النص المفهرس
صفحات 101-120
الموطأ عنه فقال: ((أين الشّائِلُ عن الغُفْرَةِ؟)). فالتُمِس الرجلُ فأُتِی به، فقال النبىُ وَلَّهِ: ((أمَّا الطِّيبُ الذى بك، فاغْسِلْه ثلاثَ مَرَّاتٍ، وأمَّا الجُبَّةُ، فانزِعْها ، ثم اضْنَغْ فی ◌ُمرتك کما تَصْنَغُ فی حجك)»(١) . التمهيد قال ابنُ جريجٍ: كان عطاءٌ يأخُذُ فى الطِّيبِ بهذا الحديثِ ، فكان يَكْرَهُ الطِّيبَ عندَ الإحرام ويقولُ: إن كان به شىءٌ منه فلْيَغْسِلْه، وكان يأْخُذُ بِشَأْنٍ صاحِبِ الُجُبَّةِ ، وكان شأنُ(١) صاحِبِ الجُّةِ قبلَ حَبْةِ الوَدَاعِ . قال ابنُ جريجٍ: والآخِرُ فالآخِرُ مِن أمْرِ رسولِ اللهِ وَلِ أَحَقُّ(١). وأخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ، قال: أخبرنا الحسنُ() بنُ يحيى، قال: أخبرنا ابنُ الجارُودِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ الهيثمِ، قال: حدَّثنا ابنُ جريج قال: كان عطاءٌ يأْخُذُ بشَأْنِ صاحِبِ الُبَّةِ ، وكانَ شأْنُ صاحِبِ الْجُبَّةِ قبلُ حَجَّةِ الوَدَاعِ . قال: والآخِرُ فالآخِرُ مِن أُمْرٍ رسولِ اللهِ وَ لِّ أحقُّ. قال ابنُ مجرَيْج: وكان من(٥) شأنٍ صاحِبِ الجُبَّةِ أنَّ عطاءً أخبرنى أنَّ صَفْوانَ بنَ يَعْلَى بنِ أُمَّةً أُخبره ، أنَّ يَعْلَى كان يقولُ لعمر: ليتنِى أُرَى القبس (١) ابن الجارود (٤٤٧). وأخرجه مسلم (٨/١١٨٠) عن على بن خشرم به، وأخرجه أحمد ٤٦٨/٢٩ (١٧٩٤٨)، والبخارى (١٥٣٦، ٤٣٢٩)، وابن خزيمة (٢٦٧٠) من طريق ابن جريج به . (٢) سقط من: ك ١، م. (٣) تقدم تخريجه ص ٨٧ . (٤) فى الأصل، م: ((الحسين)). (٥) ليس فى: الأصل، م. ١٠١ ٠ الموطأ التمهيد نبىَّ اللهِ وَ لَهَّ حِينَ ينزلُ عليه. فلمَّا كان النبىُّ وَّله بالجِعْرَانَةِ وعلى النبيِّ وَل ثوبٌ قد ظُلِّلَ به « عليه، ومعه فيه١) ناسٌ مِن أصحابِهِ، إذ جاءَه رجلٌ عليه جُبَةٌ مُتَضَمِّخْ بطِيبٍ . فذكَرَ الحديثَ بتَمامِه(١) . قال أبو عمرَ : روَى هذا الحديثَ عن ابنِ جريج جماعَةٌ ؛ منهم یحیی بنُ سعیدِ القطّانُ . وقال فیه نُوحُ بنُ حبیپ ، عن القطان ، عن ابنٍ جریج پاسْناده كما ذكَرْنا: (( وأمَّا الجُبَّةُ فاحْلَئْهَا، وأمّا الطِّيبُ فَاغْسِلْه، ثم أحْدِثْ إِحْرَامًا)). ذكَرَه أحمدُ بنُ شُعَيْبِ النَّسوىُّ(٣) ، عن نُوحِ بنِ حَبِيبٍ، وقال: لا أَعْلَمُ أحدًا قال فى هذا الحديث: ((ثم أحْدِثْ إِحْرَامًا)). غيرَ نُوحِ بنِ حبيبٍ. قال : ولا أحْسَبُه محفوظًا . واللهُ أعلمُ . قال أبو عمرَ: أمَّا قولُه فى حديثِ مالكِ، أنَّ أَعرابًا جاء إلى رسولِ اللهِ وَل وهو بحُنَيْنٍ. فالمرادُ مُنْصَرَفَه مِن غَزْوَةٍ حُنَيْنٍ . والموضعُ الذى لَقِىَ فيه الأعرابىُّ رسولَ اللهِ وَ لِّ هِو الجِعْرَانَةُ ، وهو بطريقِ حُنَيْنٍ بِقُرْبٍ ذلك مَعْرُوفٌ ، وفيه قَسَمَ رسولُ اللهِ وَلِّ غَنَائِمَ مُنَيْنِ. والآثارُ المذكُورَةُ كلُّها تذُلُّك على ما ذكَوْناه ، ولا تَنَازُعَ فى ذلك إن شاء اللهُ . وأمّا قولُه : وعلى الأعرابيّ قميص . فالقميصُ المذ کورُ فى حديث مالك هو الجُبَّةُ المذكورَةُ فى حديثٍ غيرِهِ، ولا خِلافَ بينَ العلماءِ أَنَّ المخِيطَ كلَّه مِن القبس (١ - ١) فى الأصل، ق، م: ((ومعه))، وفى ك ١: ((معرفته)). (٢) ابن الجارود (٤٤٨). (٣) النسائى (٢٦٦٧)، وفى الكبرى (٧٩٨١)، ومن طريقه الدارقطنى ٢٣١/٢. ١٠٢ الموطأ التمهید الثِيابِ لا يجوزُ لِباسُه للمحرمِ ؛ لتَهْيِ رسولِ اللهِ وَّرِ المحرمَ عن لِبَّاسِ القُمُصِ والسَّرَاوِيلاتِ. وسيَأْتِى ذِكْرُ هذا المعنى فى حديثٍ نافِعُ إن شاء الله. وأمّا قولُه: وبه أثَّرْ صُفْرَةٍ. فقد بان بما ذكَرْنا مِن الآثارِ أنَّها كانت صُفْرَةَ حَلُوقٍ، وهو طِيبٌ معمولٌ مِن الزَّعْفرانِ، وقد نَهَى رسولُ اللهِ وَلِّ المحرمَ عن لباسٍ ثوبٍ مَسَّه وَرْسٌ أو زَغْفَرانٌ(١). وأجْمَع العلماءُ على أنَّ الطَّيبَ كلَّه مُحَرّمٌ على الحاج والمعتمرِ بعدَ إِخْرامِه ، وكذلك لباسُ الِيّابِ. واخْتَلَفوا فى جوازٍ الطِّيبِ للمحرمِ قبلَ الإحرامِ بما يَتْقَى عليه بعدَ الإحرامِ ، فأجاز ذلك قومٌ، وكَرِهه آخرون. واحْتَجّ بهذا الحديثِ كلَّ مَن كَرِهِ الطَّبَ عندَ الإحرامِ، وقالوا : لا يجوزُ لأحدٍ إذا أراد الإحرامَ أن يَتَطَيِّبَ قبلَ أن يُحْرِمَ ثم يُحْرِمَ ؛ لأَنَّه كما لا يجوزُ للمحرِمِ بإجماعِ أن يَمَسَّ طِيبًا بعدَ أن يُخْرِمَ، فكذلك لا يجوزُ له أن يتَطَيِّبَ ثم يُخْرِمَ ؛ لأنَّ بَقاءَ الطَّبِ عليه كائتِدائِه له بعدَ إِحْرامِهِ سَواءٌ، لا فرقَ بينَهما. واحْتَجُوا بأنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ، وعثمانَ بنَ عَفَّانَ ، وعبدَ اللهِ بنَ عمرَ، وعثمانَ ابنَ أبى العاصى، كَرِهوا أن يُوجَدَ مِن المحرمِ شىءٌ مِن رِيحِ الطِّيبِ، ولم يُرَخِّصُوا لِأحَدٍ أَن يَتَطَيِّبَ عندَ إِحْرامِه ثم يُخْرِمَ ١) . وممَّن قال بهذا مِن العلماءِ؛ عطاءُ بنُ أبى رَبَاحِ، وسالِمُ بنُ عبدِ اللهِ على اختلافٍ عنه (٤)، ومالِكُ بنُ أنسٍ القبس (١) تقدم ص ٣٨ - ٤٢، ٤٦ - ٤٨، ٥٣ - ٥٥ . (٢) تقدم فى الموطأ (٧٢٣). (٣) أثر عمر سيأتى فى الموطأ (٧٣٦، ٧٣٧)، وينظر ما تقدم ص ٨٥، ٩٠، ٩١ . (٤) أثر عطاء تقدم تخريجه ص ٩٢، وأثر سالم سيأتى فى الموطأ (٧٣٨). ١٠٣ الموطأ وأصحابُه، ومحمدُ بنُّ الحسنِ، رواه ابنُّ سَماعَةً عنه . وهو اخْتِيارُ أبى جعفرٍ التمهيد الطّحاوِىِّ. ومِن حُجَّةٍ مَن قال بهذا القولِ مِن طرِيقِ النَّظَرِ، أَنَّ الإحرامَ يَمْنَعُ مِن ◌ُبْسٍ القُمُصِ والسّراوِيلاتِ والخِفافِ والعَمائِمِ، ويَمْنَعُ مِن الطَّيبِ ، ومِن قتلِ الصيدِ وإِمْساكِه، فلمَّا أَجْمَعوا أنَّ الرجلَ إذا لَيِس قميصًا أو سَراوِيلَ قبلَ أن يُخْرِمَ، ثم أَحْرَم وهو عليه، أنَّه يُؤْمَرُ بنَزْعِه، وإن لم يَنْزِعْه وتَرَكه كان كمَن لَبِسَه بعدَ إخْرامِه لُبْسًا مُسْتَقْبَلًا، ويجبُ عليه فى ذلك ما يجبُ عليه لو اسْتَأَنَفَ لُبْسَه بعدَ إِخْرامِه. وكذلك لو اضْطادَ صَيْدًا فى الحِلِّ وهو حَلالٌ، فأمْسَكه فى يَدِهِ ، ثم أخْرَم وهو فى يَدِهِ، أُمِرَ بَتَخْلِيَتِه، وإن لم يُخَلِّه كان إمساكُه له بعدَ أن أخْرَمَ كابتِدائِهِ الصَّيْدَ وإِمْساكِه فى إحرامِه. قالوا: فلمّا كان ما ذكَرْنا، وكان الطِّيبُ مُحَرَّمًا على المحرمِ بعدَ إِخْرامِه كحُزْمَةِ هذه الأشياءِ، كان ثُبوتُ الطّيبِ علیه بعدَ إحرامِه ، وإن كان قد تَطَئِّبَ به قبلَ إخرامه، کتَطَئُبِه بعدَ إِخْرامِه . ولا يجوزُ فی القِیاسِ والنَّظَرِ عندَهم غيرُ هذا . واعْتَلُّوا فى دَفْع ظاهِرِ حَدِيثٍ عائشةَ بما رَواه إبراهيمُ بنُّ محمدِ بنِ المنتَشِرِ ، عن أبيه قال : سألتُ ابنَّ عمرَ عن الطِّيبِ عندَ الإحرام ، فقال: لأن أَطَّلِىَ بقَطِرانٍ أحبُّ إِلَىَّ مِن أن أُضْبِعَ مُخْرِمًا تَنْضَخُ(١) مِنِّى رِيحُ الطِّيبِ. قال: فدَخَلْتُ على عائشةَ فأخْبَوْتُها بقولِ ابنِ عمرَ، فقالت: طَيِّئْتُ رسولَ اللهِ وَآل﴿ فطاف على القبس (١) فى ك ١، س: ((ينضح)). ١٠٤ الموطأ التمهيد نسائه، ثم أصبح مُخْرِمًا (١) . قالوا : فقد بان بهذا فى حديث عائشةَأنَّ رسولَ اللهِ وَرِّ طاف على نسائِه بعدَ التَّطَيُّبِ، وإذا طاف عَلَيْهِنَّ اغتَسَل لا مَحالةً ، فكان بِينَ إِحْرامِه وَتَطَئِبِه غُسْلٌ. قالوا: كأن عائشةَ إنَّما أرادَتْ بهذا الحديثِ الاخْتِجاج على مَن كَرِهِ أن يُوجَدَ مِن المحرمِ بعدَ إِخْرامِهِ رِيحُ الطِّيبِ، كما كَرِهِ ذلك ابنُّ عمرَ. وأمَّا بقاءُ نَفْسِ الطِّيبِ على المحرمِ فلا . قال أبو عمرَ: هذا ما احْتَجَّ به مَن كَرِهِ الطَّيبَ للمحرمِ مِن طريقِ الآثارِ ومِن طريقِ النَّظَرِ . وقال جماعَةٌ مِن أَهْلِ العِلْمِ: لا بَأْسَ أن يَتَطَيِّبَ المحرمُ عندَ إِحرامِه قبلَ أن يُخْرِمَ بما شاء مِن الطِّيبِ، ممَّا يَتْقَى عليه بعدَ إحرامِه وممَّا لا يَبْقَى عليهُ ٢. ومِمَّن قال بهذا مِن العلماءِ أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويه، وأبو ثَوْرٍ، وجماعَةٌ . وجاء ذلك أيضًا عن جماعةٍ مِن الصحابَةِ؛ منهم سعدُ بنُ أبى وَقَّاصٍ، وابنُّ عباسٍ، وأبو سعيد الخدرىُّ، وعائشةُ ، وأم حبيبةَ ، وعبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ ، ومعاويةٌ(١) . فثَبَتَ الخِلافُ فى هذه المسألةِ بينَ الصَّحابَةِ ومَن بعدَهم. وكان عروةُ بنُ الزبيرِ، وإبراهيمُ النخعىُّ، وسعيدُ بنُّ جبيرٍ، والحسنُّ البصرىُّ، وخارِجَةُ بنُ زيدٍ ، لا يَرَوْنَ بالطِّيبِ كلِّه عندَ الإحرامِ بأسًا (٢). القبس (١) تقدم تخريجه ص ٩٠، ٩١ . (٢) ليس فى: الأصل، ك ١، ق، م. (٣) ينظر الموطأ (٧٣٤، ٧٣٦ - ٧٣٨)، ص ٨٣ - ٨٥. ١٠٥ الموطأ التمهید والحُجَّةُ لمن ذهَبَ هذا المذهَبَ حديثُ عائشَةً قالت : طَيِّئْتُ رسولَ اللهِ وَلَّه لِحُزْمِهِ قبلَ أن يُخْرِمَ، ولحِلِّه قبلَ أن يطوفَ بالبيتِ . هذا لفظُ القاسِمِ بنِ محمدٍ ، عن عائشةً (١) . ومثلُه رِوايَةُ عَطاءٍ، عن عائشةَ فى ذلك(١) . وقال الأسودُ، عن عائشةَ، أَنَّها كانت تُطَيِّبُ النبىَّ ◌َلّ بأُطْیَبِ ما تجدُمِن الطِّيبِ. قالت : حتى إِنِّى لأَرَى وَبِيصَ الطِّيبِ فى رَأْسِه ولِخِيَتِهِ(٣). وروَى موسى بنُ عُقْبَةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، عن عائشةَ قالت : كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ وَِّهِ بِالغَالِيَّةِ الجَيِّدَةِ عندَ إِحْرَامِه . رواه أبو زيدِ بنُّ أبى الغمرِ ، عن يعقوبَ بنِ عبدِ الرحمنِ الزهرىِّ، عن موسى بنِ عُقْبَةَ(٤). وروَى هشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن أخيه عثمانَ بنٍ) عروةَ، عن أبيه عروةَ بنِ الزبير، عن عائشةَ قالت: طَيِّئْتُ رسولَ اللهِ فِلهِ عندَ إِخْرامِه بأَطْيبٍ ما أَجِدُ . ورُبَّما قالت : بأطْيبِ الطِّيبِ لحُزْمِه ولحِلّه(٦) . وقالوا : لا مَعْنَى لحديثِ ابنِ المنتَشِرِ ؛ لأنَّه ليس يُعارَضُ به هؤلاء الأئمَّةُ، ولو كان مِمَّا(١٧) يُحْتَجُ به ما كان فى لَفْظِه حُجَّةٌ ؛ لأنَّ قولَه : طافَ على نِسائِه . القبس (١) تقدم فى الموطأ (٧٣٤). (٢) أخرجه أحمد ٣٤١/٤٢ (٢٥٥٢٦)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢/ ١٣٠، ١٣١ من طريق عطاء به . (٣) تقدم تخريجه ص ٧٩ - ٨٢ . (٤) تقدم تخريجه ص ٨٠ . (٥) بعده فى م: ((أبى)). وينظر تهذيب الكمال ٤٤٠/١٩. (٦) تقدم تخريجه ص ٧٨، ٧٩ . (٧) فى ك ١: ((ممن)). ١٠٦ الموطأ · التمهید يَحْتَمِلُ أن يكونَ طَوافُه لغيرِ جِمَاعٍ، وجائزٌ أن يكونَ طَواقُه عليهنَّ لُعَلِّمَهِنَّ كيف يُحْرِمْنَ، أو لغيرِ ذلك . والدليلُ على ذلك ما رواه إبراهيمُ ، عن الأُسْوَدِ ، عن عائشةَ قالت : كان يُرَى وَبِيصُ الطَّيبِ فى مَغارِقٍ رسولِ اللهِ أَّ بعدَ ثلاثٍ وهو مُخْرِمٌ(١) . قالوا: والصحيحُ فى حديثِ ابنِ المنْتَشِرِ ما رواه شعبةُ، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ المنْتَشِرِ، عن أبيه، أنَّه سأل ابنَ عمرَ عن الطِّيبِ عندَ الإحرامِ، فقال: لأَن أَتَطَيِّبَ بقَطِرانٍ أُحَبُّ إلىَّ مِن أن أفعلَ. قال: فذكَوْتُه لعائشةَ، فقالت: يَرْحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرحمنِ، قد كنتُ أَطَيِّبُ رسولَ اللهِ وَلَهِ، فيطوفُ على نِسائِه، ثم يُصْبِحُ مُخْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا ) . قالوا: والنَّضْخُ فى كلامِ العَربِ اللَّطْخُ والجَرْىُ والظُّهورُ، قال الله عزَّ وجلّ: ﴿فِهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]. قال النابِغَةُ: مِن كلِّ بَهْكَنَةٍ(٢) نَضْخُ العَبِيرِ بها لا الفُحْشُ يُعْرَفُ مِن فِيها ولا الزُّورُ يريدُ : لَطْخُ العَبِيرِ بها . قالوا : ولا مَعْنَى لحديثِ الأَعْرابِيِّ فى هذا لمَعَانٍ؛ منها ، أَنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ الأعْرابِىُّ تَطَيِّبَ بعدَما أخْرَمَ. ومنها، أنَّه كان عامَ مُنَيْنِ، وتَطَيُّبُ رسولِ اللهِ وَ لِّ عندَ إِخْرامِه فى حَجَّةِ الوَدَاعِ، فلو كان ما تَطَيِّبَ به الأعرابي يومئذٍ مُباحًا للرّجالِ فى حالِ الإحلالِ، مُحَظّرًا عليهم فى القبس (١) تقدم تخريجه ص ٧٩ - ٨٢ . (٢) تقدم تخريجه ص ٩٠، ٩١ . (٣) فى الأصل، ك ١: ((بهكتة))، وفى س: ((نهكه))، وفى م: ((نكهته)). والبهكنة: الجارية الخفيفة الروح الطيبة الرائحة الحلوة ، وهى ذات شباب بهكن أى غض. ينظر تهذيب اللغة ٥٠٧/٦. (٤) فى ك ١: ((محظورا)). ١٠٧ الموطأ التمهيد الإخرام، كان ذلك مَنْسُوخًا بفِعْلِه عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ بَّر. قالوا: وقد صَحَّ وعُلِم أنَّ الطِّيبَ الذى كان على الأَعْرابِيِّ يَوْمَئِذٍ كان خَلُوقًا ، والخَلُوقُ لا يجوزُ للرّجالِ فى حالِ الحِلِّ ولا فى حالِ الإخرامِ . واحْتَجُوا فيما ذهبوا إليه مِن هذا الحديثِ (١) بحديثِ عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيْبٍ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ نَهَى أَن