النص المفهرس

صفحات 141-160

الموطأ
ومعمرُ(١)، عن قتادةَ، عن مُطّرفٍ، عن عياضٍ، عن النبيِّ بَّهِ. لم يقولوا فيه
عن قتادةً: ((مسلمین)). فلیس فی حدیث قتادةً ذكر ((مسلمین))، وهو فى
حدیث ثورِ بنِ یزید پاسنادِه .
التمهید
وقد اختلف العلماءُ فى قولِه عزَّ وجلّ: ﴿خُنَفَآءَ﴾ [الحج: ٣١، البيئة: ٥].
فروى عن الضَّحاكِ والشّدِّئِ فى قوله : ﴿ هُنَفَآء﴾ . قالا : حجاجًا . وروى عن
الحسنِ قال: الحنيفيَّةُ حُ البيتِ. وعن مجاهدٍ ﴿حُنَفَاءَ﴾. قال(٢) مُتَّبِعِينَ().
وهذا كلُّه يدُلُّ على أنَّ الحنيفيَّةَ الإِسلامُ. ويشهدُ لذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿مَا
كَانَ إِنَهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]. وقال:
﴿هُوَ سَمَّنْكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨]. فلا وجهَ لإنكارِ من أنكر روايةً من
روَى: ((حنفاءَ مسلمين)). قال الشاعرُ، وهو الرّاعِى):
أخليفةَ الرحمنِ إنَّا معشرٌ حنفاءُ نسجُدُ بكرةً وأصيلاً
حقَّ الزكاةِ مُنزَّلا تنزِيلاً
عَرَبُّ نَرَى للهِ فى أموالِنا
فهذا قد وصَف الحنيفيَّةَ بالإسلام، وهو أمر واضح لا خفاءً به .
وقيل : الحنیفُ من کان علی دینِ إبراهیم ، ثم سُمِّی مَن كان يختِنُ ويُمُ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٨٢/٣٠ (١٨٣٣٨)، والنسائى فى الكبرى (٨٠٧٠) من طريق معمر به .
(٢) بعده فى ص، ص١٦، م: ((مسلمين)).
(٣) ينظر فى هذه الآثار تفسير الثورى ص ٢١٢، وتفسير عبد الرزاق ٥٩/١، وتفسير ابن جرير ٥٩٢/٢،
٥٩٣، وتفسير ابن أبى حاتم ٢٤١/١ (١٢٩٢)، والدر المنثور ٤٨٩/١٠.
(٤) ديوانه ص ٢٠٦.
١٤١

الموطأ
البيتَ فى الجاهليةِ حنيفًا، والحنيفُ اليومَ المسلمُ. ويقالُ: إنما سُمِّىَ إبراهيمُ
التمهید
حنيفًا؛ لأنه كان حتّف عمَّا كان يعبُدُ أبوه وقومُه مِن الآلهةِ إلى عبادةِ اللهِ . أى :
عدَل عن ذلك ومال ، وأصلُ الحنَفِ ميلٌ مِن إبهامَى القدمين كلٌ واحدةٍ منهما
على صاحبتها .
ومما احتجّ به مَن ذهَب إلى أنَّ الفطرةَ الإسلام، قولُه ێِ: ( خمسٌ مِن
الفطرةِ)) (١). فذكّر منهن قصَّ الشاربِ والاختتانَ، وهى مِن سننِ الإسلامِ .
وممن ذهب إلى أنَّ الفطرةَ فى معنَى هذا الحديثِ الإسلامُ، أبو هريرةَ وابنُ
(٢)
شهاب(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حكم ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال :
حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى حسانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمارٍ، قال: حدَّثنا
عبدُ الحمیدِ بنُ حبیب ، قال : حدثنا الأوزاعىُ، قال : سألتُ الزهرئَّ عن رجل
عليه رقبة مؤمنةً ، أيُجزِئُ عنه الصَّبئُ أن يُعتِقَه وهو رضيعٌ؟ قال: نعم؛ لأنَّه ◌ُلِد
على الفطرةٍ. يعنى الإسلامَ .
وعلى هذا القولِ يكونُ معنى قوله فى الحديث: ((من بهيمةٍ جمعاءً، هل
تُحِسُّ من جَدعاءَ؟)). يقولُ: خُلِقِ الطفلُ سليمًا مِن الكفرِ ، مؤمنًا مسلمًا، على
الميثاقِ الذى أخَذه اللهُ على ذُرِيَّةِ آدمَ حينَ أخرَجهم من صُلبِه وأشهدهم على
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٧٥) من الموطأ .
(٢) ينظر صحيح البخارى (١٣٥٨).
١٤٢

الموطأ
أنفسِهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَيْكُمْ قَالُواْ بَلٌ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
التمهید
قال أبو عمرَ: يستحيلُ أن تكونَ الفطرةُ المذكورةُ فى قولٍ النبيِّ ◌َليهِ:
((كلَّ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ ». الإسلامَ؛ لأنَّ الإسلامَ والإيمانَ قولٌ باللسانِ،
واعتقادٌ بالقلبٍ ، وعملٌ بالجوارحِ، وهذا معدومٌ مِن الطفلِ، لا يجهَلُ ذلك ذو
عقلٍ ، والفطرةُ لها معانٍ ووجوهً فى كلام العربِ. وإنما أجزَأ الطفلُ المرضَحُ عندَ
من أجاز عِتقَه فى الرّقابِ الواجبةِ ؛ لأنَّ حكمه حكم أبويهِ. وخالفهم آخرون
فقالوا: لا يُجزِئُ فى الرقابِ الواجبةِ إلَّا من صام وصلَّى. وقد مضى فى هذا
البابِ مِن هذا المعنَى ما يكفِى (١). والحمدُ للهِ .
وقال آخرون: معنَى قولِهِ وَلّهِ: ((كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ)). يعنى:
على البَدْأةِ التى ابتدَأُهم عليها ، أى: على ما فطَر اللهُ عليه خلقَه مِن أنه(٢) ابتدَأهم
للحياةِ والموتِ، والشقاءِ والسعادةِ، وإلى ما يصيرُون إليه عندَ البلوغ مِن
قبولهم(١) ) عن آبائهم) واعتقادِهم، وذلك ما فطَرهم اللهُ عليه مما لابُدَّ مِن
مصيرِهم إليه. قالوا: والفطرةُ فى كلامِ العربِ البَدْأَةُ، والفاطرُ المُبدِئُ
والمبتَدِيُ. فكأنه قال ◌َله: كلُّ مولودٍ يُولدُ على ما ابتدأَه اللهُ عليه مِن الشقاءِ
والسعادةِ مما يصيرُ إليه. واحتجُوا بما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال :
القبس
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٥٤٧) من الموطأ .
(٢) فى ص ١٦، م: ((أنهم)).
(٣) غير واضح فى الأصل، وفى م: ((ميولهم)).
(٤ - ٤) فى ص ١٦: ((على إيمانهم)).
١٤٣

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلامِ الخُشَنِىُ، قال :
حدّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حذَّثنا یحیی بنُ سعیدٍ ، قال : حدثنا سفيانُ ، عن
إبراهيم بن مهاجرٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابن عباس قال : لم أ کنْ أدرى ما ﴿فَاطِرُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى: ١١]. حتى أتَى أعرابیانِ يختصِمان فى بئرٍ ؛ فقال
أحدُهما : أنا فطَرتُها. أى: ابتدَأَتُها(١) .
قالوا : فالفطرةُ البَدْأَةُ. واحتجُوا بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ
فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩، ٣٠].
ج
تَعُودُونَ (9)
وذكّروا ما يُروَى عن علىّ بن أبى طالبٍ فى بعضٍ دعائِه: اللهمَّ جبارَ القلوبِ على
فطرتِها شقيِّها وسعيدِها (١).
قال أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ نصرٍ المروزىُّ: وهذا المذهبُ (٣شَبية بما)
حكاه أبو عبيدٍ عن عبدِ اللهِ بنِ المباركِ، أنه سُئِل عن قولِ النبيِّ وَّهِ: (( كلُّ
مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ)). فقال: تفسيرُهُ " الحديثُ الآخرُ حينَ سُئل عن أطفالٍ
المشركينَ فقال: ((اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملين)). قال المروزىُّ: قد كان أحمدُ
ابنُ حنبلٍ يذهَبُ إلى هذا القول ثم تركه .
القبس
(١) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ٢٠٦، وفى الغريب ٣٧٣/٤، وابن جرير فى تفسيره ١٧٥/٩،
والبيهقى فى الشعب (١٦٨٢) من طريق يحيى بن سعيد به.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٢٥/١٠، ٣٢٦.
(٣ - ٣) فى ص ١٦: ((شبهه ما)).
(٤) فى الأصل، م: ((يفسره)).
١٤٤

الموطأ
قال أبو عمرَ: ما رسَمه مالكٌ فى ((الموطأُ)) وذكَرَه فى أبوابٍ التمهيد
القدرِ فيه مِن الآثارِ ما يدُلَّ على أنَّ مذهبَه فى ذلك نحوُ هذا. واللهُ
أعلمُ .
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال : حدّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا
محمدُ بنُّ الجهم ، قال: حدَّثنا رَوحُ بنُ عُبادةَ ، قال : حدَّثنا موسى بنُ عُبيدةً ،
قال : سمِعتُ محمدَ بنَ كعبِ القُرِىَّ فى قولِهِ عزَّ وجلّ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
ج
٣٩
فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾. قال: مَن ابتدَأُ اللهُ خلقَه
للضلالةٍ صيَّره إلى الضلالةِ وإن عمِل بأعمالِ الهُدى، ومَن ابتدَأُ اللهُ خلقَه على
الهُدى صيّره اللهُ إلى الهُدى وإن عمِل بأعمالِ الضلالةِ ، ابتدأ خلق إبليسَ على
الضلالةِ، وعمِل بعملِ السعادةِ مع الملائكةِ، ثم ردّه اللهُ إلى ما ابتَدأ عليه خلقه
مِن الضلالةِ. قال: وكان مِن الكافرين. وابتدأ خلقَ السَّحرةِ على الهدى،
وعملوا بعملِ الضلالةِ، ثم هداهم اللهُ إلى الهُدى والسعادةِ، وتوفّاهم عليها
(١)
مسلمين (٢).
وبهذا الإسناد عن محمد بن کعب فی قوله : (وإذ أخذ ربك من بني آدمَ من
ظهورِهم ذُرِّيَّتِهِم)(١) . يقولُ: فَأَقَرُوا له بالإِيمانِ والمعرفةِ؛ الأرواحُ قبلَ أنْ
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٤٣/١٠، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٦٣/٥ من طريق
موسی بن عبيدة به نحوه .
(٢) سورة ((الأعراف))، الآية : ١٧٢. وقد قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائى وخلف بغير
ألف على التوحيد مع فتح التاء، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بالألف على
الجمع مع كسر التاء. ينظر النشر ٢٠٥/٢.
١٤٥
( موسوعة شروح الموطأ ١٠/٨)

