النص المفهرس

صفحات 281-300

ما جاء فى قضاءِ رمضانَ والكفاراتِ
الموطأ
بابُ ما جاء فى قضاءٍ رمضانَ والكفاراتِ
الاستذکار
قضاءُ رمضانَ والكفاراتُ
القبس
فيها أحكامٌ كثيرةٌ ، معظمُها أربعةٌ :
الأُولُ : وقتُّ فعليها؛ أما قضاءُ رمضانَ فوقتُه العامَ كلَّه أثرًا ونظرًا، أما الأثرُ فقولُ
عائشةَ : إن كان لَيكونُ علىَّ صَوْمُ رمضانَ(١) . الحديث . فإن قيل: فإن كان لعائشةً
شغلٌ فليس لغيرِها شُغْلٌ . قلنا : ذلك الشُّغْلُ كان مباحًا ، والمباحُ لا يزاحِمُ الفروضَ،
فلولا أنَّ التأخيرَ كان جائزًا ما تأخّر بذلك الشُّغْلِ .
وأما الكفاراتُ فوقتُها منوطٌ بأسبابِها تارةً ، ومُسترسَلةٌ على العمرِ تارةً ؛ فأما
كفارةُ الظَّهارِ فتقِفُ على مطالبةِ المرأةِ ، فإن طَلَبت تعيّن وقتُها ، وإن تَرَكت فوقتُها
العمرُ ما لم يغلِبْ على الظنِّ الفوتُ، وهذا معنًى اتفقت عليه الأمةُ، وهو العمدةٌ
لعلمائِنا الأصوليين فى أنَّ مطلقَ الأمرِ ليس على الفورِ .
الثانى: قضاءُ مَن أفطَر ناسيًا . واختلف العلماءُ فيه ؛ فقالت طائفةٌ : لا قضاءً على
مَن أفطَر ناسيًا. واختاره الشافعىُّ، ونزَع لقولِ النبيِّ وَّ: ((اللهُ أَطْعمك وسَقَاكَ))(٢)
قالوا: وهذا ينفى القضاءَ؛ لأنه لم يتعرّضْ له. وحمّله علماؤنا على أن المراد به نفى
الإثم عنه، فأما القضاء فلا بدَّ منه ؛ لأن صورةً الصوم قد عُدِمت ، وحقيقته بالأكلِ قد
ذهبت ، والشىءُ لا بقاءَ له مع ذَهاب حقيقتِهِ، كالحدثِ يُطِلُ الطهارةَ سهوًا جاء أو
(١) سيأتى فى الموطأ (٦٩٣).
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٠٣، ٢٠٤ .
٢٨١

الموطأ:
الاستذكار
القبس
عمدًا، وهذا الأصلُ العظيمُ لا يُرُدُّه ظاهرٌ محتمِلٌ للتأويلِ، وقد صحَّح الدار قطنىُّ أن
النبيَّ وَهِ قال له: ((اللهُ أَطْعمك وسقاك، ولا قضاءَ عليك)) (١) . وهذه الزيادةُ إن
صحّت فالقولُ بها واجبٌ، وقد قال فيها بعضُ علمائنا: أراد لا قضاءَ عليك على
الفورِ . وهذا باطلٌ .
الحكمُ الثالثُ : قال علماؤنا : يُقْضَى رمضانُ متفرّقًا، وكذلك أيامُ الكفّارةِ،
وقد اختلف فى هذه المسألةِ الصحابةُ؛ ابنُ عمرَ، وأبو هريرةَ، وابنُ عباسٍ،
وسواهم، فكان أبو هريرةَ يقولُ: يُقْضَى متفرّقًا(٢) . وهو الذى شكَّ فيه مالكٌ، وقد
احتجّ مجاهدٌ بقراءةٍ أبىِّ بنِ كعبٍ : (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ)(٣) .
وزُوِى عن عائشةَ، أنها قالت : نزَلت : (فِعِدَّةٌ من أيام أُخرَ مُتتابعاتٍ) (٤). ثم
سقَط قولُه: (مُتتابعاتٍ) (١). تريدُ: مِن المصحفِ. وقد بيثنَّافى كتابٍ (١) ((الأصول))
أن القراءةَ الشاذَّةَ لا تُوجِبُ حكمًا، وأنها لا تُلْحَقُ بالقياسِ، فكيف بخبرِ الواحدِ ؛
لأنه إذا سقط أصلُها فأَولى وأَخْرى أن يسقُطَ حكمُها .
الحكمُ الرابعُ : إذا أسلَم الكافرُ فى بعضٍ يومٍ، قال ابنُّ القاسمِ وجماعةٌ : يلزَمُه
الإمساكُ عن الأكلِ. وقال آخرون: يجوزُ له الأكلُ. وهو الصحيحُ؛ لأنَّ اللهَ
(١) الدارقطنىٍ ١٧٨/٢.
(٢) أخرجه البيهقى ٢٥٨/٤ .
(٣) بعده فى د، م: (( ثم سقط قوله: متابعات)). وسيأتى فى الموطأ (٦٨٧).
(٤) بعده فى م: ((وروى عن عائشة، أنها قالت: أى)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٧٦٥٧)، والدارقطنى ١٩٢/٢، والبيهقى ٢٥٨/٤.
(٦) فى ج: (( كتب)).
٢٨٢

