَّا أنَّهم
اخْتَلَفوا فى القولِ بها والعَمَلِ ؛ لعِلَلِ نَذْكُرُها إن شاء اللهُ. فجمهورُ أهلِ العِلْم
على تَرْكِ العَمَلِ بها؛ لأنَّها عندَهم خُصُوصٌ خَصَّ بها رسولُ اللهِ وَلّ أصْحابَه
فى حَجَّتِّه تلك ؛ لعِلَّةٍ قالها ابنُ عباسٍ رَحِمَه اللهُ، قال: كانوا يَرَوْنَ العمرةَ فى
أشهرِ الحجّ مِن أفجرِ الفُجورِ، ويَجْعَلون المحرمَ صَفَرًا (١)، ويقولونَ: إِذا يَرَأْ
الدَّبَوْ(٢)، وعَفا الأثَرْ، وانْسَلَخ صَفَرْ - أو قالوا: دخَلَ صَفَرْ - حَلَّتِ العُمْرَةُ لمَن
اعْتَمَرْ .
ذكره ابنُ أبى شيبةَ، عن أبى أسامةَ، عن وُهَيْبٍ ، عن ابنٍ طاؤُسٍ ، عن أبيه،
عن ابن عباسٍ() .
قال أبو بكرٍ بِنُّ أبى شيبةَ: وحدَّثنا يحيى بنُ آدَمَ ، قال: حدَّثْنَا ؤُهَيْبٌ ، قال:
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ طاوسٍ ، عن أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قال: كان أهلُ الجاهليِّ يَرَوْن
أن العمرةَ فى أشهرِ الحَجِّ مِن أفجرِ الفُجورِ، وكانوا يُسَمُّونَ المحَرَّمَ صَفَرَ.
القبس
(١) فى الأصل: ((صفر)). قال ثعلب: الناس كلهم يصرفون صفرا إلا أبا عبيدة . ينظر اللسان
والتاج ( ص ف ر ) وسيأتى بالوجهين .
(٢) الدبر : الجرح الذى يكون فى ظهر الدابة، يقال: دبر يدبر دَبَرا، وقيل: هو أن يقرح خف
البعير. النهاية ٩٧/٢ .
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٩٠٠) من الموطأ.
٣٠٦

الموطأ
التمهید
وكانوا يقولون: إذا بَرَأْ الدَّبَرْ، وعَفا الأثَرْ، وانسَلَخِ صَفَرْ، حَلَّتِ العمرةُ لِمَن
اعْتَمَرْ. فَقَدِم رسولُ اللهِ وَّهِ وأصحابُه صَبِيحَةَ رابِعَةٍ، فأمَرّهم أن يجْعَلوها
عمرةً، فقالوا: يا رسولَ اللهِ ، أُّ الحِلِّ؟ قال: ((الحِلُّ كُلُّه)).
ففى هذا دليلٌ على أنَّ رسولَ اللهِ وَوَ إِنَّمَا فَسَخِ الحَجَّ فى العمرةِ ليُريَهم أَنَّ
العمرةَ فى أشهرِ الحَجّ لا بَأْسَ بها ، وكان ذلك له ولمَن معه خاصَّةٌ ؛ لأُنَّ اللهَ قد
أمَرَ بإتمامِ الحجّ والعمرة كلَّ مَن دخَل فيهما أمْرًا مُطْلَقًا، ولا يجبُ أن يُخالَفَ
ظاهِرُ كتابِ اللهِ إِلَّ إلى ما لا إِشْكالَ فيه، مِن كتابٍ ناسِخٍ، أو سُنَّةٍ مُّبَيَِّةٍ .
واخْتَجُوا مِن الحديثِ بما حدَّثنا به محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ معاويةً ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا إسحاقُ بنُ
إبراهيمَ، عن عبدِ العزيزِ بنِ محمدٍ، عن ربيعةً بنِ أبى عبد الرحمنِ، عن
الحارِثِ بنِ بلالٍ، عن أبيه قال: قُلْنا: يا رسولَ اللهِ ، فَسْخُ الحَجِّ لنا خاصَّةً أم
للناسِ عامةً ؟ فقال: ((بل لنا خاصَّةً))(١).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا محمدُ بنُ
إسماعيلَ، حدَّثنا الحُمَيْدِىُّ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدِ الدَّرَاوَرْدِىُّ، قال :
سمِعتُ ربيعةً بنَ أبى عبد الرحمنِ يذْكُرُ عن الحارِثِ بنِ بلالِ بنِ الحارِثِ
المزنيّ، عن أبيه قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَفَسْخُ الحَجِّ لنا خاصَّةٌ أم لمَن بعدَنا؟
القبس
(١) النسائى (٢٨٠٧)، وفى الكبرى (٣٧٩٠). وأخرجه أحمد ١٨٣/٢٥ - ١٨٥ (١٥٨٥٣ ،
١٥٨٥٤)، وابن ماجه (٢٩٨٤) من طريق عبد العزيز بن محمد به .
