النص المفهرس

صفحات 161-180

الموطأ
إِنَّ الفِطرَ فى السَّفَرِ عَزْمَةٌ لا ينبغِى تَركُها. وحديثُ هذا البابِ يَؤُدُّ هذه التمهيد
الأقاوِيلَ، ويُبْطِلُها كلّها. وقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ فى هذه المسألةِ :
خُذْ يُشْرِ اللهِ. وهذا منه إباحَةٌ للصومِ والفِطْرِ للمُسافِرِ، خِلافُ
القولينِ اللذين ذكّرناهما عنه.
وعلى إباحَةِ الصومِ والفِطْرِ للمسافِرِ جماعةُ العلماءِ وأئمَّةُ الفقهِ بجميعِ
الأمصارِ، إِلَّا ما ذكرتُ لك عمَن قدَّمنا ذِكْرَه، ولا حُجّةَ فى أحَدٍ مع السُّنةِ
الثابِتَةِ، هذا إن ثبت ما ذكرناه عنهم، وقد ثبت عن النبيِّ وَلّ مِن وُجُوهِ أَنَّه صام
فى السَّفرِ، وأَنَّه لم يَعِبْ على مَن أفطَر، ولا على مَن صام . فثبَتَتْ حُجَّتُه، ولَزِم
التَّسليمُ له ، وإنَّما اختلف الفقهاءُ فى الأفضَلِ مِن الفِطرِ فى السَّفَرِ أو الصَّوْمِ فيه
لِمَن قَدَر عليه؛ فَرُوِّينا عن عُثْمانَ بنٍ أبى العاصى الثقفىٌّ، وأنسٍ بنِ مالِكِ،
صاحِبَىْ رسولِ اللهِ وَلِّ، أَنَّهما قالا: الصومُ فى السّفرِ أفضلُ لِمَن قَدَر عليه(١) .
وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه. ونحوُ ذلك قولُ مالكِ والثورِىِّ؛ لأنَّهما قالا :
الصومُ فى السَّفَرِ أحَبُّ إلينا لِمَن قَدَر عليه. فاستَدلَلنا أنَّهم لم يَسْتَحسِنوه إِلَّا أنَّه
أفضلُ عندَهم . وقال الشَّافعىُّ ومَنِ اتَّبَعه: هو مُخيَرٌ. ولم يُفَضِّلْ. وكذلك قال
ابْنُ عُليَّةَ. وقد رُوِى عن الشّافعىِّ أنَّ الصومَ أَحَبُّ إليه . ولم يُختلفْ عن ابنِ عُليَّةَ
أَنَّه لا يُفَضِّلُ. وهو ظاهِرُ حديثٍ أَنَسٍ هذا. ورُوِى عن ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ أَنَّ(،
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤/٣.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥/٣، ١٦.
(٣) ليس فى : الأصل ، م .
١٦١
( موسوعة شروح الموطأ ١١/٩)

الموطأ
التمهيد
الُّخْصَةَ أَفضَلُ(١) . وبه قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ، والشعبىُّ، وعمرُ بنُ
عبدِ العزيزِ، ومجاهدٌ، وقتادَةُ، والأوزاعِىُّ، وأحمدُ بنُّ حنبل، وإسْحاقُ بنُ
راهُويَه، كلُّ هؤلاءٍ يقولون: إنَّ الفِطِرَ أفضَلُ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ اُلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ورُوِیَ عن ابنِ عباسٍ
مِن وُجُوهٍ: إنْ شاءَ صامَ، وإِنْ شاءَ أَقْطَرَ. وهو الثابتُ عن النبيِّ وَّرِ، مِن حَدِيثٍ
أَنَسٍ، وابنِ عباسٍ، وأبى سعيدٍ، وحَمْزَةَ بنِ عَمْرٍو الأُسْلَمِىِّ .
حدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ
ابنُّ خالدٍ ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ،
قال : حدَّثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن مجاهِدٍ، عن طاوسٍٍ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: قد صامَ رسولُ اللهِ وَلَهفِى السَّفَرِ، فمَنْ شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أَقْطَرَ(١).
قال علىّ: وكذلك رواه أبو عَوَانَةً، عن مَنْصُورٍ بإسنادِهِ؛ حدَّثناه فهدُ(٤) بنُ
عَوْف ، قال : حدثنا أبو عوانةً ، عن منصُورٍ ، عن مجاهدٍ ، عن طَاؤُسٍ ، عن ابنِ
عباسٍ، أن (١) النبىّ ◌َل﴾. فذكَر الحديثَ(١).
القبس
(١) تقدم معناه عن ابن عباس الصفحة السابقة، وذكره ابن حزم ٣٧٣/٦ عن ابن عمر بنحوه.
(٢) فى م: (محمد)).
(٣) أخرجه ابن جرير فى تهذيب الآثار (١١٦ - مسند ابن عباس) من طريق إسرائيل به، وتقدم
تخريجه ص ١٤٦.
(٤) فى ق: (محمد))، وفى م: ((فضل)). وينظر الجرح والتعديل ٣/ ٥٧٠.
(٥) فى الأصل، ك ١، م: ((عن).
(٦) أخرجه أحمد ٣٩٨/٤ (٢٦٥٢)، والبخارى (١٩٤٨)، وأبو داود (٢٤٠٤)، وابن حبان =
١٦٢