الموطأ
تُخلَقَ أجسادُها(١).
التمهيد
أُخبرَنا سعيدُ بنُّ نصرٍ وأحمدُ بنُّ محمدٍ ، قالا: حدثنا وهبُ بنُ مَسَرَّةَ،
قال : حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلامِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ، قال: حدّثنا
عبدُ الرحمنِ بنُ مهدِئٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن سالم
الأفطسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِهِ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾. قال: كما
كُتِب علیکم تكونون(7) .
وقال ابنُ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾ . قال : شقيًّا
وسعيدًا(٢). وقال وِقاءُ بنُ إِياسٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ كَمَا بَدَأْكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ : قال:
يُبعثُ المسلمُ مسلمًا، والكافر كافرًا(٥) .
وقال الربيعُ بنُّ أنسٍ، عن أبى العاليةِ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾ . قال : عادوا
ج
إلى علمِه فيهم، ﴿فَرِيقًا هَدَىْ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾(١).
واحتجّ من ذهَب هذا المذهب فى تأويل الفطرة المذكورة فى الحديثِ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١١٥/١٤، وابن جرير فى تفسيره ٥٦٢/١٠ من طريق موسى بن عبيدة به
نحوه .
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٤٤/١٠ عن ابن بشار به.
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٥. وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٤٥/١٠ من طريق ابن أبى نجيح به.
(٤) فى الأصل، ص ١٦، م: ((ورقاء))، وفى ص: ((وفاء)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٥٥.
(٥) أخرجه الثورى فى تفسيره ص ١١٢، وعبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٦/١، وابن جرير فى تفسيره
١٤٤/١٠ من طريق وقاء به .
(٦) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٤٣/١٠، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٦٢/٥ من طريق الربيع به.
١٤٦

الموطأ
التمھید
المذ کور فی هذا الباب ، بما ذكّرَه أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ نصر المروزىُّ ، قال :
حدَّثنا إسحاقُ بنُّ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا حكّامُ(١) بنُ سَلْم، عن عنبسةً، عن
عُمارةَ بنِ عميرٍ ، عن أبى محمدٍ - رجلٌ مِن أهلِ المدينةِ - قال : سألتُ عمرَ بنَ
الخطابٍ عن قولِه عزَّ وجلَّ : (وإذا أخَذ ربُّك من بنى آدمَ من ظهورِهم ذرِّيَّاتِهم)
الآية. فقال: سألتُ رسولَ اللهِ وَلَهِ كما سألتنى، فقال: ((خلَق اللهُ آدمَ بيده،
ونفَخ فيه مِن رُوحِه، ثم أجلَسه ومسَح ظهرَه، فأخرَج منه ذرءًا، قال: ذرةٌ
ذرأتُهم للجنةِ ، يعمَلون بما شئتُ مِن عملٍ، ثم أختِمُ لهم بأحسنٍ أعمالهم
فأَدخِلُهم الجنةَ. ثم مسَح ظهرَه، فأخرَج ذرًا، فقال: ذرءٌ ذراتُهم للنارِ ،
يعملون بما شئتُ مِن عملٍ، ثم أختِمُ لهم بأسواً (١) أعمالِهم فأدخِلُهم النارَ)) (١).
وذكَر حديثَ مالكٍ(٤)، عن زيدِ بنِ أبي أَنْيسةَ، عن عبد الحميد بنِ
عبد الرحمنِ، عن مسلمٍ بنٍ يسارٍ ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ سُئِلَ عن هذه الآيةِ .
فذكَر الحديثَ مرفوعًا بمعنى ما تقدَّم على حَسبٍ ما فى ((المُوطًَّ)).
قال أبو عمرَ: ليس فى قولِه: ﴿ كَمَا بَدَأَ كُمْ تَعُوُدُونَ﴾ . ولا فى أن يختِمَ اللهُ
للعبدِ بما قضاه له وقدَّره عليه حينَ أُخرَج ذُرِيَّةً آدمَ مِن ظهرِهِ - دليلٌ على أنَّ الطفلَ
القبس
(١) فى م: ((حكم)). وينظر تهذيب الكمال ٨٣/٧.
(٢) فى ص ١٦: ((بشر).
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٥٥٤/١٠ من طريق حكام به، وأخرجه ابن منده فى الرد على
الجهمية (٢٥) من طريق عمارة بن عمير به .
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٧٢٥).
١٤٧

الموطأ
التمهید
يُولدُ حین یُولدُ مؤمنًا أو کافرا ؛ لِما شَهِدتْ به العقول أنه فى ذلك الوقتِ لیس
مِمن يعقِلُ إِيمانًا ولا كفرًا. والحديثُ الذى جاء فيه أنَّ الناسَ خُلِقوا طبقاتٍ ؛
فمنهم من يُولدُ مؤمنًا ، ومنهم مَن يُولدُ كافرًا. على حسَبٍ ما تقدَّم ذكرُه فى هذا
الباب ) ، لیس مِن الأحاديث التى لا مطعَنَ فيها ؛ لأنَّه انفرد به علىُ بنُ زیدِ بنِ
جُدعانَ، وقد كان شعبةُ يتكلَّمُ فيه . على أنَّه يحتمِلُ قولُه: ((يُولدُ مؤمنًا)» : يُولدُ
ليكونَ مؤمنًا ، ويُولدُ ليكونَ كافرًا ، على سابقِ علم اللهِ فیه، وليس فى قولِه
فى الحديث: ((خلَقتُ هؤلاءِ للجنةِ، وخلَقتُ هؤلاءِ للنارِ)) . أكثرُ مِن مراعاةٍ ما
يُختَمُ به لهم ، لا أنهم فى حينٍ طفولتهم ممن يستحِقُّ جنةً أو نارًا، أو يعقِلُ كفرًا
أو إيمانًا، وقد أوضحنا الحُجَّةَ فى هذا لِمَن أَلْهِم رُشدَه، فيما تقدَّم، والحمدُ
للهِ . وفى اختلافِ السلفِ واختلافٍ ما رُوِى مِن الآثارِ فى الأطفالِ ما يُبيِّنُ لك ما
قُلنا إن شاءَ اللهُ ..
وقال آخرون: معنى قولِهِ وَّهِ: ((كلَّ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ ». أنَّ اللهَ قد
فطَرهم على الإنكارِ والمعرفةِ، وعلى الكفرِ والإيمانِ، فأَخَذ مِن ذُرِيَّةِ آدمَ
الميثاقَ حينَ خَلَقهم، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ﴾؟ [الأعراف: ١٧٢]. قالوا
. فأما أهلُ السعادةِ ، فقالوا: ﴿بَلَ﴾. على معرفةٍ له طوعًا مِن
جميعًا :
. گرهًا لا طوعًا . قالوا : وتصديقُ
قلوبهم، وأمَّا أهلُ الشقاءِ ، فقالوا :
ذلك قولُه: ﴿وَلَّهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ◌َوَّعًا وَكَرْهَا﴾
القبس
(١) فى الأصل، م: ((الكتاب)). والحديث تقدم تخريجه ص ١٢٨، ١٢٩.
(٢ - ٢) فى ص ١٦: ((العلم عند الله)).
١٤٨

