النص المفهرس

صفحات 1-20

مَؤْسُوْعَة"
شُرُوَخُ المُودَا
لِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَس
المتوفى سنة ١٧٩هـ
التَّهِيْدُ وَالاسْتِذِكَارُ
المتوفى سنة ٤٦٣ هـ
القَلَسُ
لِأُبِ بَكرٍ محمّدِبْن عَبْدِاللّهِ ابْنِ العَربىّالمالكىّ
المتوفى سَنَّة ٥٤٣ هـ
۔
الدّكتور / عَبْد اللَّهبن عبد المُحْسِ التّكيّ
بالتّاوك مع
مركز مجر الحوثٍ والدراسية العربية والإسلامية
الدكتور / عبد السند حسن يمامة
الجزء الثامن

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥ م

مَؤْسُوْعَةُ
شُروَعَ المُطّا

الموطأ
النهىُ عن البكاءِ على الميتِ
٥٥٦ - حدّثنی یحتی ، عنمالك ، عن عبد الله بن عبدِ اللهِ بنِ جابر
ابنِ عَتيكِ ، عن عَتيكِ بنِ الحارثِ بنِ عَتيكِ ، وهو جدُّ عبدِ اللهِبنِ عبدِ اللهِ
ابنِ جابٍ، أبو أَمِّه، أنه أخبره، أن جابرَ بنَّ عَتِيكِ أخبره، أن رسولَ اللهِ وَّ
جاء يعودُ عبدَ اللهِ بن ثابتٍ ، فوجده قد غُلِب ، فصاح به فلم يُچِبْه ، فاسترجع
رسولُ اللهِ وَهِ وقال: ((غُلِبنا عليك يا أبا الرَّبيع)). فصاحَ النِّسوةُ وبِكَين،
فجعَل جابرٌ يُسكّتُهن، فقال رسولُ اللهِ وَله: ((دعْهُن، فإذا وجَب فلا تبكيَنَّ
باكيةٌ)). قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما الوجوبُ؟ قال: ((إِذا مات)). فقالت
ابنتُه : واللهِ إن كنتُ لأرجو أن تكونَ شهيدًا ، فإنك كنتَ قد قضَيتَ جَهازَك .
فقال رسولُ اللهِ وَله: ((إن الله قد أوقَع أجرَه على قدرٍ نيَّتِه، وما تعُدُّونَ
مالك ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ جابر بنِ عَتِیكٍ، عن عَتیث بن الحارثِ
ابنِ عَتِيكِ، وهو ◌َدُّ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بْنِ جابٍ، أبو أُمِّه، أنَّه أخبره، أنَّ جابرَ
ابنَ عَتِيكِ أخبَرَه ، أنَّ رسولَ اللهِ أَآلے جاءَ يعودُ عبدَ اللهِ بن ثابتٍ ، فوجده قد
غُلِبَ ، فصاح به فلم يُچِبه، فاستزجع رسولُ اللهِ آل﴾ وقال: ((غُلِثنا عليك يا
أبا الربيعِ)). فصاحَ النِّسوةُ وبَكَيْنَ، فجعَلَ جابرٌ يُسَكِّتُهن، فقال رسولُ اللهِ
التمهيد
القس

الموطأ الشهادةَ؟)). قالوا: القتلُ فى سبيلِ اللهِ. فقال رسولُ اللهِ وَله: ((الشهداءُ
سبعةٌ سوَى القتلِ فى سبيلِ اللهِ ؛ المطعونُ شهيدٌ، والغَرِقُ شھیدٌ ، وصاحبُ
ذاتِ الجَنبِ شهيدٌ، والمَبْطونُ شهيدٌ، والحَرِقُ شهيدٌ، والذى يموتُ تحتَ
الهَدْمِ شهيدٌ، والمرأةُ تموتُ بمجمعٍ شهيدٌ)).
التمهید
وَه : ((دَعْهن، فإذا وجَب فلا تَبْكِيَنَّ باكيةٌ)). قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما
الوجوبُ؟ قال: ((إذا ماتَ)). فقالت ابنتُه: واللَّهِ إنْ كنتُ لأرجو أنْ تكونَ
شهيدًا، فإنك قد كنتَ قَضَيْتَ جَهَازَكَ. فقال رسولُ اللهِ إِلَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ قد
أُوْقَع أجرَه على قَدْرٍ نِيَّتِهِ، وما تَعُدُّون الشهادةَ؟)) . قالوا : القتلُ فى سبيلِ اللهِ .
فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الشهداءُ سبعةٌ سوى القتلِ فى سبيلِ اللهِ؛ المطعونُ
شهيدٌ، والغَرِقُ(١) شهيدٌ، وصاحبُ ذاتِ الجَنبِ شهيدٌ، والمَبْطونُ شهيدٌ ،
والحَرِقُ(١) شهيدٌ، والذى يموتُ تحتَ الهَدْمِ شهيدٌ، والمرأةُ تموتُ بجمْعٍ
(٣)
شهيدٌ))().
هكذا رواه جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ فيما عَلِمْتُ، لم يختَلِفوا فى إسنادِه
ومَتْنِه، إلا أنَّ غيرَ مالكٍ يقولُ فى هذا الحديثِ: ((دَعْهُنَّ يَكِينَ ما دام عندَهن)).
وفى هذا الحديثِ من الفقهِ مَعَانٍ ؛ منها عِيَادَةُ المريضِ، وعيادَةُ الرجلِ الكبيرِ
القبس
(١) فى م: ((الغريق)).
(٢) فى م: ((الحريق)).
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٠٢)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٧ظ - مخطوط )،
وبرواية أبى مصعب (٩٣٥، ٩٩٦). وأخرجه أحمد ١٦٢/٣٩ (٢٣٧٥٣)، وأبو داود (٣١١١)،
والنسائى (١٨٤٥) من طريق مالك به .
٦