الموطأ
٦٨٢ - مالك، عن زيد بن أسلمَ، عن أخيه خالدٍ بن أسلَمَ ، أن
عمرَ بنَ الخطابِ أُفطرَ ذاتَ يومٍ فى رمضانَ فى يومٍ ذِى غَيم ، ورأى أنه
قد أمسَى وغابت الشمسُ، فجاءه رجلٌ فقال: يا أميرَ المؤمنين،
طلَعتِ الشمسُ. فقال عمرُ: الخَطْبُ يسِيرٌ، وقد اجتهدنا .
ذكَر فيه مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أخيه ، أن عمرَ بنَ الخطابِ أفطر الاستذكار
ذاتَ يومٍ فى رمضانَ فى يومٍ ذى غَيْمِ، ورأى أنه قد أمسَى وغابَتِ الشمسُ،
فجاءه رجلٌ فقال: يا أميرَ المؤمنين ، طلَعَتِ الشمسُ. فقال عمرُ بنُ الخطابِ :
الخَطْبُ يسيرٌ، وقد اجتهَدْنا(١).
القبس
عزَّ وجلَّ قد أسقَط عنه بعضَ اليومِ بإسلامِه، وإذا سقط البعضُ سقَط الكلُّ؛
لأنه لا يتجزَّأْ، فإن قيل: يلزَمُكم عليه ما يلزمُكم ) إذا قال لزوجته: أنتِ
طالِقٌ نصفَ طلقةٍ، أو نصفَ يومٍ. يكمُلُ عليه الجميع عددًا وزمانًا، قلنا :
هلهنا ألزَم نفسَه البعضَ مما لا يتجزَّأْ فَلَزِمه الجميعُ، إذ لم يُسقِطْ عنِهِ أَحَدّ(٣).
الباقىّ، والكافرُ بإسلامِه والتزامِه للشرائع قد أسْقَط عنه الذى التزم به نصفَ
اليوم، فلا سبيلَ إلى أن يعودَ إليه ما أسقَط اللهُ تعالى عنه، فصار يومًا لا أثرَ
له فى حقِّه، فلم يتعلَّقْ به حكم من أحكامِه .
إيضاح مشكلٍ: رَوَى مالكٌ رحمةُ اللهِ عليه حديثَ عمرَ رضِىَ اللهُ عنه حینَ
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٦/٧ و - مخطوط)، وأخرجه الشافعى ٩٦/٢، والبيهقى ٢١٧/٤
من طريق مالك به .
(٢) سقط من : ج .
(٣) فى د: ((أخر))، وفى م: ((أخذ)).
٢٨٣

قال مالكٌ : يريدُ بقولِه: الخَطْبُ يسيرٌ. القضاءَ - فيما نُرَى واللهُ
الموطأ
أعلمُ - وخِفَّةَ مَئونتِه ويَسارتَه . يقولُ: نَصُومُ يومًا مكانَه .
فقال مالكٌ: يريدُ بقوله: الخطبُ يسيرٌّ. القضاءَ، فيما نُرَى واللهُ أعلمُ ،
الاستذ کار
وخِفَّةَ مَثُونتِه ويسارته . يقولُ : نصومُ يومًا مكانَه .
قال أبو عمرَ: ما تأوَّله مالكٌ رحِمه اللهُ عملُ عمرَ رضوانُ اللهِ عليه، فقد
رُوِى عن عمرَ مِن أهلِ الحجازِ وأهلِ العراقِ أيضًا .
أَقْطَر فى يومٍ ذى غيم ثم ظهرت الشمسُ بعدَ فِطْرهم ، فقال عمرُ: الخَطْبُ يسيرٌ وقد
القبس
اجْتَهَدْنا. فقال مالك: يريدُ بقولِه: الخطبُ يسيرٌ. القضاءَ. وقد رواه أبو عبيدٍ فى
حديثٍ عمرَ، فذكَر الحديثَ بنصِّه وقال: لا نَقْضِيه، ما تجانَفنا فيه لإثم. ثم"
فسّر الخطبَ الذى أشار إليه بسقوطِ القضاءِ؛ لأنه لم يتعمَّدْ فِطْرَه، وهذه المسألةُ تُبنَى
على مسألةِ الأكلِ ناسيًا؛ فإنَّ النسيانَ فى المحظورِ على ضربين؛ أحدُهما: أن يفعَلَ
المحظورَ ذاهلاً عن فعله. والثانى: أن يفعَلَه قاصدًا إليه جاهلًا بحَظْره، وكلاهما لا
إثمَّ فيه ، لكنَّ الأحكامَ فى المسائلِ تختلفُ باختلافٍ هذين الضربين، وهذه المسألةُ
تخالِفُ مسألةَ الناسى ؛ لأنه لا ملامةً على الناسى ، فَأَمَّا مَن أَقْطَر فى يومِ الغيمِ فِيقَوبَّهُ
إليهِ الملامةُ ، ويُنْسَبُ إلى التفريطِ بقلةِ الصبرِ وتركِ التثبتِ ، فإنه الْتَزَم الصومَ بيقينٍ
النهارِ، فلا يجوزُ أن يخرج عنه إلا بيقينِ الليلِ ، فَلَيْتَه خلَص من الكفارةِ لتقريره بالعبادةِ
(١) غريب الحديث ٣١٣/٣.
(٢) فى م: ((الإثم)). يريد: ما مِلْنا إليه ولا تعمدناه ونحن نعلمه. المصدر السابق ٣١٣/٣.
(٣) سقط من : ج .
٢٨٤

الموطأ
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١)، عن ابنٍ جريج، قال: حدَّثنى زيدُ بنُّ أسلمَ ، عن أبيه، الاستذكار
قال: أفطَر الناس فى شهرِ رمضانَ فى يومٍ مُغِيمٍ ، ثم نظُر ناظرٌ، فإذا الشمسُ ،
فقال عمر: الخَطْبُ يسيرٌ، وقد اجتهَدْنا ، نقضِى يومًا مكانَه .
قال ابنُ جريج فى هذا الحديث: عن زيد بن أسلمَ عن أبيه . ولم يَقُلْ:
عن أخيه .
وروَى الثورىُّ، عن جبلةَ بنِ سُحيمٍ، عن علىٍّ بنِ حنظلةً ، عن أبيه ، أنه
شهِد عمرَ. فذكر هذه القصةً، وقال: يا هؤلاء، مَن كان أفطَر فإن قضاء يومٍ
القبس
فضلًا عن أن يسقُطَ عنه القضاءُ، فإن قيل: قلتم: إن الملامةً لا تتوَبَّهُ على
الناسى ، والعقلاءُ المتشرعون يُؤَجهون عليه الملامةً فيقولون: لِمَ نسيتَ ؟ ولا
تَنْسَى (٤). وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ لرسولِه: ﴿سَنُفْرِتُكَ فَلاَ تَنسَ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾
[الأعلى: ٦، ٧]. قلنا: أما قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَلاَ تَنَ﴾. فليس بنهي، إنما هو خبرٌ عن
أنه لا يَنْسَى مِمَّا يُوحَى إليه بعدَ إلقائِه عليه، إلَّا ما شاء اللهُ أن ينساه فيكونَ نسخًا له
ورفعًا لحكمِه . وأمَّا توجُّهُ الملامةِ فصحيحٌ، لكنَّ النسيان على ضربين ؛ نسيانٌ لا
يمكِنُ الانفكاكُ عنه، هو جِبِلَّةُ البشريةِ وسَجِيَّةُ الآدميةِ ، فهذا ليس فيه ملامةٌ بحالٍ .
والثانى : نسيانٌ اقتضاه الإكبابُ على الشهواتِ والتشبُتُ بالمُشغِلاتِ () ، فهذا
يقالُ له: لا تَنْسَ. ويكونُ مَؤْرِدُ نهيه حذفَ الفضولِ التى جَلّبَت إليه الغفَلاتِ
(١) عبد الرزاق (٧٣٩٢).
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((فهذا)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) فى م: ((الناس)).
(٤) فى م: ((تنس).
(٥) فى م: ((ما)).
(٦) فى ج: ((المشغبات)).
٢٨٥