الموطأ
التمهید
فَرِيقًا هَدَى
٢٩
[آل عمران: ٨٣]. قالوا: وكذلك قولُه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ
ج
وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾. قال المروزىُّ: وسمِعتُ إسحاقَ بنَ إبراهيمَ -
يعنى ابنَ راهُويَه - يذهَبُ إلى هذا المعنى. واحتجّ بقولِ أبى هريرةَ : اقرُوا إن
شئتُمْ: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
قال إسحاقُ : يقولُ: لا تبديلَ لخِلقَتِهِ التى جبل عليها ولدَ آدمَ كلّهم. يعنى: مِن
الكفرِ والإيمانِ، والمعرفةِ والإنكارِ . واحتجّ إسحاقُ أيضًا بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ( وإذ
أُخَذ ربُّك من بنى آدمَ من ظهورِهم ذرِّيَّاتِهم) الآية. قال إسحاقُ: أجمَع أهلُ العلم أنها
الأرواح (١) قبلَ الأجسادِ؛ استنطَقهم وأشهَدهم على أنفسِهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ
قَالُواْ بَلٌ﴾. فقال: انظُرُوا ألَّ تقولوا: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِينَ (١٨) أَوْ نَقُولُواْ
إِنَّ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].
قال أبو عمرَ: مِن أحسنٍ ما رُوِى فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: (وإذا أخَذ ربُّك
من بنى آدمَ من ظهورِهم ذرِّيَّاتِهم) الآية. ما حدَّثناه محمدُ بنُ عبدِ الملكِ ، قال :
حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ مسرورٍ ، قال : حدثنا عیسی بنُ مسکینٍ، قال: حدّثنا محمدُ
ابنُ عبدِ اللهِ بنِ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسباطُ بنُ نصرٍ
الهمدانئُ ، عن السدئِّ ، عن أصحابه ، قال عمرو : أصحابُه أبو مالك ، وعن أبى
صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرّةً الهمدانى ، عن ابن مسعودٍ ، وعن ناسٍ مِن
أصحابِ النبيِّ وَ لّ فى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: (وإذا أُخَذ ربُّك من بنى آدمَ من
ظهورِهم ذريَّاتِهم). قالوا: لما أخرَج اللهُ آدمَ مِن الجنةِ قبلَ أن يُهِطَه مِن السماءِ،
القبس
(١) بعده فى ص ١٦: ((من)).
١٤٩

الموطأ
التمهيد
مسَح صفحةً ظهرِه اليمنى ، فأُخرَج منها ذريَّةً بيضاءَ مثلَ اللُّؤْلُؤكهيئةِ الذَّرّ، فقال
لهم: ادخُلوا الجنةَ برحمتِى . ومسَح صفحةً ظهرِه اليسرى، فأخرَج منها ذرِّيَّةً
سوداءَ كهيئةِ الذَّرُّ، فقال: ادخلوا النارَ ولا أبالى. فذلك قوله: ﴿وَأَصْحَبُ
أَلْيَمِينِ﴾، ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٢٧، ٤١]. ثم أَخَذ منهم الميثاقَ،
فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَنٌ﴾ . فأعطاه طائفةٌ طائعينَ، وطائفةٌ كارِهِينَ على
وجهِ التَّقيَّةِ، فقال هو والملائكةُ: ﴿شَهِدْنَاْ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّاً
عَنْ هَذَا غَفِلِينَ (٦٨) أَوَ نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ . قالوا : فليس أحدٌ مِن
ولدٍ آدَ إِلَّ وهو يعرِفُ الله أنه ربُّه، وذلك قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَهُ، أَسْلَمَ مَن فِى
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهًا﴾. وذلك قولُه: ﴿فَلَّهِ الُْجَّةُ الْبَالِغَّةُ
فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. يعنى يومَ أَخَذ الميثاقَ(٢) .
واحتجَّ إسحاقُ أيضًا بحديثٍ أُبىّ بنِ كعبٍ فى قصةِ الغلامِ الذى قتله
الخضِرُ، قال: أخبرنا سَلْمُ(٢) بنُ قتيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الجبارِ بنُ عباسٍ
الهمدانىُّ، عن أبى إسحاقَ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبىّ بنِ
كعبٍ، عن النبيِّ ◌َ ﴿ قال: «الغلامُ الذى قتَله الخَضِرُ طبَعه اللهُ يومَ طَبَعه
كافرًا))(٤). قال إسحاقُ: وكان الظاهرُ ما قال موسَى: (أَقتَلتَ نفسًا
القبس
(١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٠/ ٥٦٠، ٥٦١، وفى تاريخه ١٣٦/١ من طريق عمرو بن
حماد ، عن أسباط ، عن السدی قوله .
(٣) فى الأصل، ص ١٦، م: ((مسلم)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٢/١١.
(٤) أخرجه الترمذى (٣١٥٠)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٦١/٣٥ (٢١١٢٢) من =
١٥٠

