النص المفهرس

صفحات 1-20

مَؤْسُوْعَةٌ
شروع المُوَّا
لِمَامِ مَالِكِ بْنِأَس
المتوفى سنة ١٧٩هـ
التَّهِيْدُ وَالاسْتِذِكَارُ
الأِ عَ مُوسَّفَ بْ عْداللهبْن عَبْد الْبَرّ
المتوفى سنة ٤٦٣ هـ
القَلَسُ
لِأَبِ بَكرٍ محمّدِ بْنِ عَبْدِاللّهِابْ العَربىّ المَالِكِىّ
المتوفى سنة ٥٤٣هـ
ټحقیں
الدّكتور/ عَبْد اللَّهبْن عَبْدِالمُحْسِ التركيّ
بالتّاون مع
مركز مجم الحوث والدراسة العربية والإسلامية
الدکتور / عبد السند حسن يمامة
الجزء التاسع

نھی
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥ م

مَؤْسُؤْعَة"
شروع الموظّا

الموطأ
كتابُ الصيامِ
التمهید
کتابُ الصيامِ
وهو فى اللغةِ عبارةٌ عن التركِ والإمساكِ، وكذلك هو فى الشريعةِ ، لكنَّ الشريعةٌ
سلكتْ سبيلَ اللغةِ فى تخصيصٍ المسمَّى ببعضٍ متناولاتِه التى يُغْطِيها اشتقاقُه ؛
كالقارورة والدابةِ وأمثالها. وهو الإمساكُ عن الطعامِ والجماع، ولم تَخْتَلِفْ فى ذلك
شريعةٌ؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. قيل: يعنى شهرًا بشهرٍ. وقيل: صفةً
بصفةٍ. ولعله أراد الوجهين، وقد بيَّا ذلك فى ((الأحكام))(١). ثم رفَقَ اللهُ بهذه الأمةِ
فأباح لها الطعام والجماع الليلّ کلّه؛ لأجلٍ رجلٍ مِن الأنصارِ لم یتَّفِئْ له أن يُصِيبَ
طعامًا حتى نام . ورُوِى أن عمرَ بنَ الخطابِ وَطِئِ بعدَ النومِ، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ:
[البقرة: ١٨٧]. وهذا يَتْعُدُ عليه
﴿أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَابِكُمْ﴾(١
ارتكابه، فإن صحّ فههنا تظهَرُ المنازلُ؛ وذلك بأن(٤) معصيةَ عمر أوجبتْ شريعةً،
وأباحتِ الفعلَ له ولجميع الأمةِ، بما آتاهم اللهُ مِن شرفٍ المنازلِ. ونهَى النبيُّ وَّه
القبس
(١) أحكام القرآن ٧٤/١، ٧٥ .
(٢) أحمد ٥٧٣/٣٠، ٥٧٤ (١٨٦١١)، والبخارى (١٩١٥)، وأبو داود (٢٣١٤)، والترمذى
(٢٩٦٨)، والنسائى (٢١٦٧).
(٣) أحمد ٨٦/٢٥ (١٥٧٩٥)، وابن جرير فى تفسيره ٢٣٦/٣.
(٤) فى م: ((لأن )).

الموطأ
التمهيد
القبس
عن الوصالِ رفقًا بهم، فقالوا له: إنكَ تُواصِلُ. فقال: ((لَسْتُ كَهِيَتَكُمْ، إنّی أَبِثُ
يُطْعِمُنِى رِّى ويَسْقِينِى)). فواصَلُوا، فَوَاصَلَ بِهِمْ حتى آخِرِ الشَّهْرِ، ثُمَّ قال: ((لَوْ زَادَ
لَزِدْتُكُمْ)). كالمُنَكِّلِ لَهُمْ (١) . وإنما نهى عن الوصالِ؛ لأنه يُشْبِهُ أفعالَ أهلِ الكتابِ،
ويُضْعِفُ الأبدانَ، والمقصودُ العبادةُ مع بقاءِ القوَّةِ، وإنما واصَلوا بعدَ نهيِهِ عن
الوصالِ؛ لأنهم فَهِموا منه أنه كان نهىَ رِفْقٍ لا نهىَ عزمٍ، وقد قال ◌َله: ((فَضْلُ ما
بَيِّنَ صِيَامِنَا وَصِيَامٍ أَهْلِ الكِتَابِ أَكْلَةُ السَّخَرِ (١))(١). ولذلك استَحبَّ مالكٌ(٤) الفطرّ
لمخالفةِ أهلِ الکتاب .
وروى الترمذىُّ: (أَحَبُّ عِبَادِ اللهِ إِلى اللهِ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا))(٥). وقال النبيُّ وَله :
(لا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الفِطْرَ)). خرّجه النسائىُّ. وقال النبيُّ نَ ل
لرجلٍ: ((انْزِلْ فَاجْدَعُ(١) لَنَا)). قال له: إنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا. قال له : ((انْزِلْ فَاجْدَعْ
لنا)). قال له: إنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا. قال له (٨): ((انْزِلْ فَاجْدَعْ لنا))). ثم قال: «إذا أقْبَلَ
اللَّيْلُ من ههُنَا وَأَذْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هُنا وغرَبتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَقْطَرَ الصَّائِمُ))(١). فأنكَر
الرجلُ سرعةَ الفطرِ ، فَأَعلَمِه النبيُّ بَّهِ أن ذلك هو الحقُّ. ووقَعتْ ببغدادَ نازلةٌ تتعلَّقُ
(١) سيأتى تخريجه ص ٢٦٢، ٢٦٣.
(٢) فى د ، م : ((السحور)).
(٣) مسلم (١٠٩٦) من حديث عمرو بن العاصى .
(٤) سقط من : ج .
(٥) سيأتى تخريجه ص ٨٢ .
(٦) الجَذْح: أن يحرّك السويق بالماء ويخَوَّض حتى يستوى، وكذلك اللبن ونحوه. النهاية ٢٤٣/١.
(٧ - ٧) سقط من : ج .
(٨) سقط من : م .
(٩) سیأتی تخریجه ص٧٨، ٧٩ .
٦