الموطأ
الاستذكار يسيرٌ، ومَن لم يكنْ أفطَر فليُتِمَّ صومَه (١).
ورؤی معمر ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، قال : أفطر الناسُ فى زمانٍ
عمرَ، فرأيتُ عِسَاسًا(١) أخرِجَت مِن بيتٍ حفصةً، فشرِبوا فى رمضانَ، ثم
طَلَعَتِ الشمسُ مِنْ سحابٍ ، فكأنَّ ذلك شقَّ على الناسِ ، وقالوا : أنقضِى هذا
اليومَ؟ فقال عمرُ: ولِمَ يُقضَى؟ واللهِ ما تجانَفْنا لإثم(٣).
قال أبو عمرَ : فهذا خلافٌ عن عمرَ فى هذه المسألةِ ، والروايةُ الأولى أَولی
بالصائم إن شاء اللهُ. وممن قال: لا يُقضَى . هشامُ بنُ عروةً )، وداودُ بنُ علىٍّ.
والجمهورُ على القضاءِ. وأما مالكٌ، فَيُقضَى عندَه، قياسًا على الناسِى
عندَه . "قاد فيهما أصلَهْ)؛ فقال مالكٌ فيمَن أكل قبلَ غروبِ الشمسِ يظُنُّها قد
القبس
وعرَّضَتْه للنسيانِ، وقد نَسِىَ النبيُّ لَّهِ صلاةَ العصرِ يومَ الخندقِ حتى غَرَبت
الشمسُ(١) ، ولكنْ للشغلِ بعبادةٍ عظيمةٍ ونازلةٍ فى الدينٍ كبيرةٍ ؛ وهى حمايةُ البيضةِ ،
ومدافعةُ العدوِّ، والاحترازُ من غفلةٍ يجدُ العدوّ بها نُهْزَةٌ ، ولم يتؤُكُها كما زَعَم
بعضُ الناسِ متعمَّدًا؛ لأنه لو ذكرها لصلَّاها صلاةَ الخائفِ حسَبَ الإمكانِ كما فَعَل
قبلَ يومٍ الخندقِ وبعده .
(١) أخرجه البيهقى ٢١٧/٤ من طريق سفيان الثورى به .
(٢) العساس والأعساس جمع المُسِّ، وهو القَدَح الكبير. ينظر النهاية ٢٣٦/٣.
(٣) فى الأصل، م: ((الإثم)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر ما تقدم ص ٢٨٤.
والأثر أخرجه عبد الرزاق (٧٣٩٥) عن معمر به .
(٤) كذا قال المصنف، وفى مصنف ابن أبى شيبة ٢٤/٣، والمحلى ٣٣٣/٦، ٣٣٤ أن هشام بن
عروة يرى القضاء.
(٥ - ٥) سقط من : م .
(٦) تقدم تخريجه فى ٤٢٠/٥ - ٤٢٣.
(٧) النُّهزة : الفرصة . اللسان (ن هـ ز).
٢٨٦

الموطأ
غابَت ، أو أكَّل بعدَ الفجرِ وهو يظُنُّه لم يطلُع، قال: فإن كان تطوُّعًا مضَى فيه الاستذكار
ولا شىءَ عليه، وإن كان واجبًا فعليه القضاءُ.
وقال الكوفيُون ، والشافعىُّ، والثورىُّ، وابنُ سعدٍ: إذا تسخّر بعدَ طلوع
الفجرِ ، أو أكّل قبلَ غروبِ الشمسِ ، فعليه القضاء.
قال أبو عمرَ: الدليلُ على صحةٍ قولٍ (١) مَن قال: يَقْضِى اليومُ.
إجماعُهم(١) على أنه لو غُمَّ هلالُ رمضانَ فأفطَروا، ثم قامتِ الحُجَّةُ برؤيةٍ
الهلالِ ، أن عليهم القضاءَ بعدَ إتمامٍ صيامِهم "ولزِمهم) .
وأما اختلافُهم فيمَن أكَل وهو شاكٌّ فى الفجرِ؛ فقال مالكٌ: أكرَهُ أن يأكُلَ
إذا شكّ ، فإن أكَل فعليه القضاءُ، أرى أن یقضِیَ يومًا مكانَه ، فإن كان عليه فقد
قضاه، وإن لم یکنْ عليه فقد أجر إن شاءالله . وقال الثورىُّ: يتسخّرُ ما شكّ فى
الفجرِ حتى يرى الفجرَ. وقال الشافعىُّ وعبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ: لا يأكُلُ إذا
شكَّ، فإن أكَل فلا شيء عليه . وقال الأوزاعىُ: إذا شكَّ الرجلُ فلم يدرٍ ؛ أكَّل
فی الفجر أم فى الليل ، فلا شىءً علیه . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : إن كان أكثر
رأيه أنه أكّل بعدَ طلوعِ الفجرِ، فأوجبُ أن يقضِىَ .
قال أبو عمرَ : قولُ الشافعىّ ومَن تابعَه قولُ احتياطٍ ؛ لأنه قد نهاه عن الأكل
مع الشكِّ خوفًا أن يواقعَ ما لا يحِلَّ مِن الأكلِ بعدَ الفجرِ ، ولم يرَ عليه قضاءً؛
القبس
(١) سقط من النسخ ، والمثبت يقتضيه السياق .
(٢) فى الأصل، م: ((إجماعه)). والمثبت يقتضيه السياق .
(٣ - ٣) فى م: ((يومهم).
٢٨٧.