الموطأ
التمهيد
العالمِ الشريفِ لِمَن دُونَه، وعيادَةُ المريضِ سُنَّةٌ مَسْئُونَةٌ، فَعَلَها رسولُ اللهِ وَّ
وأمَر بها ونَذَبَ إليها، وأخبر عن فضلِها بضُرُوبٍ من القولِ ، ليس هذا موضعَ
ذكرِها ؛ فَثَبَتَتْ سُنَّةً ماضِيَةً لا خِلافَ فيها .
وفيه الصِّيَاحُ بالعَلِيلِ على وجهِ التِّداءِ له ليسمعَ فِيُجِيبَ عن (١) حالِه؛ ألا تَرَى
أنَّ رسولَ اللهِ وَ سِّهِ صاحِ بأبى الربيعِ، فلمَّا لم يُجِبْه اسْتَرجَعَ على ذلك؛ لأنَّها
مُصِيبةٌ ، والاسترجَاعُ قولُ: إِنَّا للهِ وإِنَّا إليه راجعُونَ. وهو القولُ الواجبُ عندَ
المصائبٍ. وفيه تَكْنِيةُ الرجلِ الكبيرِ لمَن دُونَه، وهذا يُتْطِلُ ما يُحْكَى عن
الخلفاءِ أنَّهم لا يَكْنُونَ أحدًا، عَصَمَنَا اللهُ ممَّا (٢) دَقَّ وجَلَّ مِن التَّكَثُرِ بِرَحْمَتِه .
وفيه إباحَةُ البُكَاءِ على المريضِ بالصِّيَّاحِ وغيرِ الصِّيَاحِ عندَ حُضُورٍ وَفاتِه .
وفيه الَّهْىُ عن البكاءِ عليه إذا وجَب موتُه . وفى نَهْىِ جابرِ بنِ عَتِيكِ للنساءِ
عن البُكاءِ دليلٌ على أنَّه قد كان سَمِع النهىّ عن ذلك، فتأوَّلَّه على العُمُومِ ، فقال
له رسولُ اللهِ وَّ: «دَعْهُنَّ - یعنی: يَتْكِينَ حتى يموتَ - ثم لا تَبْكِيَنَّ
باكِيَةٌ)). يريدُ واللهُ أعلمُ: لا تَبْكِيَنَّ نِيَاحًا ولا صِيَاحًا بعدَ وُجوبٍ مَوْتِه . وعلى
هذا جمهورُ الفقهاءِ؛ أنَّه لا بأسَ بالبُكاءِ على المَيِّتِ ما لم يُخْلَطْ ذلك بنُدْبَةٍ
ونِياحَةٍ (٢)، وشَقِّ جَيْبٍ، ونَشْرِ شَعٍ، وخَمْشٍ وَجْهٍ .
قال ابنُ عباسٍ فى مثل هذا مِن بُكاءِ العينِ دُونَ نِياحَةٍ : اللَّهُ أضحَكَ
القبس
(١) فى ص، ص ١٧: ((على))، وفى ص ١٦: ((من)).
(٢) فى الأصل، ص١٦، ص ١٧، ص ٢٧، م: ((عما)).
(٣) فى الأصل، م: ((بنياحة)).
٧