الموطأ
القبس
التمهيد
بهذا الحديثِ؛ وذلك أن رجلًا قال وهو صائمُ: امرأَتُه طالقٌ إِن أَفطَرْتُ على حارٌّ أو(١)
باردٍ. فَرُفِعَت المسألةُ إلى أبى نصرِ بنِ الصَّاغُ إمامِ الشافعيةِ بالجانبِ الغربىِّ،
فقال: هو حانثٌ؛ إذْ لابدَّ مِن الفطرِ على أحدٍ هذين. ورُفِعت المسألةُ إلى أبى
إسحاقَ الشيرازيِّ بالمدرسةِ ، فقال : لا حِنْثَ عليه ؛ لأنه قد أفطر على غير هذين وهو
دخولُ الليلِ، قال النبيُّ وَّهِ، وساق الحديثَ إلى قولِه: ((فَقَدْ أَقْطَرَ الصَّائِمُ)). وفتوى
ابنِ الصبَّاغ أشبهُ بمذهبٍ مالكِ فى تعليقِ الأيمانِ بالمقاصدِ، وفتوى أبى إسحاقَ
الشيرازىِّ صريحُ مذهبٍ الشافعىِّ ؛ فإنه يعلِّقُها بالألفاظِ ولا يلتفِتُ إلى المقاصدِ.
وكما مُحُرِّم الطعَامُ والجماُ على الصائم لعلَّه يَتَّقِى بصيانةٍ فِيهِ وفرجِه عن
الشهواتِ، فكذلك يَلْزَمُه أن يصونَ جوارحَه عن السيئاتِ. قال النبيُّ وَ له: ((مَنْ لَمْ
يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فى أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ))(٤). وكما يقولُ
الفقيهُ للصائمِ إذا أُكَل أو جامَع: أفسدْتَ صومَك ، فلن يُجْزِئَك فى الامتثالِ للأمرٍ ولا
الاجتنابِ فى النهى. فكذلك يقولُ له الزاهدُ: إذا كذَبْتَ أو اغتبتَ أو فعَلْتَ
معصيةً، (أُيُتَقَبُلُ عنكْ) صيامُك؟ فأحدُ الحكمين يظهر تأثيرُه فى الدنيا،
(١) فى ج: ((لا على))، وفى م: ((على))، وفى د: ((ولا)). والمثبت من طبقات الشافعية ١٢٦/٥.
(٢) هو عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر البغدادى ، أبو نصر شيخ الشافعية ،
المعروف بابن الصباغ، مصنف كتاب (الشامل))، و((الكامل)) و((عدة العالم والطريق السالم))،
وغيرها ، درس بالنظامية أول ما فتحت ثم عزل بعد عشرين يوما ، توفى سنة سبع وسبعين وأربعمائة .
سير أعلام النبلاء ٤٦٤/١٨، وطبقات الشافعية ١٢٢/٥.
(٣ - ٣) فى ج، م: ((بصيامه فمه).
(٤) سيأتى تخريجه ص ٣٤٧، ٣٤٨.
(٥ - ٥) فى ج، م: ((لم يتقبل منك)).
(٦ - ٦) فى د: ((القولين يظهر))، وفى م: ((الحكمين)).
٧
۔

الموطأ
التمهيد
القبس
والحكمُ الآخرُ لا يظهَرُ إلا فى الآخرةِ .
تقييدٌ (١): قولُه: ((فليس للهِ حاجةٌ)). إذا تُصِى، فى تركِ الطعامِ والجماعِ،
وليس للهِ حاجةٌ فى شىءٍ، فإنه يتقدَّسُ عن الحاجاتِ، وإنما ضرّبه مثلًا" فى أن
أحدَهما إذا تُرِك فليُتْرَكِ الآخرُ، أو فُعِل فلْيُفعَلِ الآخرُ؛ إشعارًا بارتباطِهما، لأُن قولَ
الزورِ والعملَ به أقوى فى التحريم من الطعام والجماع؛ لأن الطعامَ والجماعَ كانا
محلّلَيْن» قبلَ الصيامِ، وكان قولُ الزورِ وأخواتُه حرامًا، ثم تأكّد تحريمُ ذلك كلّه
بالصيامِ، فكان بأن يؤثّرَ فى الإبطالِ أولى وأُحرَى .
تكملةٌ: مِن تمامِ الحديثِ المتقدِّمِ قولُ النبيِّ وَّهِ: «كُلُّ عَمْلِ ابنِ آدَمَ لَه إلّا
الصِّيَّامَ فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى ◌ِهِ، (٢)الحَسَنَةُ بِعَشْرٍ(*) أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ إِلَّ الصَّيَامَ
فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ "، ولَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، ◌َذّرُ
طَعَامَهُ وَشَرَابَةُ مِنْ أَجْلِى)) (١) .. فَنَّه تبارك وتعالى على فضلِ الصيامِ بقوله: ((الصِّيامُ
لى)». وقد قال علماؤنا: فى ذلك سبعةُ أوجهٍ :
الأولُ : إضافته إليه تشريفًا وتخصيصًا كإضافةٍ المساجد والكعبةِ ؛ تنبيهًا على
شرفِ الكلِّ.
(١) فى ج، م: (تنبيه)).
(٢ - ٢) فى د: ((الحادث وأما تأويل تلك)).
(٣ - ٣) فى د: ((محللان)).
(٤ - ٤) سقط من : ج .
(٥) فى د: ((بعشرة)).
(٦) سيأتى فى الموطأ (٦٩٧) بنحوه. وينظر ص ٣٥٣، ٣٥٤.
٨