٣٠٧

الموطأ
التمهيد قال: ((بل لنا خاصّةً))(١).
وحدَّثنا سعيدٌ وعبدُ الوارِثِ ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ
إسحاقَ ، حدَّثنا حَجَاجُ بنُ منهالٍ ، حدَّثنا أبو عَوانَةً، عن معاويةً بنِ إسحاقَ ،
عن إبراهيمَ التَّيِىِّ، عن أبيه قال: سُئِلَ عثمانُ بنُ عفانَ عن مُتْعَةِ الحَجُّ ، فقال :
كانت لنا ، ليست لكم(٢).
وذکر أبو بکرِ بنُ ابی شیبةً(٢) ، قال : حدّثنا أبو معاویةً ویعلی بنُ عبیدٍ ، عن
الأعمشِ، عن إبراهيمَ التَّيْمِىِّ، عن أبيه، عن أبى ذَرِّ قال: إنَّما كانتِ المتعةُ
بالحَجِّ لأصحابِ محمدٍ ◌َ﴿ خاصَّةٌ. قال أبو معاويةً: يعنى أن يُجْعَلَ الحج
عُمْرَةٌ .
وقال إسماعيلُ: حدّثنا حجاج ، حدّثنا عبدُ الوهّابِ الثقفىُّ ، عن يحيى بنِ
سعيدٍ، قال: أخبرنى المُرَقِّعُ، عن أبى ذَرَّ قال: ما كانت لأُحَدٍ بعدَنا أن يُحْرِمَ
بالحَجُّ ثم يَفْسَخَها بِعُمْرَةٍ () .
وعلى هذا جماعةُ فقهاءِ الحجاز ، والعراقِ ، والشام، کمالِك، والثوریّ،
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٤١/٥ من طريق الحميدى به .
(٢) أخرجه ابن حزم فى حجة الوداع (٤١٧) من طريق إسماعيل بن إسحاق به، وأخرجه الطحاوى
فى شرح المعانى ١٩٥/٢ من طريق حجاج به .
(٣) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٢٩ عن أبى معاوية وحده .
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٩٤/٢ من طريق حجاج به، وأخرجه الدارقطنى ٢٤٢/٢،
والبيهقى ٤١/٥ من طريق يحيى به .
٣٠٨

الموطأ
والأوزاعىٌّ، وأبى حنيفةً، والشافعىِّ، وأصْحابِهم، وأكثرُ علماءِ التابعينّ، التمهيد
وجمهورُ فقهاءٍ المسلمين، إلّ شىءٍ يُؤْوَى عن ابن عباسٍ وعن الحسنِ
البصرىِّ. وبه قال أحمدُ بنُ حنبل. قال أحمدُ بنُ حنبل: لا أرُدُّ تلك الآثارَ
المتَواتِرةَ الصِّحاحَ عن النبىِ بَلّه فى فَسْخِ الحَجّ فى الُمْرَةِ بحدیث الحارِثِ بنِ
بلالٍ، عن أبيه، وبقولِ أبى ذَرّ. قال: ولم يُجْمِعُوا على ما قال أبو ذَرّ، ولو
أُجْمَعوا كان حُبَّةٌ. قال: وقد خالَفَ ابنُ عباسٍ أبا ذَرِّ ولم يَجْعَلْه خُصُوصًا .
وذكَر عن يحيى القَطَّانِ، عن الأجْلَحِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى الهُذَئِلِ قال :
كنتُ جالِسًا عندَ ابنِ عباسٍ ، فأتاه رجلٌ يَزْعُمُ أنَّه مُهِلٌّ بالحجُ ، وأنَّه طاف بالبيتِ
وبالصَّفا والمروةٍ، فقال له ابنُ عباس: أنت مُعْتَمِرٌ. فقال له الرجلُ: لم أُرِد
عمرةً . فقال: أنتَ مُعْتَمِرٌ.