الموطأ
التمهيد
قال: ورَوَاه شعبةُ ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ. لم يَذْكُرْ
طَاؤُسًا؛ حدَّثنا مسلِمٌ، قال: حدَّثنا شعبةُ. فذكره(١).
قال أبو عمرَ: كان حُذَيْفَةُ رَحِمَه اللهُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والشَّغْيِىُ، وأبو
جَعْفَرٍ محمدُ بنُ علىٍّ، لا يَصُومُون فى السَّفَرِ، وكان عُمْرُو بنُ ميمونٍ ، والأسودُ
ابنُ يَزِيدَ ، وأبو وَائِلٍ، يَصُومُون فى السَّفَرِ، وكان ابنُ عمرَ يَكْرَهُ الصِّيامَ فى
السَّفَرِ. وعن سعيدِ بنِ جُبَيٍ مثلُه(٣) .
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عثمانَ،
قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ صالحٍ،
قال : حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ الرَّقُ ، قال: حدثنا عُبیدُ اللهِ بنُ عمرو، عن
عبدِ الكريمِ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍٍ، قال: إنَّما أرادَ اللهُ بِرُخصَّةٍ
الفِطرِ فى السَّفرِ التيسيرَ عليكم، فمَن تيسّرَ عليه الصومُ فلْيصُمْ، ومَن تيشَّرَ
عليه الفطرُ فلْيُفطِوُ(١) .
فإن قال قائلٌ ممَن يميلُ إلى قولِ أهلِ الظَّاهرِ فى هذه المسألةِ : قد ژُوِی عن
النبيِّ وَّهِ أَنَّه قال: ((ليس البِرّ - أو: ليس مِن البِرّ - الصِّيامُ فى السَّفرِ)). وما لم
يكَنْ مِن البِرّ فهو مِن الإثم. واستدلَّ بهذا على أنَّ صومَ رمضانَ فى السَّفَرِ لا
القبس
= (٣٥٦٦) من طريق أبى عوانة به.
(١) تقدم تخريجه ص ١٥٠.
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٤/٣، ١٥.
(٣) أخرجه الفريابى فى الصيام (١١١)، والطحاوى فى شرح المعانى ٦٦/٢ من طريق عبيد الله به.
١٦٣

الموطأ
التمهید
يُجْزِئُّ. فالجوابُ عن ذلك أنَّ هذا الحديثَ خرَج لفظُه على شخصٍ معيَّنٍ؛
وهو رجلٌ رآه رسولُ اللهِ وَ لَه وهو صائمٌ قد ظُلِّلَ عليه، وهو يَجودُ بنفسِه ، فقال
ذلك القولَ ، أى: ليس البِرّ أن يبلُغَ الإنسانُ بنفسِه ذلك المبلّغَ ، واللهُ قدرځّص
له فى الفِطرِ. والدليلُ على صحّةٍ هذا التأويلِ صومُ رسولِ اللهِ وَ لّ فى السّفرِ،
ولو كان الصومُ فى الشَّفْرِ إثمًا، كان رسولُ اللهِ وَلِ أَبعَدَ الناسِ منه .
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحيم، قال: حدَّثنا
إبراهِيمُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنی عَمّى إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا
إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قالُ(١) : حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ ، عن عُمارَةَ بنِ غَزِيَّةً ،
عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد (١) بن زُرَارَةً، قال : قال جابر :
بَيْنَا رسولُ اللهِ وَله عامَ تَبُوكَ يسيرُ بعدَ أن أضحَى، إذا هو بجماعةٍ فى ظِلِّ
شجرةٍ، فقال: ((ما هذه الجماعةُ؟)). فقالوا: رجلٌ صام فجَهَدَه الصَّوْمُ. فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ليس(٢) البِرَّ أنْ تَصُومُوا فى السَّفَرِ)) ().
قال إسماعيلُ : وحدّثنا حفصُ بنُ عمرَ ، قال : حدّثنا شعبةُ ، عن محمدِ بنِ
القبس
(١) بعده فى ك ١: ((ثنا ابن حماد قال)). وينظر تهذيب الكمال ١٨٧/١٨.
(٢) فى ق: ((أسعد)). وكلاهما قيل فى اسمه. وينظر تهذيب الكمال ٥٨٨/٢٥، ٦٠٩.
(٣) بعده فى ق، والنسائى: ((من).
(٤) أخرجه الشافعى فى مسنده ٤٦٩/١ (٧١٨)، والبخارى فى تاريخه ١/ ١٩٠، والفريابى فى
الصيام (٧٦) من طريق عبد العزيز به، وأخرجه أحمد ١٠٦/٢٣ (١٤٧٩٤)، والنسائى (٢٢٥٦)،
وابن حبان (٣٥٥٣، ٣٥٥٤) من طريق عمارة بن غزية به .
١٦٤

الموطأ
عبد الرحمنِ، عن محمد بنٍ " عمرو بنٍ حسنٍ - أو ابنٍ حسين - عن جابر بنٍ التمهيد
عبد الله نحوه .
وأخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ، قال: حدَّثنا أبو محمد الحسنُ(١) بنُ
يحيى القُلْزُمِىُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ علىِّ بنِ الجارُودِ، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ هاشِم٢) ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن محمدٍ بن عمرو بن الحسن، عن جابٍ بنٍ
عبدِ اللهِ، أَنَّ رسولَ اللهِ فِ لّهِ كان فى سَفَرٍ، فرأى رجلاً عليه زِحَامٌ وقد ظُلِّلَ
عليه، فقال: ((ما هذا؟)). قالوا: صائمٌ. قال: ((ليس مِن البِرّ - أو: ليس
البِرَّ - أن تصومُوا فى السّفرٍ))".
هكذا قال: محمدُ بنُ عمرو بن الحسنِ. وَيَحتمِلُ قولُه ◌َلِّ: (( ليس البِرّ
الصیامُ فی السّفر )» . أی : ليس هو أبڑ الپرٌ؛ لأنَّه قد یگونُ الإفطار أبو منه إذا كان
فى حجّ أو جِهَادٍ ؛ ليَقوَى عليه ، وقد يكونُ الفِطرُ فى السَّفَرِ المباح ◌ِوًّا؛ لأَنَّ اللهَ
أباحه. ونظِيرُ هذا مِن كلامِه وَّهِ: ((ليس المسكينُ بالطوَّافِ الذى ترُدُّه التَّمرةُ
القبس
(١ - ١) فى ك١: ((عمرو بن حسن))، وفى ق: ((عمر بن حسين).
(٢) فى ق: ((الحسين)).
(٣) فى ق: ((هشام). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٧/١٦.
(٤) ابن الجارود (٣٩٩). وأخرجه أحمد ٣١٧/٢٢ (١٤٤٢٦)، والنسائى (٢٢٦١) من طريق
يحيى بن سعيد به، وأخرجه أحمد ١٠٣/٢٢، ٣٠٢، ٤٢٤/٢٣ (١٤١٩٣، ١٤٤١٠،
١٥٢٨٢)، وعبد بن حميد (١٠٧٧ - منتخب)، والبخارى (١٩٤٦)، ومسلم (٩٢/١١١٥)،
وأبو داود (٢٤٠٧) من طريق شعبة به .
١٦٥