الموطأ
زاكيةٌ) (١). فأعلَم اللهُ الخضِرَ ما كان الغلامُ عليه مِن الفطرةِ التى فطره عليها؛ التمهيد
لأَنَّه كان قد طُبع يومَ طُبع كافرًا .
قال إسحاقُ : وأخبرنا سفيانُ ، عن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابنِ
"(٢)
عباسٍ ، أنه کان یقرأ: (وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين) .
قال إسحاقُ: فلو ترَك النبىُّ وَالتِّ الناسَ ولم يُبيِّنْ لهم محُكمَ الأطفالِ ، لم
يعرفوا المؤمنين منهم مِن الكافرين؛ لأنهم لا يدرون ما يجيل كلَّ واحدٍ منهم عليه
حينَ أَخرِج مِن ظهرِ آدمَ، فبيّن لهم النبيُّ وَّر محكمَ الطفلِ فى الدنيا ، فقال:
((أبواه يهوِّدانِه، ويُنصِّرانِه، ويُمِّسانِهِ)). يقولُ: أنتم لا تعرفون ما طُبع عليه فى
الفطرةِ الأولى، ولكنْ حكمُ الطفلِ فى الدنيا حكمُ أبويهِ، فاعرِفوا ذلك
بالأبوین ؛ فمن کان صغیرًا بین ابوین (٢) کافرین أُلحِق بحکیهما ، ومن كان
صغيرًا بينَ أبوينٍ مسلِمَينِ أُلحِق بحُكمِهما، وأما إيمانُ ذلك وكفرُه مما يصيرُ
إليه ، فعِلمُ ذلك إلى اللهِ ، وبعلم ذلك فضَل الخَضِرُ موسى ، إذْ أطلَعَه اللهُ عليه فى
القبس
= طريق سلم بن قتيبة، وأخرجه الطيالسى (٥٤٠)، وأبو داود (٤٧٠٦)، وابن أبى عاصم فى السنة
(١٩٥) من طريق أبى إسحاق به .
(١) فى ص ١٦: ((زكية)). وهما قراءتان متواترتان؛ قرأ عاصم وحمزة والكسائى وخلف وابن عامر
وروح بغير ألف بعد الزای وتشديد الياء، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ورويس بالألف
وتخفيف الياء. ينظر النشر ٢٣٥/٢.
(٢) قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف. ينظر البحر المحيط ١٥٤/٦، ١٥٥.
والأثر أخرجه مسلم (١٧٠/٢٣٨٠) عن إسحاق به.
(٣) بعده فى الأصل: ((له)).
١٥١

الموطأ
التمهيد ذلك الغلامِ، وخصَّه بذلك العلمِ .
قال أبو عمرَ: ما بيَّن رسولُ اللهِ وَله لأحدٍ مِن أُمَّتِهِ محُكمَ الأطفالِ الذين
یموتون صغارًا بیانًا یقطعُ بمجيئه (١) العُذر، بل اختلفتِ الآثارُ عنه فى ذلك بما
سنُورِدُه بعدَ هذا إن شاء اللهُ .
واحتجَّ إسحاقُ أيضًا بحديث عائشةً حينَ مات صبىٌّ مِن الأنصارِ بينَ أبوینِ
مسلمَين ، فقالت عائشةُ : طُوبى له ، عصفورٌ مِن عصافير الجنةِ . فردّ عليها النبىُّ
وَلِّ فقال: ((مَهْ يا عائشةُ، وما يُدرِيكِ؟ إنَّ اللهَ خَلَق الجنةَ وخلَق لها أهلَها،
وخلَق النارَ وخلَق لها أهلَها)) (٢) . قال إسحاقُ: فهذا الأصلُ الذى يعتمِدُ عليه
أهلُ العلم .
قال أبو عمرَ : أمّا قولُ إسحاقَ ومَن قال بقولِه فى تأويلِ الحديثِ فى الفطرةٍ
التى يُولدُ عليها بنو آدمَ : إنها المعرفةُ والإنكارُ، والكفر والإيمانُ . فإنه لا يخلو
مِن أن يكونوا أرادوا بقولهم ذلك أنَّ اللهَ خلَق الأطفالَ وأُخرَجهم مِن بُطونٍ
أَمهاتِهم ؛ لِيعرِفَ منهم العارفُ ويعترِفَ فيُؤمنَ ، وليُنكِرَ منهم المنكِرُ ما يعرِفُ
فیکفُرَ، وذلك کلُّه قد سبق به لهم قضاءُ اللهِ ، وتقدّم فيه علمُه ، ثم یصیرُون إليه
فى حينٍ تَصِحُ منهم المعرفةُ والإيمانُ ، والكفرُ والجحودُ، وذلك عندَ التمييزِ
والإدراكِ. فذلك ما قُلنا، أو يكونوا أرادوا بقولهم ذلك أنَّ الطفلَ يُولدُ عارفًا مُقِرًّا
القبس
(١) فى ص ١٦: ((بحجته))، وفى م: ((حجة)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٦٥، ١٦٦.
١٥٢

الموطأ
التمهید
مؤمنًا، أو عارفًا جاحدًا مُنكِرًا كافرًا فى حينٍ ولادتِه، فهذا ما يُكذِّبُه العِیانُ
والعقلُ، ولا عِلْمَ اصُ مِن ذلك ؛ لأنّها شواهِدُ الأصولِ ودلائلُ العقولِ ، وليس
فى قوله عزَّ وجلَّ : (وإذ أخَذ ربُّك من بنى آدمَ من ظهورِهم ذريَّاتِهم) الآية . دليلٌ
يشهَدُ لهم بما ادَّعَوه مِن ذلك، ولا فيه ردِّ لما قُلنا، وإنما فيه أنَّ الخلقَ
يُخشَرون (١) ويصيرُون إلى ما سبق لهم فى علمِه، وهذا ما لا يختلِفُ أهلُ الحقِّ
فيه، ومعنى الآيةِ والحديثِ أنه أخرَج ذُرِّيَّةً آدمَ مِن ظهرِه كيف شاء ذلك،
وألْهَمهم أنَّه ربُّهم، فقالوا: بلى . لئلَّ يقولوا يومَ القيامةِ: إنا كنا عن هذا غافلين.
ثم تابَعهم بحجّةِ العقلِ عندَ التمييزِ، وبالرسلِ بعدَ ذلك ، استظهارًا بما فى
عقولهم من المنازعة إلى خالقٍ مُدٍِّ حکیم يُدبِّرُهم بما لا يتهيأ لهم ، ولا يُمكِنُهم
جحدُه . وهذا إجماعُ أهلِ السنةِ ، والحمدُ للهِ. وإنما اختلفوا فيمن مات وهو
طفلٌ لم يُدرِْ مِن أولادِ المؤمنين والكافرين، على ما نوضِّحُه بعدَ الفراغِ مِن
القول فى الفطرةِ التى يُولدُ المولودُ عليها ، واختلافٍ أهلِ العلم فى معناها إن شاء
اللهُ .
وأما الغلام الذی قتله الخضِرُ، فأبواه مؤمنان لا شكّ فی ذلك ؛ فإن كان
طفلًا، ولم يكنْ كما قال بعضُ أهلِ العلم رجلًا قاطعًا للسبيلِ، فمعلومٌ أَنَّ
شريعتنا ورَدتْ بأنَّ كلَّ أبوین مؤمنين لا يُحكّمُ لطفلهما الصغيرِ بحالٍ الکفرِ ،
ولا يَحِلَّ قتلُه بإجماع، وكفى بهذا حبَّةً فى تخصيصٍ غلامِ الخضِرِ. وقد
القبس
(١) فى الأصل: ((يجزون)).
١٥٣