٦٨٣ - مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: يصومُ
الموطأ
قضاءَ رمضانَ مُتتابِعًا مَن أفطَرَه مِن مَرَضٍ أو فى سَفَرٍ .
٦٨٤ - مالكٌ، عن ابن شهابٍ ، أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ وأبا هريرةً
الاستذكار لأنه لم تَيِنْ له أنه أكَل بعدَ الفجرِ ، وإيجابُ القضاءِ إيجابُ فرضٍ ، فلا ينبغى أن
يكونَ إلا بيقينٍ. واحتجَّ بعضُ أصحابِنا لمالكِ، بأن الصائمَ يلزمُه اغتِرِاقُ (١)
طرفي النهارِ، وذلك لا يكونُ إِلا بتقدُّمِ شىءٍ، وإن قلَّ، مِن السّحَرِ ، وأخذِ شىءٍ
مِن الليلِ .
قال أبو عمرَ : هذا التزامٌ لصومٍ ما لم يأمُّرِ اللهُ بصيامِه، مع مخالفةِ الآثارِ فی
تعجيلِ الفطرِ وتأخيرِ السُّحورِ، وهى متواترةٌ صِحاحٌ .
" وقولُ الثورىِّ عن(١) الفقهِ وقولِ اللهِ عزَّ وجلّ؛ قال: ﴿وَكُواْ وَأَشْرَبُواْ
حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ اَلْخَيْطُ اُلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فلم
یمنعهم من الأکلِ حتی یستبینَ لهم الفجرُ.
فأما روايةُ مالكِ فى هذا البابِ ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، أنه كان يقولُ:
يصومُ قضاءَ رمضانَ متتابعًا مَن أَفطَره مِن مرضٍ أو فى سفرٍ () .
وعن ابنٍ شهابٍ ، أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ وأبا هريرةَ اختلفا أيضًا فى قضاءٍ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((اعتراف)). والمثبت يقتضيه السياق، والاغتراق بمعنى الاستغراق. ينظر التاج (غ رق).
(٢ - ٢) كذا العبارة فى الأصل ، م .
(٣) فى م: ((من)).
(٤) ليس فى : الأصل .
(٥) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٦١)، وبرواية أبى مصعب (٨١٩). وأخرجه البغوى فى =
٢٨٨

اختلَفا فى قضاءِ رمضانَ؛ فقال أحدُهما : يُفَّقُ بينَه. وقال الآخر: لا
يُفَرَّقُ بينَه . لا أدرى أيَّهما قال: يُفَرَّقُ بينَه . ولا أَيَّهما قال : لا يفرّقُ بينَه .
الموطأ
رمضانَ؛ فقال أحدُهما: يفرّقُ بينَه. وقال الآخر: لا يفرّقُ بينَه . لا أدرى أيَّهما الاستذكار
قال : لا يفرّقُ بينَه ، ولا أيُّهما قال: يفرّقُ(١).
قال أبو عمرَ: هو قولُ مالكِ، لا خلافَ عنه فى أنه يستحِبُّ أن يُتابعَ قضاءُ
رمضانَ ، ولا يرى إعادةً على مَن لم يتابعه. هذا قولُه فى (( موطئِه)) وغيرِه. وكذلك
يستحبُّ فى كلِّ صيامٍ مذكورٍ فى كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ بكفارةٍ يمينٍ وغيرِها .
وأما حديثُ ابنٍ شهابٍ، عن أبى هريرةَ وابنِ عباسٍ، وقولُه: لا أُدری أيَّهما
قال : لا يُفرّقُ بينَه . وأيهما قال : ثُفوّقُ بینه . فلا أدری عمن أخذ ابنُ شهابٍ ذلك ،
وقد صح عندَنا عن ابنِ عباسٍ وأبى هريرةَ ، أنهما أجازا أن يُفرَّقَ قضاءُ رمضانَ .
ذكَر عبدُ الرزاقِ (٢) ، قال: أخبرنا ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ
وأبى هريرةَ، قالا فى قضاءِ رمضانَ: فَرَّقْه إن شئتَ، حَسْبُك إذا أحصيتَه .
قال(٢) : وأخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ،
عن ابنِ عباسٍ، قال: صُمْ كيف شئتَ، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ آَيَّامٍ
[البقرة: ١٨٥].
القیس
= شرح السنة (١٧٧٢) من طريق مالك به.
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٦٢)، وبرواية أبى مصعب (٨١٨).
(٢) عبد الرزاق (٧٦٦٤) .
(٣) عبد الرزاق (٧٦٦٥) .
(٤ - ٤) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج .
٢٨٩
( موسوعة شروح الموطأ ١٩/٩)