وروَى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةً، عن عروةَ بنِ الزبيرٍ ، أَنَّه قال لابن عباسٍ : أَضْلَلْتَ
الناسَ . قال : وما ذاك ؟ قال : تُفْتِی الناسَ إِذا طافوا بالبيتِ فقد حَلُّوا ، وقال أبو
بكرٍ وعُمَرُ: مَن أَخْرَم بالحجّ لم يَزَلْ مُخْرِمًا إلى يومِ النَّخْرِ. فقال ابنُ عباسٍ :
أَحَدِّئُكُم عن رسولِ اللهِ وَّهِ وَتُحَدِّثُونى عن أبى بكرٍ وعمرَ! فقال عُرْوَةُ: كانا
أعلم برسولِ اللهِ منك(١).
وذكَر رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ، جوازَ فَشْخِ الحجّ فى
العُمْرَةِ .
القبس
(١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٢١) من طريق ابن أبي مليكة به .
٣٠٩

: الموطأ
التمهید
واخْتَجَّ أحمدُ ومَن قال بهذا القولِ بقولِ سُرَاقَةَ بنِ مالِكِ بنِ مُجُمْشُمٍ فى
حديثٍ جابٍ: يا رسولَ اللهِ، مُتْعَتنا هذه لعامِنا أم للأَبَدِ؟ فقال رسولُ اللهِ وَلِهِ:
(( بل للأبَدِ)) (١) . وهذا يَحْتَمِلُ أن يكونَ أراد وُجوبَ ذلك مَرَّةً فى الدَّهْرِ. واللهُ
أعلمُ .
والوجهُ الرابعُ مِن المتعةِ، مُتْعَةُ المخْصَرِ ومَن صُدَّ عن البيتِ .
ذكرَ يعقوبُ بنُ شيبَةَ، أنبأنا أبو سَلَمَةَ التَّبُوذَكِىُّ، حدَّثنا وُهَيْبٌ ، حدَّثنا
إسحاقُ بنُ سُوَيْدٍ ، قال : سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ وهو يَخْطُبُ، وهو يقولُ :
يأيُّهَا النّاسُ ، إِنَّه واللهِ ليس التَّمَتُّعُ بالعمرةِ إلى الحجّ كما تَصْنَعون ، ولكنَّ التَّمَتُّعَ
بالعمرةٍ إلى الحَجّ أن يخْرُجَ الرجلُ حاجًا فيَحْبِسَه عَدوٌّ أو أُمْرٌ يُعْذَرُ به، حتى
تَذْهَبَ أَيَّامُ الحِجُ ، فَيَأْتِىَ البيتَ فيطوفَ، ويَسْعَى بينَ الصَّفا والمروةِ ، ثم يتَمَتَّعَ
بچِلّه إلى العام المستقبل ، ثم يحمّ وُهْدِى(٢) . وسنذْكُرُ وُجوه ذلك فى بابٍ
نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ(١) ، إنْ شاءَ اللهُ .
وأمّا قولُ سعدٍ : صنعها رسولُ اللهِ ێ وصَنَغناها معه . فليس فيه دليلٌ على
أَنَّ رسولَ اللهِ مَله تَمَتَّعَ؛ لأنَّ عائشةَ وجابرًا يقولانِ: إِنَّ رسولَ اللهِ وَهِ أَفْرَدَ
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٩٠٠) من الموطأ .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٣٤، ٢٠٦، وابن جرير فى تفسيره
٤١٢/٣، والطحاوى فى شرح المعانى ١٥٦/٢، وابن حزم ٢١٨/٧، ٢١٩ من طريق إسحاق به.
(٣) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (٩٠١) من الموطأ .
٣١٠

٧٧٦ - مالكٌ، عن صدقةً بنِ يسارٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، الموطأ
أنه قال: واللهِ لأَنْ أَعتَمِرَ قبلَ الحجّ وأُهدِىَ أحَبُّ إلىٍّ مِن أن أعتَمِرَ
بعد الحجّ فی ذی الحِجَّةِ .
٧٧٧ - مالك ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أنه
كان يقولُ: من اعتمرَ فى أشهرِ الحجّ؛ فى شؤَالٍ ، أو ذى القَعْدةِ ، أو
الحجّ(١) . ويقولُ أنسٌ، وابنُ عباسٍ، وجماعةٌ: قَرَن رسولُ اللهِ وَهِ. وقال التمهيد
أنس: سَمِعْتُه ◌ُلَبِّى بِعُمْرَةٍ وحَبَّةٍ معًا(١). وقال نَّهِ: ((دَخَلَتِ العُمْرَةُ فى الحَجّ
إلى يومِ القِيامَةِ))(١). ويَحْتَمِلُ قولُه: صَنَعها رسولُ اللهِ وَلِّ. بمعنَى: أَزِنَ فيها
وأباحها. وإذا أمَرَ الرئيسُ بالشىءٍ جاز أن يُضافَ فِعْلُه إليه، كما يقالُ: رَجَم
رسولُ اللهِ وَّةِ فِى الزِّنَى، وَقَطَع فى السَّرِقَةِ، ونحوُ هذا. ومِن هذا المعنى قولُ
اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ﴾ [الزخرف: ٥١]. أى: أمَرَ فتُودِى.