الموطأ
التمهيد والتَّمرتان، واللَّقمةُ واللَّقمتان)). قيل: فمَن المسكينُ؟ قال: ((الذى لا يسألُ،
ولا يجِدُ ما يُغنِيه، ولا يُفْطَنُ له فيتصَدَّقَ عليه)) (١). ومعلومٌ أنَّ الطََّّافَ مسْكِينٌ،
وأنَّه مِن أهلِ الصدَقَةِ إذا لم يكُنْ له شىءٌ غيرُ تَطْوافِه. وقد قَال ◌َّهِ: ((رُدُّوا
المسكينَ ولو بِكْرَاعٍ مُخْرَقٍ)). و: ((رُدُّوا السَّائِلَ ولَو بظِلْفٍ مُحْرَقٍ))(٢).
وقالت عائشةُ: إِنَّ المسكِينَ لَيَقِفُ على بابِى. الحديث(٣). وقال اللهُ عزَّ وجلَّ:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]. فَأَجْمَعوا أنَّ الطَّرَّافَ
منهم، فعُلِمَ اُنَّ قولَه ◌َالتِ: ((ليس المشکِینُ بالطّوَّافِ علیکم)). معناه : ليس
السائلُ بِأُشَدِّ الناسِ مسكّنَةً؛ لأَنَّ المُتَعَفِّفَ الذى لا يَسألُ الناسَ ولا يُفْطَنُ له أشَدُّ
مَشْكّنَةً منه. فكذلك قولُه: ((ليسَ البرَّ الصيامُ فى السَّفَرِ)) . مَعْناه: ليس البِرُ كلُّه
فى الصِّيامِ فى السَّفَرِ؛ لأنَّ الفِطْرَ فى السفَرِ بِرّأيضًا لِمَنْ شاء أن يأْخُذَ برُخصَةِ اللهِ
تعالَى ذِْرُه .
وأمّا قولُه: ((ليس من البِرّ)). فهو كقَوْلِه: ((ليس البِرّ)). و ((مِن)) قد تكونُ
زائدةً؛ كقولهم: ما جاءَنى مِن أَحَدٍ. أى: ما جاءَنى أَحَدٌ . واللهُ أعلمُ .
فأمَّا مَن احْتَجَّ بقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وزَعَمَ أَنَّ ذلك عَزْمَةٌ، فلا دليلَ معه
على ذلك؛ لأنَّ ظاهرَ الكلام وسياقَه إنَّما يدُلِّ على الرُّخصَّةِ والتَّخِيرِ.
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٧٧٩).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٧٨٠).
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٨٠) من الموطأ .
١٦٦

الموطأ
والدليل على ذلك قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ التمهيد
بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ودليلٌ آخَرُ؛ وهو إجماعُهم أنَّ المرِيضَ إذا
تحامَلَ على نفسِه فصامَ ، وأتمّ صومَ (١) يومِه ، أنَّ ذلك مُجْزِئٌ عنه، فدَلَّ على أنَّ
ذلك رُخْصَةٌ له، والمسافرُ فى التِّلاوَةِ وفى المَعْنَى مثْلُه. والكلامُ فى هذا أُوْضَحُ
مِن أنْ يُحتاجَ فيه إلى إكثارٍ. واللهُ المستعانُ .
وحدَّثنى أبو القاسِم خلفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا أبو الفَوَارِسِ أحمدُ بنُ
محمدِ بنِ الحُسينِ بنِ السِّندِىِّ، قال: حدَّثنا أبو الفَضلِ قاسِمُ بنُ محمدِ بنِ
الخَيَّاطِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصارِىُّ، قال: حدّثنا حُميدٌ
الطّويلُ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ، قال: سافَرنا مع رسولِ اللهِ بَّهِ، فصامَ قومٌ،
وأفطَرَ قومٌ ، فلمْ يَعِبِ الصَّائمُ على المُفْطِرِ ، ولا المُفْطِرُ على الصَّائمِ.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ
حمزة الحسينىُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطحاوِىُّ، قال: حدَّثنا المُزَنِىُّ،
قال: حدَّثنا الشَّافعىُ، قال: أخبرنا عبدُ الوَهَّابِ بنُ عبد المجيد الثقفىُّ،
عن محُميدٍ الطّويلِ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، قال: سافَرنا مع رسولِ اللهِ وَلّهِ؛
فمِنَّ الصائمُ، ومِنَّ المُفطِرُ، لا يَعِيبُ الصَّائِمُ على المُفطِرِ، ولا المُفطِرُ على
(٢)
الصَّائِمِ" .
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) الشافعى فى السنن المأثورة (٣١٩). وأخرجه ابن جرير فى تهذيب الآثار (١٣٧ - مسند ابن
عباس) من طريق عبد الوهاب الثقفى به .
١٦٧