الموطأ
وأبْكَى (١). وقد مَضَى هذا المَعنَى واضِحًا فى بابِ عبدِ اللهِ بنِ أبي بَكْرِ (٢).
التمهید
والحمدُ للهِ .
وقد رَوَى اللَّيْثُ بنُ سعدٍ ، عن هِشَامٍ بِنِ عُروةً، عن أبيه، عن أبى هريرةَ ،
قال: مَرَّ النبيُّ وَّه بِجِنَازَةٍ يُبْكَى عليها، وأنا معه وعمرُ بنُ الخطابِ، فانْتَهَرَهم
عمرُ، فقال: ((دَعْهُنَّ يابنَ الخطابِ، فإِنَّ النَّفْسَ مُصَابَةٌ ، والعَيْنَ دَامِعَةٌ ، والعَهْدَ
قريبٌ )). لم يُتَابَع الليثُ على هذا الإسنادِ ، وإنَّما رَوَته الجماعةُ عن هشام بنِ
عُروةَ، "عن وهبٍ بنٍ كَيْسانَ"، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ عطاءٍ، عن سَلَمَةَ بنِ
الأزرقِ ، عن أبى هريرةَ().
ورَوَى عبدُ الرحمنٍ بِنُ حَسَّانَ بنِ ثابتٍ، عن أُمُّه سيرينَ، قالت: حضَرْتُ
موتَ إبراهيمَ ابنِ النبيِّ وَّةِ، فَكُنتُ كُلَّما صِحْتُ أنا وأُحْتِى(٥)، لا يَنْهَانا
رسولُ اللهِ وَِّهِ، فلمَّا ماتَ نَهَانا عن الصِّيَّاحِ.
وأمّا قولُه: ((فإِذا وَجَبَ فلا تَبْكِيَنَّ باكيةٌ )). وتفسيره لذلك بأنَّه إذا ماتَ ؛
فأظُنُّ ذلك واللهُ أعلمُ مأخوذٌ مِن وَجْبَةٍ(٧) الحائطِ إذا سقَطَ وانهَدَمَ .
القبس
(١) أخرجه البخارى (١٢٨٨)، ومسلم ٦٤٢/٢ (٩٢٩).
(٢) سیأتی ص ٢٧ - ٢٩.
(٣ - ٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج، وسيأتى على الصواب ص٢٨.
(٤) أخرجه أحمد ١٢٤/١٣، ١٦٨/١٥ (٧٦٩١، ٩٢٩٣)، وابن ماجه (١٥٨٧) ، وابن حبان
(٣١٥٧) من طريق هشام به .
(٥) فى ص ٢٧: ((أخى)).
(٦) أخرجه ابن سعد ١٤٣/١، والطبرانى ٣٠٦/٢٤ (٧٧٥، ٧٧٦) من طريق عبد الرحمن به .
(٧) الوجبة: صوت السقوط. ينظر النهاية ١٥٤/٥.
٨

الموطأ
التمهيد
وفيه أنَّ المُتَجَهِّزَ للغَزْوِ إِذا حِيلَ بَيْتَه وبينَه يُكْتَبُ له أجرُ الغَازِى ، ویقَتُ أجرُه
على قَدْرِ نِيَّتِه، والآثارُ الصِّحَاحُ تدُلُّ على أنَّ مَن نَوَى خيرًا وهَمَّ به، ولم
يَصْرِفْ نِيَّتَه عنه، وحِيلَ بينَه وبينَه، أَنَّه يُكتَبُ له أجرُ ما نَوَى مِن ذلك؛ أَا تَرَى
إلی قوله پالقر: «مَن گانت له صلاةٌ بلیل، فغلبته عليها عَيْتُه، كُتِبَ له أجرُ
صَلاتِهِ، وكان نَومُه عليه صَدَقَةً))(١) .
وقولُهُ وَله: ((حَبَسَهم العُذرُ)) . يُمِّنُ ما ذكَوْنَا .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا موسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلَمَةً ، عن
حميدٍ، عن موسى بنِ أنسٍ بنِ مالكٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَإِ قال: ((لَقَد
تَرَكتُم بالمدينةِ أقوامًا مَا سرتُم مَسِيرًا ، ولا أنفقْتُم مِن نفَقَةٍ ، ولا قَطَعتُم مِن وادٍ ،
إلّا وهم معكم فيه)) . قالُوا: يا رسولَ اللهِ ، وكيفَ يكُونُون مَعنا وهم بالمدينةِ ؟
قال: ((حَبَسَهم العُذرُ)) (١). وقد أَشْبَعْنا هذا المَعْنَى فى بابِ محمدِ بنِ المنكَدرِ (٢)
مِن كتابِنا هذا. والحمدُ للهِ .
وفيه دليلٌ على أنَّ الأعمالَ إِنَّما تكونُ بالنِّئَاتِ ، وأنَّ نِيَّةَ المُؤمِنِ خيرٌ مِن
عَمَلِه، على ما رُوِىَ فى الآثارِ(٤)، وهذا معناه عندَنا أنَّ نيَّةً المؤمنِ خيرٌ مِن عملٍ
بلا نِيَّةٍ .
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٢٥٥).
(٢) تقدم تخريجه فى ٧٤/٥، ٧٥.
(٣) تقدم فى ٧١/٤ - ٧٧.
(٤) فى ص، ص١٦، ص١٧، ص ٢٧: ((الأثر)). وينظر ما تقدم فى ٧٢/٤ .
مـ

