النص المفهرس
صفحات 201-220
الموطأ
التمهيد
رمضانَ مُحتاجًا فأطعمه عيالَه، فقد أجزاً عنه؟ قال: نعم ، أجزاً عنه . قلتُ : ولا
يُكفِّرُ مرَّةً أُخرَى إذا وجد؟ قال: لا، قد أجزأت عنه، إلّ أَنَّه خاصٌّ فى الجماعِ
فى رمضانَ وحدَه . وزعَم الطَّبرىُّ أنَّ قِياسَ قولِ الثورىِّ، وأبى حنيفةً وأصحابه،
وأبی ثورٍ ، أَنَّ الكفّارةَ دینٌ علیه ، لا يُسقِطُها عنه إعساره بها ، وعليه أن يأتى بها
إذا قدَر عليها؛ وذلك أنَّ قولَهم فى كلِّ كفَّارةٍ لزِمَتْ إنسانًا، فسبيلُها عندَهم
الوجوبُ فى ذمَّةِ المعسرِ، يُؤْدِّيها إذا أَيسَرَ، فكذلك سبيلُ كفَّارةِ المفطرِ فى
رمضان فی قیاسٍ قولهم .
قال أبو عمرَ: إن احتجَّ مُحتجٌّ فى إسقاطِ الكفَّارةِ عن المعسرِ بأنَّ
رسولَ اللهِ وَلَه إذ قال له: ((كُلْه أنت وعيالُك)). لم يقلْ له: وتؤدِّيها إذا
ایسرت . ولو کانت واجبةً لم یسكُتْ عنه حتی ◌ُبِّنَ ذلك له. قيل له : ولا
قال له رسولُ اللهِ وَله: إنَّها ساقطةٌ عنكَ لُسرتِك. بعدَ أن أخبره بوجوبها
عليه، وكلُّ ما وجَب أداؤه فى اليسارِ ، لزِمِ الذمَّةً إلى الميسرةٍ على وجهِه .
واللهُ أعلمُ .
واختلفوا فى الكفَّارةِ على المرأةِ إذا وطِئها زوجها وهى طائعةٌ فى رمضانَ ؛
فقال مالكٌ : إذا طاوَعتْه زوجتُه فعلى كلِّ واحدٍ منهما كفَّارةٌ ، وإن أكرهها فعليه
كفَّارتانِ عنه وعنها، وكذلك إذا وطِئَّ أمتَه كفَّرَ كفَّارتينٍ. وقال الأوزاعىُّ:
سواءٌ طاوَعتْه أو أكرهها، فليس عليهما إلَّ كفَّارةٌ واحدةٌ إِن كَفَّر بالعتقِ أو
بالإطعامِ ، فإِن كَفَّرَ بالصِّيامِ فعلى كلٌّ واحدٍ منهما صيامُ شهرينٍ متتابعينٍ . وقال
القبس
٢٠١
الموطأ
التمهيد الشافعىُّ رحمه اللهُ: الصيامُ) والعتقُ والإطعامُ سواءٌ، ليس عليهما إلَّ كفَّارةٌ
واحدةٌ، وسواءٌ طاوعتْه أو أكرَهها؛ لأنَّ النبيَّ ◌َّهِ إِنَّما أجاب السائلَ بكفَّارةٍ
واحدةٍ ، ولم يسأله أطاوَعتْه امرأتُه أو أكرهها؟ ولو كان الحكمُ فى ذلك مُختلفًا
لَمَا تَرَك رسولُ اللهِ وَه تبينَ ذلك. وهو قولُ داودَ وأهلِ الظَّاهرِ. وقد أجمعوا
أنَّ كفَّارةَ المظاهرِ واحدةٌ وإن وطِئ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: إن طاوعته فعلی
كلِّ واحدٍ منهما كفَّرةٌ ، وإن أكرهها فعليه كفَّارةٌ واحدةٌ لا غيرُ، ولا شىءَ
عليها .
ومِن محجّةٍ مَن رأَى الكفَّارةَ لازمةً عليها إن طاوَعتْه ، القِياسُ على قضاءٍ ذلك
اليوم، فلمَّا وجَب عليها قضاءُ ذلك اليوم، وجَب عليها الكفَّارةُ عنه . .
واختلفوا فيمن جامعَ ناسيًا لصومِه؛ فقال الشافعىُّ، والثوریُ فی رواية
الأشجعىِّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه، والحسنُ بنُ حىٍّ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ بنُ
راهُويَه: ليس عليه شىءٌ؛ لا قضاء ولا كفَّارةٌ ، بمنزلةٍ مَن أكل ناسيًا عندَهم .
وهو قولُ الحسنِ، وعطاءٍ، ومجاهدٍ، وإبراهيمَ(٢) . وقال مالكٌ، واللَّيثُ بنُ
سعدٍ، والأوزاعىّ ، والثَّورىُّ فى روايةِ المعافَى: عليه القضاءُ، ولا كفَّارةَ .
ورُوِى مثلُ ذلك عن عطاءٍ. وقد رُوِى عن عطاءٍ أنَّه رأَى عليه الكفَّارةَ مع
القضاءِ، وقال : مثلُ هذا لا يُنْسَى .
القبس
(١) سقط من: م. والمثبت من الاستذكار ١٠٩/١٠ من النسخة المطبوعة.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٣٧٥، ٧٣٧٧)، وسنن البيهقى ٢٢٩/٤.
٢٠٢
الموطأ
حدّثنا عبد الوارثِ ، حدثنا قاسم ، حدّثنا محمدُ بنُ الجَهْم ، حدَّثنارَؤُ بنُ
عُبادةَ ، حدَّثنا ابنُّ مجريج قال: كنتُ إذا سألتُ عطاءً عن الرَّجلِ يُصيبُ أهلَه
ناسيًا ، لا يجعَلُ له عُذرًا، ويقولُ: لا يُنسَى هذا، ولا يجهَلُه(١).
التمهید
وقال قومٌ من أهلِ الظَّاهرِ: سواءٌ وَطِئ ناسيًا أو عامدًا، عليه القضاءُ
والكفَّارةُ . وهو قولُ ابنِ الماجِشونِ عبدِ الملكِ . وإليه ذهب أحمدُ بنُ حنبلٍ؛
لأَنَّ الحديثَ الموجِبَ للكفَّارةِ لم يُفرِّقْ بينَ الناسِى والعامدِ .