الموطأ
القبس
التمهيد
الثانى: أنه أراد بقولِه: ((الصَّوْمُ لِى)). الصومُ لا يعلَمُه غيرى؛ لأن كلَّ طاعةٍ لا
يُقْدِرُ المرءُ أن يُخْفِيّها ، وإن أخفاها عن الناسِ لم يُخْفِها عن الملائكةِ ، والصومُ يمكِنُه
أن يَنْوِیّه ولا یعلَمُ به ملكٌ ولا بشرٌ .
الثالثُ : أن المعنى: الصومُ صفتی؛ لأن البارئّ تعالی لا يَطْعَمُ، فمن فضلٍ
الصيامِ على سائرِ الأعمالِ أن العبدَ يكونُ به(١) على صفةٍ مِن صفاتٍ الربِّ سبحانه،
وليس ذلك فى أعمالِ الجوارحِ إلا فى الصومِ، فأما فى أعمالِ القلوبِ فيكونُ ذلك
كثيرًا؛ كالعلمِ، والكلامِ، والإرادةِ .
الرابع: أن المعنىَّ بـ: ((الصَّوْمُ لِى)). أى: مِن صفةِ ملائكتى؛ فإنَّ العبدَ فى
حالةِ الصومِ ملَكٌ؛ لأنه (١) لا يأكُلُ، ويمثِلُ العبادةَ، ولا يَقْتَضِى (١ شهوةً.
الخامسُ: (الصَّوْمُ لى)). أن المعنى فيه أن كلَّ عملٍ أُعْلِمُكم(٤) مقدارَه إلا
الصومَ؛ فإنى انفرَدْتُ بعلمِه، "لا يطَّلِعُ عليه أحدٌ).
السادسُ: أن معنى: ((الصَّوْمُ لِى)). أى: يَقْمَعُ عدوّى، وهو الشيطانُ ؛ لأن
سبيلَ الشيطانِ إلى العبدِ اقتضاءُ الشهواتِ ، فإذا ترَكها العبدُ بقِى الشيطانُ لَقّى(٦) لا
چِرَاكَ به ولا حيلةً له .
(١) فى ج، م: ((فيه)).
(٢) بعده فى ج، م: ((يذكر و)).
(٣) فى م: ((يقضى)).
(٤) فى ج: (( أعلمتكم)) .
(٥ - ٥) فى ج: ((لا أطلع عليه أحدًا)).
(٦) فى ج: ((لغى)). واللَّقى: الملقى على الأرض. النهاية ٢٦٧/٤.
٩

الموطأ
التمهید
القبس
السابعُ: أنه رُوِى فى الأثرِ أنَّ العَبْدَ يَأْتِى يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتِهِ ، ويَأْتِى قَدْ ضَرَّبَ
هذا، وشَتَمَ هذَا، وَأَخَذَ مالَ هذَا، فَتَدْفَعُ حَسَناتُهُ لِغُرَمَائِهِ إِلَّ الصِّيَّامَ، يَقُولُ اللهُ عزَّ
وجلّ: هُوَ لِى لَئِسَ لَكُمْ إِلَيْهِ من ١ سَبِيل١ِ. وهذا إن صحّ بديعٌ.
وقولُه : (لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِندَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ)). مَثَلٌ، وجهُ
التمثيل فیه أن المشكَ محبوبٌ للنفسِ ، والصوم أحبُّ إلی اللهِ وأقربُ إلیه مِن حِبُّ
المسكِ إليكم وقربه من أنفسكم، إشارةً إلى أن المسكَ أطيبُ الطَّيبِ، كذلك
الصومُ أفضلُ العبادةِ . فإن قيل : فهل يكونُ أفضلَ مِن الصلاةِ بهذا المعنى ؟ قلنا :
العبادةُ على ضربين؛ متعدِّيّةٌ ولازمةٌ ، فالصومُ أفضلُ اللازمةِ لأنه منها . فإن قيل :
والصلاةُ لازمةٌ ، فهل هو أفضلُ منها؟ قلنا: لا أفضلَ مِن الصلاةِ، وإنما يكونُ فضلُ
الصوم بعدَها. وقولُه: ((وللصَّائِم فَرْحَتَانٍ؛ فَوْحَةٌ عِندَ إفطارِهِ، وفرحةٌ عندَ لقاءٍ
ربِّه ))(٤). قال أهلُ الفقهِ: فرحتُه عندَ " الإفْطَارِ "لِلَّذةِ و الطعام. وقال أهلُ العبادةِ:
فرحتُه تمامُ الصيامِ . وإذا لَقِى اللهَ كان أشدَّ فرحًا .
(١) سقط من : ج ، م .
(٢) أخرجه البيهقى ٢٧٤/٤، موقوفا على سفيان بن عيينة بنحوه. وينظر فتح البارى ١٠٩/٤.
(٣ - ٣) سقط من: ج، م .
(٤) سيأتى تخريجه ص ٣٥٣ .
(٥ - ٥) فى ج، م: ((بلذة)).
١٠

