النص المفهرس

صفحات 381-400

الموطأ
التمهيد
قال الأوزاعىُ: وحدَّثنِى الزُّهرىُّ، قال: حدَّثنِى عروةُ وعمرةُ، أنَّ عائشةً
كانت إذا اعتكفَتْ فى المسجدِ، تعتكفُ العشر الأواخر من رمضانَ، ولا
تدخُلُ بِيتَها إِلَّ لحاجةِ الإنسانِ التى لا بدَّ منها، وكانت تمُرُّ بالمريضِ من أهلِها
تسألُ عنه وهى تمشِى لا تقفُ .
فجعَل الأوزاعىُّ المعنيين بإسنادين؛ أحدُهما عروةُ، عن عائشةَ. والآخر
عروةُ وعمرةٌ، عن عائشةَ . وروَى مالكٌ حديثَ عائشةَ هذا عن الزُّهرئِّ، عن
عمرةَ، عنها. كذلك هو فى ((الموظّأُ))(١) عندَ بجمهورِ الرُّواةِ، وقال فيه
الشافعىُّ : عن مالكِ، عن ابن شهابٍ، عن عروةً، عن عائشةَ .
أخبرناه محمدٌ، حدَّثنا علىُ بنُ عمرَ، حدَّثنا الحُسينُ(٢) بنُ يحتى، حدَّثنا
الحسنُ بنُّ محمدٍ ، حدَّثنا الشافعىُ، حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شهابٍ ، عن عروةَ،
أنَّ عائشةً كانت إِذا اعتكفَتْ لا تسألُ عن المريضِ إلا وهى تمشِى ، لا تقفُ (١).
وحدَّثناهُ محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، حدَّثنا ابنُ الأعرابيّ، حدَّثنا الحسنُ بنُ
محمد الزَّعفرانيُ، حدَّثنا الشافعىّ . فذكره.
وقال ابنُ وهپ وخالدُ بنُ سلیمانَ فی هذا الحدیثِ : عن مالك ، عن ابنِ
شهاب، عن عروةَ وعمرةً، عن عائشةَ. وقال القطّانُ وابنُ مهدىٍّ فيه: عن
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٧٠٠).
(٢) فى م: ((الحسن)). وينظر تهذيب الكمال ٣١١/٦.
(٣) ذكره البيهقى فى معرفة السنن والآثار ٤٦٣/٣.
٣٨١

الموطأ
التمهيد مالكٍ، عن ابنٍ شهابٍ، عن عروةَ، عن عمرةَ، عن عائشةً(١) . فخالَف ابنُ
مهدىٌّ، والشافعىُّ، ومَن ذكّرنا من رُواةِ ((المُوَطَّأَ)) فى إسنادِ الحديثين جميعًا ؛
المرفوعِ والموقوفِ .
وذكر محمدُ بنُ يحتى الذُّهلىُّ فى كتابِه فى «عللٍ حديثِ الزُّهرىِّ)» هذين
الحديثين؛ مُرورٍ عائشةً، وترجُلٍ النبيِّ وَالتّر، وهما يعتكفان ، عن جماعةٍ من
أصحابِ الزُّهرىِّ؛ منهم يُونسُ، والأوزاعىُّ، واللَّثُ، ومعمرٌ، وسفيانُ بنُ
حسینٍ ، والزُّبیدیُّ، ثم قال : اجتمعَ هؤلاء کلُّهم على خلافٍ مالك فی ترجلِ
النبيِّ وَّهِ، فلم يُجامعه عليه منهم أحدٌ، فأمَّا يُونسُ واللَّيثُ فجمَعا عروةَ
وعمرةً، عن عائشةَ. وأمَّا معمرٌ، والأوزاعىُّ، وسفيانُ بنُ حسينٍ، فاجتمعوا
على عروةَ عن عائشةً. قال: والمحفوظُ عندَنا حديثُ هؤلاء. قال: وأمَّا القصّةُ
الأخرَى فى مُرورٍ عائشةً على المريضِ ؛ فاجتمعَ معمرٌ، ومالكٌ(٢)، وهشيمٌ(٣)،
على عمرةَ، عن عائشةَ. وقال يُونسُ من روايةِ اللَّيثِ، مرَّةً: عن عمرةَ، عن
عائشةَ. ومرّةً من روايةٍ عثمانَ بنِ عمرَ: عن عروةً وعمرةً، عن عائشةً . قال :
وعثمانُ بنُ عمرَ أُولَى بالحديثِ؛ لأنَّ اللَّيثَ قد اضطربَ فيه ؛ فقال مرَّةً : عن
عمرةً(٤)، عن عائشةَ. ومرَّةً: عن "عروةَ، عنْ عمرةَ، عن عائشةً. وثبَّتَه
القبس
(١) أخرجه الدارقطنى فى العلل (٥/ق١٤٩ - مخطوط) من طريق القطان به .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٧٠٠) .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٨٨/٣ عن هشيم به .
(٤) فى م: ((عروة)).
(٥ - ٥) سقط من: م.
٣٨٢