واختلفوا أيضًا فيمن أكّل أو شرب ناسيًّا ؛ فقال الثَّورىُّ، وابنُ أبى ذئب،
والأوزاعىُّ ، والشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ، وأحمدُ ، وأبو حنيفةً وأصحابُه ،
وداودُ : لا شىءَ عليه، ويُمُّ صومَه. وهو قولُ جمهورِ التَّابعين. وقال ربيعةُ
ومالك: عليه القضاء. وقال الأثرم: سمِعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسألُ عمَّن أكل ناسيًا
فى رمضانَ، فقال: ليسَ عليه شيءٌ؛ على حديث أبى هريرةَ. ثم قال
أبو عبدِ اللهِ: مالكٌ؛ زعَموا أنَّه يقولُ: عليه القضاءُ - وضحِكَ - وحديثُ أبی
هريرةً فى ذلك أحسنُ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ(١)، حدَّثنا أبو داودَ ، حدَّثنا
موسَى بنُ إسماعيلَ، وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال : حدّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ
كاملٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ علىٍّ بنِ المثنَى، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلَى بنُ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٣٧٦) عن ابن جريج به .
(٢) فى م: (( بكير)).
٢٠٣
الموطأ
حمَّادٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةً، عن أيوبَ وحبيبٍ وهشامٍ، عن
التمهید
محمدٍ بنٍ سيرينَ، عن أبى هريرةَ قال: جاءرجلٌ إلى النبيِّ وَلِّفقال: إنى كنتُ
صائمًا فأكّلتُ وشرِبتُ ناسيًا. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اللهُ أُطعمَكَ وسقاكَ،
أتِمَّ صومَك))(١) .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا قاسمٌ ، حدَّثنا محمدُ بنُّ الجَهْمِ، حدَّثنَا رَوْحُ بنُ
عُبادةَ ، حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبى رافع، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ
وَ قال: ((مَن أَكَل أو شَرِب ناسيًا، فَلْيَعْضِ فى صومِه؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ
أُطعَمَه وسَقاه))().
ورُوىَ عن جماعةٍ فى المُفطرِ ناسيًا بأكلٍ أو شربٍ أنَّه لا شىءَ عليه؛ منهم
علىِّ رضِى اللهُ عنه، وابنُ عمرَ، وعلقمةُ، وإبراهيمُ ، وابنُ سيرينَ، وجابرُ بنُ
(٣)
زيد).
قال الأثرمُ: قيل لأبى عبدِ اللهِ - يعنى أحمدَ بنَ حنبل - : رجلٌ نَسِی
فجامَع. فقال: ليسَ الجِمائعُ مثلَ الأكلِ، عليه القضاءُ والكفَّارةُ ، ناسيًا كان أو
عامدًا؛ لأنَّ الذى جاءَ إلى النبيِّ نَّهِ قال: وقَعتُ على امرأتِى. ولم يسأله النبىُّ
وَلّهِ : أنسِيتَ أم تعمَّدْتَ؟ قال أبو عبدِ اللهِ: وظاهرُ قول الرجلِ للنبىِّ مَّه:
وقَعتُ على امرأتِى . النِّسيانُ والجهالةُ ، فلم يسأله: أنسِيتَ أم تعمَّدْتَ؟ وأفتاه
القبس
(١) أبو داود (٢٣٩٨)، وأبو يعلى (٦٠٥٨) ، وقرن أبو يعلى قتادة مع ابن سيرين.
(٢) أخرجه أحمد ٢٢٩/١٦ (١٠٣٤٨)، وابن الجارود (٣٩٠) من طريق سعيد به.
(٣) ينظر المحلى ٣٢٩/٦.
٢٠٤
الموطأ
التمهيد
على ظاهرِ الفعلِ .
وأجمعوا على أنَّ المجامعَ فی قضاءٍ رمضانَ عامدًا لا کفارةً علیه ، حاشا
قتادةَ وحدَه . وأجمعوا أنَّ المفطِرَ فى قضاءِ رمضانَ لا يقضِيه، وإنَّما عليه ذلك
اليومُ الذى كان عليه من رمضانَ لا غيرُ، إلَّ ابنَ وهب فإنَّه جعَل علیه یومینٍ،
قياسًا على الحجّ. وأجمعوا على أنَّ مَّن وطِىُّ فى يومٍ واحدٍ مرّتينٍ أو أكثرَ، أَنَّه
ليس عليه إلَّ كفَّارةٌ واحدةٌ .
واختلفوا فيمن أفطَر مرَّتينٍ أو مرارًا فى أيامٍ من أيامِ رمضانَ؛ فقال مالكٌ،
واللَّثُ، والشافعىُّ، والحسنُ بنُّ حىٍّ: عليه لكلِّ يوم كفَّارةٌ، وسواءٌ وطِئ المرّةَ
الأَخِرَى قبلَ أنْ يُكفِّرَ أو بعدَ أن يُكفِّرَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا جامع أيامًا
فى رمضانَ ، فعليه كفَّارةٌ واحدةٌ مالم يُكفِّرْ ثم يعودُ. وكذلك الآكلُ والشَّارِبُ
عندَهم، فإِنْ كفَّر ثم عادَ فعليه كفَّرةٌ أُخْرَى. قالوا: وإن أفطَر فى رمضانينٍ .
فعليه كفَّارتانٍ. وروَى زفرُ(١) عن أبى حنيفةً: إذا أفطَر وكفَّرَ ثم عادَ، فلا كفَّارةَ
عليه لإفطارِه الثانى إذا كان فى شهرٍ واحدٍ . واختلف عن الثورىِّ، فرُوِىَ عنه مثلُ
قول أبى حنيفةً روایةً أُبی یوسف، وژُوِىَ عنه غير ذلك.
وأمّا قولُه فى الحديث : فأتى بعرق تمرٍ. فأكثرُهم يروِيه بسكونِ الراءِ،
والصَّوابُ عندَ أهلِ الإتقانِ فيه فتحُ الراءِ، وكذلك قولُ أهلِ اللَّغةِ . وقد زعم ابنُ
القبس
(١) فى م: ((رمضان)). والمثبت من مختصر اختلاف العلماء للطحاوى ٣٠/٢، وشرح فتح القدير
لابن الهمام ٣٣٧/٢
(٢) فى م: ((آخر)). والمثبت من المصدرين السابقين.