الموطأ
قال(١) : وأخبرنا ابنُ عبینةً ، عن عمرو بنٍ دینارٍ ، عن هشام بنِ یحیی ، عن
الاستذكار
أبى هريرةَ، قال: صُمْ كيف شئتَ وأخْصِ العِدَّةَ.
قال(٢): وأخبرنا الثورىُّ، عن رجلٍ مِن قريشٍ، عن أمّه، أنها سألت أبا
هريرةً عن قضاءِ رمضانَ ، فقال: لا بأسَ بأن تُفرّقِيه، إنما هى عِدَّةٌ مِن أيام أَخَرَ .
قال أبو عمر: الرجلُ من قریش هو ابنُ ایی ذئب ، ذكره معمر ، عن ابنِ
أبى ذئبٍ ، عن امرأةٍ ، عن أُمُّها سألت أبا هريرةَ عن قضاءِ رمضانَ، فقال: لا بأسَ
أن تُفرِّقيه، إنما هى عِدَّةٌ من أيام أُخَرَ ٣».
وأما ابنُ عمرَ ، فلا أعلَمُ عنه خلافًا أنه قال: صُمْه تتابعًا كما أفطرتَه . ذكره
معمرّ وابنُ جريجٍ، عن ابن شهابٍ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ(٤).
وعبيدُ اللهِ بنُ عِمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر(٥).
وعن الثورىِّ، عن أبى إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علىِّ قال: صُمْه
تتابعًا(٦) . وهو قولُ الحسنِ والشعبىِّ(١).
القبس
(١) عبد الرزاق (٧٦٧٣) .
(٢) عبد الرزاق (٧٦٧٢) .
(٣ - ٣) سقط من : م .
(٤) أخرجه عبد الرزاق ( ٧٦٥٦، ٧٦٥٧) عن معمر وابن جريج به .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٧٦٥٨) من طريق عبيد الله بن عمر به.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٧٦٦٠) عن الثوری به .
(٧) ينظر مصنف عبد الرزاق ( ٧٦٥٩، ٧٦٦٣).
٢٩٠

٦٨٥ - مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أنه كان يقولُ:
مَنَ استَقاء وهو صائمٌ فعليه القضاءُ، ومَن ذرَعه القَىْءُ، فليس عليه
القضاءُ .
الموطأ
وذكَر عبدُ الرزاقٍ (١)، عن ابن جريج، عن ابن شهابٍ، عن عروةَ، عن الاستذكار
عائشةَ، قالت: نزَلت: ( من أيامٍ أَخَرَ متتابعاتٍ ). ثم سقطت (متتابعاتٍ ).
قال أبو عمرَ : قولُها: سقطت . يحتمِلُ: نُسِخت ورُفِعت . وهو دليلٌ على
سقوطِ التتابعِ، وليس بينَ اللَّوحينِ : ( متتابعاتٍ ). فصحّ سقوطُها ورفعُها .
وعلى هذا جمهور العلماءِ، وهو قولُ طاوسٍ، ومجاهدٍ ، وعطاء، وعبيدِ بنِ
عميرٍ، وجماعةٍ(١) ، وبه قال الأوزاعىُّ، والثورىُّ، وأبو حنيفةَ ، والشافعىُّ، وأبو
ثورٍ ، وأحمدُ ، وإسحاقُ، وكلُّهم مع ذلك يستحِبُّونها مُتتابعاتٍ .
وأما حديثُه فى هذا البابِ عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه كان يقولُ: مَن
استقاءَ وهو صائمٌ فعليه القضاءُ، ومَن ذرَعه القَىْءُ فليس عليه القضاءُ(١).
فقد رُوِى هذا المعنى عن النبيِّ وَ لّ مسندًا مِن حديث أبى هريرةَ؛ رواه
عيسى بنُ يونسَ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ ، عن أبى
القبس
(١) عبد الرزاق (٧٦٥٧).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٦٦٦، ٧٦٦٧، ٧٦٧٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٢/٣، ٣٣.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٥٨)، وبرواية يحيى بن بكير (٦/٧ و - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (٨٢١). وأخرجه الشافعى ٩٧/٢، وعبد الرزاق (٧٥٥١)، والبيهقى ٢١٩/٤ من طريق مالك به.
(٣) فى الأصل، م: ((يزيد)). والمثبت من مصادر التخريج.
٢٩١

الموطأ
الاستذكار هريرةً، عن النبيِّ ◌َ ليهِ قال: ((مَن ذرَعه القىءُ وهو صائم فليس عليه القضاءُ،
وإن استقاءً فعليه القضاءُ)).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، أخبرنا محمدُ بنُ بکرٍ ، أخبرنا أبو داود ، أخبرنا
مُسدَّدٌ، أخبرنا عيسى بنُ يونسَ(١) .. وعيسى ثقةٌ فاضلٌ، إلا أنه عندَ أهلِ
الحدیث قد وهِم فیه وأنگروه علیه. وقد زعم بعضُهم أنه قد رواه حفصُ بنُ
غِيَاثٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ بإسنادِه (١) . واللهُ أعلمُ.
قال أبو عمرَ : وقد رواه عبدُ اللهِ بنُ سعیدٍ بن أبى سعيد المقبرئ، عن أبيه ، عن
جدِّه، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّه(١) . وعبدُ اللهِ بنُ سعيدٍ ضعيفٌ لا يُحتجّ به .
ورواه معاویةُ بنُ سلام وغیژه ، عن یحیی پنِ ابی کثیرٍ، قال : أخبرنى عمرُ
ابنُّ الحكم بن ثوبانَ ، أنه سمع أبا هريرةَ يقولُ : إذا قاء أحدُكم فلا يُفطِرُ ، فإنما
يُخرِجُ ولا يُدخِلُ). وهذا عندَهم أصحُ موقوفًا على أبى هريرةَ.
واختلف العلماءُ فيمَن استقاء بعدَ إجماعِهم على أن مَن ذرَعه القىءُ فلا
القبس
(١) أبو داود (٢٣٨٠). وأخرجه البخارى فى تاريخه ١/ ٩١، ٩٢، والطحاوى فى شرح المعانى ٩٧/٢،
والحاكم ٤٢٦/١، ٤٢٧، والبيهقى ٢١٩/٤ من طريق مسدد به، وأخرجه أحمد ٢٨٣/١٦، ٢٨٤
(١٠٤٦٣)، والترمذى (٧٢٠)، والنسائی فی الکبری (٣١٣٠) من طريق عيسى بن يونس به .
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٦٧٦)، وابن خزيمة عقب الحديث (١٩٦١)، والحاكم ٤٢٦/١،
والبیھقی ٢١٩/٤ من طریق حفص بن غياث به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ٣٨، وأبو يعلى (٦٦٠٤)، والدارقطنى ٢/ ١٨٤، ١٨٥ من طريق عبد
الله بن سعيد به، بدون ذكر «أبيه))، وينظر التاريخ الكبير ١/ ٩٢.
(٤) أخرجه البخارى قبل الحديث (١٩٣٨) من طريق معاوية به .
٢٩٢