الموطأ
التمهيد
وفيه طَرْحُ العالِمِ على المُتَعَلِّم؛ أَلَا تَرَى إلى قولِه: (( ومَا تَعُدُّونَ الشَّهَادةَ
فيكُم؟)). ثم أجابَهم بخلافٍ ما عندَهم، وقال لهم: ((الشُّهداءُ سَبعةٌ سِوَى
القتلِ فی سبیلِ اللهِ)). ثم ذكرهم .
فأمَّا قولُه : ((المطْعُونُ شَهِيدٌ)). فهو الذى يموتُ فى الطَّاعُونِ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدّثنا
عيسَى بنُ دَلَّوَيْهِ(١) المعروفُ بالزَّغَاثِ(٢)، قال: حدَّثنا فروةُ بنُّ أبى المَغْرَاءِ قال:
حدَّثنا علىُ بنُ مُسهرٍ، عن يوسفَ بنِ مَيمُونٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عمرَ ، عن
عائشةً، قالت: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إنَّ فَاءَ أَمَّتِى بالطّعنِ والطَّاعُونِ)).
قالت: الطعنُ قد عرَفنَاه، فما الطَّاعُونُ؟ قال: ((غُدَّةٌ كغُدَّةِ البعيرِ ، تخرج فى
المرَاقٌ(٢) والآباطِ، مَن مَاتَ منه ماتَ شهيدًا)). وذكَرَ تمامَ الحديثِ().
حدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثُنا
عبدُ الواحدِ بنُّ زيادٍ ، قال: حدَّثنا عاصم الأحولُ ، قال: حدَّثتنى حفصةٌ بنتُ
القبس
(١) فى ص، ص١٦، م: ((ذكويه).
(٢) فى الأصل، ص ١٦: ((بالرعاث))، وفى ص: ((بادغاث))، وفى ص ١٧: ((بالذغاث))، وفى
ص ٢٧: ((بالرغاث))، وفی م: (بالوعات)). وهو عیسی بن عبد الله بن سنان بن دلویه، أبو موسى
البغدادى الطيالسى، زغاث. ينظر تاريخ دمشق ٣٩/٤، ١٦١/٥٢، وسير أعلام النبلاء ٦١٨/١٢.
(٣) المراقُّ: ما سفل من البطن فما تحته من المواضع التى تَرِقُ جلودها، واحدها مَرَقُّ. ينظر النهاية ٢٥٢/٢.
(٤) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٥٥٣١)، وابن عدى ٢٦٢٢/٧ من طريق على بن مسهر به =
١٠

الموطأ
سيرينَ، قالت : قال لى أنسُ بنُ مالكِ: مِمَّ ماتَ يحتى بنُ أبي عمرةَ؟ التمهيد
قلتُ: ((مات من الطائعُونِ. قال أنس: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((الطاعونُ
شهادةٌ لكُلِّ مسلم))(٢). " يحتى بنُ أبي عمرةَ، هو يحيى بنُ(٤) سِيرِينَ، أخو
محمدِ بنِ سِيرينَ، وسيرينُ أَبُوهم، هو أبو عمرةً ".
وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ مسرورٍ ، قال :
حدَّثنا عِيسَى بنُ مِسْكِينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا عارمٌ(٥)،
قال : حدَّثنا داودُ بنُ أبى الفُرَاتِ ، قال : حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ بُرِيدَةً ، عن یحیی بنِ
يَعْمَرَ، عن عائشةَ، أَنَّها حدَّثته أنَّها سألَت رسولَ اللهِ نَّهِ عن الطَّاعُونِ،
فأخبَرها نَبِىُّ اللهِ وَِّ(( أَنَّه كانَ عَذَابًا يَبعَثُه اللهُ على مَن يشاءُ، فجعَلَه اللهُ رَحمةً
للمؤمنينَ ، فليسَ مِن عبدٍ يقعُ الطاعونُ بأرضِه، فيثبُتُ فيها، وهو يعلمُ أنَّه لن
يُصيبَه إِلَّ مَا كَتَبَ اللهُ له، إلَّا كانَ له أجرُ شهيدٍ))(١).
القبس
= بنحوه مختصرًا .
(١ - ١) فى الأصل، م: ((فى)، وفى ص، ص١٦، ص ١٧: (مات فى).
(٢) أخرجه أحمد ٤٩/٢١، ٢٦٧ (١٣٣٣٥، ١٣٧٠٩)، وأبو عوانة (٧٤٧٨) من طريق عفان
به، وأخرجه البخارى (٥٧٣٢)، ومسلم (١٩١٦) من طريق عبد الواحد به .
(٣ - ٣) سقط من: ص، ص١٦، ص ١٧، ص ٢٧.
(٤) بعده فى الأصل، م: ((أبى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٣/٣١.
(٥) فى الأصل، ص١٦، م: ((غارم))، وفى ص ٢٧: ((غازم)). وينظر تهذيب الكمال ٢٨٧/٢٦،
٢٨٨.
(٦) أخرجه أحمد ٤١٧/٤٠، ١١٨/٤٢، ٢٣٥/٤٣ (٢٤٣٥٨، ٢٥٢١٢، ٢٦١٣٩)، والبخارى =
١