الموطأ
التمهید
عثمانُ بنُ عمرَ عنهما جمیعًا ، وقد واطاه ابنُ وهب عن ثُونسَ فی الحدیثین
جميعًا، فصارَتْ روايتُه عن يُونسَ أُولَى وأثبَتَ . وأمّا شبيبُ بنُ سعیدٍ ، فإِنَّه تابعَ
اللَّيثَ على روايته عن يُونسَ فى القصَّةِ الآخرةِ ، فقال: عروةُ، عن عمرةً ، عن
عائشةَ . قال: فقد صحَّ الخبرُ الآخرُ عندَنا؛ عن عروةَ وعمرةً، عن عائشةَ ،
باجتماعِ يُونسَ من رواية ابنٍ وهبٍ وعثمانَ بنِ عمرَ، والأوزاعيِّ من روايةِ أبی (١)
المغيرةِ ، واللَّيثِ بنِ سعدٍ من رواية ابنٍ أبى مريمَ، عن عروةً وعمرةً، عن
عائشةَ. وباجتماع معمرٍ، ومالكِ، وهشيمٍ على عمرةَ. وعبدُ الرحمنِ بنُ
مهدئٍّ وأبو نُعيم، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، عن عمرةَ، أَنَّ
عائشةَ كانت تُجاورُ(١) فتمُرُّ بالمريضِ من أهلِها فلا تعرِضُ له (١) . فالحديثان
عندَنا محفوظان بالخبرين جميعًا، إلّا ما كان من روايةِ مالكِ فى ترمجُلٍ
النبيِّ وَلّ فقط، إن شاء اللهُ. قال: وقد روى ابنُ أبى حبيبٍ ما حدَّثنا به
أبو صالحِ الحدَّانىُّ، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعةً، عن ابنٍ أبى حبيبٍ، عن ابنِ
شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ وَهِ يعتكفُ
فيمُوُّ بالمريضِ فى البيتِ فيسلِّمُ عليه ولا يقفُ. قال: وهذا مُعضَلٌ لا وجهَ
له، إنَّما هو فعلُ عائشةَ، ليس ذكرُ النبيِّ وَ لّ من هذا الحديثِ فى شىءٍ .
وهذا الوَهمُ من ابنٍ لهيعةً فيما نرَى. واللهُ أعلمُ .
القبس
م
(١) سقط من: م.
(٢) جاور: اعتکف. ینظر التاج (ج و ر).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٠٥٦)، وابن أبى شيبة ٨٨/٣، ٨٩ من طريق سفيان به .
٣٨٣

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: الذى أنكروا على مالكِ ذكرُهُ(١) عمرةَ فى حديثٍ عائشةً،
أنَّها كانت تُرجُلُ رسولَ اللهِ وَّهِ وهو مُعتكفٌ. هذا ما أنكروا عليه لا غيرُ
فى هذا الحديثِ؛ لأنَّ ترجيلَ عائشةَ رسولَ اللهِ وَّهِ وهو معتكفٌ لا يُوجدُ
إِلَّا فى(١) حديثٍ عروةَ وحدَه، عن عائشةَ. وغيرُ هذا قد مجومعَ مالكٌ
علیه ؛ من حديثٍ مُرورٍ عائشةً، وغيره من ألفاظ حديث مالك وإسنادِهِ ،
وقد روَى حديثَ التَّرجيلِ هذا عن عروةً تميمُ بنُ سلمةً وهشامُ بنُ عروةَ .
ذكره أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً(٢)، عن ابنٍ نُميرٍ ويعلَى، عن الأعمشِ، عن
تميم بن سلمةً، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كنتُ أَرْجُلُ رأسَ رسولِ اللهِ
ونَ﴿ وأنا حائضٌ وهو عاكفٌ. وقال يعلَى(٤) فى حديثه هذا: كنتُ أغسِلُ.
قال أبو بكرٍ(٣): وحدَّثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت:
كان النبيُّ نَّه يُدنِى إِلىَّ رأسَه وهو مُجاورٌ وأنا فى حُجرتِى، فأغسِلُه وأرجُلُه
بالماءِ وأنا حائضٌ .
وقد رواه الأسودُ بنُّ يزيدَ عن عائشةَ مثلَ روايةٍ عروةَ سواءٌ، إلَّا أنَّ فى حديثٍ
الأسودِ : يُخرجُ إِلىَّ رأسَه. وفى حديثٍ عروةَ: يُدنِى إِلىّ رأسَه. وبعضُهم يقولُ
فيه : يُدخلُ إِلىَّ رأسَه . وفى ذلك ما يدُلُّ على جوازٍ إدخالِ المعتكفِ رأسَه البيْتَ
لِيُغْسلَ ويُرجَّلَ، وقد يحتمِلُ(٥) قولُ الأسودِ: يُخرج إلىّ رأسه . أى يُخرجه من
القبس
(١) فى الأصل: ((ذكر)).
(٢) سقط من: م.
(٣) ابن أبى شيبة ٢٠٢/١.
(٤) فى الأصل: ((يحيى)).
(٥) فى الأصل: (( يحمل)).
٣٨٤

الموطأ
التمهيد
المسجدِ إلىّ فى البيتِ ، فأرجُلُه .
حدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قال: حدَّثْنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا
عبدُ الرحمنِ، قال : حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال : حدَّثنا قاسمُ
ابنُّ أصبغَ، قال : حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ ، قال: حدَّثنا حسينُ
ابنُّ علىٍّ، عن زائدةَ، جميعًا عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن
2(١)
عائشةً(١) .
وهذا لفظُ حديثٍ سفيانَ، قالت(٢): كان رسولُ اللهِ وَِّهِ يُخرجُ إلىَّ رَأْسَهُ
وهو مُعتكفٌ، فأغسِلُه وأَنا حائضٌ. وليس فى حديثٍ زائدةً ذكرُ: وهو
مُعتکفٌ .
وفى هذه الأحاديثِ الثَّلاثةِ ؛ حديثٍ تميم بنِ سلمةً، وهشامٍ بنٍ عروةً ، عن
عروة ، عن عائشةً ، وحديثِ الأسودِ ، عن عائشةً : وأنا حائض . وليس ذلك فى
حدیثِ الزُّهرئِّ من وجْهٍ يثبُتُ .
وأمّا معنَى قولِه عن عائشةَ: يُدنِى إلىَّ رأسَه، فأرجُلُه. فالتَّرجيلُ أنْ يُيلَّ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٦٣/٤٢ (٢٥٥٦٣)، والنسائى فى الكبرى (٣٣٨٠) من طريق عبد الرحمن
به، وأخرجه مسلم (١٠/٢٩٧) عن ابن أبى شيبة به، وأخرجه أحمد ٣٢٤/٤٠ (٢٤٢٨٠)،
والبخارى (٣٠١، ٢٠٣٠)، والنسائى (٢٧٤، ٣٨٥) من طريق سفيان به .
(٢) فى م: ((قال)).
٣٨٥
( موسوعة شروح الموطأ ٢٥/٩ )
٠.