واللهُ أعلم .
والتمتعُ على أربعةِ وجوهٍ ومعانٍ؛ أحدُها ، التمتعُ المعروفُ عندَ عامةِ الاستذكار
العلماءِ، وهو ما أورد مالكٌ بعدُ فى هذا البابِ من ((موطئه))، عن عبدِ اللهِ بنِ
دینارٍ ، عن ابن عمرَ ، فبيَّن به معنى التمتع عنه ؛ فقال : إنه كان يقولُ : مَن اعتمر
القبس
(١) ينظر أثر عائشة فى الموطأ (٧٥١ - ٧٥٣)، وأثر جابر تقدم تخريجه ص ١٩٧، وينظر ما سيأتى
فى الموطأ (٨٤٢، ٨٤٣)، وفى شرح الحديث (٩٠١) من الموطأ
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٠٦، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ .
(٣) تقدم تخريجه ص٢٨٩ .
٣١١

الموطأ ذى الحجةِ، قبلَ الحجّ، ثم أقام بمكةً حتى يُدرِكَه الحجُ، فهو مُتَمَتٌِّ
إن حجّ، وعلیه ما استیسَرَ من الهدي ، فإن لم یچِدْ فصیامُ ثلاثة أيام فى
الحجّ وسبعةٍ إذا رجَع .
قال مالكٌ: وذلك بمكّةً إذا أقام حتى الحجّ، ثم حجّ .
الاستذكار فى أشهُرِ الحجِّ؛ شوالٍ، أو ذى القَعْدةِ، أو ذى الحِجَّةِ، قبلَ الدَّفعةِ (١) ، ثم أقام
بمكةً حتی أدرَ کہ الحُ فھو متمتٹّ إن حجّ ، وعلیه ما استیسر مِن الهدي ، فإن لم
يجِدْ صام ثلاثةَ أيامٍ فى الحجّ وسبعةً إذا رجَع (١) .
قال أبو عمر : ما ذكرهمالكٌ فی هذا الحدیث ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن
ابنِ عمرَ، لا اختلافَ بينَ العلماءِ أنه التمتعُ المرادُ بقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ
بِالْعُمْرَةُ إِلَى الْحَحْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. إلا أنه قصَر فيه وأَجمَل ما "نُحدِثُه فى" معنى
التمتعٍ عندَ الجميع إن شاء اللهُ .
فمِن ذلك قولُه : إن حجَّ . يعنى من عامِه ذلك، ويُحتاجُ مع ذلك أن يكونَ
مِن غيرٍ أهلِ مكةً، فيكونَ مسكنُه وأهلُه مِن وراءِ المواقيتِ إلى سائرِ الآفاقِ ، فإذا
كان كذلك وطاف بعمرةٍ للهِ ، وسعَى لها فى أشهُرِ الحجّ بعدَ أن يكونَ إحرامُه
كما قال ابنُ عمرَ فى أشهُرِ الحجّ ، وحلَّ مِن عمرتِه بالسعي لها بينَ الصفا والمروةِ
القبس
(١) فى م: ((الوقفة)). والمراد بالدفعة: أى من عرفة.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٥١)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/١٨و- مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١١٠٩). وأخرجه ابن وهب فى موطئه (١٣٤) - ومن طريقه البيهقى ٢٤/٥ - عن
مالك به .
(٣ - ٣) فى الأصل: ((نحدثه فيه))، وفى م: ((فسر فيه)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
٣١٢

:
الموطأ
قبلَ أوانٍ أعمالِ الحجّ ، ثم أنشَأُ الحجَّ مِن مكةَ بعدَ حِلُّه، فحجَّ مِن عامِه - فهذا الاستذكار
متمتّعُ عندَ جماعةِ العلماءِ. فإن أحرم بالعمرة قبلَ أُشُرِ الحجّ، وطافَ لها فى
أشهُر الحجّ، فهو موضئُ اختلافٍ .