يَتَزَعْفَرَ الرجلُ. رواه حمادُ بنُّ زيدٍ، وشعبةُ، وإسماعِيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، وهُشَيْمٌ، كلَّهم عن عبدِ العزيزِ بنِ (٢) ضُھَيْب(٣). واخْتَبُوا أيضًا فى ذلك بما رواه أبو جعفرِ الرَّازِىُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن جَدَّيْهِ، قالا: سَمِعنا أبا موسى الأشعرىَّ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا "يُقبلُ اللهُ" صلاةَ رجلٍ فى جَسَدِه شىءٌ مِن خَلُوقٍ)) (٤) . وبما روَاه يوسفُ بنُ صُهَيْبٍ، عن ابنٍ(٥) بُرَيْدَةَ، عن أبيه قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((ثلاثةٌ(١) لا تَقْرَبُهم الملائكةُ؛ المُتَخَلِّقُ، والسَّكْرانُ، القبس (١) ليس فى: الأصل، ك ١، م. (٢) أخرجه أبو عوانة (١٤٧٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٢٧/٢ من طريق هشيم به. وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١١٧٣) من طريق حماد بن زيد وابن عُلَّيّة . (٣ - ٣) فى الأصل، ق، س، م: ((تقبل). (٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١١٧٣) من الموطأ . (٥) فى س: ((أبی)). (٦) بعده فى ق: ((نفر)). ١٠٨ ,' الموطأ والجنُبُ))(١). التمهيد وبحديثِ الحسنِ، عن عمرانَ بنِ حصينٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((ألا وَطِيبُ الرِّجالِ رِيحٌ لا لَوْنٌ، وطِيبُ النِّساءِ لَوْنٌ لا رِيحٌ)) (١). وروَى حميدٌ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَلِّ مثلَه أو (١) نحوّه(٣). قال أبو عمرَ: أمَّا مالِكٌ رحِمه اللهُ فلم يَرَ بُلُبْسِ الثِّيَابِ المزَعْفَرَةِ بَأْسًا للرّجالِ والنساءِ. ذكَرَ ابنُّ القاسِم، عن مالِكِ قال: رأيتُ محمدَ بنَ المنكدِرِ يَلْبَسُ المصْبُوعَ بالزَّعْفَرانِ، والثوبَ المَوَرَّدَ، ورأيتُ ابنَ هُؤْمُزَ يَلْبَسُ الثوبَ المصبوغ(٢ بالزَّغفرانِ. والحجّةُ لهؤلاء فى ذلك حدیثُ مالك، عن سعيد المقْبُرِىِّ، عن عبيدِ بنِ جريجٍ، أنَّه قال لابنِ عمرَ: ورَأيْتُك تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ - يَعْنِى ثيابَك - فقال ابنُ عمرَ: رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَهِ يَصْبُغُ بها. وسيأتى هذا الحديثُ وما للعلماءِ فى ذلك مِن القَوْلِ فى بابٍ سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ ، إن شاءً اللهُ. وقد ذكَّرْنا الاخْتِلافَ فى لِباسِ القِيّابِ المزعْفَرَةِ للرّجالِ فيما تَقدَّمَ مِن کتابنا هذا ، فی باب حُمَيْدِ الطّويل(١) ، وسیأتی منه ذِ کْئ صالِځ فى بابِ سعیدِ بنِ القبس (١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١١٧٣) من الموطأ . (٢) فى الأصل، م: (و)). (٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٢٨/٢ من طريق حميد به. (٤) ليس فى: الأصل، ك ١، ق، م. (٥) ينظر ما سيأتى فى الموطأ ص ١٧٢ - ١٨٣. (٦) سيأتى فى شرح الحديث (١١٧٣) من الموطأ . ١٠٩ الموطأ التمهيد أبى سعيدٍ إن شاءَ اللهُ . قالوا: وما رُوِىَ عن عمرَ رحِمَه اللهُ فى كراهِيَتِه للطّبِ على المحرمِ، فِيَحتَمِلُ أن يكونَ لئلّا يرَاه جاهِلٌ فِيَظُنَّ أنَّه تَطَيِّبَ بعدَ الإِخْرامِ، فِيَسْتَجِيزَ بذلك الطِّيبَ بعدَ الإِخْرامِ، وكان عمرُ كثيرَ الاخْتِياطِ فى مثلِ هذا، أَلَا تَرَى أنَّه نَهَی طلحةَ بنَ عبيدِ اللهِ عن لُبسِ الثوبِ المَصْبُوعِ بالمدَرِ خَوْفًا أن يَرَاه جاهلٌ فِيَسْتَجِيزَ بذلك لُبسَ الِيَابِ المصَبَّغَةِ(١) . قالوا: وفى لَفْظِ عمرَ لمعاويةً: عزَمتُ عليك لَتَوْجِعَنَّ إلى أُمّ حبيبةَ فلتَغْسِلنَّه عنك. دليلٌ على أنَّه لم يكنْ ذلك عندَه مُحَرَّمًا؛ لأَنَّ مَن أتى ما لا يَحِلُّ ليس يُقالُ له : عَزَمْتُ عليك لَتَتْؤُكَنَّ ما لا يَحِلُّ لك. لا سِيَّما فى عمرَ ومعاويةً، فقد كان عمرُ يَضْرِبُ بالدِّرَّةِ على أقَلَّ مِن هذا أجَلَّ مِن معاويةً وأسَنَّ. قالوا: ولو صَحَّ عن عمرَ ما ذهب إليه مِن كراهيةِ ١ الطيبِ عندَ الإحرامِ لم تكنْ فيه حُجّةٌ ؛ لؤُجُودِ الاخْتِلافِ بينَ الصحابةِ فى ذلك، والمصيرُ إلى السُّنَّةِ فيه . روی سفیانُ بنُ عیینةً ، عن عمرو بنِ دِینارٍ ، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ ، اَنَّهذكر قولَ عمرَ فى الطَّيبِ، ثم قال: قالت عائشةُ: أَنَا طَيِّْتُ رسولَ اللهِ وَهُ لإخراِه(٣). قال سالِم: وسُنَّةُ رسولِ اللهِ وَّهِ أَحَقُّ أن تُتَّبَعَ . وروَى الثورىُّ، عن منصورٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: كان ابنُّ عمرَ لا القبس (١) تقدم فى الموطأ (٧٢٥). (٢) فى الأصل، ك ١، س، م: ((كره))، وكتب فوقها فى س: ((كراهة)). (٣) تقدم تخريجه ص ٨١ . ١١٠ الموطأ یدَّهِنُ إِلَّا بالزَّئْتِ حین ◌ُريدُ أن يُخْرِمَ. قال منصورٌ: فذَگرْتُ ذلك لإبراهيم ، فقال: ما تَصْنَعُ بهذا؟ حدَّثنى الأسودُ، عن عائشةَ، أَنَّها قالت: كان يُرَى وَبِيصُ الطَّبِ فى مَفَارِقِ رسولِ اللهِ وَّه وهو مُخْرِمٌ(١). التمهید وروىمالك(١) ،عن یحیی بن سعیدٍ ، وعبد اللهِ بنِ أبی بکرٍ ، وربيعةً بنِ أبی عبدِ الرحمنِ ؛ أنَّ الوليدَ بنَ عبدِ الملكِ سأَل سالِمَ بنَ عبدِ اللهِ وخارِجَةً بن زيدِ بنِ ثابِتٍ بعدَ أَن رَمَى الجَمْرَةَ وحَلَقَ رأْسَه وقبلَ أن يُفِيضَ عن الطِّيبِ ، فتَهاه سالِمٌ، وأرخص له خارِجَةُ بنُ زيدٍ . قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ : جاء عن عائشةَ بالإسنادِ الصحيح أنَّها قالت : كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ وَِّ لِحُرمِهِ قبلَ أن يُخْرِمَ ، ولِلِّه قبلَ أن يَطُوفَ بالبيتِ . وقد كانت عائشةُ تُفْتِى بذلك بعدَ النبيِّ وَّهِ. حدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحَجَّاجِ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ ، عن موسى بنِ عُقْبَةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أَنَّ أباه كان يَكْرَهُ(١) الطَّيبَ عندَ الإخرامِ، وكان يعْلَمُ أنَّ عائشةً كانت (٤) تُفْتِى بأَنَّه لا بَأْسَ بالطِّيبِ عندَ الإحرامِ. ۔ القبس (١) أخرجه البخارى (١٥٣٧، ١٥٣٨) من طريق سفيان به، وينظر ما تقدم فى تخريجه ص ٧٩ - ٨٢ . (٢) سيأتى فى الموطأ (٧٣٨). (٣) فی س: ((لا یری)). (٤) سقط من: ك ١، س. (٥) أخرجه ابن حزم ٧/ ٩٠، ٩١ من طريق موسى بن عقبة به . ١١١ الموطأ التمهید قال إسماعيلُ: وجاء عن عمرَ بالأسانيدِ الصِّحاح أنَّه كَرِهِ الطَّيبَ عندَ الإحرامِ ، وبعدَ رَمْيِ الجَمْرَةِ قبلَ الطوافِ بالبَيْتِ ، وأَمَرَ معاويةَ أَن تَغْسِلَ أمّ حبيبةً عنه الطَّيبَ(١)، وقال فى خُطْبَتِه بعرفةَ: إذا رَمَيُم الجَمْرَةَ ونَحَرْتُم، فقد حَلٌّ لكم ما حرّمَ عليكُمْ إِلَّ النساءَ والطِّيبَ، لا يَمَسُ أَحَدٌ طِيبًا ولا نِساءً حتى يطوفَ بالبيتِ ) . وهذا بمَحْضَرٍ جماعَةِ الصحابَةِ، فما رَدَّ قولَه ذلك عليه (٢) أحَدٌ، ولا أنكَرَه مُنْكِرَ. وجاء عن عثمانَ(٤) فى ذلك مثلُ مذهبٍ عمرَ. وعن ابنِ عمرَ مثلُ ذلك . ولا يقَعُ فى القَلْبِ أَنَّهم جَهِلوا ما روَتْ عائشةُ ، ولا أنَّهم يِقْصِدون خِلافَ رسولِ اللهِ وَله، ولكِنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ عَلِموا نَسْخَ ذلك، وإذا كان ذلك مُمْكِنًا فالاحتياطُ التَّوَقُّفُ، فمَن اتَّقَى ذلك فقدِ احتاطَ لنَفْسِه . قال: وأمَّ التابعون فاخْتَلَفوا فى ذلك أيضًا؛ فذهَب جَماعَةٌ منهم إلى ما رُوِىَ عن عائشةَ، وجماعَةٌ إلى ما رُوِىَ عن عمرَ. وقال أبو ثابتٍ : قلتُ لابنِ القاسم: هل كان مالِكٌ يَكْرَهُ أَن يَتَطَيِّبَ إِذا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ قبلَ أن يُفِيضَ؟ قال : نعم . قلتُ : فإن فَعَل، أَتَرَى عليه الفِدْيَةَ؟ قال: لا أُرَى عليه شيئًا ؛ لِمَا جاء فيه . وقال مالِكٌ: لا بَأْسَ أن يدَّهِنَ المحرمُ قبلَ أن يُحْرِمَ وقبلَ أن يُفِيضَ بالزَّيْتِ والبانٍ غيرِ المُطَيِّبِ ممَّا لا ريحَ له (٥). القبس (١) سيأتى فى الموطأ (٧٣٦). (٢) سيأتى فى الموطأ (٩٤١). (٣) سقط من: ق، س. (٤) تقدم تخريجه ص ٩٠ . (٥) فی ق: ( فيه)). ١١٢ الموطأ قال أبو عمرَ : لا مَغْنَى لمَن قاس الطِّيبَ على الثِّيابِ والصَّيْدِ؛ لأنَّ السنةَ قد التمهيد فَوَّقَتْ بِينَ ذلك ، فأجازَتِ التَّطَيُّبَ عندَ الإِخرامِ بما يُرَى بعدَ الإِخرامِ فى المفارِقِ والشَّعَرِ ويُوجَدُ رِيُه مِن المحرم، وحَظَرَتْ على المحرم أن يُخْرِمَ وعلیه شىءٌ مِن المخيطِ ، أو بيَدِه شىءٌ مِن الصَّيْدِ. ومَن جعَلَ الطِّيبَ قياسًا على النِّابِ والصَّيْدِ، فقد جمَع بينَ ما فَرَّقَ رسولُ اللهِ وَلّهِ وَأَكْثَرُ المسلمين بينه . وقد شَبَّةَ بعضُ الفقهاءِ الطِّيبَ قبلَ الإِخرامِ بالواطئ قبلَ الفجرِ يُصْبِحُ مُجُنًُّا بعدَ الفَجْرِ ، ولم يكنْ له أن يُنْشِئَ (١) الجنابَةَ بعدَ الفَجْرِ. وهو قِياسٌ صحيحٌ إن شاء اللهُ، ولكنَّ الكارِةَ(١) للمُخرِمِ أن يَشَمَّ الطَّيبَ بعدَ إِخرامِه إذا أجاز التَّطَيُّبَ قبلَ الإخرامِ، مُنَاقِضٌ تَارِكٌ للقياسِ؛ لأنَّ الاستِمْتَاعَ مِن رائحَةِ الطِّيبِ لمَن تطَيِّبَ قبلَ إحرامِه أكثر مِن شَمِّه مِن غیرِه، واللهُ أعلم، وهم لا يُچِیزُونَ مَسَ الطّیبِ الیاہِسِ ولا حَمْلَه فى الخِرَقِ إذا ظهَرَ رِيحُه . وهذا كلُّه دَلِيلٌ على صِحَّةٍ قولٍ مَن كَرِهِ الطِّيبَ للمحرم، وهو الاخْتِياطُ . واللهُ أعلمُ . واخْتَلَف الفقهاءُ فيمَن تطَيَّبَ بعدَ إِحْرامِه جاهِلًاً أو ناسِيًّا ؛ فكان مالِكٌ تَرَى الفِدْيَةَ على كلِّ مَن قَصَد إلى التَّطَيِّبِ بعدَ إِحرامِه، عامِدًا أو ناسِيًا أو جاهِلًا، إذا تعَلَّقَ بِيَدِهِ أو بِبَدَنِهِ شىءٌ منه. والطِّيبُ؛ المِسْكُ، والكافورُ، والزَّعْفَرانُ، والوَرْسُ، وكلُّ ما كان مَعْرُوفًا عندَ الناسِ بأنَّه طِيبٌ لطِيبٍ رائِحَتِه . وأمَّا شَمُ الرّياحِينِ، والمرورُ فى سُوقِ الطِّيبٍ - وإن كان ذلك مَكْرُوهًا عندَه - فإِنَّه لا القبس (١) فى س: ((يبتدئ)). (٢) فى م: ((إنكاره)). ١١٣ ( موسوعة شروح الموطأ ٨/١٠ ) الموطأ التمهید شىءَ على مَن وصَل إليه رائحَتُه إذا لم يَعْلَقْ بيَدَيْهِ أو بدَنِه منه شىءٌ . وقال الشافعىُّ : إن تطَيَّبَ جاهِلًا أو ناسِيًّا فلا شىءَ عليه، وإن تطَيِّبَ عامِدًا فعليه الفِدْيَةُ. قال: والفَرْقُ فى التَّطَيِّبِ بينَ الجاهِلِ والعامِدِ أنَّ النبيَّ وَلّهِ أَمَرَ الأغرابِىَّ وقد أخْرَمَ وعليه خَلُوقٌ بنزعِ الجُبَّةِ وغَسْلِ الصُّفْرَةِ ، ولم يَأْمُرُه بِفِدْيَةٍ ، ولو كانت ٥ عليه فِذْيَةٌ لِأُمَرَه بها كما أمَرَه بنَزْعِ الجُبَّةِ. لم يَخْتَلِفْ قولُ الشافعىِّ فى الجاهِلِ، واخْتَلَف قولُه فى الناسِى يَلْبَسُ أو يَتَطَيِّبُ ناسِيًّا؛ فمَرَّةً أَوْ جَبَ عليه الفِذْيَةَ، ومَرَّةً لم يَرَ عليه فِدْيَةً . وفى هذا الحديثِ رَدِّ على مَن زَعَم مِن العلماءِ أنَّ الرجلَ إذا أخْرَم وعليه قميصٌ كان عليه أن يَشُقَّه . وقالوا : لا يَتْبَغِى أَن يَنْزِعَه كما يَنْزِعُ الحَلالُ قَمِيصَه ؛ لأَنَّه إذا فعَل ذلك غَطّى رَأْسَه، وذلك لا يجوزُ له ، فلذلك أَمِرِ بشَقِّه . وممَّن قال بهذا مِن العلماءِ؛ الحسنُ ، والشعبىُّ، والنخعىُّ، وأبو قلابةَ، وسعیدُ بنُ جبیرٍ على اختلاف عنه . ذکرَ سعیدُ بنُ منصورٍ ، قال: حدثنا مُشَيْمٌ، قال : أخبرنا يونسُ، عنِ الحسنِ. قال هُشَيْمٌ: وأخبرنا مُغِيرَةُ، عن إبراهيمَ والشعبىِّ، أَنَّهم قالوا: إذا أخْرَم الرجلُ وعليه قَمِيصُه فلْيَخْرِقْه حتى يَخْرُجَ منه (١). وروَى شعبةُ ، عن المغيرةِ "وحماد١ٍ، عن إبراهيمَ قال: إذا أُخْرَمَ الرجلُ القبس (١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٣٩/٢ من طريق سعيد بن منصور به. (٢ - ٢) سقط من: م، وفى الأصل: ((وداود)). ١١٤ الموطأ وعليه قَمِيصٌ فَلْيَخْرِقْه. قال أحدُهما: يَشُقُّه. وقال الآخَرُ: يَخْلَعُه مِن قِبَلِ التمهيد (١) رِجْلَيْه(١). وذكَرَ الطَّحاوىُّ(١) ، قال: حدَّثنا رَوحُ بنُ الفَرَج، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عَدِىٌّ، قال: حدَّثنا شَرِيكَ، عن سالم، عن سعيد بن جبيرٍ قال: يَخْرِقُه ولا يَنْزِعُه . هكذا قال، وهو عندِى خَطَأْ؛ لأنَّ الثورىَّ روَى عن سالِم الأُفطسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: يَنْزِعُ ثِيابَه ولا يَخْرِقُها. وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ. ذكَرَه عبدُ الرَّزَّاقِ وغيرُه، عن الثورىِّ. وذكر عبدُ الرزاقٍ ، عن معمرٍ ، عن أيوبَ ، عن أبى قلابةً قال : إن أُحْرَمَ فى قميصٍ شَقَّه . قال أبو عمرَ : احْتَجَّ مَن ذهَب إلى هذا المذهبِ بما رواه عبدُ الرحمنِ بنُ عطاءِ بنِ أبِى لَبِيبَةً(٢)، أنَّه سمِع ابنَىْ جابِرٍ يُحَدِّثان عن أبيهما قال: بَيْنا النبيُّ وَه جالِسٌ مع أصْحابِهِ، شَقَّ قَمِيصَه حتى خرَجَ منه، فقيل له، فقال: (( وَاعَدْتُهم يُقَلِّدُونَ(٤) هَدْيِى(٥) اليومَ فَتَسِيتُ)). ذكَرَه عبدُ الرَّزَّاقِ ، عن داودَ بنِ قَيْسٍ ، عن القبس (١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٣٩/٢ من طريق شعبة به. (٢) الطحاوى فى شرح المعانى ١٣٩/٢. (٣) فى ق فى هذا الموضع وما سيأتى: ((لبينة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٨٥/١٧. (٤) فى الأصل، ك ١، ق، س: ((يقلدوا)). (٥) فى الأصل، ك ١، ق، س: ((هدى)). ١١٥ الموطأ عبد الرحمنِ بنِ عطاءِ بنِ أبى لبيبةً(١). التمھید ورواه أسدُ بنُّ موسى، عن حاتمٍ بنِ إسماعيلَ، عن عبد الرحمنِ بنِ عطاءٍ بن أبى لَبِيبَةَ ، عن عبدِ الملكِ بنِ جابِرٍ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: كنتُ عندَ النبيِِّ﴿ِ جالِسًا، فَقَدَّ قَمِيصَه مِن جييِه حتى(٢) أُخْرَجه مِن رِجْلَيْه، فتَظَر القومُ إلى النبيِّ وَله، فقال: ((إِنِّى أَمَرْتُ يُدْنِى(١) التى بَعَنْتُ بها أن تُقَلَّدَ اليَوْمَ وتُشْعَرَ على كذَا وكذَا، فَلَبِسْتُ قميصى ونسِيتُ، فلم أكُنْ لأُخْرِجْ قميصى مِن رَأْسِى)). وكان بَعَث بُدْنِه وأقام بالمدينةٍ(). وقال جمهورُ فُقهاءِ الأُمْصارِ: ليس على مَن نَسِى فأخْرَم وعليه قميصُه أن يَخْرِقَه ولا يَشُقَّه. ومعَّن قال ذلك؛ مالِكٌ وأصْحابُه، والشافعىُّ ومَن سَلَك سَبِيلَه، وأبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ ، والثورىُّ، وسائرُ فقهاءِ الأَمْصارِ، وأصْحابُ الآثارِ. وحُجَّتُهم فى ذلك حدِيثُ عطاءٍ، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ، عن أبيه، فى قِصَّةِ الأعرابىِّ الذى أُخْرَمَ وعليه ◌ُبَّةٌ، فأمَرَه رسولُ اللهِ وَهُ أن يَتْزِعَها. وهو الحديثُ المذكورُ فى هذا البابِ ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلْمِ بالحديثِ أنَّه حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ . وحديثُ جابِرِ الذى يَزْوِيه عبدُ الرحمنِ بنُ عطاءِ بنِ أبِى لَبِيبَةً عندَهم حديثٌ ضعيفٌ لا يُخْتَجُ به، وهو عندَهم أيضًا مع القبس (١) أخرجه أحمد ٣٣/٢٢ (١٤١٢٩) عن عبد الرزاق به. (٢) بعده فى م: ((إذا)). (٣) فی ق، س: ( بیدنتی)). (٤) سيأتي تخريجه ص ٢٤٧ . ١١٦ الموطأ ضَعْفِهِ مَرْدُودٌ بالثابتِ عن عائشةَ أنَّها قالت: كنتُ أفتِلُ فَلَائِدَ هَدْىٍ رسولٍ وَِّ التمهيد ثم يُقَلِّدُه ويَبعَثُ به، فلا يَخْرُمُ عليه شىءٌ أَحَلَّه اللهُ له حتى يَنْحَرَ الهَدْىَ(١). وإن كان جماعَةٌ مِن(٢) العلماءِ قالوا: إذا أَشْعَرِ هَدْيَه أو قَلَّدَه فقد أخْرَمَ. وقال آخرون: إذا كان يريدُ بذلك الإخرام. وسنذْ كُرُ هذا المغنى مجوَّدًا(٢) فى بابِ عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ(٤) إن شاء اللهُ . ذكَر عبدُ الرزاقٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلَى بِنِ أُمَةَ ، عن أبيه، أنَّ النبيَّ ◌َّ قال لرجلٍ أحْرَم فى قَمِيصٍ: ((انزِعْ عنك القميصَ، واغْسِلْ عنك الطِّيبَ )). حَسِبْتُه قال: ثلاثَ مَرَّاتٍ . قال قتادةُ : فقلتُ لعطاءٍ : إِنَّ ناسًا يقولون: إذا أُخْرَم فى قَمِيصِه فلْيَشُقَّه. قال: لا ، لِيَبْزِعْه، إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفسادَ . وروَى سعيدُ بنُ أبى عَرُوبَةَ، عن قتادةَ، عن عطاءٍ بإسْنادِهِ مثلَه سَواءٌ . وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابنٍ طاوسٍ ، عن أبيه قال : مَن أُخْرَم فى قميصٍ فَلْيَنْزِعْه ولا يَشُقَّه . قال أبو عمرَ: ليس نَزْعُ القميصِ بمنزِلَةٍ اللِّباسِ فى أثَرٍ ولا نَظَرٍ، فأمَّا الأَثَرُ القبس (١) سيأتى فى الموطأ (٧٦٥) . (٢) ليس فى: الأصل، ك ١، ق، م. (٣) فی م: «مجرّدًا». (٤) سيأتى ص ٢٤٥ - ٢٥٢ . ١١٧ الموطأ التمهيد فقد ذكرناه فى قِصَّةِ الأعْرابِيِّ، وأمَّا النَّظَرُ، فإنَّ المحرمَ لو حمَلَ على رَأْسِه شيئًا لم يُعَدَّ ذلك " مَعَدَّ لِياسِ القَلَنشُوةِ). وكذلك مَن تَرَدَّى بإزَارِ وجَلَّلَ به بدَنَه، لم يُحْكَمْ له بحُكْمٍ لِياسِ المخِيطِ . وفى هذا دليلٌ على أنَّ إِنَّما نُهِىَ عن إلباسٍ الوَّأْسِ القَلَنْسُوَةَ فى حالِ الإحرامِ اللََّاسَ المعْهُودَ، وعن لِياسِ الرجلِ القَمِيصَ اللِّبَاسَ المغْهُودَ، وعُلِمَ أنَّ النَّهْىَ إِنَّمَا وَقَعَ فى ذلك وقُصِدَ به إلى مَن قَصَدَ وتَعَمَّدَ فِعْلَ ما نُهِىَ عنه مِنِ اللََّاسِ فى حالِ إِخرامِه اللُّباسَ المَعْهُودَ فى حالٍ إخلالِه، فخَرَجَ بما ذكَرْنا ما أصابَ الرأسَ مِن القميصِ المَنْزُوعِ. هذا ما يُوجبُه النَّظَرُ إن شاء اللهُ. وأمَّا قولُه: ((وافْعَلْ فِى عُمْرَتِك ما تَفْعَلُ فى حَجِّك)). فكلامٌ خِرَج على لفظِ العُمومِ والمرادُ به الخُصُوصُ. وقد بيّنَ ذلك فى سِيَاقَةِ ابنٍ عبينةً له عن عمرو بنٍ دِينَارٍ، حيث قال: فقال له النبيُّ وَ له: ((ما كُنْتَ تَصْنَعُ فى حَجِّكَ؟)) . قال: كنتُ أَنزِعُ هذه - يعنى المُبَّةَ - وأعْسِلُ هذا الخَلُوقَ . فقال النبىُ وَّهِ: ((ما كُنْتَ صانِعًا فى حَجِّك، فاضْنَعْه فى عُمْرَتِك)). أى: مِن هذا الذى ذَكَوْتَ مِن نَزْعِ القَمِيصِ، وغَسْلِ الطَّبٍ. فخرَج كلامُه ◌َِّ فى حديثٍ مالِكِ وما كان مثلَه على جوابٍ السائلِ فِيما قصَدَه بالسُؤالِ عنه . وهذا إجماعٌ مِن العلماءِ، أنَّه لا يَصْنَعُ المعتَمِرُ عَمَلَ الحَجّ كلَّه، وإنَّما عليه أن يُتِمَّ عمَلَ عُمْرَتِه، وذلك الطَّوافُ، والسَّعْىُ، والحِلاقُ ، والسُنَنُ كلُّها. والإجماعُ يَدُلُّك القبس (١ - ١) فى ك ١: ((لباسا كالقلنسوة))، وفى س، م: ((معد لُبس القلنسوة)). ١١٨ ٧٣٦ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن نافع، عن أسلمَ مولى عمرَ بنِ الموطأ الخطاب ، أن عمرَ بنَ الخطابِ وجَد ريحَ طِيبٍ وهو بالشجرةِ ، فقال : مِمَّنْ ريحُ هذا الطّيبِ؟ فقال معاويةُ بنُ أبى سفيانَ: مِنِّى يا أميرَ المؤمنينَ . فقال: منك لَعَمْرُ اللهِ ! فقال معاويةُ: إِن أُمّ حَپیبةً طیبْنی یا أميرَ المؤمنينَ. فقال عمرُ: عزَمْتُ عليكَ لترجِعَنَّ فلْتَغْسِلَنَّه . التمهيد على أنَّ قولَه فى هذا الحديثِ: ((وافْعَلْ فِى عُمْرَتِك مَا تَفْعَلُ فى حَجّك)). كلام ليس على ظاهِرِهِ، وأَنَّه لَفْظُ عُمُومٍ أَرِيدَ به الخُصُوصُ على ما وَصَفْنا مِن الاقْتِصارِ به على جَوابِ السَّائلِ فى مُرادِه . وبالله التوفيقُ . وذكر عن نافع، عن أسلمَ مولى عمرَ بنِ الخطابِ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ الاستذكار وجَد ريحَ طِيبٍ وهو بالشجرةِ، فقال: ممن ريحُ هذا الطيبٍ؟ فقال معاويةُ : مِنِّى يا أميرَ المؤمنين. فقال: منك لَعَمْرُ اللهِ ! فقال معاويةُ : إن أمّ حبيبةً طيِّتنى يا أمير المؤمنين. فقال عمر: عزَمتُ عليك لترجِعنَّ فلتَغْسِلَنَّه(١) . قال أبو عمرَ : ظاهرُ هذا الخبر أنه عزم على معاویةً أن يغسله بنفسِه ، ولیس على ظاهره فيما رواه الزهرىُّ ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : وجد عمُ طِيبًا وهو القبس (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٠٢)، وبرواية أبى مصعب (١٠٥٧). وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٢٦/٢، والبيهقى ٣٥/٥ من طريق مالك به . ١١٩ الموطأ ٧٣٧ - وحدَّثنى عن مالكِ ، عن الصَّلْتِ بنِ زُيَيْدٍ ، عن غیرٍ واحدٍ مِن أهلِه، أن عمر بن الخطابٍ وجَد ريح طيبٍ وهو بالشجرة ، وإلى جَنْبِہ کثیرُ بنُ الصَّلتِ ، فقال عمرُ : مِمَّنْ ریح هذا الطّيبِ ؟ فقال كثيرٌ : مِنِّى يا أميرَ المؤمنين؛ لَدْتُ رأسى وأردتُ أن أحلقَ. فقال عمرُ: فاذهبْ إِلى شَرَّبَةٍ ، فادْلُكْ رأسَك حتى تُنْقِيَه . ففعَل كثيرُ بنُ الصَّلْتِ . قال مالكٌ : الشَّرَبَةُ: حَفيرٌ تكونُ عند أصلِ النخلةِ . الاستذكار بالشجرة ، فقال: ما هذه الريحُ ؟ فقال معاويةُ: طَّبتنى أم حبيبةً. فتغيَّظ عليه عمرُ وقال: منك لَعَمْرى! أقسمتُ عليك لتَرجِعنَّ إلى أمِّ حبيبةَ ، فلتغْسِلنَّ عنك كما طيِّتك. وكان الزهرىُّ يأخذُ بقولٍ عمرَ فيه، ذكَّرِه عبدُ الرزاقِ ()، عن معمر، عنه . وذكَر، عن الصَّلْتِ بنِ زُيَيْدٍ، عن غيرٍ واحدٍ مِن أهلِه، أن عمرَ بنَ الخطابِ وجَد ريحَ طِيبٍ وهو بالشجرةِ ، وإلى جنبِهِ كَثِيرُ بنُ الصَّلْتِ ، فقال عمرُ: ممن ريح هذا الطيبٍ؟ فقال كَثِيرٌ: مِنِّى يا أميرَ المؤمنين، لِتَّدْتُ رأسى ، وأردتُ أن أحلقَ. فقال عمرُ: فاذهبْ إلى شَرَبَةٍ ، فادلُكْ رَأْسَك حتى تُنْقِيَه. ففعَل كثيرُ بنُ الصَّلْتِ(٣) . قال مالكٌ: الشَّرَبَةُ حَفِيرٌ تكونُ عندَ أَصلِ النخلةِ . القبس (١) تقدم تخريجه ص ٨٧، ٨٨ . (٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٠٣)، وبرواية أبى مصعب (١٠٥٨). ١٢٠ ٠