الموطأ
التمهید
وبه عن الشَّافِعِيِّ، قال: وحدَّثنا عبدُ الوهَّابِ بنُ عبدِ المجيدِ، عن(١).
الجُرَيْرِىِّ، عن أبى نَضرَةَ، عن أبى سعيدِ الخُدرِىِّ، قال: كنا نسافِرُ مع
رسولِ اللهِ وَليه؛ منَّا الصَّائِمُ، ومنَّ المُفطِرُ، لا يَجِدُ الصَّائمُ على المُفْطِرِ، ولا
المُفطِرُ على الصِّائم ، يَرَوْن أَنَّه مَن وجَدَ قُوَّةً فصام ، أنَّ ذلك حسنٌ جَمِيلٌ، ومَن
وَجَدَ ضَعْفًا فَأَقْطَرَ، أن ذلك حَسَنٌ جميلٌ(١).
حدَّثنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حَكَم، قال: حدّثنا محمدُ بنُ
معاويةً، قال: حدَّثنا أبو خَلِيفَةَ الفضلُ بنُ الحُبابِ ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ
عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أبى نَضرةَ، عن أبى سعيد
الخدرىِّ، قال: خرَجنا مع رسولِ اللهِ وَلَه حينَ فَتَحَ مكةَ، لسبعَ عَشْرةً أو لتسعَ
عَشْرةَ بقِينَ مِنْ رمضانَ ، فصامَ صائمُون ، وأَقْطَر مُفطِرون، فلم يَعِبْ على
هؤلاء، ولم يَعِبْ على هؤلاء(٢) .
قال أبو عمرَ : هذا معنَى حسَنٌ ؛ لأَنَّه أضافَ الإِباحَةَ إلى النبيِّ عليه السَّلامُ،
وأَنَّه لم يَعِبْ على واحدةٍ مِن الطَّائفتَين، وهو مِنْ(٤) أُصَحِّ إِسْنادٍ جاء فى هذا
الحديث .
القبس
(١) سقط من: ق. وينظر تهذيب الكمال ٣٣٨/١٠.
(٢) الشافعى فى السنن المأثورة (٣٢٠). وأخرجه ابن خزيمة (٢٠٣٠) من طريق عبد الوهاب الثقفى به.
(٣) أخرجه ابن جرير فى تهذيب الآثار (١٤٨ - مسند ابن عباس) من طريق هشام به، وأخرجه
أحمد ٢٨٦/١٧، ٢١٨/١٨، ٣٧٥ (١١١٩١، ١١٦٨٤، ١١٨٧٠)، ومسلم (٩٤/١١١٦)،
والطحاوى فى شرح المعانى ٦٨/٢ من طريق شعبة به.
(٤) سقط من: ق .
١٦٨
.

الموطأ
ورَوَاه سعيدُ بنُ أبى عَرُوبَةً ، عن قتادَةَ بإسنادِه ، فقال فيه : خرَجنا مع النبيِّ التمهيد
نَّه لِثِنْتَىْ عَشْرةَ. وقال هِشَامٌ، عن قتادَةً فيه بإِسْنادِه: لِثَمَانَ عَشْرةَ(١).
وقد حدَّثْنَا خَلَفُ بنُ القاسِمِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى العَقِبِ بدمشقَ،
قال: حدَّثنا أبو زرعةً، قال: حدَّثنا أبو مُشهِرٍ(٢)، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ
عبدِ العَزِيزِ، عن عَطِيَّةَ بنِ قَيْسٍ ، عن قَزَعَةً ، عن أبى سعيد الخدرِىِّ ، قال :
آذَنَنا رسولُ اللهِنَّهِ بِالرَِّيلِ عامَ الفَتْحِ لليلتين(٤) خَلْنَا مِن رمضانَ،
فخرَجنا صُؤَّامًا حتى بلغنا الكَديدَ ، فأمَرَنا بالفِطْرِ، فأصبَحَ الناسُ منهم
الصَّائمُ ومنهم المُفطِرُ حتى بلَغْنا مَرَّ الظَّهْرانِ، فَاذَنَنا بلِقاءِ العدُوِّ، وأمَرنا
بالفِطرِ فأفطَرنا جميعًا (٥).
قال أبو عمرَ : عندَ سعيدِ بنِ عبدِ العزِيزِ فى هذا البابِ حديثان؛ أحدُهما
هذا: عن عَطِيَّةَ بنِ قيسٍ. والآخَرُ: عن إسماعيلَ بنِ عُبَيدِ اللهِ، عن أُمّ
الدَّرْدَاءِ، عن أبى الدَّرْدَاءِ. وهما صَحِيحان) . وفى هذا البابِ مسائلُ
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٢/١٨ (١١٤١٣)، ومسلم (٩٤/١١١٦)، والطحاوى فى شرح المعانى ٦٨/٢
من طريق سعيد به .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٦٨/٢ من طريق هشام به .
(٣) فى ك ١: ((مسعر)). وينظر تهذيب الكمال ٥٣٩/١٠.
(٤) فى ك ١: ((لثلاث)).
(٥) أخرجه الطبرانى فى مسند الشاميين (٣٠٣) عن أبى زرعة به، وأخرجه ابن جرير فى تهذيب
الآثار (١٥٢- مسند ابن عباس)، والطحاوى فى شرح المعانى ٦٦/٢ من طريق سعيد به.
(٦) أخرجه أحمد ٢٦/٣٦ (٢١٦٩٦)، ومسلم (١١٢٢)، وأبو داود (٢٤٠٩) من طريق سعيد
ابن عبد العزیز عن إسماعيل به .
١٦٩