الموطأ
شىءَ عليه ؛ فقال مالكٌ، والثورىُّ، وأبو حنيفةً وصاحباه ، والشافعىُ، وأحمدُ الاستذكار
ابنُ حنبلٍ، وإسحاقُ: مَن استقاء عامدًا فعليه القضاء.
قال أبو عمرَ: علی هذا جمهور العلماءِ فیمَن استقاء، أنه ليس علیه إلا
القضاءُ. رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ ، وابنٍ عمرَ، وأبى هريرةَ، وجماعةٍ مِن
التابعين، وهو قولُ ابنِ شهابٍ(١) .
قال أبو عمرَ: ليس فى قوله عليه السلامُ إن صحَّ: ((ثلاثٌ لا يُفطِّوْنَ
الصائمَ؛ القىءُ، والحجامةُ، والاحتلامُ))(٢). حُجَّةٌ فى هذا البابِ؛ لأنه
محتملٌ للتأويلِ فى الاستقاءِ ومَن ذرَعه القىءُ.
وقال الأوزاعىُ وأبو ثورٍ: عليه القضاءُ والكفارةُ مثلَ كفارةِ الآكلِ
عمدًا فى رمضانَ، وهو قولُ عطاءٍ بنٍ أبى رباح. ومحجّةُ هؤلاء حديثُ
الأوزاعىِّ، عن يعيشَ ابنِ الوليدِ بنِ هشامٍ، أن أباه حدَّثه، قال: حدَّثنى
مَعدانُ بنُ أبي طلحةَ، أن أبا الدرداءِ أخبره، أن رسولَ اللهِ وَلَه قاءً
فأفطرَ. قال) : فلقِيتُ ثوبانَ فى مسجدٍ دمشقَ، فقلتُ: إن أبا الدرداءِ
حدَّثنى، أن رسولَ اللهِ نَّهِ قَاءَ فأفطَر. قال: صدَق، وأنا صببتُ له
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٨/٣، ٣٩.
(٢) أخرجه الترمذى (٧١٩)، والطبرانى فى الأوسط (٤٨٠٦)، والدارقطنى ١٨٣/٢، والبيهقى
٤/ ٢٢٠، ٢٦٤ من حديث أبى سعيد الخدرى.
(٣ - ٣) سقط من: الأصل، م. والمثبت من مصادر التخريج.
٢٩٣
٠

الموطأ
الاستذكار وضوءه
(١)
ورواه معمر، عن یحیی ینِ أُبی کثیرٍ ، عن یعیش بنِ الولیدِ بمعناه (١).
قالوا : وإذا كان القىءُ يُفطِّرُ الصائمَ، فعلى مَن تعمَّده ما على مَن تعمَّد
الأكلَ أو الشُّربَ أو الجماعَ ؛ لأنه بهذه أو بواحدةٍ منها يكونُ مفطرًا ، ومَن تعمّد
الإفطارَ فعليه القضاء والكفارةُ .
قال أبو عمرَ : زعَم محمدُ بنُ عيسى الترمذىُّ وغيرُه أن حديثَ أبى الدرداءِ
أصحُ مِن حديث أبى هريرةَ المرفوعِ فى هذا البابِ .
وذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن ابن جريج ، قال : قلتُ لعطاءٍ: رجلٌ استقاء فى
رمضانَ؟ قال: يقضِى ذلك اليومَ، ويكفِّرُ بما قال النبيُّ وَّرِ. قال: وإن كان
جاهلاً أو ناسًا فلا . قال ابنُ جریچٍ : وقال مثل ذلك عمرُو بنُ دینارٍ .
وفى هذا البابِ قال مالكٌ: مَن أكل أو شرب ناسيًا أو ساهيًا فى رمضانَ ، أو
ما كان مِن صيام واجبٍ عليه، أن عليه قضاءً مكانَ يومِه. هذا قولُه فى ((موطئِهِ)).
وقال أشهبُ عنه : أحسنُ ما سمِعتُ. ثم ذكر معناه .
وقال الليثُ بنُ سعدٍ كما قال مالكٌ: مَن أكل أو شرب أو جامَع ناسيًا
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٩٢/٤٥ (٢٧٥٠٢)، والترمذى (٨٧)، والنسائى فى الكبرى (٣١٢١)،
والدارقطنى ١٥٨/١، والبيهقى ١٤٤/١ من طريق الأوزاعى به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٥٤٨) عن معمر به.
(٣) عبد الرزاق (٧٥٤٧، ٧٥٤٩).
٢٩٤

الموطأ
فعليه القضاءُ. وهو قولُ ربيعةً وابنِ عُلَيَّةَ. قال ابنُ عُلَيَّةَ: مَن أَكَل أو جامَع ناسيًا الاستذكار
فإنما عليه القضاءُ لا غيرُ، ولا إثمَ عليه، ولو تعمَّد أثِم وكفّر.
وقال الشافعىُ، وأبو حنيفةً وأصحابُهما، والحسنُ بنُ حىٍّ، والثورِىُّ،
وابنُ أبى ذئبٍ، والأوزاعىُ، وأبو ثورٍ: مَن جامع أو أكل أو شرِب ناسيًا فى
رمضان فلا قضاءً علیه . هذا قولُ الثوری فی رواية الأشجعىّ . وقد رُوِى عن أبى
حنيفةً أنه قال : لولا قولُ الناسِ لقلتُ: يقضِى . وروَى المَعافِرِىُّ، عن الثورىِّ،
أنه قال : إذا جامع ناسيًا فليصُمْ يومًا مكانَه ، وإن أكل أو شرب لم يفطِرْ ولا شىءَ
عليه . وقال (أهلُ الظاهر١ِ): مَن جامَع ناسيًا أو عامدًا فعليه القضاء والكفارةُ .
وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، قال : ليس فى حديث أبى هريرةَ الفرقُ بينَ الناسِى
والعامدِ . يريدُ حديثَ ابنِ شهابٍ ، عن محميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هريرةَ
موقوفًا (١) . قال أحمدُ: قال مجاهدٌ فى الرجلِ يطأ أهلَه فى رمضانَ وهو ناسٍ : لا
شىءَ عليه (١) . وقال عطاءٌ: ليس مثلُ هذا يُنسَى، ولا يُعذَرُ فيه أحدٌ(٤). قال
أحمدُ : وقولُ عطاءِ أُحبُّ إلىّ . قال أحمدُ بن حنبل : مَن أكل أو شرب ناسيًا فى
رمضانَ فلا شىءَ علیه؛ لا قضاءً ولا كفارةً . وذهب فيهإلى حديث أبى هريرةَ،
القبس
(١ - ١) كذا فى: الأصل، م. وفيما تقدم ص٢٠٣: ((قوم من أهل الظاهر)).
(٢) كذا فى الأصل، م. وتقدم مرفوعًا فى الموطأ (٦٦٦).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٧٣٧٥).
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٠٣ .
٢٩٥