الموطأ
الشَّعَرُ، ثم يُمشَطَ. وقد ذكرنا هذا المعنَى وما فيه من اختلافٍ الآثارِ فى غيرِ
موضعٍ من كتابِنا هذا. والحمدُ للهِ .
التمهيد
وفى ترجيلٍ عائشةَ شعرَ رسولِ اللهِ وَلِّ وهو مُعتكفٌ دليلٌ على أنَّ الیدین
من المرأةِ ليستَا بعورةٍ ، ولو كانتَا عورةً ما باشرتْه بهما فى اعتكافِه ، ويذُلُّكَ على
ذلك أيضًا أنَّها تُنهَى فى الإحرامِ عن لباسِ القُفَّازينِ ، وتؤمرُ بسترِ ما عدَا وجهَها
وكفَّيْها، وتؤمرُ بكشفِ الوجْهِ والكفَّين فى الصَّلاةِ ، فدلَّ على أنَّهما غيرُ عورةٍ
منها، وهو عندَنا أصحُ ما قيلَ فى ذلك، وقد مضَى القولُ فى معنَى العورةِ من
الرِّجالِ والنّساءِ فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ (١) . والحمدُ للهِ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ الحائضَ طاهرةٌ غيرُ نجسةٍ ، إلَّ موضع
النَّجاسةِ منها، ويوضِّحُ لكَ ذلك قولُ رسولِ اللهِ وَلِّ لعائشةَ: ((ناولينى
الخُمرةَ)). فقالت: إِنِّى حائضٌ. فقال: ((إنَّ حيضتَكِ ليسَتْ فِى يدِكِ))(٢).
فدلَّ قولُه هذا على أنَّ كُلَّ موضع منها ليس فيه الحيضةُ فهو كما كان قبلَ
الحيضةِ، وأنَّها مُتعبّدةٌ فى اجتنابٍ ما أَمرَتْ باجتنابِهِ، وفى ترجيلها رسولَ اللهِ
مَّه وخدمتِها له وهى حائضّ ما يدُلُّ على ذلك.
وفى هذا كُلِّه إبطالُ قولٍ مَن كرِهَ سُؤْرَ الحائضِ والجنبِ . وفى حديثٍ
شُريحٍ بن هانئٍّ، عن عائشةَ: كنتُ أشربُ وأنا حائضٌ وأناولُهُ رسولَ اللهِ وَهِ،
القبس
(١) تقدم فى ٤٣٧/٥ - ٤٤٢، ٤٥٠ - ٤٥٢.
(٢) تقدم تخريجه فى ٤٧٢/٣، ٤٧٣.
٣٨٦

الموطأ
التمهيد
فيضعُ فَاهُ على موضع فمِى، وآخذُ العَرْقَ (١) فَأَعَضُّه، فيضعُ فمَه على موضعٍ
(٢)
فیی ".
قال أبو عمرَ: معنَى الاعتكافِ فى كلامِ العربِ الإقامةُ على الشىءٍ،
والمواظبةُ عليه، والملازمةُ له، هذا معنَى العكوفِ والاعتكافِ فى اللِّسانِ. وأمَّا
فى الشَّريعةِ فمعنَاه الإقامةُ على الطّاعةِ وعملِ البرِّ، على حسَبٍ ما ورَد من سُننٍ
الاعتكافِ؛ فممَّا أجمَع عليه العلماءُ من ذلك أنَّ الاعتكافَ لا يكونُ إلَّا فى
مسجدٍ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِّ﴾ [البقرة: ١٨٧] . إلا
أنَّهم اختلفوا فى المرادِ بذكرِ المساجدِ فى الآيةِ المذكورةِ ؛ فذهبَ قومٌ إلى أنَّ
الآيةَ خِرَجتْ على نوع من المساجدِ، وإنْ كان لفظُها العمومَ، فقالوا: لا
اعتكافَ إلَّا فى مسجدٍ نبىٌّ؛ كالمسجدِ الحرامِ ، أو مسجدِ الرَّسولِ ، أو مسجدٍ
بيْتِ المقدسِ لا غيرُ. ورُوِى هذا القولُ عن حُذيفةَ بنِ اليمانِ ، وسعيدِ بنِ
المسيَّبِ، ومِن حُجَّتِهم أنَّ الآيةَ نزَلتْ على النبيِّ وَلَّ وهو مُعتكفٌ فى
مسجدِه، فكان القصدُ) والإشارةُ إلى نوع ذلك المسجدِ ؛ فيما بناهُ نبىٌّ . وقال
القبس
(١) العرق: هو العظم الذى عليه بقية من اللحم. صحيح مسلم بشرح النووى ٣/ ٢١١.
(٢) أخرجه أحمد ٤٠/ ٣٨٤، ٤٠٧، (٢٤٣٢٨، ٢٤٣٥٠)، والدارمى (١١٠١)، ومسلم (٣٠٠)
من طريق شريح به .
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٠٠٨، ٨٠١٤، ٨٠١٦)، ومصنف ابن أبى شيبة ٩١/٣، وسنن
البيهقى ٣١٦/٤.
(٤) فى الأصل، م: ((المقصد)).
٣٨٧