الموطأ
٦٦٢ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، أن حمزةَ بنَ عمرٍو الأسلَمِيَّ قال لرسولِ اللهِ وَلَهُ: يا رسولَ اللهِ،
إنى رجلٌ أصومُ، أفأصُومُ فى السفرِ؟ فقال له رسولُ اللهِ وَالتِ: ((إن
شِئْتَ فَصُمْ، وإن شِئتَ فأُفطِرْ)).
التمهید
للفقهاء؛ مِنها ما اجتمعوا علیه، ومنها ما اختلفُوا فيه)، وقد ذگّرتُها فى بابٍ
ابنِ شهابٍ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ(١)، (وفى بابٍ سُمَىٌّ" . والحمدُ للهِ على
ذلك کثیرًا .
مالكٌ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، أن حمزةَ بنَ عمرٍو الأسلمىَّ قال
لرسولِ اللهِ وَلّ: يا رسولَ اللهِ، إنى رجلٌ أصومُ ، أَفأصومُ فى السّفرِ ؟ فقال له
رسولُ اللهِ وَ لّهِ: ((إن شئتَ فصُمْ، وإن شئتَ فَأُفطِرْ)).
هكذا قال يحيى: عن مالكِ، عن هشامٍ، عن أبيه، أن حمزةَ بنَ
عمرو. وقال سائرُ أصحابٍ مالكٍ: عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً،
أن حمزةَ بنَ عمرٍو الأسلمىَّ قال: يا رسولَ اللهِ، أصومُ فى السفرِ؟
وكان كثيرَ الصيامِ" .
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((قد اختلفوا فيه)).
(٢) تقدم ص١٣٩- ١٤٧.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
٥٠
وتقدم ص١٤٩- ١٥٨.
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٧٩٤). وأخرجه
البخارى (١٩٤٣)، والنسائى (٢٣٠٥) من طريق مالك به.
١٧٠

الموطأ
التمهيد
والحديثُ محفوظٌ عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشةَ . كذلك رواه جماعةٌ
عن هشامٍ؛ منهم ابنُ عيينةً ، وحمادُ بنُ سلمةَ(١) ، ومحمدُ بنُ عَجْلَانَ(١)،
وعبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ(٤)، ويحيى القطانُ(٥)، ويحيى بنُ هاشم، ويحيى بنُ
عبدِ اللهِ بنِ سالم"، وعمرُو بنُ هاشمٍ(٧)، وابنُ نُميرٍ(٨)، وأبو أسامةَ(٩)،
ووكيعُ(١١)، وأبو معاويةً(١)، والليثُ بنُ سعدٍ (١٢)، وأبوِ ضَمرةً(١٢)، وأبو إسحاقَ
الفَزارىُّ، كلَّهم روَوْه عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةً، كما رواه جمهورُ
القبس
(١) أخرجه الحميدى (١٩٩ مكرر)، والبيهقى فى المعرفة (٢٥٢٢) من طريق ابن عيينة به .
(٢) قال الدارقطنى: كذلك رواه أبو داود الطيالسى، عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد، عن
هشام، عن أبيه، عن حمزة، لم يذكر عائشة. علل الدارقطنى (٥/ق١١٨ - مخطوط).
(٣) أخرجه النسائى (٢٣٠٦)، وأبو يعلى (٤٩١٩)، وابن جرير فى تهذيب الآثار (١٦٣ - مسند
ابن عباس) من طريق ابن عجلان به .
(٤) أخرجه مسلم (١١٢١ / ١٠٦) من طريق عبد الرحيم به .
(٥) أخرجه أحمد ٣٨٩/٤٢، ٤٤٣ (٢٥٦٠٧، ٢٥٦٦٥)، والبخارى (١٩٤٢) مختصرًا من
طريق يحيى القطان به .
(٦) أخرجه الطبرانى (٢٩٧٦) من طريق يحيى بن عبد الله بن سالم به .
(٧) ذكره الدارقطنى فى العلل (٥/ق ١١٧ - مخطوط) من طريق عمرو بن هاشم به .
(٨) أخرجه مسلم (١٠٦/١١٢١)، وابن ماجه (١٦٦٢) من طريق ابن نمير به .
(٩) ذكره الدارقطنى فى العلل (٥/ق ١١٧ - مخطوط) من طريق أبى أسامة به .
(١٠) أخرجه أحمد ٤٧٨/٤٢ (٢٥٧٣٠)، وابن خزيمة (٢٠٢٨) من طريق وكيع به .
.(١١) أخرجه أحمد ٢٣٠/٤٠ (٢٤١٩٦)، ومسلم (١١٢١ / ١٠٥) من طريق أبى معاوية به .
(١٢) أخرجه مسلم (١٠٣/١١٢١) من طريق الليث به.
(١٣) ذكره الدارقطنى فى العلل (٥/ق ١١٧ - مخطوط) من طريق أبی ضمرة به .
١٧١

الموطأ
التمهيد أصحابٍ مالكِ عن مالكٍ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً.
ورواه أبو معشرٍ المدنىُّ، وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، والمفضَّلُ بنُ فَضالةً(١)
كلُّهم عن هشامٍ، عن أبيه، أن حمزةَ بنَ عمرٍو. كما رواه يحيى عن مالكٍ
سواءً .
حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ الجَهم ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال : أخبرنا أبو معشرٍ المدنىُّ،
عن هشامٍ بن عروةً، عن أبيه، أن حمزةَ بنَ عمرٍو الأسلمىَّ قال : جئتُ إلى النبىِّ
وَلِّ فِسألتُه فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ، إنى رجلٌ أصومُ ، أَفأصومُ فى السّفرِ؟ قال:
«إن شئت فضُمْ، وإن شئتَ فأُفطِرْ)) .
وروى ابنُ وهپ فی « موطئه))(١)، قال : أخبرنى عمرو بن الحارثِ ، عن
أبى الأسودِ ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، عن أبى مُراوحٍ، عن حمزةَ بنِ عمرٍو الأسلمىّ،
أنه قال: يا رسولَ اللهِ، أُجِدُ بى قوةً على الصيامِ فى السَّفرِ، فهل علىَّ مِن لجناحٍ؟
فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((هى رخصةٌ مِن اللهِ، فمَن أَخَذ بها فحسَنٌ ، ومَن أُحبُّ
أن يصومَ فلا جناح علیه» .
فهذا أبو الأسودِ، وهو ثَبَتْ فى عروةَ وغيرِهِ، قد خالَف هشامًا فجعَل
الحديثَ عن عروةً، عن أبى مُراوحٍ، عن حمزةً . وهشام يجعَلُه عن عروة ، عن
القبس
(١) ذكره الدارقطنى فى العلل (٥/ق ١١٨ - مخطوط) من طريق المفضل به.
(٢) ابن وهب (٢٧٥).
١٧٢