ومِن معنى التمتع أيضًا القِرانُ عندَ جماعةٍ مِن الفقهاءِ؛ لأن القارنَ يتمتعُ
بسقوط سفره الثانی مِن بلده ، کما صنع المتمتُ من عمرته إذا حُّ مِن عامِه ولم
ينصرِفْ إلى بلدِهِ. فالتمتعُ والقِرانُ يتفِقان فى هذا المعنى ، وكذلك يتفقان عندَ
أكثرِ العلماءِ فى الهدىِ والصيامِ لمَن لم يجِدْ هديًا منها ١٠
قال أبو عمرَ : التمتعُ الذى قدَّمنا ذِكرَه عن جمهور العلماءِ وأئمة الفتوى ثم
القِرانُ وجهان من التمتع. والوجهُ الثالثُ ، فسخُ الحجّ فى عمرةٍ . وجمهورُ
العلماءِ یکرهونه، وقد ذكرنا من مال إلیه وقال به فی غیرِ هذا البابِ من هذا.
الكتاب .
والوجهُ الرابعُ، ما ذهب إليه ابنُّ الزبيرِ أن التمتعَ هو تمتعُ المحصَرِ . وهو
محفوظٌ عن ابنِ الزبيرِ من وجوهٍ ؛ منها ما رواه وُهَيبٌ قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ
سويدٍ ، قال : سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ وهو يخطُبُ ويقولُ : يأيُّها الناسُ ، إنه
واللهِ ليس التمتع بالعمرةِ إلى الحجّ كما تصنعون؛ ولكنَّ التمتع بالعمرة إلى الحجّ
أُن یخرج الرجلُ حامًا ، فیحبسه عدوٌ أو أمرٌ يُعذَرُ به حتی تذهَبَ أیامُ الحجّ،
فيأتىَ البيتَ، ويطوفَ، ويسعى بينَ الصفا والمروةِ ، ويَحِلّ، ثم يتمتعَ بحلِّه إلى
القبس
٣١٣

الموطأ
قال يحيى: قال مالكٌ فى رجلٍ مِن أهلِ مكةَ انقطَع إلى غيرِها
وسكن سواها ، ثم قدِم مُعتمِرًا فى أشهرِ الحجّ ، ثم أقام بمكةً حتى أَنشَأ
الحجّ منها ، أنه مُتمتِّعٌ يَجِبُ عليه الهدىُ ، أو الصيامُ إِن لم يَجِدْ هديًا ،
وأنه لا يكونُ مِثلَ أهل مكةً .
الاستذكار العام المقبلِ، ثم يحجّ ويُهدِىَ (١) .
وقد كان ابنُّ عمرَ يخالفُ أباه فى ذلك ، فكان يقولُ ما ذكره مالكٌ فى هذا
البابِ عن صدقةً بنٍ يسارٍ عنه، قال: واللهِ لأَن أعتمرَ قبلَ الحجّ وأُهدِیَ أحبُ
إلىَّ أن أعتمِرَ بعدَ الحجّ فى ذى الحجّةِ(٢).
وفى هذا الباب : قال مالك فى رجلٍ مِن أهلِ مكةً انقطع إلى غيرِها وسكن
نسِواها، ثم قدِم معتمرًا فى أشهُرِ الحجّ، ثم أقام بمكةً حتى أنشَأ الحجّ منها ، أنه
متمتّعٌ يجبُ عليه الهدىُ، أو الصيامُ إن لم يجدْ هديًا ، وأنه لا يكونُ مثلَ أهلِ
مكةً .
قال أبو عمرَ : لا خلافَ بينَ أهلِ العلم فيما ذكّره مالكٌ فى هذه المسألةِ ،
إلا شذوذٌ لا يعرَّجُ عليه، ولا التفَت أحدٌ مِن الفقهاءِ إليه، إذا لم يكنْ له أهلٌ
بمکةً، وقد ذكرناه .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣١٠.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٤٨)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/١٨و- مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١١٠٨). وأخرجه الشافعى ٢١٤/٧، ٢٥٣، والطحاوى فى شرح المعانى ١٤٨/٢ ،
والبيهقى ٣٤٥/٤ من طريق مالك به ، وتقدم فى الموطأ (٧٧٦).
٣١٤

قال يحيى : وسُئِل مالكٌ عن رجلٍ مِن غيرِ أهلِ مكةَ، دخَل مكةً الموطأ
بعمرةٍ فى أشهرِ الحجّ، وهو يُريدُ الإقامةَ بمكةَ حتى يُنْشِئَ الحجّ؛
أمُتمتِّعٌ هو ؟ فقال : نعم ، هو مُتمتٌِّ، وليس هو مِثلَ أهلِ مكةً وإن أراد
الإقامةَ ، وذلك أنه دخَل مكةً وليس مِن أهلها ، وإنما الهدىُ أو الصيام
على من لم يكُنْ من أهلِ مكةَ ، وأن هذا الرجلَ يريدُ الإقامةَ ، ولا يَدِی
ما يَيدو له بعدَ ذلك ، وليس من أهلِ مكةً .