الموطأ
التمهيد آخرون: لا اعتكافَ إلَّا فى مسجدٍ تُجمَّعُ فيه الجمعةُ. لأنَّ الإشارةَ فى الآيةِ
عندَهم إلى ذلك الجنسِ من المساجدِ، رُوىَ هذا القولُ عن علىِّ بنِ أبى طالبٍ،
وابنٍ مسعودٍ، وهو قولُ عروةً، والحكم، وحقَّادٍ، والزُّهرىِّ، وأبى جعفرٍ
محمدٍ بنٍ علىٍّ ١، وهو أحدُ قولى مالكٍ. وقال آخرون : الاعتكافُ فى كلِّ
مسجدٍ جائزٌ. رُوىَ هذا القولُ عن سعيدِ بنِ بجبيرٍ، وأبى قلابةَ، وإبراهيم
النَّخعىِّ، وهمَّامٍ بن الحارثِ، وأبى سلمَةً بن عبد الرحمنِ، وأبى الأحوصِ،
والشَّعبىِّ(١)، وهو قولُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةً، وأصحابِهما، والثَّورىِّ.
وحّتُهم حملُ الآيةِ على عُمومِها فى كلِّ مسجدٍ ، وهو أحدُ قولئْ مالكٍ ، وبه
يقولُ ابْنُ عُليَّةَ، وداودُ ، والطَّبرىُّ، وقال الشافعىُّ: لا يُعتكفُ فى غيرِ المسجدِ
الجامع إلّ من الجمعة إلى الجمعةِ . قال: واعتكافُه فى المسجدِ الجامع أحبُّ
إلىَّ، ويعتكفُ المسافرُ والعبدُ والمرأةُ حيثُ شاءوا، ولا اعتكافَ إلَّ فى
مسجدٍ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِ اَلْتَسَدِدِ﴾.
قال أبو عمرَ: فى حديثنا هذا من قولٍ عائشةً: وكان لا يدخُلُ البِئْتَ إِلَّا
لحاجةٍ الإنسانِ. تعنى به رسولَ اللهِ وَ ﴿ - دليلٌ على أنَّه لم يكنِ اعتكافُه فى
بيته، وأنَّه كان فى مسجدٍه ◌َل.
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٠٠٩، ٨٠١٠، ٨٠١٥، ٨٠١٧)، ومصنف ابن أبى شيبة
٩١/٣، ٩٢.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٠١٢، ٨٠١٣، ٨٠٢٣، ٨٠٢٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣/ ٩٠،
٩١.
٣٨٨

الموطأ
التمهید
وفيه دليلٌ على أنَّ المعتكفَ لا يشتغلُ بغيرٍ لُزومِه المسجدَ ، ومعلومٌ أنَّ لُزومَ
المسجدِ إنَّما هو الصَّلواتِ وتلاوةِ القرآنِ، وأنَّ المعتكفَ إذا لم يدخُلْ ييْتَ
نفسِه فأحرَى أَلَّ يدخلَ بيْتَ غيرِهِ، وفى اجتنابٍ رسولِ اللهِ وَ لِّ ذلك دليلٌ على
أنَّه لا يجوزُ، وإذا لم يجزْ له دُخولُ البيئْتِ ، وإنْ لم يكنْ فى ذلك معصيةٌ ، فكلُّ
شغلٍ يشغَلُه عن اعتكافِهِ لا يجوزُ له؛ لأنَّه فى ذلك المعنَى ، وإنْ لم يكنْ فيه
معصية . وفى معنی دُخولِ البيتِ لحاجة الإنسانِ کلَّ ما لا غنی بالإنسانِ عنه ؛
من منافعِه ، ومصالحِه، وما لا يقضِيه عنه غيرُه . وفى معنَى ترجيلٍ رسولِ اللهِ
وَرِّ رأسه كُلُّ ما كان فيه صلاح بدنه من الغذاءِ وغیرِه ممَّا یحتاج إليه .
ومِن جهةِ النَّظرِ، المعتكفُ ناذرٌ، جاعلٌ على نفسِه المقامَ فى المسجدِ
لطاعةِ اللهِ ، فواجبٌ عليه الوفاءُ بذلك ، فإنْ خرَج لضرورةٍ ، ورجع فى فورِ زوالٍ
الضَّرورةِ ، بنَى على ما مضى من اعتكافِه ولا شىءَ عليه، ومنَ الضَّرورةِ المرضُ
البيّنُّ والحيضُ، وهذا عندِى فى معنَى خُروجِه وَ لِّ لحاجةِ الإنسانِ؛ لأنَّها
ضرورةٌ .
واختلف قولُ (١) مالكٍ فى المعتكفِ يخرُجُ لعذرٍ غيرٍ ضرورةٍ، مثلَ أَنْ
يموتَ أَبُوه أو ابنُه ، ولا يكونُ له مَن يقومُ به، أو شراءٍ طعامٍ يُفطرُ عليه ، أو غسلٍ
نجاسةٍ من ثوبِه لا يجدُ مَن يكفِيه شيئًا من ذلك، فرُوِىّ عنه أنه(١) من فعل هذا
كلَّه، وما كان مثلَه، يبتدئُ. ورُوِىَ عنه أَنَّه بينى، وهو الأُصحُ عندَ ابنِ
خوازِبَتْدادَ وغيرِهِ، قياسًا على حاجةٍ الإنسانِ، والحيضٍ والمرضِ اللَّذين لم
القبس
(١) سقط من: م.
٣٨٩

الموطأ
التمهيد يختلفْ قولُ مَالكِ فيهما أنَّه يبنى .
واختلف العلماءُ فى اشتغالٍ المعتكفِ بالأمورِ المباحةِ ؛ فقال مالكٌ : لا
يعرِضُ المعتكفُ لتجارةِ ولا غيرِها ، ولا بأسَ أَنْ يأمُّرَ بضيعتِهُ(١) ومصلحةِ أهلِه،
وبيعٍ (٢) مالِه، ويصنَعَ كُلَّ ما لا يشغَلُه إذا كان خفيفًا. قال مالكٌ: ولا يكونُ
مُعتكفًا حتى يجتنبَ ما يجتنبُ المعتكفُ . قال : ولا بأسَ بنكاح المعتكفِ ما
لم يكنِ الوقائع، والمرأةُ المعتكفةُ تُنكحُ نكاح الخطبةِ. هذا كلُّه قولُه فى
((الموطّآتِ)). وقال ابنُ القاسم، عن مالكِ: لا يقومُ المعتكفُ إلى رجلٍ يُعزِّيه
بمصيبةٍ ، ولا یشھدُ نکاحا يُعقدُ فى المسجدِ یقومُ إلیه ، ولکنْ لو غشِیه ذلك فى
مجلسِه ، لم أرَ بذلكَ بأسًا ، ولا يقومُ إلى الناكح فيهنُّه، ولا یکتبُ العلمَ ، ولا
يشتغلُ فى مجلسِ العلم. قال: ويشترِى ويبيعُ إذا كان خفيفًا، ولا يشهَدُ
الجنائزَ، ولا يعودُ المرضَی . وجملةُ مذهبه أنَّ المعتكفَ لا يشتغلُ بشىءٍ من
أُمورِ الدُّنيًّا إلَّ اليسيرَ الذى لا يستغنى عنه فى مصالحِه، مثلَ الكتابِ الخفيفِ
يكتُبُه فيما (١) يحتاج إليه أو يأمُرُ مَن يخدُمُه، ومثلَ هذا من مُراعاةٍ أحوالِه إذا كان
يسيرًا خفيفًا. ومن مذهبِه عندَ أصحابِه أنَّ المعتكفَ إذا أتَى كبيرةً من الكبائرِ
فسَد اعتكافُه؛ لأنَّ الكبيرةَ ضدُّ العبادةِ كما الحدثُ ضدُّ الطَّهارةِ والصَّلاةِ،
وتركُ ما حرُمَ عليه أعلَى منازلِ الاعتكافِ فى العبادةِ. هذا كلُّه قولُ ابن
خوازِبَتْدادَ، عن مالكٍ. وقال الثَّورىُّ: المعتكفُ يعودُ المريضَ، ويشهدُ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((بصنعته).
(٢) فى م: (يبيع)).
(٣) فى الأصل: ((مما )).
٣٩٠