الموطأ
التمهید
عائشةً . وفى رواية أبى الأسودِ ما يدُلَّ على أن روايةً یحیی ليست بخطأً ، وقد
روَى سليمانُ بنُ يسارِ هذا الحديثَ عن حمزةً بن عمرٍو الأسلمىِّ(١) ، وسِتُّه
قريبٌ من سِنِّ عروةً . والحديثُ صحيحٌ لعروةً ، وقد يجوزُ أن يكونّ عروةُ سمعه
من عائشةً ومن أبى مُراوح جميعًا ، عن حمزةً، فحدَّث به عن كلّ واحدٍ منهما ،
وأرسلّه أحيانًا . واللهُ أعلمُ .
وفى هذا الحديثِ التَّخييرُ للصائم فى رمضان ؛ إن شاء أن يصوم فى سفرِه ،
وإن شاء أن يُفطِرَ، وهو أمرٌ مجتمَعٌ عليه من جماعةٍ فقهاءِ الأمصارِ، وهو
الصحیح فى هذا الباب .
وذكر عبدُ الرزاق(١) ، عن معمرٍ، عن أيوبَ قال: دعا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ
سالم بنّ عبدِ اللهِ وعروة بن الزبيرِ ، فسألهما عن الصيام فى السّفرٍ ، فقال عروةُ :
يصومُ. وقال سالمٌ: لا يصومُ. فقال عروةُ: إنما أُحدِّثُ عن عائشةً. وقال
سالمٌ : إنما أُحدِّثُ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ. قال: فلما امْتَريا قال عمرُ: اللهمَّ غَفْرًا،
أصومُه(٢) فى اليُسرِ، وأُفطِرُه فى العُسرِ .
وقد بيًّّا ما فى هذه المسألةِ من التَّنَازُعِ بينَ السَّلفِ ، وما فيها بينَ الخَلَفِ،
من الاختلافِ فى الأفضلِ من الصومِ أو الفطرِ فى السّفرِ فى رمضانَ، وأَوضَحنا
المعانى فى ذلك وبسطناها فى غير موضع من کتابنا هذا؛ منها بابُ حمیدٍ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٢٣/٢٥ (١٦٠٣٧)، والنسائى (٢٢٩٣، ٢٢٩٥ - ٢٢٩٧)، وابن خزيمة
(٢١٥٣) من طريق سليمان بن يسار به .
(٢) عبد الرزاق (٤٤٨٩).
(٣) فى النسخ: ((صمه)). والمثبت من الاستذكار ٨٥/١٠، وهو موافق لمصدر التخريج.
١٧٣

الموطأ
٦٦٣ - وحدَّثنى يحتِى، عن مالك، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمر
كان لا يصومُ فى السَّفَرِ .
٦٦٤ - وحدَّثنى عن مالك، عن هشام بن عروةً، عن أبيهِ ، أنه
كان يُسافِرُ فى رمضانَ ونُسافِرُ معه، فيصوم ◌ُزْوَةُ ونُفطِرُ نحن ، فلا
يأمُرُنا بالصيامِ .
الطويلِ (١)، وبابُ ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ اللهِ، وبابُ سُمَىٌّ(١) . واللَّهُ الموفقُ
التمهيد
للصواب لا شريك له .
وذكّر عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان لا يصومُ فى السفرِ " .
· الاستذ کار
وذگر عن هشام بن عروةً، عن أبیه، أنه کان یسافر فى رمضانَ ونسافر
معه ، فيصومُ عروةُ ونفطرُ نحن، ولا يأمُرُنا بالصيامِ .
أما حديثُه عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه كان لا يصومُ فى السفرِ. فَيَحتمِلُ أن
يكونَ على الاختيارِ ، فيكونُ أحدَ القائِلِين بأن الفطرَ فى السفرِ أفضلُ، وقد
القبس
(١) تقدم ص ١٦١ - ١٧٠.
(٢) تقدم ص ١٥٣ - ١٥٦.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٥٩)، وبرواية يحيى بن بكير (٤/٧ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٧٩٥). وأخرجه الفريابى فى الصيام (١٠٢) من طريق مالك به .
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/٧ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٧٩٦). وأخرجه
الفريابى فى الصيام (١١٦) من طريق مالك به .
١٧٤

الموطأ
ما يفعَلُ مَن قدِم من سفرٍ أو أراده فى رمضانَ
٦٦٥ - حدَّثنی يحيى ، عن مالك ، أنه بلغه أن عمر بن الخطاب
كان إذا كان فى سفَرِ فى رمضانَ ، فعَلِمَ أنه داخِلٌ المدينةَ مِن أَوَّلِ يومِه ،
دخل وهو صائم .
قال يحيى: قال مالكٌ: مَن كان فى سفرٍ، فعلم أنه داخِلٌ
على أهلِه مِن أولِ يومِهِ، وطلَع له الفجرُ قبلَ أن يدخُلَ، دخَل
وهو صائم.
مضَت الحُجّةُ لهذا القولِ وعليه . وكان عروةُ أحدَ المختارِين للصوم فى السفرِ، الاستذكار
وقد ذكرنا ذلك كلَّه . والحمدُ للهِ(١).
بابُ ما يفعَلُ مَن قدِم مِن سفرٍ أو أراده فى رمضانَ
مالكٌ ، أنه بلغه أن عمر بن الخطابِ کان إذا کان فی سفرِه فی رمضانَ ،
فعلِم أنه داخلٌ المدينةَ مِن أولِ يومِه ، دخَل وهو صائمٌ(١) .
قال مالك: مَن كان فى سفرِه، فعلم أنه داخلٌ إلى أهلِه مِن أُولِ يومِه ، وطلَع
القبس
(١) تقدم ص ١٦١ - ١٧٠.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/٧ظ- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٧٩٩). وأخرجه
سحنون فى المدونة ٢٠٣/١ من طريق مالك به .
١٧٥