وذكر أنه سُئل عن رجلٍ مِن غيرِ أهلِ مكةً، دخَل مكةً بعمرةٍ فى أشهُرِ الاستذكار
الحجّ، وهو يريدُ الإقامةَ بمكةً حتى يُنشئَ الحجّ ؛ أمتمتّعٌ هو ؟ فقال : نعم ، هو
متمتِّعٌ ، وليس هو مثلَ أهلِ مكةً وإن أراد الإقامةَ ، وذلك أنه دخل مكةً ولیس مِن
أهلِها ، وإنما الهدىُ والصيامُ على مَن لم يكنْ مِن أهلِ مكةً ، وأن هذا الرجلَ یریدُ
الإقامةً، ولا يدرِى ما يبدو له بعدَ ذلك .
قال أبو عمر : قد احتج مالك لمسألته هذه بقوله أنه یریدُ الإقامةً ، ولا يدرى
ما يبدو له . يعنى أنه لا يكونُ مكيًّا إلا حينَ يصبح استيطانُه ومكثُه بمكةً ، أقلُّ
ذلك عام، لأنه رجلٌ مِن غيرٍ أهلِ مكةً دخَل مكةً معتمرًا، وحكمُ التمتعِ إنما
جعَله اللهُ تعالى لمَن لم يكنْ أهلُه حاضِرى المسجدِ الحرام . وهذا لا خلافَ فيه
إلا فى حاضِرى المسجد الحرام منهم ، وسنذ كُرُ ذلك فيما بعدُ مِن هذا البابِ إِن
شاء اللهُ .
القبس
٣١٥

٠
٧٧٨ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه سمِعِ سعيدَ بنَ المسئَّبِ
الموطأ
يقولُ : من اعتمَرَ فى شوالٍ، أو ذى القَعْدَةِ ، أو ذي الحِجَّةِ ، ثم أقام
بمکةً حتی یُدرِ گہ الحج، فهو مُتمتِّئُ إِن حجّ ، وعلیه ما استیسر من
الهدي ، فمَن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثة أيامٍ فى الحجّ وسبعةٍ إذا رجَع.
الاستذكار
وفى هذا البابٍ : مالكٌ، عن يحيى بنٍ سعيدٍ ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسئَّبِ
يقولُ : مَن اعتمر فى شؤَالٍ ، أو ذى القَعْدةِ ، أو ذى الحِجَّةِ ، ثم أقام بمكةً حتى
◌ُدرگہ الحُ ، فهو متمتّ إن حے، وعليه ما استیسر من الهدي، فمن لم يجدْ
فصيامُ ثلاثة أيامٍ فى الحج وسبعة إذا رجع(١).
قال أبو عمرَ : قولُ سعيدٍ هذا قد تقدَّم فى معنى قولِ ابنِ عمرَ وقول مالكِ،
ولا مدخلَ للقولِ فيه، إلا أنه لم يستثنٍ مَن كان أهلُه حاضِرى المسجدِ
الحرام، فقد اختلف العلماءُ فى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ حَاضِرِى
الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فقال مالك: حاضِرو المسجد الحرامِ الذين
"لا دم٣َ عليهم إِن تَمتَّعوا، هم أهلُ مكةَ وأهلُ الوادى ذى طَوّى، وما كان مِن
ذلك مثلَ مكةَ . وقال الثورىُّ: هم أهلُ مكةَ دونَ غيرِهم. وقال أبو حنيفةً: هم
أهلُ المواقيتِ ومَن بعدَهم إلى مكةً. ومَن اعتمر عندَ أبى حنيفةً وأصحابِهِ مِن
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٥٤)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/١٨و- مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١١١٠) .
(٢ - ٢) سقط من : م .
(٣ - ٣) فى م: ((لازم)).
٣١٦
:
.

الموطأ
المواقيتٍ أو مِن دونها إلى مكةً، ثم حجّ مِن عامِه، فليس بمتمتع، ولا هدىَ الاستذكار
عليه. وقال مكحولٌ : مَن كان منزلُه وأهلُه دونَ المواقيتِ إلى مكةً فهو مِن
حاضِرى المسجد الحرامِ، وأما أهلُ المواقيتِ فهم كسائرِ أهلِ الآفاقِ (١).