الموطأ
التمهید
الجمعةَ، وما لا يحسن به أنْ يُضيّعَه ، ولا يدخلُ سقفًا إلَّا أن يكون ممژه فيه ، ولا
یجلسُ عند أهلِه، ولا يُوصِیھم بحاجته إلّ وهو قائم، أو ماشٍ، ولا یبیغُ، ولا
يشترِى، وإنْ دخَل سقفًا بطَلَ اعتكافُه. وقال الحسنُ بنُ حىٍّ : إِنْ دخَل
المعتكفُ بيتًا ليس فى طريقه أو فى غيرِ جامعٍ ، بطَلَ اعتكافُه، ويحضُرُ الجِنازةَ ،
ويعودُ المريضَ، ويَأْتِى ) الجُمُعَةَ، ويخرجُ للوضوءِ، ويدخُلُ بيتَ المريضِ
للعيادةِ، ويُكرَّهُ أَنْ يبيعَ أو يشترىَ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: لا يخرجُ
المعتكفُ لجنازةٍ ، ولا لعيادة مریضٍ، وله أنْ يتحدَّثَ، ویبیغَ ویشترىَ فی
المسجدِ ، ويتشاغلَ بما لا يأثمُ فيه، ويزوِّجَ، ويتزوَّجَ، ويشهدَ فى النِّكاحِ،
ويتطيّب .
وقال الشافعىُ: لا يعودُ المعتكفُ مريضًا ، ولا يشهَدُ چِنازةً، ولا يُفارقُ
موضعَ اعتكافِه بعيدًا إلَّ لحاجةِ الإنسانِ، وكلُّ ما يفعَلُه غيرُ المعتكفِ فى
المسجدِ فعَله المعتكفُ ، ولا يقعُدُ بعدَ الفراغ من أكلِه فى بيته .
قال أبو عمر : معانى الشافعىّ وأبى حنيفةً فى هذا البابِ واحدٌ ، ومعانِی
مالكِ متقاربةٌ ، والحجّةُ لمنْ ذهَب مذهبهم أَنَّ عائشةً كانت لا تعودُ المریضَ من
أهلِها وهى مُعتكفةٌ إِلَّ مارَةً .
وقد روَى عبدُ الرحمنِ بنُّ إسحاقَ، عن الزُّهرىِّ، عن مُروةَ، عن عائشةً ،
أنَّها قالت : السُنَّةُ على المعتكفِ ألا يعودَ مريضًا ، ولا يشهدَ جنازةً، ولا يمَسَّ
القبس
(١) فى م: ((يشهد)).
٣٩١

الموطأ
التمهید
امرأةٌ ، ولا يُباشرَها، ولا يخرجَ لحاجةٍ إلَّا لما لا بُدَّ له منه، ولا اعتكافَ إلَّ
بصوم، ولا اعتكافَ إلّا فى مسجدٍ جامع ".
ولم يقل أحدٌ فى حديثٍ عائشةَ هذا: السُّنَّةُ. إلَّا عبد الرحمنِ بنَ إسحاقَ ، ولا
يصِحُ هذا الكلامُ كلَّه عندَهم إلّ من قولِ الزُّهرىِّ فى صومِ المعتكفِ، ومباشرتِه
وسائرِ الحديثِ. والحُبَّةُ لمذهبِ الثَّورىِّ ومَن تابَعه أنَّ علىَّ بن أبى طالبٍ قال : إذا
اعتكفَ الرّجلُ، فليشهدِ الجمعةَ، وليَعُدِ المريضَ، وليحضُرِ الجِنازةَ ، وليأْتِ
أهلَه، وليأمُرْهم بالحاجةِ وهو قائمٌ(١). وأجازَ علىَّ البيعَ والشِّراءَ للمعتكفِ.
وذكَر الحسنُ الحُلْوانِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسَى ، قال: حدَّثنا أبو
إسحاقَ الفَزارىُّ، عن أبى إسحاقَ الشَّيبانىِّ()، عن سعيدِ بنِ مجبيرٍ ، قال:
اعتكفْتُ فی مسجد الحىّ ، فأرسلَ إلىَّ عمرُو بن حريثٍ() يدعونى ، وهو أميرٌ
على الكوفةِ ، فلم آتِه، فعادَ، ثم عادَ، "ثم عادَْ)، فأتيتُه، فقال: ما منعكَ أنْ
تأتيَنا؟ قلتُ: إِنِّى كنتُ مُعتكفًا. قال: وما عليكَ! إِنَّ المعتكفَ يشهَدُ
الجمعةَ، ويعودُ المريضَ، ويمشِى مع الجنازة، ويُجيبُ الإمامَ (١).
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٢٤٧٣)، والبيهقى ٣٢١/٤ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٨٧/٣، ٨٨، والدارقطنى ٢٠٠/٢.
(٣) فى الأصل: ((السبيعى)). وينظر تهذيب الكمال ٤٤٤/١١.
(٤) عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومى القرشى أبو سعيد، له ولأبيه صحبة، دعا له النبى
﴾﴾﴾ بالبر كة ، توفی النبی {آلے وهو ابن اثنتى عشرة سنة، سكن الكوفة، وولی إمرتها، ومات بها
سنة خمس وثمانين. الاستيعاب ٣/ ١١٧٢، والإصابة ٦١٩/٤.
(٥ - ٥) سقط من: م.
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ٨٨، ٩٠ من طريق أبى إسحاق الشيبانى بنحوه.
٣٩٢