الموطأ
التمهيد
وأمَّا الغَرِقُ فمعروفٌ، وهو الذى يموتُ غَرَقًا فى الماءِ، وذاتُ الجَنبِ
يُقُولُون: هى الشَّوْصَةُ(١). وذلك معروفٌ، وصاحِبُها شهيدٌ على ما ثَبَتَ عن
النبيِّ وَّه فى هذا الحديثِ وغيرِه. يُقالُ: رجلٌ جَنِبٌ. بكسر النون ، إذا كانت
به ذاتُ الجنْبِ ، وقيلَ فى صاحبٍ ذاتِ الجَنْبِ : المَجنُوبُ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُّ زهيرٍ ، قال: حدَّثنا أبى ، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا أبو العُمَيسِ،
عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ جابرِ بنِ عتيكٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ وَه
أتاهُ يعودُه، فقال: ((القتلُ فى سبيلِ اللهِ شهادةٌ ، والمرأةُ تموتُ بُجُمْع شهادةٌ ،
والغَرِقُ شهادةٌ، والحَرِقُ شَهَادةٌ، والمطعُونُ شهادةٌ ، والمَبطُونُ شهادةٌ ،
والمجنُوبُ شهادَةً))(٢). هكذا يقولُ أبو الغُمَيسِ فى إسنادٍ هذا الحديثِ،
والصَّوابُ ما قاله فيه مالكٌ، ولم يُقِمْه(٢) أبو العُميسِ.
وأمَّ المبطُونُ، فقِيلَ فيه: المَحُونُ(٤). وقِيلَ فيه: صاحبُ الإِسَالِ . واللَّهُ أعلمُ.
قرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثَهم ، قال: حدَّثنا
بكر بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ محجرٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن
القبس
= (٣٤٧٤، ٥٧٣٤، ٦٦١٩)، والنسائى فى الكبرى (٧٥٢٧) من طريق داود بن أبى الفرات به.
(١) الشوصة: ريح ترفع القلب عن موضعه، كأنها تزعزعه. التاج (ش وص).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٣٢/٥، ٣٣٣، وابن ماجه (٢٨٠٣)، والطبرانى (١٧٨٠) من طريق
وكيع به، وأخرجه النسائى (٣١٩٤) من طريق أبی عميس به وليس فيه: (عن جده).
(٣) فى ص ٢٧: ((يقله)).
(٤) الحَبَّنُ: داء يأخذ فى البطن فيعظم منه ويرم. اللسان (ح ب ن).
١٢

سُهَيلٍ بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن
تَعُدُّونَ الشُّهداءَ فيكم؟)). قالوا: مَن قُتِل فى سبيلِ اللهِ فهو شهيدٌ . فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ شهداءَ أَمَّتى إذن لَقَليلٌ؛ مَن قُتِل فى سبيلِ اللهِ فهو شهيدٌ ،
ومَن مَات فى سبيلِ اللهِ فهو شهيدٌ، ومَن ماتَ مِن طاعونٍ فهو شهيدٌ ، ومَن مَاتَ
مِن بطنٍ فهو شهيدٌ)). قال سُهيلٌ: فحدَّثنى ( عبيدُ اللهِ بنُ مِقسم أنَّه قال:
أشهدُ على أبيك أنَّه زادَ فيه الخامسةَ: ((ومَن غَرِقَ فهو شهيدٌ ))(١).
قال أبو عمر : قد ذكّرنا معنی القتل والموتِ فی سبیلِ اللهِ بالشواهدِ على
ذلك فى بابٍ إسحاقَ مِن هذا الكتابِ . والحمدُ للهِ .
وأمَّا الحَرِقُ فالذى يَخْتَرِقُ فى النارِ فِيَمُوتُ . وأمَّا الذى يموتُ تحتَ الهَدْم
فأعْرَفُ مِن أَنْ يُفَسَّرَ.
وأمَّا قولُه: ((المرأةُ تموتُ بجُمْع))، ففيه قولانٍ، لكلِّ واحدٍ منهما
وجهَانٍ ؛ أحدُهما، هى المرأةُ تموتُ من الولادَةِ، ووَلَّدُها فى بَطْنِها قد تَمَّ
خلقه ، وماتت مِن النُّفاس ، وهو فى بطنها لم تلده . قال أبو ◌ُبيدٍ : المجمعُ التى
فى بطنِها وَلَدُها. وأنشَدَ قولَ الشاعرِ :
القبس
(١ - ١) فى ص، ص١٦، ص ١٧: ((عبدالله). وينظر تهذيب الكمال ١٦٣/١٩.
(٢) أخرجه مسلم (١٩١٥)، وابن حبان (٣١٨٦) من طريق خالد بن عبد الله به.
(٣) سيأتى فى شرح الحديث (١٠١٧) من الموطأ .
(٤) غريب الحديث ١٢٥/١، ١٢٦.
(٥) البيت فى الفائق ٢٣٢/١ منسوب لذى الرمة .
١٣
الموطأ
التمهيد