ورُوِى ذلك عن عطاءٍ (١) . وهو قولُ الشافعيّ بالعراقٍ . وقال الشافعىُّ بمصرَ :
حاضرو المسجد الحرام من کان بینه وبین مکةً لیلتان ، وذلك أدنی المواقيتِ ،
ومَن كان لو ساقَ مِن منزله إلى مكةً لم يجزْ له أن يقصُرَ الصلاةَ . وهو قولُ عطاءٍ
فى اعتبارٍ ما تُقصرُ فيه الصلاةُ. قال: وأما ضَجْنانُ(١)، وعرفةُ، والنخلتانِ(١)».
والرجيعُ(٤)، ومَرُ الظَّهْرانِ(٥) ، فأهلُها مِن حاضري المسجد الحرامِ(١). وقال
طاوشٌ ومجاهدٌ : مَن كان ساكِنّ الحرم فهو مِن حاضِرى المسجد الحرام .
وإليه ذهَب طاوسٌ وأهلُ العلم . وقال أبو حنيفةً : حاضِرو المسجد الحرامِ ليس
لهم أن يتمتَّعوا ولا أن يَقرُنوا . ورُوِى مثلُ ذلك عن الحسن البصرىِّ وجماعةٍ مِن
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٤٠/٣.
(٢) ضجنان : بفتح أوله وإسكان ثانيه ، جبل بناحية مكة على طريق المدينة . ينظر معجم ما استعجم
٨٥٦/٣، والنهاية ٧٤/٣.
(٣) النخلتان : تثنية النخلة، وهما النخلة الشامية واليمانية ؛ واديان على ليلة من مكة . معجم
البلدان ٧٦٨/٤، ٧٦٩ ، والتاج (ن خ ل) .
(٤) الرجيع : ماء لهذيل بين مكة والطائف . معجم البلدان ٧٥٦/٢ .
(٥) مؤ الظهران: قرية عند وادى الظهران ، والظهران واد قرب مكة . معجم البلدان ٥٨١/٣ .
(٦) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٤٠/٣، ٤٤١ .
(٧) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٧٦/١، وابن أبى شيبة ٤٨/٤، وابن جرير فى تفسيره ٤٣٩/٣
عن طاوس ، وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٣٨/٣، ٤٣٩، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٤٤/١
(١٨١٤)، عن مجاهد.
٣١٧

الموطأ
ما لا يجبُ فيه التمتع
٧٧٩ - قال یحیی : قال مالك: من اعتمر فی شوال، أو ذى
القعدة ، أو ذی الحجّةِ ، ثم رجع إلى أهله ، ثم حجّ مِن عامِه ذلك ،
فليس عليه هدئٌ، إنما الهدىُ على مَن اعتمرَ فى أشهر الحجّ ، ثم أقام
حتی الحجّ ، ثم حجّ .
قال مالكٌ: وكلُّ من انقطَع إلى مكةً من أهلِ الآفاقِ وسكنها ، ثم
اعتمَرَ فى أشهرِ الحجّ، ثم أنشَأ الحجّ منها ، فليس بمُتمتِّع ، وليس عليه
هذْىٌ ولا صيامٌ، وهو بمنزلةِ أهلِ مكةَ إذا كان مِن ساكنِيها .
الاستذكار التابعين، وبه قال أبو عبيدٍ . وقال مالكٌ: لا أُحبُ (١) أن يَقرُّنَ بينَ الحجّ والعمرةِ ،
ولا أعلَمُ أن مكيًّا قرَن . وقال ابنُ الماجشونِ: على أهلِ مكةً الدمُ متى قرّنوا، ولا
دمَ عليهم إن تمتَّعوا .
باب ما لا یجبُ فیه التمتع
قال مالكٌ : من اعتمر فی شوال ، أو ذى القعدة ، أو ذى الحِجَّةِ ، ثم رجع
إلى أهلِه، ثم حجَّ مِن عامِه ذلك ، فليس عليه هَدىٌ، إنما الهدىُ على مَن اعتمر
فی أُشُرِ الحُّ ، ثم أقام حتى الحجّ، ثم حُ(٢).
قال مالك : و كلُّ مَن انقطع إلی مکةً مِن أهلِ الآفاقِ وسكنها ، ثم اعتمر فى
أشهُرِ الحجّ، ثم أنشأ الحجّ منها ، فليس بمتمتّعٍ ، ولیس علیه هدىٌ ولا صيام ،
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((على)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/١٨ظ- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١١١٦).
٣١٨

الموطأ
وهو بمنزلةٍ أهل مكةً إذا كان مِن ساكِنِيها(١).
الاستذكار
وقال فى رجلٍ مكىِّ رجَع إلى مكةَ من رِباطِهِ، وهو يريدُ الإقامةَ بها،
فدخَلها بعمرةٍ فى أشهُرِ الحجِّ أحرَم بها من الميقاتِ ، ثم أنشَأ الحجّ من عامِه ، أنه
ليس بمتمثِّعٍ ؛ لأنه من حاضِرى المسجدِ الحرامِ .