الموطأ
٧٠٠ - مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ ، أن
عائشةً كانت إذا اعتكَفتْ لا تسألُ عن المريض إلا وهى تمشِى ، لا تقِفُ .
التمهيد
قال أبو عمرَ : أجمَع العلماءُ أنَّ المعتكفَ لا يُباشرُ ولا يُقبّلُ ، واختلفوا فيما
عليه إن فعَل ذلك ؛ فقال مالكٌ والشافعىُّ : إنْ فعَل شيئًا من ذلك فسَد اعتكافُه .
قال المزنيُ : وقال الشافعىُّ فى موضعٍ آخرَ من مسائل الاعتكافِ : لا يُفسدُ
الاعتكافَ من الوطءِ إلَّ ما يُوجبُ الحدَّ. واختاره المزنئُ قیاسًا على أصلِه فى
الصَّومِ والحجّ. وقال أبو حنيفةَ: إِنْ فَعَلَ فأَنزَلَ بطَل اعتكافُه. وأجمعوا أنَّ
المعتكفَ لا يدخُلُ بِيثًا، ولا يستظلُّ بسقفٍ ، إِلَّا فى المسجدِ الذى يعتكفُ
فيه، أو يدخُلُ لحاجةِ الإنسانِ، أو ما كان مثلَ ترجيلِهِ وَالِ .
ومسائلُ الاعتكافِ ونَوازلُه يطولُ ذكرُها، ويقصُرُ الكتابُ عن تقصِّی
أقاويل العلماءِ فیها ، والاعتلال لها . وقد ذگونا من ذلك ما فی معنَی حديثنا ،
وذگونا الأصولَ التی علیها مدارُ الاعتكافِ ، وسنذ کرُ حکمَ الاعتكافِ بصومٍ
وبغيرِ صومٍ ، واختلافَ العلماءِ فى ذلك، عندَ ذكرِ حديثِ ابنِ شهابٍ عن عمرةَ
من هذا الكتاب ١، على ما رواه يحتِى عن مالكِ فى ذلك ، إن شاء اللهُ، وباللهِ
التوفيقُ .
وأما حديثُه، عن ابن شهابٍ، عن عمرةَ، عن عائشةً، أنها كانت لا تسألُ الاستذكار
القبس
(١) سيأتى ص ٤٢٦ - ٤٢٨.
٣٩٣

الموطأ
قال يحيى : قال مالكٌ : لا يأتى المُعتَكِفُ حاجَتَه ، ولا يخرجُ لها ،
ولا يُعِینُ أحدًا ، إلا أن يخرج لِحاجة الإنسان ، ولو کان خارجًا لِحاجة
أَحَدٍ ، لكان أُحَقَّ ما يَخرُجُ إليه عيادةُ المريضِ والصلاةُ على الجنائزِ
واتباعُها .
قال مالكٌ : لا يكونُ المُعتَكِفُ مُعتَكِفًا حتى يَجتنِبَ ما يَجتَنِبُ
المُعتَكِفُ ؛ مِن عِيادةِ المريضِ ، والصلاةِ على الجنائزِ، ودخولِ البيتِ
إلا لحاجة الإنسان .
الاستذكار عن المريض إلا وهى تمشِى، لا تقفُ (١). فقد ذكرنا فى ((التمهيدِ)) عللَ
إسنادِه(٢)؛ لأن عبد الرحمن بنَ مهدئٍّ والقطانَ رَوَیاه عن مالك، عن ابنِ
شهابٍ، عن عروةً، عن عَمرةً، عن عائشةً، ورواه أكثرُ أصحابِ مالك
كما رواه يحيى، عن مالك، "عن ابنٍ شهابٍ"، عن عَمرةً، عن عائشةَ،
لم يذكروا عروةَ. ورواه الشافعىُّ وطائفةٌ مِن أصحابٍ مالكِ، عن مالكِ،
عن ابن شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةً(٤) . وبينَ أصحابٍ ابنٍ شهابٍ فيه
وفی المسند الذی قبله ضروبٌ مِن الاضطراب، قد ذكرنا أکثر ذلك فى
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٨٦١). وأخرجه
النسائى (٣٣٧١)، والبيهقى فى المعرفة (٢٦٤٣) من طريق مالك به .
(٢) ينظر ما تقدم ص ٣٧٨ - ٣٨٣ .
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م. والمثبت مما تقدم ص ٣٨١.
(٤) تقدم تخريجه ص ٣٨١.
٣٩٤

الموطأ
٧٠١ - مالكٌ، أنه سأل ابنَ شهابٍ عن الرجلِ يَعتَكِفُ ، هل
يدخُلُ لِحاجَتِه تحتَ سَقفٍ ؟ فقال : نعم، لا بأسَ بذلك .
بابِ ابنِ شهابٍ مِن ((التمهيدِ)) .
الاستذكار
وفى حديثها هذا دليلٌ على أن المريضَ لا يجوزُ عندَها أن يعودَه المعتكفُ
ولا يخرج لعیادته له عن اعتكافِه .
وأما قولُ مالكٍ: لا يأتى المعتكفُ حاجةٌ، ولا يخرجُ لها، ولا يعينُ أحدًا
عليها ، ولا يشتغِلُ بتجارةٍ ولا يَعرِضُ لها ، ولا بأسَ أن يأمرَ بمصلحةِ أهلِه، وبيعِ
مالِهِ ، وصلاحٍ ضَيْعتِه . وقال ابنُ القاسمِ عنه : لا يقومُ المعتكفُ إلى رجلٍ يعزِّيه ،
ولا يُهنِّئُهُ، ولا يشهدُ عقدَ نكاح يقومُ له مِن مكانِه، ولا يشتغلُ بالكلامِ فى العلم
وكتابتِهِ، وجائزٌ له ما خفَّ مِن الشراءِ.
قال فى ((موطئِه)): ولو كان المعتكفُ خارجًا لحاجةِ أحدٍ ، لكان أحقَّ ما
يَخرُجُ إليه عيادةُ المريضِ والصلاةُ على الجنائزِ واتِباعُها ، ولا يكونُ معتكفًا حتى
يجتنب ما يجتنُه المعتكفُ .
قال مالكٌ : لا يخرجُ المعتكفُ مع جنازةِ أبويه .
وذكر أنه سأل ابنّ شهابٍ عن الرجلِ يعتكفُ ، هل يدخلُ لحاجتِهِ تحتَ
سقفٍ ؟ قال : نعم، لا بأسَ بذلك(١) .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٧٩)، وبرواية يحيى بن بكير (٩/٧ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٨٦٢).
٣٩٥

الموطأ
قال أبو عمرَ : هو قولُ مالكٍ .
الاستذكار
واختلف الفقهاءُ فى اشتغالِ المعتكفِ بالأمورِ المباحةِ أو المندوبِ إليها ؛
فقال مالكٌ ما ذكرناه عنه . وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه: للمعتكفِ أن
يتحدَّثَ ويبيعَ ويشترىَ فى المسجدِ ويشتغِلَ بما لا يأثمُ فيه، وليس عليه
صمت .
واتَّفق مالكٌ، والشافعىُ، وأبو حنيفةً، أن المعتكفَ لا يخرجُ مِن موضعٍ
اعتكافه لشهودٍ جنازة ، ولا لعيادة مریضٍ، ولا یفارقُ موضعَ اعتكافِه إلا لحاجةٍ
الإنسانِ . ومعانيهم متقاربةٌ جدًّا فى هذا البابٍ. وقال الثورىُّ: المعتكفُ
يعودُ المريضَ، ويشهدُ الجِنازَ والجمعةَ، وما لا يَحسُنُ به أن يضيعَ مِن
أمورِهِ، ولا يدخُلُ تحتَ سقفٍ إلا أن يكونَ ممُّه فيه، ولا يجلسُ عندَ (١)
أهلِه، ولا يوصِيهم لحاجةٍ إلا وهو قائمٌ أو ماشٍ، ولا يبيغُ ولا يشترى،
وإن دخَل تحتَ سقفٍ بطَل اعتكافُه. وقال الحسنُ بنُ حىٍّ: إذا دخَل
المعتكفُ بيتًا غيرَ المسجدِ الذى هو فيه، أو بيتًا ليس فى طريقِه، بطَل
اعتكافُه، ويحضُرُ الجِنازةَ، ويعودُ المريضَ(١) ، ويشهدُ الجمعةً، ويخرجُ
للوضوءِ، ويُكرهُ أن يبيعَ ويشترىَ .
قال أبو عمرَ: مِن الحُجَّةِ لمالكِ ومَن تابَعه فى هذا البابِ ما رواه
القبس
(١) فى م: «عنده).
(٢) بعده فى الأصل، م: ((فى المسجد)). والمثبت مما تقدم ص ٣٩١ .
٣٩٦

الموطأ
عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةً، أنها قالت: الاستذكار
الشئَةُ على المعتكفِ ألَّ يعودَ مريضًا، ولا يشهدَ جِنازةً ، ولا يَمَسَّ امرأةً ولا
يباشرَها ، ولا يخرجَ إلَّا لِما لا بدَّ منه، ولا اعتكافَ إلا بصوم، ولا اعتكافَ إلا
فى مسجدٍ جامعٍ() .
قال أبو عمرَ: لم يَقُلْ أحدٌّ فى حديثِ عائشةَ هذا: السّنَّةُ . إلا عبدَ الرحمنِ
ابنَ إسحاقَ، ولا يصِحُ الكلامُ عندَهم إلا مِن قولِ الزهرىِّ، وبعضُه مِن کلامِ
عروةَ .
وذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن الثورىِّ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه ، قال :
المعتكفُ لا يجيبُ دعوةً، ولا يعودُ مريضًا، ولا يشهدُ چِنازةً .
والحُجَّةُ لمذهبِ الثورىِّ ومَن تابَعه، أن علىَّ بنَ أبى طالبٍ قال: مَن
اعتكف فلا يرفُثْ ولا يُسَابَّ، ولْيشهدِ الجمعةَ والجِنازةَ، ويوصِى أهلَه إذا
كانت له حاجةٌ وهو قائمٌ()، ولا يجلسُ عندَهم.
ذكره عبدُ الرزاقِ (٤)، عن معمرٍ والثورىِّ، عن أبى إسحاقَ ، عن عاصمِ بنِ
ضَمْرةَ، عن علىّ. وبه يأخذُ عبدُ الرزاقِ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣٩١، ٣٩٢.
(٢) عبد الرزاق (٨٠٥٤).
(٣) فى الأصل، م: ((صائم)). والمثبت من مصدر التخريج .
(٤) عبد الرزاق (٨٠٤٩) عن الثورى - وحده - به .
٣٩٧