قال يحيى: قال مالكٌ: وإذا أراد أن يخرُجَ فى رمضانَ، فطلَع له
الموطأ
الفجر وهو بأرضِه قبلَ أن يخرُجَ ، فإنه يصومُ ذلك اليومَ .
الاستذكار له الفجرُ قبلَ أن يدخُلَ، دخَل وهو صائمٌ .
قال أبو عمرَ: أما ما ذكّره مالكٌ عن عمرَ، فهو المُستحَبُّ عندَ جماعةٍ
العلماءِ، إلا أن بعضَهم أشدُّ تشديدًا فيه مِن بعضٍ، وما أعلَمُ ( على أحدٍ ) دخَل
مسافرًا على أهلِه مفطرًا كفارةً .
وأما قولُ مالكِ فى الذى يريدُ أن يَخرُجَ فى رمضانَ مسافرًا ، فطلَع له الفجرُوهو
بأرضِه قبلَ أن يَخرُجَ ، فإنه يصومُ ذلك اليومَ ، فإن العلماء اختلفوا فى الذى يصبح فى
الحضرِ صائمًا فی رمضان ثم يسافر فی صبيحة يومِه ذلك(١) ، هل له أن يفطِرَ فى
ذلك اليومِ فى سفرِه أم لا؟ فذهَب مالكٌ، وأبو حنيفةً وأصحابُه، والشافعىُّ، إلى
أنه لا يُفطِرُ ذلك اليومَ . وهو قولُ الزهرىِّ، ويحيى بن سعيدٍ، والأوزاعىِّ، وأبى
ثورٍ . وكلُّهم قالوا: إن أفطَر بعدَ خروجِه ذلك اليومَ، فليس عليه إلا القضاءُ.
وروى عن المخزومىِّ وابنٍ كِنانةً ، أنه يقضِى ويكفِّرُ. وليس قولُهما هذا
بشىءٍ ولا له حظّ مِن النظرِ، ولا سلَفٌ مِن جهةِ الأثرِ. وروى عن ابنِ عمرَ فی
هذه المسألةِ، أنه يُفطِرُ فى يومِه ذلك إن شاء، إذا خرَج مسافرًاً .
القبس
: (١ - ١) فى الأصل، م: ((أحدً)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٢) فى الأصل، م: ((وذلك)).
(٣) تقدم ص١٤٧، ١٥٢ .
١٧٦
٠

الموطأ
وهو قولُ الشعبيّ، وأحمدَ، وإسحاقَ. قال أحمدُ: يُفطرُ إذا برز عن الاستذكار
البيوتِ. وقال إسحاقُ: يُفطرُ حينَ يضعُ رجَلَه فى الرَّحْلِ. وهو قولُ داود .
ورُوِى عن الحسنِ فى روايةٍ، أنه لا يُفطرُ ذلك اليومَ إلا أن يشتدّ عليه
العطشُ، فإِن خافَ على نفسِه أفطرَ (١) . وقال إبراهيم النخعىُ: لا يُفطرُ ذلك
اليومَ(١) . ولم يُختلَفْ عن مالكِ فى الذى يريدُ السفرَ، أنه لا يجوزُ له أن يُفطرَ
فی الحضر حتى يخرج . واختلف أصحابُه فیه إن أفطر قبل أن يخرج؛ فذكر
ابنُّ سُحنونٍ، عن ابنِ الماجشونِ، أنه إن سافَر فلا شىءَ عليه مِن الكفارةِ،
وإن لم يسافر فعليه الكفارةُ. واحتجّ بما رُوى عن الحسنِ البصرىِّ، قال :
يُفطرُ فى بيتِه إن شاء يومَ يريدُ أن يَخرُجَ (١) . وقال أشهبُ: لا شىءَ عليه مِن
الكفارةِ ؛ سافَر أو لم يسافر. وقال سُحنونٌ: عليه الكفارةُ ؛ سافَر أو لم
یسافز، وهو بمنزلة المرأة تقولُ : غدًا تأتینی حیضتی. تُفطِئ لذلك. ثم رجع
إلى قولِ عبدِ الملكِ، وقال: ليس مثلَ المرأةِ ؛ لأن الرجلَ يحدِثُ السفرَ إذا
شاء، والمرأةَ لا تحدِثُ الحيضةَ. وقال ابنُّ حبيبٍ: إن كان قد تأهَّب لسفرِه
وأخَذ فى سببِ الحركةِ فلا شىءَ عليه. وحُكى ذلك عن أصبغَ وابنٍ
الماجشونِ . فإن عاقَه عن السفرِ عائقٌ كان عليه الكفارةُ ، وحسبه أن ینجوَ إِن
سافرَ .
قال أبو عمرَ: هذا ضعفٌ مِن الرأيِ؛ لأنه إن(١) كانت حر كتُه لسفرٍ وتأهُّبُه
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٥٢.
(٢) ليس فى : الأصل .
١٧٧
( موسوعة شروح الموطأ ١٢/٩)