الموطأ
أجمع المسلمون مِن أهلِ السنةِ وغيرِهم إلا المُجبِرَةَ ، أنَّ أولادَ المؤمنین فی
التمهید
الجنةِ، فكيف يجوزُ الاحتجاجُ بقصةِ الغلامِ الذى قتله الخَضِرُ اليومَ فى هذا
الباب ؟
وأمّا حدیثُ عائشةً الذى احتج به إسحاقُ ، فإنّه حديث ضعيفٌ انفرَد به
طلحةُ بنُ یحیی فانگروه علیه ، وضعفوه من أجله ، وقد بيّتُ ذلك فى بابِ ابنِ
شهابٍ ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ(١) . وقولُ إسحاقَ فى هذا البابِ لا يرضاه
المُذَّاقُ الفقهاءُ(٢) مِن أهلِ السنةِ، وإنما هو قولُ المُجبِرَةِ، وفيما مضَى كفايةٌ .
والحمدُ للهِ .
وقال آخرون: معنى الفطرةِ المذكورة فى المولودين، ما أخَذَ اللهُ مِن ذُرِّيَّةِ
آدمَ مِن الميثاقِ قبلَ أن يخرجوا إلى الدنيا يومَ استخرَج ذُريَّةً آدمَ مِن ظهرِهِ،
فخاطَبهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلٌ﴾. فأقرُّوا جميعًا له بالرُّبوبيةِ عن معرفةٍ منهم
به ، ثم أخرَجهم مِن أصلابٍ آبائهم مخلُوقين مطبوعين على تلك المعرفةِ وذلك
الإقرار. قالوا : وليست تلك المعرفةُ پإیمانٍ ، ولا ذلك الإقرارُ پإیمانٍ ، ولكنه
إقرارٌ مِن الطبيعةِ للربِّ، فطرةٌ الزَمها قلوبَهم، ثم أرسَل إليهم الرسلَ، فدعَوْهم
إلى الاعتراف له بالژبوبية والخضوع، تصديقًا بما جاءت به الرسلُ ، فمنهم من
أُنكَر وجحَد بعدَ المعرفةِ، وهو به عارفٌ؛ لأَنَّه لم يكنِ اللهُ ليدعُوَ خلقَه إلى
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ٣١ .
(٢) تقدم ص ٣٣، ٣٤.
(٣) فى ص ١٦: ((الفهماء))، وفى م: ((الفقهة)).
١٥٤

الإيمانِ به وهو لم يُعرِّفْهم نفسَه؛ إذْ(١) كان يكونُ حينئذٍ قد كلَّفهم الإيمانَ بما لا
يعرفون، قالوا: وتصديقُ ذلك قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ
﴾ [الزخرف: ٨٧]. وذكّروا ما ذكّره السدىّ، عن أصحابِه، وعن أبى صالحٍ،
عن ابنٍ عباسٍ، وعن مرّةً، عن ابن مسعودٍ (١) . على حسبٍ ما ذكّرناه قبلَ هذا
فى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: (وإذ أخَذ ربُّك من بنى آدمَ من ظهورِهم ذريَّاتِهم) الآية.
وذكَّروا أيضًا ما حدَّثناه إبراهيمُ بنُّ شاكرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ عثمانَ ،
قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ صالحٍ، قال :
حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُّ موسَى، قال: حدَّثنا أبو جعفرِ الرَّازِىُّ، عن الربيعِ بنِ
أنسٍ، عن أبى العاليةِ، عن أَبيِّ بنِ كعبٍ فى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: (وإن
أَخَذ ربُّك من بنى آدمَ من ظهورِهم ذريَّاتِهم). إلى قوله: ﴿أَفَهْلِكُنَا بِمَا
فَعَلَ اُلْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]. قال: جمعهم جميعًا فجعَلهم أرواحًا، ثم
صوَّرهم، ثم استنطَقهم، فقال: ألستُ بريَّكم؟ قالوا : بلى شهِدنا . أن تقولوا
يومَ القيامةِ: لم نعلَمْ هذا. قالوا: نشهَدُ أنك ربَّنا وإِلهُنا ، لا ربَّ لنا غيرُك، ولا إله
لنا غيرُك. قال: فإِنِّى أُرسِلُ إليكم رسلی، وأُنزِلُ علیکم کتبی، فلا تكذّبوا
رسلى، وصدِّقوا بوعدِى، وإنى سأنتقِمُ ممن أشرَك بى ولم يُؤْمِنْ بى. قال :
فأخَذ عهدَهم وميثاقَهم، ورفَع أباهم آدمَ، فنظَر إليهم، فرأى منهمُ الغنىَّ
القبس
(١) فى الأصل: ((لأنه)).
(٢) تقدم تخريجه ص ١٤٩، ١٥٠.
(٣) فى ص ١٦: ((فيهم)).
١٥٥
إ
الموطأ
التمهید