الموطأ
الاستذكار ثم قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ وروحُ بنُّ عبادةَ، قالا: حدَّثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ ،
عن أبى رافع، أنه حدَّثه (١) أن رسولَ اللهِ وَّ لِ قال: ((مَن أكل أو شرب فى صومه
ناسیًا فائُتِمَّ صومه)) (١) .
قال أبو عمرَ: أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خلفٍ العَشْقلانيُ ، قال :
حدَّثنا آدمُ بنُ أبى إياس ، قال: حدَّثنا ابنُ سلمةَ، عن أيوبَ وحبيبٍ بنِ الشهیدِ ،
عن محمدِ بنِ سيرينَ ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ ، إنى أكلتُ وشرِبتُ ناسيًا
فى رمضانَ. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اللهُ أَطعَمك وسَقاك، أتِمَّ صومَك ولا
شیء عليك))(٣).
قال أبو عمرَ: رواه معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنٍ سيرينَ، عن أبى هريرةَ
موقوفًا، قال : مَن أكل أو شرب ناسيًّا فليس عليه بأسٌ ، اللهُ أطعمه وسقاه . قال
معمرّ: و کان قتادةُ یقوله(١) . وژوىعن على ، وعن ابن عمر ، وأبى هريرةً رضِی
اللهُ عنهم، وعن عطاءٍ، وطاوسٍ، وإبراهيمَ، والحسنِ، فيمَن أكل أو شرب
ناسيًا ، أنه لا شىءٌ عليه(٢) .
القبس
(١) يعنى أبا هريرة.
(٢) أحمد ٢٢٩/١٦ (١٠٣٤٨) عن محمد بن جعفر - وحده - به، وينظر ما تقدم ص ٢٠٤.
(٣) تقدم ص ٢٠٣، ٢٠٤ موصولا بذكر أبى هريرة فى إسناده .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٧٣٧٢) عن معمر به.
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٣٧٣ - ٧٣٧٨)، والمحلى ٣٢٩/٦.
٢٩٦

الموطأ
٦٨٦ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه سمع سعيدٌ بنَ المُسيَّبِ
يُسألُ عن قضاءٍ رمضانَ، فقال سعيدٌ: أُحَبُّ إِلىَّ أَلَّا يفَرَّقَ قضاءُ
رمضانَ ، وأن يُواتَرَ .
قال یحیی : سمِعتُ مالِكًا يقولُ فیمَنْ فّق قضاءَ رمضانَ ، فليس
عليه إعادةٌ ، وذلك مُجْزِئٌ عنه، وأحَبُّ ذلك إلىَّ أن يُتَابِعَه .
قال يحتى : وسمِعتُ مالكًا يقولُ : مَن أكل أو شرِب فى رمضانَ ،
ساهِيًّا أو ناسِيًّا ، أو ما كان مِن صيام واجبٍ عليه ، أن عليه قضاءَ يومٍ
مكانه .
٦٨٧ - مالكٌ، عن محُميدٍ بن قيسِ المَكَّىِّ ، أنه أخبره ، قال:
كنتُ مع مجاهدٍ وهو يطوفُ بالبيتِ ، فجاءه إنسانٌ فسأله عن صيامٍ أيامٍ
الكفاراتِ ، أمُتابعاتٍ أم يقطَعُها؟ قال حُميدٌ: فقلتُ له : نعم يقطعُها
وعن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيدَ بنَ المسئَّبِ يُسألُ عن قضاءٍ الاستذكار
رمضانَ ، فقال: أَحَبُّ إِلىَّ ألا يُفرَّقَ قضاء رمضانَ، وأن يُواتَرَ(١) .
وفى هذا: مالكٌ، عن حميدٍ بن قيسِ المَكّىّ ، أنه أخبره ، قال: كنتُ مع
مجاهدٍ وهو يطوفُ بالبيتِ ، فجاءه إنسانٌ فسأله عن صيام أيامِ الكفارةِ ؛
أمتابعاتٍ أم يقطَعُها؟ قال محُميدٌ: فقلتُ له: يقطَعُها إن شاء. قال مجاهدٌ : لا
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٦/٧ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٨٢٢).
٢٩٧