الموطأ
الاستذكار
◌ُیڅ له الفطر، وحکمُه فی ذلك حکمُ المسافر ، وقد وقَع أُكلُه مباحًا، وعذرُه
قائمٌ بالعائقِ المانع، فلا وجه للكفارة هنا ولا معنى .
وروَى عيسى عن ابنِ القاسم، أنه لا كفارةَ عليه؛ لأنه مُتأوّلٌ فى فطرِه .
قال أبو عمرَ : هذا أصحُ أقاويلهم فى هذه المسألةِ ؛ لأنه غيرُ مُنتهِكٍ لِحرمةِ
الصومِ بقصدٍ إلى ذلك، وإنما هو مُتَأوَّلٌ، ولو كان الأكلُ مع نيةِ السفرِ يوجبُ
عليه الكفارةَ؛ لأنه كان قبلَ خروجِه، ما أسقَطها عنه خروجه، وتأمَّلْ ذلك
تجده کذلك إن شاء اللهُ .
وقد روَى إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضى، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مِيناءَ
قالونُ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفر بنِ أبی کثیرٍ، عن زيد بن أسلم ، عن ابنِ
المنكدر ، عن محمد بن کعب ، قال : أتيتُ أنس بن مالك فى رمضان وهو یریدُ
سفرًا، فأكَل، فقلتُ له: سُنَّةٌ؟ فلا أحسَبُه إلا قال: نعم(١).
قال: وحدَّثنا علىُّ بنُ المدينىّ، قال: حدَّثنا أبى ، عن زيد بنِ أسلم پاسنادِه
مثلَه، وقال: قلتُ له: سُنَّةٌ؟ قال: نعم. ثم ركب(١).
قال: وحدَّثنا به علىُ بنُ المدينىِّ وإبراهيم بنُ قُدّةً ، عن الدَّرَاوردئِّ، عن زيد
ابنِ أسلمَ بإسنادِه، وقال فيه: فقلتُ له: سُنَّةٌ؟ فقال: لا. ثم ركب(٢).
القبس
(١) أخرجه الضياء فى المختارة (٢٦٠٢) من طريق عيسى بن ميناء به، وأخرجه الترمذى (٨٠٠)،
والدارقطنى ٢/ ١٨٧، والبيهقى ٢٤٧/٤ من طريق محمد بن جعفر به.
(٢) أخرجه الترمذى (٧٩٩) من طريق عبد الله بن جعفر والد على بن المدينى به.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى العلل (٦٩٩) عن الدراوردى به .
١٧٨

الموطأ
قال يحيى : قال مالك فى الرجلِ يَقدَمُ مِن سَفَرِه وهو مُفطِرٌ، وامرأتُه
مُفطِرةٌ ، حين طهَرت مِن حيضِها فى رمضانَ ، أن لزوجِها أن يُصِيبَها إن
شاء .
واتَّفقوا فى الذى يريدُ السفرَ فى رمضانَ ، أنه لا يجوزُ له أن يُبيِّتَ الفطرَ؛ لأن الاستذكار
المسافرَ لا يكونُ مسافرًا بالنيةِ ، وإنما يكونُ مسافِرًا بالنهوضِ فى سفرِه أو الأخذِ
فى أُهْبتِهِ، وليست النيةُ فى السفرِ كالنيةِ فى الإقامةِ؛ لأن المسافر إذا نوَى
الإقامةَ، كان مقيمًا فى الحينٍ ؛ لأَن الإقامةَ لا تفتقِرُ إلى عملٍ ، والمقیمَ إذا نوَى
السفر، لم یکن مسافرًا حتی یأخُذَ فی سفره ويژُزَ عن الحضرِ ، فيجوزُ له حينئذٍ
تقصيرُ الصلاةِ وأحكامُ المسافِرِ ، إلا مَن جعَل تأهُّبُه للسفرِ وعملَه فيه كالسفرِ
والبروزِ عن الحضرِ ، لزِمه ألا يَعِيبَ(٢) عليه فی أکلِه قبلَ خروچِه .
وقد أجمعوا أنه لو مشَى فى سفرِه حتى تغِيبَ بيوتُ القريةِ أو المصرِ ، فنزَل
فأكّل، ثم عاقَه عائقٌ عن النهوضِ فى ذلك السفرِ - لم تلزَمْه كفارةٌ .
وأما قولُ مالكِ فى الذى يَقْدَمُ مِن سفرِه وهو مفطرٌ، وامرأتُه مفطرةٌ حينَ
طهَرت مِن حيضتِها فى رمضانَ ، أن لزوجِها أن يصيبها إن شاء.
قال أبو عمرَ : لم يفرّقْ مالكٌ فى هذه المسألةِ بينَ قدومِ المسافرِ مفطرًا فى
أول النهارِ أو فى آخرِه، وهو يبُِّ لك أن قوله فى آخرِ هذا البابِ : مَن علِم فی
سفرِه أنه داخلٌ إلى أهلِه، وطلَع له الفجرُ أنه يدخُلُ صائمًا . على الاستحسانِ .
وهو قولُ الثورىِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، وأبى عبيدٍ ، والطبرئِّ . واحتجّ
القبس
(١) فى النسخ: ((يجب)). والمثبت يقتضيه السياق.
١٧٩

الموطأ
الثوریُ بحديثه عن جابر بن زيدٍ ، أنه قدم من سفرِهِ فی رمضان، فوجد امرأته قد
الاستذكار
طهّرت فأصابَها) . قال: وقال ابنُ مسعودٍ: مَن أُكّل أولّ النهارِ فليأكُلْ
(١)
آخره (١).
وقال الثورىُّ: هو عندى مثلُ فعلٍ جابرِ بنِ زيدٍ(١). وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه، والحسنُ بنُ حىٍّ، والأوزاعىُّ، فى الحائضِ تطهُرُ، والمسافرِ يَقْدَمُ،
أنهما يُمسِكان عن الأكلِ فى بقيةِ يومِهما ويَقضِيان. وقال ابنُ شُبْرُمةً فى
المسافرٍ إذا قدِم وقد أكّل، أنه يصومُ يومَه ويَقضِى. قال: وأما المرأةُ ، فإنها
تأكُلُ إذا طهرت نهارًا ولا تصومُ .
قال أبو عمر : احتجّ الکوفیون علی مالك والشافعى باتفاقهم فی الذی ینوِی
الإفطار فى أول يوم من رمضان وهو عنده آخِرُ يومٍ مِن شعبان، ثم یصح عنده فى
ذلك اليوم أنه رمضانُ ولم يأْكُّلْ - أنه يُمُ صومه ويَقضِيه ..
قال أبو عمرَ: ليس هذا بلازم، والفرقُ بينَهما أن المسافر له الفطرُ،
والحاضرَ الجاهلّ بدخول الشهرِ ليس جهلُه برافع عنه الواجب عليه إذا علمه
لزوال جهله بذلك، ولم یکن له فعلُ ما فعله کما کان للمسافر فعلُ ما فعله مِن
فطرِه . واللهُ الموفِّقُ للصوابِ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٥٧.
١٨٠