الموطأ
ما جاء فى رؤية الهلالِ للصوم والفطرِ فِىِ رمضانَ
٦٣٧ - حدَّثنی یحتّى عن مالك ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ،
أن رسولَ اللهِ وَلَ ذكَر رمضانَ، فقال: ((لا تصوموا حتى ترَوا
الهلالَ، ولا تُفطِرُوا حتى تَرَوه، فإن غُمَّ عليكم فاقدُروا له)) .
مالِكٌ، عن نافِعٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلِّ ذِكَرَ رَمَضَانَ،
فقال: ((لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْه، فإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ
(١)
فَاقْدُرُوا له))(١).
التمھید
وقد مَضَى تَفْسِيرُ قَوْلِه: «فإن غُمَّ عَلَيْكُمْ )) . فى بابٍ ثَوْرِ بنِ زَيْدٍ ، ومَضَى
حديثٌ: قال النبيُّ وَّهِ: ((لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوا الهِلَالَ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ»
الحديث إلى آخرِهِ. أمَر اللهُ تعالى بصومِ رمضانَ، ورَبَطه برؤيةِ الهلالِ ، قال اللهُ عزَّ
وجلَّ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
القبس
ولوجوبِه ثلاثةُ شروطٍ ؛ البلوغُ، والصحةُ ، والإقامةُ ، فإن العباداتِ عندَنا واجبةٌ
على الكفارِ ، وإنما سقَط القضاءُ بدليلٍ ، وكذلك يجِبُ الصيامُ عندَنا على المجنونِ ،
فى تفصيلٍ بيانُه فى كتبٍ المسائلِ، وألْزَم اللهُ عزَّ وجلَّ عندَ رؤيةِ الهلالِ الصومَ،
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٤٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١/٧ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٧٦٢). وأخرجه أحمد ٢١٨/٩ (٥٢٩٤)، والدارمى (١٧٢٦)، والبخارى
(١٩٠٦)، ومسلم (٣/١٠٨٠)، والنسائى (٢١٢٠) من طريق مالك به.
١١

الموطأ
التمهيد
هناكَ كثيرٌ مِن مَعانِى هذا البابِ مِمَّا لا يُعَادُ ههنا ) ، وهكذا رَوَى هذا الحديثَ
جماعةُ أصْحابٍ نافِعٍ، عن نافعٍ، عن ابنٍ مُمرَ، قَالُوا فيه: ((فإنْ غُمَّ عليكم
فَاقْدُرُوا له)). وكذلك رَوَاه سالِمٌ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ عليه السَّلامُ: ((فإِنْ
غُمَّ عليكم فَاقْدُرُوا له))(١) . وكذلك رَوَاه مالكٌ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دِينَارٍ(٣)،
وسنذْكُرُه فى بابِهِ إنْ شاءَ اللهُ .
وذَكَرَ الشَّافِىُّ (٤) هذا الحديثَ، فقال: حدَّثنَا إِبِرَاهِيمُ بنُ سعدٍ ، عن ابنِ
شِهَابٍ، عن سالِمِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن أَبِيه، أنَّ رسولَ اللَّهِ بِ لِ قال: ((لَا تَصُومُوا
حَتَّى تَرَوُا الهلالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَؤْهُ، فإن غُمَّ عليكم فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ
ثَلاثين)). لم يَقُلْ: ((فاقْدُرُوا لَه)). والمحْفُوظُ فى حديثِ ابنِ عُمَرَ: ((فاقْدُرُوا
له )).
وقد ذكَّرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، عن مَعْمَرٍ ، عن أيّوبَ ، عن نافعٍ، عن ابْنِ عُمرَ ، أَنَّ
القبس
وتعليقُهُ به إحصاءُ هلالٍ شعبانَ، قال أبو هُرَيْرَةَ: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((أَخْصُوا هِلَالَ
شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ». خرّجه الترمذى(٦).
(١) سيأتى ص ٥١ - ٦٤ .
(٢) أخرجه أحمد ٤٠٢/١٠ (٦٣٢٣)، والبخارى (١٩٠٠)، ومسلم (٨/١٠٨٠) من طريق سالم به.
(٣) سيأتى فى الموطأ (٦٣٨).
(٤) الشافعى ٤٧٣/١ (٧٢٢ - شفاء العى). بلفظ: ((فاقدروا له)).
(٥) عبد الرزاق (٧٣٠٧).
(٦) الترمذى (٦٨٧).
١٢

الموطأ
النبىَّ ◌َ ﴿ قال لهلالٍ شَهْرِ رَمَضانَ: ((إِذا رَأْتُمُوه فصُومُوا، ثمّ إذا رَأَيْتُوه
فَأَقْطِرُوا، فإِنْ غُمَّ عليكم فَاقْدُرُوا له ثلاثين يَوْمًا)) .
التمهید
قال عبدُ الوَزَّاقِ(١) : وأخبرنا عبدُ العَزِيزِ بنُ أبى رَوَّادٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عُمَرَ، قال: قال النبيُّ ◌َّه: ((إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ، فَصُومُوا
لُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لُؤْيَتِهِ، فإِنْ غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثلاثين)).
فهذا ما فى حديثٍ ابنِ عُمَرَ. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وأبو هُرَيْرَةَ، ومحذَيْفَةُ(٢)،
وأبو بَكْرَةَ(٣)، وطَلْقٌ الحَنفِئُ()، وغيرُهم، عن النبيِّ وَلّهِ: ((صُومُوا لِرُؤْتَتِه،
وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيتِه، فإنْ غُمَّ عليكم فأَكْمِلُوا العَدَدَ ثلاثين)). بمَعْنَى واحِدٍ. وقد
ذگّژنا حدیثَ ابنِ عباسٍ فیما سلَفَ مِن كتابنا هذا، فی باپٍ تَوْرِ بنِ زَئد .
وأمَّا حديثُ أبى هريرةَ فرُوِىَ عنه مِن وُجُوهٍ؛ مِن حديثٍ سعيدِ بنِ
المُسَيَّبِ(٢)، وأبى سَلَمَةً(٧)، والأَعْرَجِ(٨)، ومحمدِ بنِ زِيَادٍ(٩) ، وغيرِهم. وهى
القبس
(١) عبد الرزاق (٧٣٠٦).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٥٥ .
(٣) أخرجه الطيالسى (٩١٤)، وأحمد ٧٨/٣٤ (٢٠٤٣٢).
(٤) أخرجه أحمد ٢١٨/٢٦ (١٦٢٩٠)، والطبرانى (٨٢٣٧، ٨٢٣٨)، والدارقطنى ١٦٣/٢.
(٥) سيأتى فى الموطأ (٦٣٩) .
(٦) أخرجه أحمد ٢٥/١٣ (٧٥٨١)، ومسلم (١٧/١٠٨١)، والنسائى (٢١١٨)، وابن ماجه
(١٦٥٥) من طريق سعيد بن المسيب به.
(٧) أخرجه أحمد ٤٨٦/١٢، ٤٠٩/١٥، ٢٧٨/١٦ (٧٥١٦، ٩٦٥٤، ١٠٤٥١)، والترمذى
(٦٨٤)، والنسائى (٢١٣٧) من طريق أبى سلمة به.
(٨) أخرجه أحمد ٢٥٢/١٣ (٧٨٦٤)، ومسلم (٢٠/١٠٨١)، والنسائى (٢١٢٢) من طريق الأعرج به.
(٩) أخرجه أحمد ٢٢١/١٥، ٣٤٢، ٥٣٠، ٥٤٦، ٩١/١٦ (٩٣٧٦، ٩٥٥٦، ٩٨٥٣،=
١٣

الموطأ
التمهید
ثابِتَةٌ، وسائِرُ الطُّرُقِ فى هذا الحديثِ كلُّها حِسَانٌ عن النبيِّ وَله .
وذكَرَ مالِكٌ فى ((مُوَطَّئِهِ)) حديثَ ابنِ عُمَرَ هذا، وأَرْدَفَه بحديثِ ابنِ
عَبَّاسٍ، فكأنه، واللهُ أعلمُ، ذهَبَ إلى أنَّ مَعْنَى حديثِ ابنِ عُمَرَ فى قَوْلِه:
((فَاقْذُرُوا له )). أنْ يُكَمَّلَ شَعْبَانُ ثلاثين يومًا ، إذا غُمَّ الهِلَالُ، على ما قال ابنُ
عَبَّاسٍ، وعلى هذا المَذْهبِ جُمْهُورُ أهلِ العِلْم؛ ألَّ يُصَامَ رَمَضانُ إِلَّ بِيَقِينِ
مِن خُروجٍ شَعْبَانَ، واليَقِينُ فى ذلك رُؤْيَةُ الهِلَالِ، أو إكمَالُ(١) شَعْبَانَ ثلاثين
يومًا، وكذلك لا يُقْضَى بخُروج رمَضانَ إلَّ بمِثْلِ ذلك أيضًا مِن اليَقِينِ،
وهذا أصْلٌ مُسْتَعْمَلٌ عندَ أهلِ العِلْم؛ ألَّا تَزُولَ عن أَصْلِ أنتَ عليه بيقينِ(١) إلّا
يَتَّقِينٍ مِثْلِهِ، وأَلَّ يُتْرَكَ اليَقِينُ بالشُّكِّ؛ قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ
الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥]. تُرِيدُ، واللهُ أعلمُ، مَن عَلِمَ منكم بدُخُولٍ
الشَّهْرِ، والعِلْمُ فى ذلك ينْقَسِمُ قسمين ؛ أحدُهما، ضَرُورِىٌّ. والآخَرُ، غَلَبَةُ
ظَنِّ؛ فالضَّرُورِىُّ أنْ يَرَى الإِنْسَانُ الهِلَالَ بعَيْنِه فى جماعَةٍ كان أو وحدَه، أو
يَسْتَفِيضَ الخَبْرُ عندَه حتى يَتِلُغَ إلى حَدِّ يُوجِبُ العِلْمَ، أو ثُمَّ شَعْبَانَ ثلاثين يومًا ،
فهذا كلُّه يَقِينٌ يُعْلَمُ ضَرُورَةً ، ولا يُمْكِنُ للمرءِ أنْ يُشَكَّكَ فى ذلك نَفْسَه . وأمّا
غَبَةُ الظَّنِّ ، فأنْ يَشْهَدَ بذلك شاهِدَان عَدْلَان، وهذا مَعْنَى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ:
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾. وهو مَعْنَى قَوْلِهِ وَّهِ: ((فإنْ غُمَّ عليكم
القبس
= ٩٨٨٥، ١٠٠٦٠)، والبخارى (١٩٠٩)، ومسلم (١٨/١٠٨١، ١٩)، والنسائى (٢١١٦،
٢١١٧) من طريق محمد بن زياد به .
(١) فى م: ((بإكمال)).
(٢) سقط من: م.
١٤

الموطأ
التمهيد
فاقْدُرُوا له)). عندَ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ أَلَّا يُصَامَ رَمَضانُ ولا يُفْطَرَ منه إلَّ بِرُؤْيَةٍ
صحيحةٍ، أو إِكْمَالٍ شَعْبَانَ ثلاثين يومًا، وإنَّما وجَب أنْ يكونَ ذلك عندَ العُلَماءِ
كذلك؛ لأَنَّ الشَّهْرَ مَعْلُومٌ أنَّه قد یکونُ تِشْعَةً وعشرين يومًا ، ویکونُ ثلاثین
يومًا، وهذا مِمَّا(١) يُعْلَمُ عِيَّانًا واضْطِرَارًا، وقد قال ◌َله مِن حديثِ ابنِ مُمَّرَ:
((نحن أُمَّةٌ أمِّيةٌ لا نَكْتُبُ ولَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا، وهَكَذَا، وهَكَذَا)). وعقَدَ
الإِبْهَامَ فى الثَّالِثَةِ ، ((والشَّهْرُ هكَذَا، وهَكَذَا، وهَكَذَا)) . يَغْنِى تمامَ ثلاثين يَوْمًا ،
وقد ذكَوْنَا هذا الخبرَ ومثْلَه فى بابٍ عبدِ اللَّهِ بنِ دِينَارٍ(٢)، عندَ قولِهِ وٍَّ:
((الشَّهْرُ تِسْعٌ وعشرون)). وذكَرْنَا فى بابٍ ثَوْرِ بنِ زَيْدٍ خَبَرَ ابنِ مَسْعُودٍ: لَمَا(١)
صُمْنَا مع رسولِ اللهِ وَلَه تِشْعًا وعشرين أكْثَرُ مَّا صُمْنَا معه ثلاثين(٤). فلَمَّا كان
مَعْلُومًا أنَّ الشَّهْرَ قد يكونُ تِشْعًا وعشرين، وقد يكونُ ثلاثين، قال رسولُ اللَّهِ
وَلَّه: «فإنْ غُمَّ عليكم فاقْدُرُوا له)). يريدُ، واللهُ أعلمُ، بأَنْ يُكْمِلُوا العِدَّةَ ثلاثين
يومًا، أو يُرَى الهلالُ قبلَ ذلك لتِشْعِ وعشرين. وهكذا رَوَاه أبو هُرَيرَةً ، وابنُ عباسٍ،
ومخُذَيْفَةُ، وجماعةٌ)، عن النبيِّ وَلِّ، ورِوَايَتُهم تفسيرُ حديثِ ابنِ عُمَّرَ، فى
قَوْلِه : ((فَاقْدُرُوا له)). فواجِبٌ أَلَّا يُصَامَ يومُ الشَّكُّ على أنَّه مِن رَمَضانَ، وأَلَّا
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((لا)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٤١.
(٣) فى الأصل: ((ما)).
(٤) سیأتی تخريجه ص ٦٤.
(٥ - ٥) سقط من: م.
١٥

٠
الموطأ
يُقْضَى بِدُخُولِ شَهْرٍ إِلَّ بِبَقِينِ رُؤْيَةٍ(١)، أو تَمَامٍ عَدَهٍ(٢).
التمهید
وأمَّا ابْنُ عُمَرَ فله مَذْهَبٌ ذهَب إليه وتَأَوَّلَه فى مَعْنَى مَا رَوَاه مِن قَوْلِهِ إِلّهِ:
((فَاقْدُژُوا له)). وأُكْتُ أهلِ العلم فى ذلك على خلافِه، وسنذْكُرُ مذهبه فى ذلك
عنه، ونَذْكُرُ مَن تَابَعَه عليه بعدُ فى هذا البابِ إنْ شاءَ اللَّهُ، وقال أهْلُ اللُّغَةِ :
((فَاقْدُرُوا له )). كَقَوْلِه: قَدِّرُوا له. يُقَالُ: قَدَرْتُ الشىءَ، وقَدَّرْتُه، وأَقْدَرْتُه.
قال أبو عمرَ : أمَّا صومُ يومِ الشَّكِّ تَطَوُّعًا ، فقد مَضَی القولُ فيه ، فى بابٍ
ثَوْرِ بنِ زَيْدٍ (١) ، وأمَّا صَوْمُه على أنْ يكونَ مِن رَمَضانَ إِنْ ظهَرَ الهلالُ خَوفًا أنْ
يكونَ مِن رَمَضانَ، وهل يُجْزِئُّ ذلك إِنْ ثَبَتَ أَنَّه مِن رَمَضَانَ أم لا؟ فقد اخْتَلَفَ
العلماءُ فى ذلك اخْتِلافًا كثيرًا؛ فجمْلَةُ قولٍ مالِكِ وأصْحابِه فى ذلك أنَّ يومَ
الشَّكِّ لا يُصَامُ على الاخْتِيَاطِ خَوْفًا أنْ يكونَ مِن رَمَضانَ، ويجوزُ صَوْمُه
تَطَوَّعًا، ومَنْ صامَه تَطَوَّعًا أو اخْتِيَاطًا، ثم ثَبَتَ أنَّه مِن رَمَضانَ ، لم يُجْزِئْه و كان
عليه قَضَاؤُه، وإِنْ أصْبَحَ فيه يَتْوِى الفِطْرَ ولم يأْكُلْ، أو أكَلَ، ثم صَحَّ أنَّه مِن
رَمَضانَ، كَفَّ عن الأكْلِ فِی بَقِيَّةِ یَوْمِه وقَضَاه، وإن أُكَلَ بعدَ عِلْمِه بذلك ، لم
يَكُنْ عليه كَفَّارَةٌ، إِلَّا أنْ يَقْصِدَ لانتهاكِ (٤) حُزْمَةِ اليومِ عالِمًا بما فى ذلك من
٠
القبس
نكتةٌ أصوليةٌ : قال بعضُ التابعين : إِن ◌ُمَّ الهلالُ عمل على تقديرِه بالحسابِ،
فإذا قال الحاسبُ : هو الليلةَ على درجةٍ مِن الشمسِ يمكِنُ أن يظهَرَ فيها عادةً إن لم
(١) فى م: ((رؤيته)).
(٢) فى م: ((عدده)).
(٣) سیأتی ص٥٧ - ٥٩.
(٤) بعده فى م: ((من)).
١٦