الموطأ
التمهيد والفقيرَ، وحسنَ الصورةِ، وغيرَ ذلك، فقال: يا ربِّ، لو سؤَيتَ بينَ عبادِك؟
قال : أحببتُ أن أَشْكَرَ. قال: والأنبياءُ يومَئذٍ بينَهم مثلُ السُّرُج. قال: وخُصُّوا
بميثاقٍ آخرَ للرسالةٍ(١) أنْ يُبلِّغوها. قال: فهو قولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْنَ
مِشَقَّهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]. قال : وهى فطرةُ اللهِ التى فطَر الناسَ
عليها. قال(١) : وذلك قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا
أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. وذلك قوله: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا
كَذَّبُواْ(١) مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٠١]. قال: فكان فى علم اللهـ من يُگذِّبُ به .
ومن يصدِّقُ. قال: وكان روح عيسى عليه السلامُ مِن تلك الأرواح التى أَخَذ
عهدَها وميثاقَها فى زمنٍ آدمَ. وذكّر تمامَ الحديثِ(٤).
وسُئل حمادُ بنُّ سلمةً عن قولِ النبيِّ وَِّ: ((كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ ».
فقال: هذا عندَنا حيثُ أُخِذ العهدُ عليهم فى أصلابٍ آبائِهم .
قال أبو عمرَ : القولُ فيما تقدَّم قبلَ هذا يُغِنى عن القولِ ههنا ، وقد قال
القبس
(١) فى ص ١٦: ((الرسالة)).
(٢) سقط من: ص ١٦، م.
(٣) بعده فى ص ١٦: ((به)). وهى الآية ٧٤ من سورة يونس.
(٤) أخرجه الحاكم ٣٢٣/٢، ٣٢٤ من طريق عبيد الله بن موسى به. وأخرجه الفريابى فى القدر
(٥٢)، وابن جرير فى تفسيره ٥٥٧/١٠، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦١٥/٥ من طريق أبى
جعفر به، وأخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ١٥٥/٣٥ (٢١٢٣٢)، والفريابى فى
القدر (٥٣) من طريق الربيع به .
١٥٦

الموطأ
هؤلاءٍ : ليست تلك المعرفةُ بإيمانٍ ، ولا ذلك الإقرارُ بإيمانٍ، ولكنه إقرارٌ مِن التمهيد
الطبيعةِ للرَّبِّ ، فطرة ألزَمها قلوبَهم. فكفَونا بهذه المقالةِ أنفسَهم.
وقال آخرون : الفطرةُ ما يقلِّبُ اللهُ قلوبَ الخلقِ إليه مما يُريدُ ويشاءُ، فقد
یکفُرُ العبدُ ثم ◌ُؤمِنُ فیموتُ مؤمنًا ، وقد يُؤمِنُ ثم یکفُرُ فیموتُ كافرًا ، وقد یکفر
ثم لا يزالُ على كفرِهِ حتى يموتَ عليه، وقد يكونُ مؤمنًا حتى يموتَ على
الإيمانِ ، وذلك كلُّه تقديرُ اللهِ وفطرتُه لهم .
واحتجُوا مِن الأثر بحديثٍ علیٍّ بنِ زید ، عن أبی نضرَةً ، عن أبى سعيد
الخدرىِّ، عن النبيِّ وَ لَّ أنه قال: ((ألا إنَّ بنى آدمَ خُلِقوا على طبقاتٍ ؛ فمنهم
من ◌ُولِدُ مؤمنًا ویحیا مؤمنًا ويموتُ مؤمنًا، ومنهم من يولدُ كافرًا ويحيا كافرًا
ويموتُ كافرًا، ومنهم من يولدُ مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموتُ كافرًا، ومنهم من
يُولِدُ كافرًا ويحيا كافرًا ويموتُ مؤمنًا))(١). وقد مضَى القولُ فى إسنادٍ هذا
الحدیثِ فیما تقدَّم مِن هذا البابٍ .
والفطرةُ عندَ هؤلاءِ ما قضاه اللهُ وقدَّره لعبادِهِ مِن أوَّلِ أحوالِهم إلى آخرِها ،
كلُّ ذلك عندَهم فطرةٌ ؛ سواء كانت عندَهم حالاً واحدةً لا تنتقلُ، أو حالاً بعدَ
حالٍ؛ كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿لَتَرَّكَبُنَّ طَبَّقًا عَن طَبَقِ﴾ [الانشقاق: ١٩]. أى: حالًا
بعدَ حالٍ، على ما سبق لهم فى علم اللهِ. وهذا القولُ وإنْ كان صحيحًا فى
الأصلِ، فإِنَّه أضعفُ الأقاويلِ مِن جهةِ اللّغةِ فى معنى الفطرةِ. واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٢٨، ١٢٩ .
:
١٥٧