٢٠٥
الموطأ
التمهید
حبيب(١) أنَّه(٢) ما رواه (٢) مُطرّفٌ عن مالكٍ إلّا بتحريكِ الرَّاءِ وبالفتحِ. قال:
والعَرْقُ بتسكينِ الرَّاءِ هو العظمُ. قال: وتأويلُ العَرَقِ، بفتح الرَّاءِ، المِكتلُ
العظيمُ الذى يسَعُ قدرَ خمسةَ عشرَ صاعًا؛ وهو ستُّونَ مُدَّا، كذلك سمِعتُ
مُطرّفًا وابنَ الماجِشونِ يقولانِ . قال عبدُ الملكِ بنُ حبيبٍ: وإنَّما سُمِّىَ العَرَقَ
الضَّفْرِه؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ مضغورٍ فهو عَرَقٌ ، ولذلك سُمِّىَ المِكْتَلُ عَرَقًا؛ لأَنَّه
مضفورٌ بالخوصِ ، قال أبو كبير الهذلئُ() :
تَغْدو(٥) فتركُ فى المزاحفِ مَن تَوَى وَثُ(١) فى العَرَقاتِ من لم نقتُلٍ(٧)
يقولُ: نأسِرُهم فنشُدُّهم فى العرقاتِ، يعنى التُّسوعَ؛ لأنَّها مضفورةٌ .
قال : وكلُّ شىءٍ مُصطفٍ، مثلَ الطَّيرِ إذا صَفَّت فى السَّماءِ، فهى عرقةٌ ؛ لأنَّها
شُبَّهَت بالشىءِ المضفورِ .
وقال أحمدُ بنُّ عمرانَ الأخفشُ(٨): المِكْتَلُ العظيمُ، (٢) وإنما) سُمِّىَ عرقًا
القبس
(١) ينظر تفسير غريب الموطأ ٣٦٠/١ - ٣٦٢.
(٢) سقط من: م. والمثبت من الاستذكار ١١٦/١٠ من النسخة المطبوعة.
(٣) بعده فى م: ((عن)). والمثبت من الاستذكار ١١٦/١٠.
(٤) ديوان الهذليين ٢/ ٩٦.
(٥) فى م: ((نغزو)). والمثبت من الاستذكار ١١٦/١٠ من النسخة المطبوعة، وهو موافق لما فى
ديوان الهذليين، وتفسير غريب الموطأ .
(٦) نمر: نُوثق. شرح أشعار الهذليين ١٠٧٦/٣.
(٧) فى ديوان الهذليين، وتفسير غريب الموطأ: ((يقتل)). ورواه ابن دريد: ((نقتل)).
(٨) أحمد بن عمران بن سلامة الألهانى أبو عبد الله النحوى الأخفش، كان نحويًّا لغويًّا، له أشعار
كثيره فى آل البيت، ذكره ابن حبان فى الثقات، صنف ((غريب الموطأ))، مات قبل الخمسين
ومائتين. معجم الأدباء ٧٧/٤، وبغية الوعاة ٣٥١/١.
(٩ - ٩) فى م: ((فإنما)). والمثبت من الاستذكار ١١٦/١٠ من النسخة المطبوعة.
٢٠٦
الموطأ
٦٦٧ - وحدَّثنى عن مالك، عن عطاء بنِ عبدِ اللهِ الخُراسانىّ ،
عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، أنه قال: جاء أعرابيّ إلى رسولِ اللهِ وَله
يضرِبُ نحرَه ، ويَنْتِفُ شعرَه، ويقولُ: هَلَك الأبعدُ . فقال له رسولُ اللهِ
التمهید
لأَنَّه يُعمِلُ عَرَقَةً عَرَقةً ثم يُضُّ، والعرقَةُ(١) الطّريقةُ العريضةُ، لذلك سُمِّيَت ◌ُرَةُ
الكتابِ عرقةً ؛ لعرضِها واصطِفافِها، وكذلك إذا مرَّتِ الطيرُ مُصطفَّةً. يقالُ:
مرّتْ بنا عرقةٌ من طيرٍ . وكذلك إذا جاءَتِ الخيلُ صفًّا، قيل: قد جاءَتِ الخيلُ
على عرقةٍ واحدةٍ . وقال غيرُ الأخفشِ: يقالُ: عرقةٌ وعرقٌ. كما يقالُ: علقةٌ
وعلقٌ .
قال أبو عمرَ: و کلُّ ما ذكّرنا من المسائلِ والتّوجيهاتِ فى هذا الباب ،
موجودَةُ المعنَى فى حديثِ ابنِ شهابٍ، عن حُميدٍ ، عن أبى هريرةَ ، فلذلك
ذكرناها وذكرنا اختلافَ الفقهاءِ فيها، لتكمُّلَ الفائدةُ، ويَبِينَ الحقُّ على
شرطِنا، وباللهِ توفيقُنا .
مالكٌ، عن عطاءِ بنِ عبدِ اللهِ الخُراسانىٌّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنه قال:
جاء أعرابىٌّ إلى رسولِ اللهِ إِ لّه يَضْرِبُ نَحْرَه، ويَنْتِفُ شعرَه، ويقولُ: هَلَك
کفارةُ مَن أفطر فى رمضانَ
القبس
ثبت عن النبيِّ وَلَ﴿ أَنَّ رجلًا جَاءَه يَضْرِبُ نَخْرَهُ، ويَنْتِفُ شَعَرَهُ، ويقُولُ :
هَلَكْتُ، احتَرَقْتُ. وفى روايةٍ: هَلَكَ الأَبْعَدُ. فَقَالَ لَهُ النَِّىُّ وَهِ: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ
(١) فى م: ((العرق)). والمثبت من الاستذكار ١١٦/١٠ من النسخة المطبوعة.
٢٠٧
وَلَهُ: ((وما ذاك؟)). قال: أَصَبْتُ أهلى وأنا صائمٌ فى رمضانَ. فقال
الموطأ
له رسولُ اللهِ وَّهِ: ((هل تستطيعُ أن تُعتقَ رقبةً؟)). فقال: لا. فقال:
((فهل تستطيع أن تُهْدِىَ بدَنَةً؟)). فقال: لا. قال: ((فاجلِسْ)). فأتِىَ
رسولُ اللهِ وَ لَّ بِعَرَقِ تَمْرِ، فقال: ((خُذْ هذا فتصَدَّقْ به)) . فقال: ما
أحدٌ أحوجُ مِنِّى إليه. فقال: ((كُلْه، وصُمْ يومًا مكانَ ما أَصَبْتَ)).
التمهيد الأَبْعدُ. فقال له رسولُ اللهِ وَله: ((وما ذاك؟)). قال: أصبْتُ أهلى وأنا صائم
فى رمضانَ. فقال له رسولُ اللهِ وَّله: ((هل تَستَطِيعُ أن تُغْتِقَ وقبةً؟)). فقال:
لا. فقال: ((هل تَسْتَطِيعُ أن تُهْدِىَ بَدَنَةً؟)) فقال: لا. قال: ((فاجلِسْ)) . فأَتِى
رسولُ اللهِ وَّهِ بِعَرَقِ تمرٍ، فقال: ((خُذْ هذا فتَصَدَّقْ به)). فقال: ما أحدٌ أحوَجُ
مِنِّى. فقال: ((كُلْه، وصُمْ يومًا مكانَ ما أصبْتَ))(١).