الموطأ
التمهيد
(١)
بصُغْرِ البُرَی من بین مجمعٍ وخادجِ
وَرَدْنَاه فى مَجْرَى سُهَيْلِ آَمَانِيًا
قال: والخَادِيجُ: الناقةُ (٢) التى أَلْقَت وَلَدَها. وقيل: إذا ماتَت مِن الولادَةِ،
فسَوَاءٌ ماتَت ووَلَّدُها فى بَطْنِها، أو ولَّدَتْه ثم ماتَتْ ياثرِ ذلك . والقولُ الآخرُ،
هى المرأةُ تموتُ عَذْرَاءَ لم تُنكَخْ ولم تُفْتَضَّ. وقِيلَ: هى المرأةُ تموتُ ولم
تُطْمَثْ . والمعنَى واحدٌ ؛ لقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَ يَطْمِنْهُنَّ إِسُْ قَبْلَهُمْ وَلَا
◌َانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦، ٧٤]. أىْ: لم يَطَأْهُن(٣). والقولُ الأوَّلُ أشهرُ وأكثرُ. واللَّهُ
أعلمُ. قال ابنُ السّكّيتِ(٤): يُقالُ: هَلَكَتْ فُلانةُ بُجُمْعٍ، وبجِفْعٍ. لُغَتَان، أى:
وَلَدُها فى بطنِها. قال: ويُقالُ أيضًا للعَذْرَاءِ: هى بجُمْعٍ وبجِمْعٍ. بالضَّمِّ
والكَسرِ ، لُغَتَان أيضًا. وذكرَ قولَ امرأةِ العَجَّاج إِذْ نشَزَتْ عليه، قالت للوَالِى:
أصلَحك اللَّهُ، إنِّى منه بِمجمعٍ. وإن شِئتَ: بِجمعٍ .
وقد حدَّثنى عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الرحمنِ ومحمدُ بنُ إبراهيمَ ، قالا: حدّثنا
أحمدُ بنُّ مُطرّفٍ، حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ صالحٍ،
حدَّثنا حسينُ بنُ علىٍّ، عن زائدةً، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ مهاجِرٍ البَجَلِىُّ ، عن
طارقٍ بنِ شهابٍ ، قال: ذُكِرَ عندَ عبدِ اللهِ الشُّهَداءُ، فقيل: إنَّ فُلانًا قُتِل يومَ كذَا
القبس
(١) الصَّعر: داء يأخذ البعير فيلوى منه عنقه ويميله. والبُرى: جمع بُرّة، وهى حلقة تجعل فى أنف
البعير. اللسان (ص ع ر ، ب ر ی).
(٢) ليس فى: الأصل، ص، ص٢٧، م.
(٣) فى ص ٢٧: ((يمسهن)).
(٤) إصلاح المنطق ص ٣٦.
(٥) فى ص، ص١٧: ((البلخى)). وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٢١١.
١٤

٥٥٧ - وحدَّثنى عن مالك، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، عن أبيه، الموطأ
عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ ، أنها أخبرَته، أنها سمِعت عائشةً أمَّ
المؤمنين تقولُ، وذُكِر لها أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقولُ : إن الميتَ ليُعذّبُ
بيكاءِ الحىّ. فقالت عائشةُ: يغفرُ اللهُ لأبى عبد الرحمنِ ، أما إنه لم
يُكذِبْ، ولكنَّه نسِيَ أو أخطَأ؛ إنما مرَّ رسولُ اللهِ وَ له بيهوديةٍ يبكِى
عليها أهلُها، فقال: ((إنكم لتَبكون عليها، وإنها لتُعذّبُ فى قبرِها)).
التمهيد
وكذَا شَهِيدًا، وقُتِل فُلانٌ يومَ كذا وكذا شَهِيدًا. فقال عبدُ اللهِ : لَئِنْ لم يكُنْ
شُهَدَاؤُ كمْ إِلَّ مَنْ قُتِلَ، إِنَّ شُهَداءَكم إذن لقَلِيلٌ؛ إنَّ مَن(١) يتَرَدَّى مِن الجِبالِ،
ويَغْرَقُ فى البُخُورِ ، وتأكُلُه السّائعُ - شُهداءُ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ().
وذكَرَ الحُلوَانُ فى كتابٍ ((المعرفةِ))، قال: حدَّثنا أبو علىِّ الحنفىُ ، قال :
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ مُهاجرٍ ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ ، قال : سمِعتُه
يقولُ: قال علىُّ بن أبى طالبٍ : مَن حَبَسَه السُّلطانُ وهو ظالمٌ له فمَاتَ فى
محبِسِه ذلك فهو شهيدٌ ، ومَن ضرَبه السُّلْطانُ ظالمًا له فماتَ مِن ضَرْبِه ذلك فهو
شهيدٌ ، وكُلُّ مِيتةٍ يموتُ بها المسلمُ فهو شهيدٌ، غيرَ أنَّ الشهادةَ تَتَفَاضَلُ .
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ ، عن أبيه، عن عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ،
القبس
(١) فى ص، ص ١٧: ((فيمن)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٩٥٧٢)، وسعيد بن منصور (٢٦١٧)، وابن أبى شيبة ٣٣٣/٥ من طريق
إبراهيم بن مهاجر به .
(٣) فى ص ١٦: ((عبد الله)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٠/١٨.
١٥