الموطأ
التمهید
فهذا ما انتهى إلينا عن العلماءِ أهلِ الفقهِ والأثرِ ، وهم الجماعةُ ، فی تأويل
حديثٍ رسولِ اللهِ وَليهِ: ((كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ)).
وأما أهلُ البدع فمنكِرون لكلُ ما قاله العلماءُ فى تأويلِ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ:
(وإذاأُخَذ ربُّك من بنى آدمَ من ظهورِهم ذريَّاتِهم) الآية. قالوا: ما أخَذ اللهُ مِن آدمَ
ولا مِن ذُرِيَّتِه ميثاقًا قطّ قبلَ خلقِهِ إِيَّهم، وما خلَقهم قطُّ إلَّ فى بطونِ أُمهاتِهم،
وما استخرج قطَّ مِن ظهرِ آدمَ مِن ذريَّةٍ تُخاطَبُ ، ولو كان ذلك لأحياهم ثلاثَ
مراتٍ ، والقرآنُ قد نطَق عن (١) أهلِ النارِ بأنهم قالوا ما لم يُدَّه عزَّ وجلَّ عليهم مِن
قولِهم: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَكِتَنَا أَثْنَتَيْنٍ﴾ [غافر: ١١]. وقال عزَّ وجلَّ تصديقًا
لذلك: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾. يعنى فى حالِ عدمٍ غيرِ وجودٍ :
يريدُ بِخَلقِه إِيَّاكِم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾
نَأَخْيَكُمْ﴾ .
[البقرة: ٢٨]. فجعَل الحياةَ مرّتين، والموتَ مرَّتين. قالوا: وكيف يخاطِبُ اللهُ
من لا يعقِلُ؟ و کیف یُجیبُ مَن لا عقل له؟ و کیف یحتجُ علیهم بمیثاقٍ لا
يذكُرونه وهم لا يُؤْاخَذُون بما نسُوا ، ولا نَجِدُ أحدًا يذكُرُ أنَّ ذلك عرَّض له ، أو
كان منه؟ قالوا: وإنما أراد اللهُ عزَّ وجلَّ بقوله: (وإذ أخذ ربُّك من بنى آدمَ من
ظهورهم ذريَّاتِهم) الآية. إخراجَه إيَّهم فى الدنيا وخلْقَه لهم، وإقامةَ الحجةِ
عليهم بأنْ فطَرهم " وبناهم ) فطرةً إذا بلغوا وعقَلوا عَلِموا أنَّ اللهَ ربّهم وخالقُهم.
القبس.
(١) فى الأصل، م: ((على)).
(٢) فى الأصل: ((أو)).
(٣ - ٣) فى ص: ((دساهم))، وفى ص١٦: ((ونبأهم)).
١٥٨

الموطأ
التمهيد
وقال بعضُهم: أُخرَج الذَّريَّةَ قرْنًا بعدَ قرَنٍ، وعصْرًا بعدَ عصْرٍ،
وأشهَدهم على أنفسِهم بما جعَل فى عقولهم مما تُنازِعُهم به أنفسهم إلى
الإقرارِ بالرُّبوبيَّةِ حتى صاروا بمنزلةٍ من قيل لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا
بَّْ﴾. وقال بعضُهم: قال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ؟ على لسانِ بعضٍ
أنبيائه. وكلُّهم يقولُ: إِنَّ الحديثَ المأثورَ ليس بتأويل للآية ). ثم اختلف
القائلون بهذا كلِّه فى المعرفةِ؛ هل تقعُ ضرورةً أوِ اكتسابًا؟ وليس هذا
موضِعَ ذكرِ ذلك. والحمدُ للهِ .
وأمّا اختلافُ العلماءِ فى الأطفالِ ؛ فقالت طائفةٌ : أولادُ الناسِ كلِّهم،
المؤمنين منهم والكافرين، إذا ماتوا أطفالًا صغارًا لم يبلُغُوا، فى مشيئةِ اللهِ عزَّ
وجلّ ، يُصيّرُهم إلى ما شاءمِن رحمةٍ أو عذابٍ، وذلك كلُّه عدلٌ منه ، وهو أعلم
بما كانوا عاملين. وقال آخرون، وهم الأكثرُ: أطفالُ المسلمين فى الجنةِ ،
وأطفالُ الكفار فى المشيئة . وقال آخرون : حکمُ الأطفالِ کلھم کحکم آبائهم
فى الدنيا والآخرة ، وهم مؤمنون بإيمانِ آبائهم ، وكافرون بكفرٍ آبائِهم، فأطفالُ
المسلمين فى الجنةِ ، وأطفالُ الكفارِ فى النارِ . وقال آخرون: أولادُ المسلمين
وأولادُ الكفار إذا ماتوا صغارًا جمیعًا فى الجنة . وقال آخرون : أولادُ المشر کین
خدمُ أهلِ الجنةِ. وقال آخرون: يُمتحنُّون فى الآخرةِ .
القبس
(١) فى م: ((للأمة)).
والمراد بالحديث حديث عمر بن الخطاب، كما صرح بذلك المصنف فى الاستذكار ٣٩٠/٨ من
النسخة المطبوعة، وتقدم تخريجه ص ١٤٧، وسيأتى فى الموطأ (١٧٢٥).
١٥٩

الموطأ
التمهید
ورَوَت كلُّ طائفةٍ فيما ذهبت إليه مِن ذلك آثارًا وقَفت عندَها ، ودانت بها ؛
لصحتها لدیھا ، ونحن نذ گژ منها ما حضرنا ذکژه، بعونِ ربِّنا لا شريكَ له .
وبالله التوفيقُ .
بابُ ذکر الأخبارِ التى احتجّ بها من أوجب الوقوفَ
عن الشهادةِ لأطفالِ المسلمينَ وغيرِهم بجنةٍ أو نارٍ ،
وجعل جميعهم فى مشيئةِ الجبارِ
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثْنَا مُطَّلِبُ بنُّ شعيبٍ، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُّ صالحٍ، قال: حدَّثنی
اللَّيثُ، قال: حدَّثنى جعفرُ بنُ ربيعةً، عن عبد الرحمنِ بنِ هرمزَ
الأعرج، أنه قال: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((كلَّ بنى آدمَ
يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يهودانه أو ينصّرانِهِ، كما تُنْتَجُ الإبلُ مِن بهيمةٍ
جمعاءَ، هل تُحِسُّ مِن جدعاءَ؟)). قيل: أفرأيتَ من يموتُ وهو صغيرٌ
يا رسولَ اللهِ؟ قال: «اللهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ». هكذا قال: «كلُّ
بنى آدمَ))). وهو ) يقتَضِى كلَّ مولودٍ؛ لمسلم وغيرِ مسلم، على ظاهرِه
وعمويه .
وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
(٢) فى الأصل: ((هذا)).
١٦٠