تُغْتِقَ رَقَبَةً؟)). قالَ: لَا. الحديث إلى آخرِه. وثبت عنه أيضًا، عن أبي هُرَيْرَة ، أن
رجلًا أَقْطَرَ فِى رَمَضَانَ، فَأَمْرَهُ رَسُولُ اللهِ بِ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِثْقِ رقبةٍ ، أَوْ صِيَامٍ شَهْرَتْنِ،
الحديث(١) . واتفَق الناسُ على أن مَن وَطِئ أهلَه فى رمضانَ متعمّدًا، أنه قد أَتَّى
كبيرةً، وعليه الكفارةُ ، واختلفوا فيمن وطِئها ساهيًا ؛ فذهَب عامةُ الناسِ إلى أنه لا
كفَّارةَ عليه؛ لأن الذنبَ موضوع عنه، ونزَع بذلك بعضُ علمائِنا وتعلَّق بوجهين ؛
أحدُهما ، أن الأعرابيّ الذى واقَعُ(١) أهله يحتمِلُ أن يكونَ أَتَى ذلك سهوًا ، ويحتمِلُ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٧ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٨٠٣). وأخرجه
الشافعى ٢/ ٩٨، وأبو داود فى المراسيل ص ١٠٩، والبيهقى ٢٢٧/٤، وابن عساكر ٤١٨/٤٠ من
طريق مالك به .
(٢) تقدم فى الموطأ (٦٦٦).
(٣) فى ج: ((أوقع)).
٢٠٨
الموطأ
قال يحيى: قال مالكٌ: قال عطاءً: فسألتُ سعيدَ بنَ المُسيَّبِ :
كم كان فى ذلك العَرَقِ مِن التَّمْرِ؟ فقال: ما بينَ خمسةً عَشَرَ صاعًا إلى
عشرین .
قال يحيى : قال مالكٌ: سمِعتُ أهلَ العلم يقولونَ: ليس على مَن
أفطَر يومًا من قضاءِ رمضانَ بإصابةِ أهلِه نهارًا أو غير ذلك - الكفارةُ التى
تُذكَرُ عن رسولِ اللهِ وَله فيمَن أصاب أهلَه نهارًا فى رمضانَ، وإنما
عليه قضاءُ ذلك اليومٍ .
قال مالكٌ: وهذا أحَبُّ ما سمِعتُ فيه إلىَّ.
هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطأ)) عندَ جماعةِ الرُّواةِ مُؤَسَلًا، وقد رُوِى التمهيد
معناه متصلًا مِن ◌ُجوه صحاح، وقد ذكرناها فى بابِ ابن شهاب ، عن محميد بنٍ
عبد الرحمنٍ، عن أبى هريرةً (١)، إلا أن قولَه فى هذا الحديثِ: ((هل تَسْتَطِيعُ
أن تُهْدِىَ بَدَنَةً؟)). غيرُ محفوظٍ فى الأحاديثِ المسنَدةِ الصِّحاحِ، ولا مَدْخَلَ
القبس
أن يكونَ أتاه عمدًا. والثانى، أنه إذا وجَبت الكفارةُ فى العمدِ فمثلُه فى السهوِ
ككفارةٍ القتلِ . وهذا فاسدٌ . أما الأعرابي فكان متعمّدًا غلَبتْه شهوتُه ، وزلَّت به قدمٌ،
فجاء يضرِبُ نحرَه، وينتِفُ شعرَه، ويقولُ: هَلَكتُ ، احترَقتُ . ومحالٌ أن يكونَ
هذا مجى ءَ الناسى، بل هذا مجىءُ المتعمِّدِ المجترى. فإن قيل: فلم ترَكه النبئ أَلتر
دونَ أدبٍ أو تثريبٍ؟ قلنا: لأنه جاء مستفتيًا، والشريعةُ قد قضَت بالمصلحةِ فى
ذلك، وهى رفعُ العقوبةِ والتثريبٍ عن المستفتى؛ لأنه لو فعل ذلك مع واحدٍ ما جاء
(١) ينظر ما تقدم ص١٨١ وما بعدها .
٢٠٩
( موسوعة شروح الموطأ ١٤/٩)
٠
الموطأ
للبُذْنِ أيضًا فى كفارةِ الواطِىُّ فى رمضانَ عندَ جُمهورٍ العلماءِ، وذِكْرُ البَدَنةِ هو
الذى أُنْكِرَ على عطاءٍ فى هذا الحديثِ .
التمهيد
وأما ذكرُ الرقبة وذكرُ الصدقةِ بالعَرَقِ وسائُ ما ذكرنا فى هذا الحديثِ
فمحفوظٌ مِن حديث أبى هريرةَ وحديثٍ عائشةَ، مِن روايةِ الثِّقاتِ الأثباتِ .
والحمدُ للهِ .
القبس
غيرُه بعدَه، ولانْسَدَّ بابُ الاستفتاءِ وبَقِى الخلقُ فى ظلمةِ الجهالةِ والمعصيةِ . وأما
احتجاجُه بكفارة القتلِ فهى وَهْلةٌ عظيمةٌ ؛ لأن كفارةَ القتلِ وردت فى الخطأَّ فقلنا:
العمدُ أوْلَى. وخالفَنا فى ذلك جماعةٌ مِن العلماءِ. فأما هلهنا فورَدت الكفارةُ
فى العمدِ، فكيف يجوزُ أن يُقْلَبَ القوسُ رَكْوةً(١)، فيُحْمَلَ عليه الخطأ؟! هذا
مِن أفسدٍ وجوهِ النظرِ فتفطّنوا له. واختلَف الناسُ فى هذه الكفارةِ؛ هل هى
مرَتَبَةٌ كسائرِ الكفاراتِ ، أم هى على التخييرِ؟ فقال علماؤنا: هى على التخييرِ؛
لقولِه فى حديث أبى هريرةَ: ((أو ... أو (١)). وهو نصّ. فإن قيل: قد قال فى
الحديثِ الثانى: ((هَلّ تَسْتَطِيعُ؟)). وناقَلَه بالعجزِ من حَصلةٍ إلى أخرى. قلنا:
يحتمِلُ أن يكونَ ناقَله قصدَ الترتيبٍ، ويحتمِلُ أن يكونَ ناقله ليعلَمَ ما عندَه
مِن هذه الخصالِ فيأخُذَه ("بالأَولى منها، والأَولى٣) منها عندَ مالكِ الإطعامُ،
ليس لعينه ولكن لأنه أَنفَعُ بالحجازِ لمُجُوعِهم، وأكثرُ ثمنًا لقلَّةِ القوتِ عندَهم.