الموطأ
التمهيد
أنَّها أخبَرَته، أنَّها سَمِعَت عائشةَ تقولُ، وذُكِرَ لها أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقولُ : إنَّ
المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِئِكَاءِ الحَىِّ . فقالت عائشةُ: يَغْفِرُ اللهُ لأبى عبدِ الرحمنِ، أَمَا إِنَّه
لم يَكذِبْ، ولكنَّه نَسِىَ أو أخطَأَ؛ إنَّما مَوَّ رسولُ اللهِ وَله بِيَهُودِيَّةٍ يَتْكِى عليها
أهلُها، فقال: ((إِنَّكم لتَبْكون عليها، وإنَّها لتُعَذَّبُ فى قَبْرِها)) (١).
هذا الحديثُ فى ((الموطأُ)) عندَ جماعةِ الرُّوَاةِ إِلَّ القَعنَبِىِّ، فإنه ليسَ عندَه
فى ((الموطأُ))، وهو عندَه فى الزِّيادَاتِ خارِجَ ((الموطأَ))، وهو حديثٌ ثابتٌ،
وليس فى ((الموطأً)) لهذا الحديثِ غيرُ هذا الإسنادِ ، وقد رَوَى الوليدُ بنُ مسلمٍ،
عن مالك، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَه قال: ((الميثُ
يُعذّبُ بُكاءِ الحىّ عليه))(٢). وهذا حديثٌ غريبٌ لمالكِ، لا أعلَمُ أحدًا رَوَاه عنه
غيرَ الوليدِ بنِ مسلم ، وليس فيه نكارةٌ ؛ لأنَّه محفوظٌ مِن روايةٍ تُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ،
عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ".
قال أبو عمرَ: اختلَفَ الناسُ فى معنَى قولِهِ وَهِ: ((إِنَّ المیتَ لیُعذّبُ بیکاءِ
أهلِه عليه )). فقال منهم قائلُونَ: معنَاه أن يُوصِىَّ بذلك الميتُ . وقال آخرونَ:
معنَاه أن يُمْدَحَ فى ذلك البُكَاءِ بما كان يُمدحُ به أهلُ الجاهليّةِ مِن الفَتَكاتِ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٢٠)، وبرواية يحيى بن بكير (١٦/٧ و - مخطوط). وأخرجه
أحمد ٢٧٧/٤١ (٢٤٧٥٨)، والبخارى (١٢٨٩)، ومسلم (٢٧/٩٣٢)، والترمذى (١٠٠٦)، والنسائى
(١٨٥٥) من طريق مالك به ، وينظر علل الدارقطنى (٥/ق ٩٧ - مخطوط ).
(٢) أخرجه ابن عساكر ١٧٧/٥٦، ٢١٤/٦٣ من طريق الوليد به .
(٣) أخرجه ابن حبان (٣١٣٥)، والحاكم فى المعرفة ص٨٧ من طريق عبيد الله به ، وينظر علل
الدارقطنى ٦٠/٢ .
١٦