الموطأ
التمهيد
الإِثْم، فيَكَفِّرَ حينئذٍ إِنْ كان لم يأْكُلْ فيه شيئًا حتى وَرَدَ أنَّه مِن رَمَضَانَ، ثم أُكَلَ
مُتَعَمِّدًا مُنْتَهِكًا لحُرْمَةِ الشَّهْرِ، وقد مَضَى القولُ فيما يجِبُ على مَن أَفْطَرَ عامِدًا
فِى رَمَضانَ بأَكْلٍ أو غيرِهِ بَتُمّ ما يكونُ فى بابِ ابنِ شِهَابٍ(١) ، عن محمَيدِ بنِ
عبد الرحمنِ(١) . والحمدُ للهِ .
ذكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ(١) ، قال: أخبرنا داودُ بنُ قَيْسٍ، قال: سألْتُ القاسِمَ بنَ
محمدٍ عن صِيَّامٍ اليوم الذى يُشَكَّ فيه مِن رَمَضانَ ، فقال : إِذا كان مغِيمًا يُتَحِّی
أنَّه مِن رَمَضانَ ، فلا يَصُمْه .
القبس
يكنْ غَيْمٌ . فإنه يُعْمَلُ على قولِه فى الصومِ والفطرِ؛ لقوله: ((فاقْدُرُ وا لَهُ)). يريدُ فاحشبوا
تقديرَ منازلِه التى عبَّر اللهُ عنها بقولِه: ﴿وَاُلْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]. وسقَط
بعضُ المتأخّرين مِن الرَّحَالين هلهنا سقطةً كبيرةً ، فنسَب هذا القولَ لبعضٍ الشافعيةِ ،
وما قال بهذا القولِ أحدٌ قبلَ التابعىِّ ولا بعدَه غيرُه(٤)، ونحنُ لا تُنكِرُ أَصلَ الحسابِ،
ولا جَزْىَ العادةِ فى تقديرِ المنازل، لكن لا يجوزُ أن يكونَ المراد بتأويلِ الحديثِ ما.
ذ کر؛ لوجھیْن :
أمّا أحدُهما: فما تفطّن له مالكٌ وجعَله أصلًا فى تأويلِ الحديثِ لمَن بعده،
وذلك أنه قال {وَل﴿ فى الحديثِ الأوَّلِ: ((فَاقْدُرُوا لَهُ)). فجاء بلفظٍ محتَيلٍ، ثم فسَّر
الاحتمالَ فى الحديثِ الثانى فقال: ((فأكْمِلُوا العَدَدَ ثَلَائِينَ)). فكانَ هذا تفسيرَ
(١) بعده فى م: ((عن مالك)).
(٢) سيأتى ص ١٩١ - ٢٠٢، ٢٠٥.
(٣) عبد الرزاق (٧٣٢٦).
(٤) فى د: ((وعبره)).
(٥) ليس فى : د .
١٧
(موسوعة شروح الموطأ ٢/٩)

الموطأ
التمهید
وقال الوَلِيدُ بنُ مَزْيَدٍ: قلتُ للأَوْزَاعِيِّ: إنْ صامَ رجلٌ آخِرَ يومٍ مِن شَعْبَانَ
تَطَؤُّعًا، أو خَوْفًا أنْ يَكُونَ مِن رَمَضانَ، ثم صَعَّ أنَّه مِن رَمَضانَ، أَيُجْزِتُه ؟ قال:
نَعَمْ، وقد وُفِّقَ لصَوْمِه . وقال الحَسَنُ بنُ حَىٍّ: أكْرَهُ صَوْمَ يومِ الشَّكُّ ، فإِن صَامَه
القبس التقدير.
وأما الثانى : فلا يجوزُ أَن يُعَوَّلَ فی ذلك على قولِ الحسابِ؛ لا لأنه باطلٌ،
ولكن صيانةً لعقائدِ الناسِ أن تُناطَ بالعُلْوياتِ ، وأن تُعَلَّقَ عباداتُها بتداورِ الأفلاكِ
ومواقعها فى الاجتماع والاستقبال ، وذلك بحرٌّ عَّاجٌ إِن دخلوا فيه غرقوا ، وأين هذا
لمن عَقَّل من التابعين وغيرِهم من قولِ النبيِّ وَّةِ: (إِنَّ أُمَّةٌ أَمْيَّةٌ لَا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ ،
الشَّهْرُ هكَذَا)) الحديث(١)؟ فإذا كان ◌َِّ يَنْفِى عن نفسِه تصريفَ (١) الأناملِ المعتادةِ
عندَ أهلِ الحسابِ، فَأَوْلَى وأُخْرَى أَن يَنْفِىَ عن نفسِه تصريفَ() الكواكبِ
وتعديلَها .
فقة : إذا كان الحكم منوطًا بالرؤيةِ فليس يتَّفِقُ لكلِّ أحدٍ أن يَرَاه ؛ لأن ظهورَه
لحظةً على غفلةٍ، فإنما يَرَاه بعضٌّ دونَ بعضٍ ، وَيَلْزَمُ الصومُ لمن لم يَرَ بمن رأَى .
واختلَف الناسُ فيما يَلْزَمُ به الصومُ؛ فقيل: يَلْزَمُ باثنين؛ لأنهما أصلُ الحقوقِ
الخفيَّةِ. وقيل: يلزَمُ بواحدٍ . وممن قاله الشافعىُّ، وقد روى ابنُّ عمرَ قال : رأيتُ
الهِلَالَ عَلَى عَهْدِ النَّبِّ وَِّ فَأَعْلَمْتُهُ، فَأَمَرَ بالصَّوْمِ. خرَّجه أبو داودَ(١) . وكثُرت فى
ذلك الآثارُ. قال علماؤنا : هذه حكايةُ حالٍ، وقضيةُ عينٍ ، ويَحْتمِلُ أن يكونَ قدرآه
(١) سيأتى تخريجه ص ٤١ .
(٢) فى م: ((تعريف)).
(٣) أبو داود (٢٣٤٢) .
١٨