وقال ابنُ حبيبٍ من علمائنا: بل هى على الترتيبٍ. وهو الحقُّ؛ لأن ((أو)) فى
(١) هو مثل يضرب فى الإدبار وانقلاب الأمور؛ يقال: تحول القوس ركوة . والركوة : إناء من جلد
يُشْرب فيه الماء. التمثيل والمحاضرة ص ٢٩٤، واللسان (ر ك و).
(٢) سقط من : م .
(٣ - ٣) فى ج: ((بالأول منها والأول )).
٢١٠
الموطأ
التمهيد
وقد روَى القاسمُ بنُ عاصم البَصْرىُّ، ويُقالُ فيه: التَّمِيمِيُّ(١). ويُقالُ:
الكَلْبُ. وليس بشىءٍ، وَيُمْكِنُ أَن يكونَ كُلَفًِا(٢) ، فَكُلَيبٌ فى تَميمٍ ، وكَلْبٌ
فى قُضاعةً ، وأين قُضاعةٌ مِن تَميمٍ ؟! فروَى القاسمُ بنُ عاصم هذا ، عن سعيدِ بنِ
المسئبِ أنه کذَّب عطاءً الخُراسانی فی حديثه هذا، وعطاء الخُراسانیُ عندى
فوقَ القاسمِ بنِ عاصمٍ فى الشهرةِ بحَمْلِ العلمِ والفضلِ ، وليس مثلُه عندَ أهلِ
القبس
حديث أبى هريرةَ تحتمِلُ التخييرَ، وتحتمِلُ التفضيلَ(١)، فلا يُرَدُّ الظاهرُ بمحتملٍ.
وهمّ وتنبية: لما قال النبيُّ وَّهِ للأعرابيّ: ((كُلْهُ)). ظنَّت طائفةٌ أن الكفارةَ
ساقطةٌ عنه، وقالوا : إن ذلك مخصوصٌ به. ولم يتنبّهوا لفقهٍ عظيم ؛ وهو أن هذا
رجلٌ ازدحمَتْ عليه جهةُ الحاجةِ وجهةُ الكفارةِ، فقُدِّم الأهم، وهو الاقتیاتُ،
وبَقِيت الكفارةُ فى ذمتِه إلى حينِ القدرةِ، حَسَبَ ما أوجَبها عليه رسولُ اللهِ ◌ِ.
قال علماؤنا: ولم يَذْكُرِ القضاءَ لعلمِه به، وقد ورَد أن النبيَّ ◌َ لَّه قال له: ((صُمْ يَوْمًا
مَكَانَهُ، واسْتَغْفِرِ الله)). خرّجه الدار قطنىُّ ). واختلَف الناسُ فيما يُصامُ ؛ فمنهم
مَن قال: يصومُ يومًا. وهم العالَمُ . ومنهم مَن قال: يصومُ اثنى عشرَ يومًا؛ لأن الله
تعالى رَضِى مِن اثنى عشر شهرًا بشهرٍ. ويُعْزَى إلى ربيعةً . ومنهم من قال: يصومُ
ثلاثين يومًا؛ لقول النبيِّ وَّ لعبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصى: ((صُمْ يَوْمًا مِنَ الشَّهْرِ
(١) فى ص ١٦: ((التيمى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧١/٢٣.
(٢) فى ص ١٦، ص ١٧، م: ((كليبا))، وفى ص٢٧: ((كلبيا)).
(٣) فى د، م: ((التفصيل)).
(٤) الدارقطنى ١٩٠/٢. وتقدم تخريجه ص١٩١ .
(٥) فى د: ((يصوم)).
(٦) فى ج، م: ((هو)).
(٧) عبد الرزاق (٧٤٧٣) .
٢١١
الموطأ
التمهيد الفهم والنظرٍ مِمَّن يُجْرَحُ به عطاءٌ ويُدْفَعُ ما رواه. وقد اختُلِف على القاسم فى
حكايته تلك؛ فروّى سعيدُ بنُ منصورٍ، عن إسماعيلَ ابنٍ عُلَيَّةً، عن خالد
الحذَّاءِ، عن القاسمِ بنِ عاصم، قال : قلتُ لسعيدِ بنِ المسيَّبِ: ما حديثٌ
حدَّثَناه عنك عطاءٌ الخُراسانىُّ؟ قال: ما هو ؟ قلتُ: فى الذى وقَع على امرأتِه
فى رمضانَ. فذكّر الحديثَ هكذا، قال فيه: حدَّثنا عنك عطاء الخُراسانىُّ ◌ُ).
القبس
ولَكَ أْز ما تقی))() . وقد خوَّج الدارقطنُ فیہ أن يصومَ ثلاثین یومًا . وقد ثبت عن
النبيِِّوَلّفى المصنَّفاتِ أنه قال: ((مَنْ أَقْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلا
عِلَّةٍ، لَمْ يَقْضِه صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ))(٥). وإذا كان هكذاً) فيوم بيومٍ، والتوبةُ
معروضةٌ، إذْ لا سبيلَ إلى قضائِه أبدًا بعينه، ولا ( مثلُه يُؤْجَى " أبدًا، فلم يَقَ إلا أن
يُقَابَلَ يوم بيومٍ، ويقابلَ عظيمُ الذنبِ بخالصٍ التوبةِ .
تكملةٌ: قالت الشافعيةُ: لمَّا أوجب النبيُّ وَله على الأعرابيّ الكفارةَ وترك
المرأةَ ، دلَّ على أنه لا کفارةَ علیها ، إذ لو وجبت لبيّن وجوبها عليها ، كما قال فى
حديثٍ العَسِيفِ: ((واغْدُ يا أَنَهِسُ على امْرَأَةٍ هذا، فإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا))(". قلنا:
(١) فى الأصل: ((عن)).
(٢) أخرجه العقيلى ٤٠٦/٣ من طريق سعيد بن منصور به.
(٣) مسلم (١٩٢/١١٥٩).
(٤) الدارقطنى ١٩١/٢ .
(٥) تقدم تخريجه ص١٩٦ .
(٦) فى ج، م: ((هذا)).
(٧ - ٧) فى ج: ((مثل له يوجد)).
(٨) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٥٩٤) من الموطأ .