قال أبو عمر : أما قول مالك : فلیس علیه هدی. یریدُ أنه ليس بمتمتعٍ ،
فلذلك لم يَلزَمْه الهدىُ، ولو كان متمتعًا للزِمه الهدىُ فى التمتّعِ عندَ جمهورِ
العلماءِ. هذا الذی لا یرجُ إلى بلده ویځُّ مِن عامِه . وژُوِی عن الحسنِ فی
ذلك خلافُ ما عليه الجمهورُ؛ وذلك أنه قال: عليه الهدىُ ؛ حجّ أو لم يحجّ،
رجَع إلى بلدِه أو لم يرجع. لأنه كان يقولُ: عمرةٌ فى أشهُرِ الحجّ متعةٌ(١).
وروَى شعبةُ و(٢) سعيدُ بنُ أبى عروبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ،
قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ وَلَه يعتمِرون فى أشهُرِ الحجّ، ثم يرجعون فلا
يُهدون . فقلتُ لسعیدِ بنِ المسئَّب : فإن حثّ مِن عامِه؟ قال : فعليه الهدئُ . قال
قتادةُ : وقال الحسنُ: علیہ الهدئُ حُّ أو لم يُمُّ(٢) .
وروَى (٢ مُشيمٌ، عن يونس٤َ)، عن الحسنِ مثلَه، قال: عليه الهدىُّ حَّ أو
(٢).
لم یځ﴾(٢).
ورؤى أشعثُ ، عن الحسن، قال: من اعتمر فى أشھُرِ الحجّ، ثم رجع
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/١٨ظ- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١١١٧) .
(٢) تقدم تخريجه ص٢٩٥ .
(٣) فى م: ((عن)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((هشيم بن يونس))، وفى م: ((هشيم بن بشير)). والمثبت مما تقدم ص٢٩٥.
(٥) ليس فى : الأصل .
٣١٩

قال يحيى: سُئِل مالك عن رجل من أهل مكةً، خرّج إلى الرّباطِ أو
الموطأ
إلى سفَرٍ من الأسفار ، ثم رجع إلى مكةً ، وهو يريدُ الإقامةً بها ؛ كان له
الاستذكار إلى أهلِه، ثم حجَّ مِن عامِه ذلك ، فعليه هديّ؛ لأنه كان يقالُ : عمرةً فى أشهُر
ـ(١)
الحجّ متعةٌ (١).
وروَى هُشیمٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، قال: مَن
اعتمر فی اُشھُرِ الحجّ ، ثم أقام حتی یحُّ ، فهو متمتعّ وعلیه الهدئُ ، فإن رجع
إلی مصره، ثم حج من عامِه، فلا شىءً علیه (١).
قال أبو عمرَ: على قولٍ سعيدٍ هذا فقهاءُ الأمصارِ وجمهورُ العلماءِ. وقد
رُوِى عن طاوسٍ فى التمتع قولان، هما أشدُّ شذوذًا مما ذكّرنا عن الحسنِ ؛
أحدُهما ، أن من اعتمر فی غیرِ اُشُرِ الحُ ، ثم أقام حتى الحُ، ثم حجّ مِن
عامِه، فهو متمتعٌ(١) . وهذا لم يقلْه أحدٌ مِن العلماءِ غيرُه فيما علِمتُ . وذلك،
واللهُ أعلمُ، أن شهورَ الحجُ أحقُّ بالحجُ مِن العمرةِ ؛ لأن العمرةَ جائزةٌ فى السنةِ
كلّها، والحجّ إنما موضعُه أشهرّ معلوماتٌ، فإذا جعَل أحدٌ العمرةَ فى أشهُرٍ
الحج ولم يُج العام ، فقد جعل العمرةً فی عام کان الحُ أولی بھا ، ثم رشّص
اللهُ عزَّ وجلَّ فى كتابِهِ وعلى لسانِ نبيّه وَ﴿ فى العمرةِ فى أشهرِ الحجّ للمتمتعِ
وللقارن ولمن شاء أن يُفرِدها فى أشهر الحجّ.
والقولُ الآخرُ، قاله فى المكىِّ إذا تمتّع مِن مصرٍ مِن الأمصارِ فعليه الهدىُّ(٣).
القبس
(١) تقدم ص ٢٩٥ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٩٥، ٢٩٦، وسيأتى فى الموطأ (٧٧٨).
(٣) تقدم تخريجه ص٢٩٧ .
٣٢٠