الموطأ
الاستذکار
وذكَر الحسنُ الحُلْوانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى(١)، قال: حدَّثنا
أبو إسحاقَ الفَزارىُّ، عن أبى إسحاقَ الشيبانىٌّ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، قال :
اعتكفتُ فى مسجدِ الحىِّ ، فأرسَل إلىَّ عمرُو بنُ حريثٍ يدعونى، وهو أميرٌ على
الكوفةِ ، فلم آتِه ، فعاد فلم آتِه ، ثم عاد فلم آتِه ، ثم عاد فأتَيِّتُه، فقال: ما يمنعُك
أن تأتيَنا؟ قلتُ: إنى كنتُ معتكفًا. فقال: وما عليك! إن المعتكفَ يشهدُ
الجمعةَ، ويعودُ المريضَ، ويمشِى مع الجنازةِ، ويجيبُ الإمامَ ) . وبهذا كان
یفتی سعیدُ بنُ جبيرٍ ().
وعن ابنٍ جريجٍ ومعمرٍ ، عن الزهرىِّ، قال: لا يخرُجُ المعتكفُ إلا إلى
حاجةٍ لا بدَّ له منها؛ غائطٌ أو بولٌ، ولا يشيّعُ جِنازةٌ، ولا يعودُ مريضًا، ( ولا
يجيبُ دعوةً ، ولا يَمَشُّ امرأةً ولا يباشرُها(٥).
وعن ابنٍ جريجٍ، عن عطاءٍ قال: المعتكفُ لا يشيّعُ جِنازةً، ولا يعودُ
مريضًا١٨ً). قال: وقال عطاءً: إن عاد مريضًا قطَع اعتكافَه(٧).
القبس
(١) فى الأصل، م: ((إسحاق)). والمثبت مما تقدم ص ٣٩٢.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٩٢ .
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٠٥٠).
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٨٠٥١، ٨٠٥٢) عن ابن جريج ومعمر به .
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٨٠٥٣) عن ابن جريج به .
(٧) أخرجه عبد الرزاق (٨٠٦١) عن ابن جريج به نحوه.
٣٩٨

الموطأ
قال يحيى : وقال مالكٌ: الأمرُ عندَنا الذى لا اختلافَ فيهِ ، أنه لا
يُكرّهُ الاعتكافُ فى كلِّ مسجدٍ يُجَّعُ فيه، ولا أُراه كُرِه الاعتكافُ فى
المساجدِ التى لا يُجمَّعُ فيها، إلا كراهيةَ أن يخرُجَ المُعتكِفُ مِن
مسجدِه الذى اعتكَفَ فيه إلى الجمعةِ أو يدَعَها ، فإن كان مسجدٌ لا
تُجَمَّعُ فيه الجمعةُ ، ولا يجِبُ على صاحبِهِ إتيانُ الجمُعةِ فى مسجدٍ
سِواه ، فإنى لا أرى بأسًا بالاعتكافِ فيه ؛ لأن الله تبارك وتعالى قال:
وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فعَمَّ اللهُ المساجدَ كُلُّها
ولم يخصُصْ شيئًا منها .
قال مالكٌ : فمِن هنالك جاز له أن يعتكِفَ فى المساجدِ التى لا
قال أبو عمرَ: ذكّر ابنُ خُوازِ بَندادَ أن مذهبَ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبى الاستذكار
حنيفةً، والثورىِّ فى المعتكفِ يأتى كبيرةً، أنه قد بطَل اعتكافُه .
قال أبو عمر : هؤلاء يُبطِلون الاعتكاف بتركِ سنةٍ عمدًا ، فکیف بارتكاب
الكبيرة فیه ! وقد ژُوِی عن أبى حنيفةً : إن سكِر ليلًا لم يفسُدِ اعتكافُه . یعنی إذا
لم يتعمَّدِ السُّكْرَ.
وقال مالكٌ فى ((الموطأَ)): الأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا ، أنه لا يُكرهُ
الاعتكافُ فى كلِ مسجدٍ يُجمّئ فيه ، ولا أُراه گُرِه الاعتكافُ فى المساجدِ التی
لا يُجَمَّعُ فيها إلا كراهةَ أن يخرجَ المعتكِفُ إلى الجمعةِ أُو يَدَعَها ، فإن كان
مسجدٌ لا يُجمَّغُ فیه الجمُعةُ ، ولا يجبُ على صاحبه إتيانُ الجمعةِ فى مسجدٍ سِواه،
القبس
٣٩٩

الموطأ تُجمَّعُ فيها الجمعةُ، إذا كان لا يجِبُ عليه أن يخرجَ منه إلى المسجدِ
الذى تُجَمَّعُ فيه الجمعةُ .
قال مالك : ولا یبیتُ المعتكفُ إلا فى المسجدِ الذى اعتگف فيه ،
إلا أن يكونَ خِباؤُه فى رَحَبةٍ مِن رِحابِ المسجدِ، ولم أَسمَعْ أن
المُعتكِفَ يضرِبُ بناءً يبيتُ فيه إلا فى المسجدِ ، أو فى رَحَبةٍ مِن
رحاب المسجدِ، ومِمَّا يدُلَّ على أنه لا يَبيتُ إلا فى المسجدِ قولُ
عائشةً: كان رسولُ اللهِ وَلَّهِ إذا اعتكَف لا يدخُلُ البيتَ إلا لحاجةٍ
الإنسان .
قال يحيى: قال مالكٌ: لا يعتَكِفُ أحدٌ فوقَ ظهرِ المسجدِ ، ولا
فى المنارِ . يعنى الصَّومَعَةَ.
الاستذكار فإنى لا أرى بأسًا بالاعتكافِ فيه؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ
فِي الْمَسَجِدِ﴾. فعمَّ المساجدَ كلَّها ولم يخصَّ شيئًا منها(١).
وقال الشافعىُّ: لا يُعتكّفُ فى غيرِ المسجدِ الجامع إلا مِن الجمعةِ إلى
الجمعة(١) . قال: والاعتكافُ فى المسجد الجامع أحبُّ إلىّ. قال: ويعتكفُ
المسافرُ والعبدُ والمرأةُ حيثُ شاءوا، ولا اعتكافَ إلا فى مسجدٍ .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٧٩)، وبرواية يحيى بن بكير (٩/٧ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٨٦٢).
(٢) فى الأصل، م: ((المسجد)). والمثبت من الأم ٢/ ١٠٥، ومما تقدم ص٣٨٨.
٤٠٠