٢١٢
الموطأ
وروى أبو صالح ، عن الليث بن سعد ، عن عمرو بن الحارثِ ، عن أيوب
السَّخْتِيانىٌ، عن القاسم، أنه قال لسعيدِ بنِ المسيَّبِ: إن عطاءَ بنَ أبى رباح
حدَّثنى، أن عطاءً الخُراسانىَّ حدَّثه عنك فى الرجلِ الذى أَتَّى رسولَ اللهِ وَآتِ،
وقد أَفْطَر فى رمضانَ، أنه أمَره بعتقٍ رقبةٍ، فقال: لا أجِدُها. فقال: ((فَأَهْدِ
جَزُورًا)). قال: لا أجِدُها. قال: ((فَتَصَدَّقْ بعشرينَ صاعًا مِن تمرٍ)). قال
التمھید
القبس
يا عجبًا لكم، يشتركان فى وجوبِ الصومٍ، وفى تحريم الجماع، وفى الھَتْكِ
وموجَبِهِ مِن الإثم، وفائدتِه مِن اللَّذةِ، ويفترقان فى الكفارة، أين هذا من
تحرِّيكم فى النظرِ ، وإلحاقِكم أقربّ مِن هذا بأبعدَ منه فى أحكامٍ سرَدْناها فى
موضعِها؟! وإنما سكّت النبيُّ بَّهِ؛ لأن بيانَه لحكم الرجلِ بيانُه لحكمِ المرأةِ،
وهما سِيَّانٍ، وإنما لم يَعَثِ النبىُّ إليها بالبيانِ؛ لأن زوجها يبلّغُه وغيرَه کتبليغِ
سائرٍ الأحكامِ، ولم تُؤْسِلْ رسولاً؛ لأن استيفاء الكفارة ليس إليه، وإنما هى
موكولةٌ إلى أمانةِ المكفِّرِ يُخْرِجُها إذا قدَرِ متى شاء، بخلافٍ الحدِّ فإن استيفاءَه
إلى الإمامِ .
تنبية: قال الأعرابيُ: احترَقتُ، هلَكْتُ. قال له: ((وماذا فعَلتَ؟)). قال:
أصبْتُ أهلى وأنا صائمٌ. فأمَره النبىُ وَّهِ بالكفارة، وتعلَّقَتْ بمعنى الفعلِ، وهو
هتكُ الحرمةِ بالفطرِ لا بلفظِهِ، وهى الإصابةُ . وقالت الشافعيةُ : يتعلَّقُ الحكمُ بلفظِ
الجماع؛ لأن الأكلَ ليس فى معناه، ألا تَرَى أنه لم يساوِه فى تحريمِ المِلَّةِ،
فكذلك(١) لا يساوِيه فى تحريمِ رمضانَ؛ فإن الرجلَ إذا زنَى بزوجِ الغيرِ يُرْجُمُ ، فإذا
(١) فى د: ((إذ)).
(٢) فى ج: ((لذلك))، وفى م: ((فذلك)).
٢١٣
الموطأ
التمهيد
سعيدٌ: كذَب الخُراسانىُ، إنما قلتُ: ((تصَدَّقْ، تصَدَّقْ)) (١. ففى هذه الروايةِ
أن القاسمَ هذا قال لسعيدٍ: إن عطاءَ بنَ أبى رباح حدَّثنى أن عطاءً الخُراسانىّ
حدَّثْه عنك، وفى الروايةِ الأولى أن القاسمَ هذا قال لسعيدٍ: ما حديثٌ حدَّثناه
عنك عطاءِ الخُراسانىُّ؟ وهذا اضْطِرابٌ وباطلٌ .
ورؤَى حمادُ بنُّ زيدٍ هذا الخبرَ عن أيوبَ ، قال: حدَّثنى القاسمُ بنُ عاصمِ،
قال: قلتُ لسعيدِ بنِ المسيَّبِ: إن عطاءً الخُراسانىَّ حدَّثْنى عنك أن النبيَّ وَله
أمَر الذى واقَع امرأته فى رمضانَ بكفارةِ الظُّهارِ. فقال: كذَب ، ما حدَّثتُه ، إنما
بلَغنى أن النبيَّ ◌َهِ قال له: ((تَصَدَّقْ، تَصَدَّقْ)). فهذه مثلُ روايةٍ خالدٍ
(٢)
الحذَّاءٍ(٢) .
القبس
أكّل مالَ الغيرِ أَدُّب . قلنا: وإن افترقا فى تحريم الملَّةِ إلا أنهما قد استویا فی التحریم
هلهنا، وفى الهتكِ، فإنهما يباحان جميعًا ليلًا فى الزوجيّةِ() ويَخْرُمان(٤) نهارًا إِباحةً
مستويةً و(٥)تحريمًا متساويًا(٢)، وزيادةُ التحريم فى ملكِ الغيرِ مسألةٌ أخرى لها
حكمُها، وقد نِيطَتْ بها عقوبتُها، فأما فى مسألتِنا فقد هتَك حرمةَ رمضانَ بفطرٍ
متعمّدًا، فَلَزِمته الكفارةُ كما لو جامَع، ويَعْتَضِدُ هذا بقولِه: إن رجلًا أفطَر فى رمضانَ
فأمَره أن يكفِّرَ. وهذا هو الإيماءُ الصريحُ الدالُّ على صحةٍ عَّةِ الأصلِ كقوله: زَنَّى
فرُجِم، وسها فسجَد، وسرَق فقُطِع. ولا يُحْصَى ذلك كثرةً .
٠
(١) أخرجه العقيلى ٤٠٦/٣ من طريق أبى صالح به .
(٢) أخرجه البخارى فى تاريخه ٤٦/ ٤٧٤، والعقيلى ٣/ ٤٠٥، ٤٠٦ من طريق حماد به.
(٣) فى ج، م: ((الزوجة)).
(٤) فى د: ((بياجان)).
(٥) بعده فى د: ((يحرمان)).
(٦) فى م: ((مستويًا)).
٢١٤
الموطأ
التمهيد
وأما قولُ حمادٍ بن زيدٍ فى حديثه: إن النبيَّ بَّهِ أَمَر الذى واقَع
امرأتَه فى رمضانَ بكفَّرةِ الظُّهارِ . فإن الروايةَ الثابتةَ عن أبى هريرةً ، مِن
رواية ابنِ شهابٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هريرةَ، أن
النبيَّ وَّ أَمَر الذى وقَع على امرأتِه فى رمضانَ بالكفارة على ترتيبٍ
كفارةِ الظُّهارِ (١).
هكذا رواه ابنُ عيينةً(٢)، ومَعمرُ (٣)، والأوزاعيّ(٢)، والليثُ بنُ سعدٍ (١)،
ومنصورُ بنُ المعتمر ، وغیرُهم، عن ابن شهاب، بإسنادِه على ترتيبٍ كفارةٍ
الظّهارِ .