الموطأ إن شاءَ. قال مجاهدٌ: لا يقطَعُها؛ فإنها فى قراءةٍ أَتَىِّ بنِ كعبٍ : (ثلاثةِ
أيامٍ مُتتابعاتٍ) .
قال يحتِى: قال مالكٌ: وأَحَبُّ إِلىَّ أن يكونَ ما سَمَّى اللهُ فى القرآنِ
يصامُ مُتَتَابِعًا .
الاستذكار يقطّعُها؛ فإنها فى قراءةٍ أبيّ بنِ كعبٍ : (ثلاثةِ أيام مُتتابعاتٍ)(١). قال مالك:
وأَحبُّ إلىَّ ما سمَّى اللهُ فى القرآنِ يكونُ مُتَابِعًا(١).
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ جوابُ المتعلّم بينَ يدي المعلّم ، وأنه لا
حرج علیه فى ذلك ، وحسبُ الشیخ إن كان عنده علم بذلك أخبر به ونبّه عليه ،
فأفاد ولم يعنِّفْ . ويجبُ بدليلٍ هذا الخبرِ أيضًا ، أن مَن ردَّ على غيرِه قولَه؛ كان
دونَه أو مثلَه أو فوقَه، أن يأتىَ بِحُجَّةٍ أو وجهٍ يُبِّنُ به فضلَ(١) قولِه لموضعٍ
الخلافِ . وفيه جوازُ الاحتجاج مِن القراءاتِ بما ليس فى مصحفٍ عثمانَ إذا لم
يكنْ فى مصحفٍ عثمانَ ما يدفعُها، وهذا جائزٌ عندَ جمهورِ العلماءِ، وهو
عندَهم يجرِى مَجْرَى خبرِ الواحدِ فى الاحتجاجِ به للعملِ بما يقتضِيه معناه دونَ
القطعِ " على مُغَِيه) .
وفى مثلِ هذا ما مضى فى كتابِ الصلاةِ مِن الاحتجاج على تفسيرٍ قولٍ
القبس
(١) وقرأ بها أيضا عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعى، وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٤/ ١٢.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٨٠٤، ٨٠٥). وأخرجه البيهقى ٦٠/١٠ من طريق مالك به.
(٣) كذا فى: الأصل، م. ولعلها: ((فصل)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((عن مغيبه))، وفى م: ((عن مغيبيه)). والمثبت كما تقدم فى ٢٩٥/١.
(٥) فى م: ((تغيير).
٢٩٨

الموطأ
اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]: (فامْضُوا إلى ذِكرِ اللهِ). الاستذكار
وهى قراءةُ ابنِ مسعودٍ(١).
وأما صيامُ الثلاثةِ أيامٍ فى كفارة اليمينِ لمَن لم يجِدْ ما يكفِّرُ به مِن إطعامِ
. عَشَرةٍ مساكينَ أو كسوتهم أو تحريرِ رقبةٍ ؛ فجمهورُ أهلِ العلم يستحِبُّون أن
تكونَ متابعاتٍ ، ولا يوجِبون التتابعَ إلا فى الشهرين اللذين يُصامان كفارةً لقتل
الخطأُ ، أو الظُّهارِ، أو الوطءِ عامدًا فى رمضانَ ، ويستحبُّون فى ذلك ما استحبُّه
مالكٌ .
ذکر عبد الرزاق(١) ، عن الثورئِّ، عن ليث ، عن مجاهدٍ ، قال: كلِّ صوم
فى القرآنِ فهو متتابعٌ إلا قضاءَ رمضانَ .
وعن ابن جريج، قال : سمِعتُ عطاءً يقولُ : بلَغنا أن فى قراءة ابن مسعودٍ :
( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ). قال عطاءٌ: وكذلك نقرؤُها(٣) ..
وعن معمرٍ، عن أبى إسحاقَ والأعمشِ، قالا : فى حرفٍ ابنٍ مسعودٍ :
( فصيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ). وكذلك كان يقرؤُها أبو إسحاقَ والأعمشُ(٤).
وعن ابنٍ عُبينةَ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ قال : جاء رجلٌ إلى طاوسٍ يسألُه عن
القبس
(١) وقرأ بها أيضا عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٥٧.
(٢) عبد الرزاق (١١٥١٥).
(٣) عبد الرزاق (١٦١٠٢).
(٤) عبد الرزاق (١٦١٠٣).
٢٩٩

الموطأ
قال يحيى : وسُئِلَ مالكٌ عن المرأةِ تصبحُ صائمةً فى رمضانَ ،
فتدفَعُ دَفعةً مِن دمٍ عَبيطٍ فى غيرٍ أَوانِ خَيضيتِهَا ، ثم تنتظِرُ حتى تُمسِىّ أن
تَرَى مِثَل ذلك، فلا تَری شيئًا، ثم تُصبحُ يومًا آخَرَ فتدفَعُ دَفعةً أُخرى
وهى دونَ الأُولَى، ثم ينقطِعُ ذلك عنها قبلَ حَضَتِها بأيامٍ ، فشُئِل
مالكٌ؛ کیف تصنعُ فى صيامها وصَلاتِها ؟ قال مالك : ذلك الدُ مِن
الحيضةِ ، فإذا رأته فَلتُقْطِرْ، ولتَقْض ما أفطَرَتْ، فإذا ذهَب عنها الدمُ
فَلْتغْتَسِلْ ولتصُمْ .
الاستذكار صيام ثلاثة أيامٍ فى كفارة اليمينِ ، فقال: صُمْ كيف شئتَ . فقال مجاهدٌ: يا أبا
عبدِ الرحمنِ ، إنها فى قراءةٍ ابنٍ مسعودٍ : (مُتتابعاتٍ). قال: فأخبِرِ الرجلَ (١).
وفيما ذكّرنا عن هؤلاء العلماءِ دليلٌ على صحةِ ما وصَفنا، وباللهِ توفيقُنا .
وأما قولُهُ : سُئل مالكٌ عن المرأةِ تُصبحُ صائمةً فى رمضانَ ، فَتَدفَعُ دَفعٌ مِن
دمٍ عَبيطٍ فى غيرٍ أوانِ حيضتِها . إلى آخرِ قولِه. فقد تقدَّم فى كتابِ الحيضِ وجهُ
هذه المسألةِ، وأصلُ مالكِ الذى تقودُ منه هذه المسألةُ ومثلُها عندَه أن كلَّ دمٍ
ظاهرٍ مِن الرحمِ فى أوانِ الحيضِ أو فى غيرٍ أوانِه ؛ قلّ أو كثُر، فهو دمُ حيضٍ
عندَه، تتركُ له المرأةُ الصومَ والصلاةَ ما تمادَى فيها حتى تتجاوزَ خمسةَ عشرَ
يومًا ، فيُعلمُ ذلك الوقتَ أنه دمُ فسادٍ ودمُ عرقٍ منقطعٍ ، لا دمُ حيضٍ . وهذه روايةٌ
القبس
(١) عبد الرزاق (١٦١٠٤).
٣٠٠