الموطأ
التمهيد
أُحَدٌ على ذلك ، فعليه القَضَاءُ إِن ثَبَتَ أَنَّه مِن رَمَضانَ. وقال ابنُ عُلَيَّةَ : لَا يَنْبغِى
لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَمَضانَ بصَوْمٍ، فإن فَعَلَ، ثم صَحَّ أنَّه مِن رَمَضَانَ ، أَجْزَأُ عنه .
وقال الثورىُّ: إذا أصْبَحَ الرجلُ فى اليومِ الذى يُشَكُّ فيه ولم يَنْوِ الصَّوْمَ، ثم بَغَه
أنَّه مِن رَمَضانَ ، قال : ثُمُّ صومه، ويَقْضِی یومًا مکانَه. قال: فإن أصْبَح فى
ذلك اليوم وهو يَنْوِى الصوْمَ ، وقال: أَنْظُرُ، فإن كان مِن رَمَضانَ صُمْتُ ، وإلّا
لم أَصُمْ . فَأَصْبَحَ على ذلك، فَعَلِمَ أنَّه مِن رَمَضانَ ، قال : يُجْزِئُه إِذا نَوَى ذلك مِن
اللَّيْلِ. وقال رَبِيعَةُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، وحَمَّادُ بنُّ أَبِى سُلَيْمَانَ، وابنُ أَبِى لَيْلَى: مَنْ
صامَ يومَ الشَّكُّ على أنَّه مِن رَمَضانَ، لم يُجْزِئْه، وعليه الإِعادَةُ . ورُوِىَ عن عُمَرَ،
وعلىٍّ، وابنِ مَسْعُودٍ ، وحُذَيْفَةً، وعَمَّارٍ، وأَبِى هُرَيْرَةَ ، وابنِ عَبَّاسٍ ، وأنَسٍ بنِ
مالِكٍ ، التَّهْىُ عن صِيَامِ يومِ الشَّكِّ مُطْلَقًا (١).
القبس
قبلَ ابنِ عمرَ غيرُه، فسقَط الاحتجاجُ به. وهذا بيِّنٌ جدًّا . فأما الفطرُ فاتَّفَق العلماءُ
على ألا يكونَ إلا باثنين، إلا أبا ثورٍ، فإنه قال: يُفطّرُ بالواحدِ . وجعله من بابِ
الإخبارِ ، وخبرُ الواحدِ يلزَمُ العملُ به، ولقد تفطّن لمشكلٍ وتعرّض لعظيم قد بيَّه فى
((مسائلِ الخلافِ))، وأقوى ما لكم على هذه الحالةِ فى التمسكِ به أنه مسبوقٌ(٢)
بالإجماع، إذ الاستيفاءُ للبيانِ معَه لا يمكِنُ فى هذه العُجَالةِ .
بديعةٌ : قال مالكٌ رحِمه اللهُ : ويقالُ للذى قال: يُصام بشهادةٍ واحدٍ : أرأيتَ إن
لم يُرَآخرَ الشهرِ . الكلامَ إلى آخرِه، فقال: أيُصامُ أحدٌ وثلاثون يومًا؟ معناه: لا سبيلَ
إلى ذلك ، إذ ليس شهرٌ من أحدٍ وثلاثين، ويقالُ له : أرأيتَ إن جرَى هذا فى الصومِ
بشاهدَين، أليس يُصامُ أحدٌ وثلاثون يومًا؟ فما يلزَمُ فى الشاهدِ الواحدِ يلزَمُ فى
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٧١/٣ - ٧٣، وسنن البيهقى ٢٠٨/٤، ٢٠٩، والمحلى ٦/ ٤٤٩، ٤٥٠.
(٢) فى د: ((مسنون)).
١٩

الموطأ
التمهید
ورُوِىَ أيضًا مثلُ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وأبى وائِلٍ، والشَّغْيِىِّ،
والنَّخَعِىِّ، وعِكْرِمَةَ، وابنٍ سِيرينَ(١).
وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، عن جَعْفَرِ بنِ سُلَيْمانَ، عن حَبِيبٍ بنِ الشَّهيدِ ، قال :
سمِعتُّ محمدَ بنَ سِيرِينَ يقولُ: لأَنْ أَقْطِرَ يومًا مِن رَمَضانَ لا أَتَعَمَّدُه، أَحَبُّ إلىّ
مِن أن أَصُومَ اليومَ الذى يُشَكُّ فيه مِن شَعْبَانَ .
الشاهدين لا محالةً .
القبس
ذريعةٌ: ربما خطَّر بالبالِ الاحترازُ عن هذه الحالِ فيقولُ المرءُ: أصومُ قبلَ الشهرِ
مخافةً أن أواقعَ الفطرَ فيه . وهذه معصيةٌ عظيمةٌ فى الدينِ، قال عمَّارٌ: مَنْ صَامَ يَوْمَ
الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أبا القَاسِمِ) . وقال النبيُّ وَّهِ: ((لا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بيومٍ وَلَا
بِيَوْمَيْنِ ). بل روَى أبو داودَ: ((إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلاَ يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ حَتَّى يَأْتِىَ
رَمَضَانُ))). وهذا إنما فعَله النبيُّ وَّ احترازًا مما فعَل أهلُ الكتابِ؛ لأنهم كانوا
يزيدون فى صومهم على ما فرض اللهُ عزَّ وجلَّ عليهم أولًا وَآخِرًا، حتى بدَّلوا العبادةَ؛
فلهذا لا يجوزُ استقبالُ رمضانَ ولا تشييعُهُ(١). قلنا فى قولِ النبيِّ وَلِّ: ((مَنْ صَامَ
رَمَضَانَ وَسِنَّا مِنْ شَوَّالٍ)) الحديث (٨) . إنه لا يحِلُّ صلتُها بيومِ الفطرِ، ولكن يصومُها
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٧١/٣، ٧٢، والمحلى ٤٥٠/٦.
(٢) عبد الرزاق (٧٣٢٩) .
(٣) سيأتى تخريجه ص ٣١ .
(٤) فى م: ((يومين)).
(٥) سیأتی تخريجه ص٥٧ .
(٦) أبو داود (٢٣٣٧) .
(٧) بعده فى ج، م: ((من أجله )).
(٨) مسلم (١١٦٤) من حديث أبى أيوب الأنصارى .
٢٠