ورواه مالك ، وأبو أُوتِس(٤) ، وابنُ جریچٍ، عن ابن شهابٍ پاسنادِه المذكورِ
على التخييرِ، وقد ذكرنا ذلك کلَّه فى بابِ ابنِ شهابٍ مِن هذا الكتاب(١) ، فلا
معنی لتکریر ذلك هلهنا .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ويَعِيشُ بنُ سعيدٍ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُّ أبى العَوَّامِ ، قال: حدّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ،
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٦٦٦).
(٢) تقدم تخريجه ص ١٨٧.
(٣) تقدم تخريجه ص ١٨٩.
(٤) فى الأصل: ((أنيس)). وينظر تهذيب الكمال ١٦٦/١٥.
(٥) تقدم ص ١٨٧ - ١٨٩.
٢١٥
الموطأ
التمهيد قال: أخبرنا الحَّائجُ بنُ أَرْطاةَ ، عن إبراهيم بنٍ عامٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ،
وعن الزهرى ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبى هريرةً، قال : بينما نحن عندَ
رسولِ اللهِ وَ ل﴿ إِذ جاءه رجلٌ يَنْتِفُ شعرَه، ويَدْعُو ◌َيْلَه، فقال له رسولُ اللهِ
وَهِ: ((مالَكَ؟)). قال: وقَع على امرأتِه(١) فى رمضانَ. قال: ((أَعْتِقْ رَقَبَةً)).
قال: لا أَجِدُها. قال: ((صُمْ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْنِ)). قال: لا أَسْتَطِيعُ. قال:
((أَطْعِمْ سِتِّين مِسْكِينًا)). قال: لا أَجِدُ. قال: فَأَتِى رسولُ اللهِ وَهِ بِعَرَقٍ فيه
خمسةَ عشَرَ صاعًا مِن تمرٍ، فقال: ((خُذْ هذا فأَطْعِمْه عنك سِتِين مِسْكِينًا)) .
قال: يا رسولَ اللهِ، ما بينَ لابَيْها أهلُ بيتٍ أفقرُ منا. قال: ((كُلْه أنت
(٢)
وعِيالُك))(٢) .
وهكذا رواه الجمهورُ مِن أصحابِ الزهرىِّ على هذا الترتيبٍ . وقال فيه
معمرّ: قال الزهرىُّ: وإنما كان هذا رخصةً له خاصَّةً ، فلو أن رجلًا فعَل ذلك
اليومَ لم يَكُنْ له بُدٌّ مِن التكفيرِ. وقد ذكرنا ما للفقهاءِ فى تأويلِ أمْرِ رسولِ اللهِ
وَّوَ إِيَّه بأكلٍ ذلك العَرَقِ مِن التمرِ هو وِيالُه، وفى وجوبٍ الكفارة عليه إذا
أیسر، فی باپ ابن شهاب ١، بما يُغْنِی عن ذِكْرِه هلهنا .
وأما ذِْرُ البَدَنةِ فى هذا الحديث فهو موجودٌ مِن حدیث مجاهدٍ وعطاءٍ ،
عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَّه، وفيها اضْطِرابٌ، ولا أعلمُ أحدًا كان يُفْتِى
القبس
(١) فى ص ٢٧: ((أهله)).
(٢) أخرجه أحمد ٥٣٢/١١ (٦٩٤٤)، والدارقطنى ١٩٠/٢، والبيهقى ٢٢٦/٤ من طريق يزيد به.
(٣) تقدم ص ١٩٩ - ٢٠١ .
٢١٦
الموطأ
بذلك مِن أهلِ العلم إلا الحسنَ البَصْريَّ، فإنه قال: إذا لم يَجِدِ المُجامِعُ فى التمهيد
رمضانَ - يعنى عامِدًا غيرَ معذورٍ - رَقَبَةٌ أَهدَى بَدَنةً إلى مكةً(١).
وقد حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال:
حدَّثنا أحمدُ بنُ يزيدَ المُعَلِّمُ ، قال: حدَّثنا موسى بنُ مُعاويةَ الصُّمادِحىُّ ، قال:
حدَّثنَا جَرِيرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ
﴿َّ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى وقَعْتُ على أهلى فى رمضانَ. قال: «بِثْسما
صنَعْتَ، أَعْتِقْ رَقَبَةً)). قال: لا أَجِدُها. قال: ((انْحَرْ بَدَنَةً)). قال: لا أَجِدُها .
قال: ((اذْهَبْ فَتَصَدَّقْ بعشرينَ صاعًا، أَو أحدٍ وعشرينَ صاعًا مِن تَمْرٍ)). قال:
لا أجِدُ. قال: ((فَجِئْنِى أَتَصَدَّقْ عنك)). قال: ما بينَ لا بَيِها أهلُ بيتٍ أُخْوَجُ إليه
مِنِّى. قال: ((اذْهَب فكُلْه أنتَ وأهلُك)) ..
ففى هذا الحديثِ أنه قال له: ((انْحَرْ بَدَنَةً)). إذ قال: لا أَجِدُ رقبةً . وهكذا
روایةُ عطاءٍ .
وذكر البخارىُّ فى ((التاريخ))(١) قال: حدَّثنا ابنُ شَريك، قال: حدّثنی
أبى، عن ليثٍ، عن عطاءٍ ومُجاهدٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيُّ وَ قال: ((أَعْتِقْ
رقبةً )). ثم قال: ((انْحَرْ بَدَنَةً)). قال البخاریُّ: ولا يُتابعُ عليه .
قال البخارىُّ(٢): وقال عارِمٌ، عن أبى عَوانةً، عن إسماعيلَ بنِ سالمٍ، عن
القبس
(١) أخرجه الدارمى (١١٤٤).
(٢) التاريخ الكبير ٦/ ٤٧٥.
(٣) التاريخ الكبير ٤٧٥/٦. بلفظ: ((أُعتق رقبة ثم صوم ثم ستين مسكينًا)).
٢١٧
الموطأ
التمهید
مجاهدٍ، عن النبيِّ وَ له مثلَه.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أَصْبَغَ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ البِرْتُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحمیدِ ، قال:
حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن إسماعيلَ بنِ سالم، عن مجاهدٍ، أن النبيَّ وَّهِ أُمَر
الذى أفْطَر يومًا مِنْ) رمضانَ بكفارةِ الظُّهارِ(١) .
وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا البِرْتُ، قال: حدَّثنا
یحیی بنُ عبدِ الحمید ، قال : حدثنا مُشَئم ، أخبرنا لیثٌ ، عن مجاهدٍ ، عن أُبی
هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ مثلَه(٣).
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال : حدَّثنا عثمانُ بنُ أحمدَ
الخَلَّالُ، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ عبدِ الواحدِ البَزَّارُ، قال: حدَّثنا أبو الجُماهِرِ
محمدُ بنُ عثمانَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَّ بشيرٍ يقولُ: عن قتادةً ، عن سعيدِ بنِ
المسيّبِ، أن الرجلَ الذى وقع على أهلِه فى رمضانَ فى عهدِ رسولِ اللهِ وَله
سلمانُ(٤) بنُ صَخْرٍ أَحدُ بنى بياضَةً، فقال له النبيُّ وَلِّ: ((تصَدَّقْ)).
قال أبو عمرَ: أظنُّ هذا وهمًا؛ لأن المحفوظَ أنه ظاهرَ من امرأته ، ثم وقَع
القبس
(١) فى الأصل، ص ٢٧، م: ((فى).
(٢) أخرجه البيهقى ٢٢٩/٤ من طريق يحيى به .
(٣) أخرجه الدارقطنى ١٩٠/٢، ١٩١، والبيهقى ٢٢٩/٤ من طريق يحيى به.
(٤) سلمان بن صخر هو سلمةُ بن صخر المتقدم ص ٢٠٠، قال ابن حجر: وسلمة أصح. الإصابة
١٥٠/٣، ١٥١.
٢١٨
ما جاء فى حجامةٍ الصائم
الموطأ
٦٦٨ - حدّثنی یحتی، عن مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ
عمر ، أنه کان یحتچِمُ وهو صائمٌ ، قال : ثم ترك ذلك بعدُ ، فكان إذا
صامَ لم يحتجِمْ حتى يُفطِرَ .
عليها، لا(١) أنه كان ذلك منه فى رمضانَ . واللهُ أعلمُ .
التمهيد
باب ما جاء فى حجامةِ الصائمِ
الاستذكار
ذگر فیه مالكٌ ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أنه کان یحتجِمُ وهو
صائمٌ. قال: ثم ترَك ذلك بعدُ، فكان إذا صام لم يحتجِمْ حتى يُفطرَ .
حجامةُ الصائمِ
القبس
اختلف الناسُ فى حجامةِ الصائم ؛ فذهَب جماعةٌ إلى أنه يُقضَى بفطرِ الحاجم
والمحجومٍ، منهم أحمدُ بنُّ حنبلٍ؛ للحديثِ المروىِّ فى ذلك: ((أَفْطَرَ الحَاجِمُ
والمخجومُ)) ) . وقد كنا فى أثناء دروسٍ «مسائل الخلاف» قيدنا عن یحیی بن معينٍ
أنه قال : لا یصِحُ فی ذلك حديثٌ عن النبى (ێچ) . وخرّج الأئمةُ منھم ابنُ عباسٍ :
(١) فى ص ١٦، ص ٢٧: ((إلا)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٥٥)، وبرواية يحيى بن بكير (٨/٧و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٨٣٨). وأخرجه الشافعى ٩٧/٢ والبيهقى فى المعرفة (٢٥٤٥) من طريق مالك به.
(٣) سيأتى تخريجه ص٢٢٣ - ٢٢٥ .
(٤) ينظر نصب الراية ٤٨٢/٢، وفتح البارى ١٧٧/٤ .
٢١٩
٠٠
الموطأ
الاستذكار
القبس
احتجَم النبِىُِّ نَّه وهو صائمٌ(١). وحديثُ أنس: هَلْ كُثْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجَامَةَ
لِلصَّائم؟ قال : نعم ، ولكنْ مَخَافَةَ التَّغْرِير (١) . و کنتُ متردّدًا بین حديث يُروى عن
النبىِّ وَّهِ، وبينَ فعلٍ فَعَله يخالِفُ القولَ ، وأسوقُ النظرَ على هذين الأصلين، وأقابلُ
وجوة الترجيحِ بينَهما، حتى أخبرنا القاضى أبو المظفَّرِ ) ، قال : أخبرنا أبو نعيمٍ،
قال : أخبرنا ابنُ فارس ، قال : أخبرنا يونسُ ، قال : أخبرنا أبو داود ، قال : أخبرنا
هشامُ الدَّستُوائىُّ، أن يحيى بنَ أبى كَثيرِ حدَّثه، أن أبا قلابةَ حدَّثه، أن أبا أسماء
الرَّحْبيَّ حدَّثه، عن ثوبانَ، أن رسولَ اللهِ وَ لّه قال: ((أَفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ)) ".
فقلتُ : هذا حديثٌ صحيحٌ لا كلامَ فيه، وكنتُ تارةً أحمِلُه على ظاهرِهِ ، وتارةً أَتأوَّلُه
فأقولُ: إن معنى ((أفطّر)). كذا. على التأويلاتِ المعلومة التى لا تقومُ على ساقٍ ،
حتى أخبرنا أبو الحسينِ المباركُ بنُ عبدِ الجبارِ ، أخبرنا القاضى أبو الطَِّبِ، أنا
علىُّ ابنُ عمّر، نا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: ثنا عثمانُ بنُ أبى شيبةً،
ثنى١) خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، نا عبدُ اللهِ بنُّ المثنى ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: مَرَّ النبىُّ
وَ﴿ بجعفر بن أبى طالبٍ وهو يَحْتَجِمُ فقال: ((أَقْطَر هذانٍ)). ثُمَّ رخَّص رسولُ اللهِ
بَعْدَ ذلكَ فى الحِجَامَةِ للصَّائِم (١) . وهذا نصّ بيِّنٌ فيه ثلاثُ فوائدَ؛ أحدُها ، بينَ
(١) سيأتى تخريجه ص٢٢٤، وفى شرح الحديث (٧٨٩) من الموطأ .
(٢) البخارى (١٩٤٠) بنحوه .
(٣) فى ج: ((المطهر)).
(٤) الطيالسى (١٠٨٢). وأخرجه أحمد ٦٤/٣٧ (٢٢٣٨٢)، وأبو داود (٢٣٦٧)، والنسائى فى
الكبرى (٣١٣٧) من طريق هشام به .
(٥) فى د، م: ((الحسن)). وتقدم على الصواب فى ٣٨٧/٦.
(٦ - ٦) فى ج، م: ((نا)). وينظر مصادر التخريج.
(٧) أخرجه ابن بشكوال فى غوامض الأسماء ٤٨٧/١ عن أبى الحسين به. وهو عند الدارقطنى=
٢٢٠