الموطأ
التمهيد
والغَذَراتِ ، وما أُشْبَهَها مِن الأفعالِ التى هى عندَ اللَّهِ ذُنُوبٌ، فهم يَتِكُونَ لفَقْدِها
ويمدحونه بها ، وهو يُعَذَّبُ مِن أجلها ، فكانَّه قال : يُعَذَّبُ بما يُتگی علیه به ،
ومِن أجلِه . وقال آخرونَ: البُكَاءُ فى هذا الحديثِ وما كانَ مثلَه معنَاه النَِّاحَةُ ،
وشَقُّ الجُيُوبِ، ولَظْمُ الخُدُودِ، ونحوُ هذا مِن (١) النِّيَاحَةِ، وأمَّا بكاءُ العينِ فلا .
وذهَبَت عائشةُ إلى أنَّ أحدًا لا يُعَذَّبُ بفعلٍ غيرِهِ. وهو أمرٌ مُجْتَمَعٌ عليه ؛ لقولٍ
اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، فاطر: ١٨]. وقال ◌َله
لأبى رِمِثَةَ فى ائِه: ((إِنكَ لَا تَجنِى عليه، ولا يَجِنِى عليكَ))(١). وقال اللهُ عَزَّ
وجلّ : ﴿وَلَا تَكْسِبُ ◌ُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَليها﴾ [الأنعام: ١٦٤]. ولکنْ قد صحَّ عن
النبيِّ بِّهِ مِن حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، والمغيرةِ بنِ شعبةً ،
وغيرِهم، أنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ قال: ((يُعذّبُ الميثُ بما نِيحَ عليه)). وهذا
محمولٌ عندَ جماعةٍ مِن أهلِ العلم على ما نذكُرُه فى هذا البابِ عنهم بعدَ ذِ کرِ
الآثارِ فى ذلك إن شاءَ اللهُ .
فأمَّا إِنكارُ عائشةً على ابنِ عمرَ، فقد رُوىَ مِن وُجُوهٍ ؛ منها ما رَوَاه هشامُ بنُ
عُروةَ، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ الميتَ لُعَذَّبُ
بُبْكَاءِ أهلِهِ عليه(٢) )). فذُكِرَ ذلك لعائشةَ، فقالت: وهَلَ(٤) ابنُ عمرَ، إِنَّمَا مَرَّ
القبس
(١) فى م: ((مثل)).
(٢) أخرجه أحمد ٦٧٦/١١، ٦٨٢، ٣٩/٢٩ (٧١٠٦، ٧١١١، ١٧٤٩١).
(٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) وهل بفتح الهاء وكسرها، أى: ذهب وهمه إلى ذلك، ويجوز أن يكون بمعنى : سها وغلط،
يقال: وهل فى الشىء، وعن الشىء، بالكسر، يوهل وَهَلًا بالتحريك. النهاية ٢٣٣/٥.
١٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢/٨)
٠٠٠

الموطأ
رسولُ اللهِ وَّه على يَهُودِىٌّ فقال: ((إِنَّ صاحبَ هذا القبرِ يعذَّبُ، وأهلُهُ يَتْكُون
(١)
التمهيد
عليه))(١).
ورَوَى أَيُّوبُ ، عن ابنٍ أبى مُليكَةً، عن القاسم قال : قالت عائشةُ : إنّكم
لتُحَدِّثُونَ عن غيرِ كاذبَيْنٍ؛ عمرَ، وابنه، ولكنَّ السَّمعَ يُخطئُّ().
قال أبو عمرَ : ليسَ إنكارُ عائشةً بشىءٍ، وقد وَقَفَ ابنُّ عمرَ على مثلٍ
ما نزَعت به عائشةُ فلم يَرجِعْ، وثبَتَ على ما سَمِعَ، وهو الواجبُ كانَ
عليه .
حدَّثنا يعيشُ بنُ سعيدٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ البِرْتِئُ، قال: حدَّثنا أبو معمرٍ، قال: حدَّثنا
عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيوبُ ، عن ابنِ سيرينَ قال: قال ابنُ عمرَ: إِنَّ المعوَّلَ
عليه ((يُعذَّبُ)). فقال رجلٌ: إِنَّ اللهَ أضحَكَ وأبكى، ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ
أُخْرَى﴾. قال: فقال ابنُ عمرَ: قد قاله رسولُ اللهِ وَِه.
قال أبو عمرَ : فهذا يُبَيِّنُ لك أنَّ ابنَ عمرَ قد أثبتَ ما حَفِظَ عن رسولِ اللهِ
وَّه فى ذلك ولم يَنْسَ، ومَن حَفِظَ فهو حُجّةٌ على مَن لم يَحْفَظْ ، وليس يَسُوعُ
عندَ جماعةِ أهلِ العلمِ الاعتراضُ على السُّنَنِ بظاهِرِ القرآنِ إذا كانَ لها مَخْرَجٌ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢١/٩، ٣٤٧/٤٠ (٤٩٥٩، ٢٤٣٠٢)، والبخارى (٣٩٧٨)، ومسلم (٢٦/٩٣٢)،
وأبو داود (٣١٢٩)، والنسائى (١٨٥٤) من طريق هشام به .
(٢) أخرجه أحمد ٣٨٦/١ (٢٨٨)، ومسلم (٢٢/٩٢٨) من طريق أيوب به .
١٨

الموطأ
وَوَجْةٌ صحيحٌ؛ لأنَّ السُّنَّةَ مُبَيْنَةٌ للقرآنِ، قاضيةٌ عليه، غيرُ مُدَافِعَةٍ (١) له، قال اللهُ التمهيد
عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وقد أَتَى جماعةٌ مِن العلماءِ مِن نَسْخِ السُّنَّةِ بالقرآنِ فيما يُمْكِنُ فيه
التَّسْخُ، وقالُوا: لو جازَ ذلك لارتَفَعَ البَيَانُ. وهذه مسألةٌ مِن الأَصُولِ
ليسَ هذا مَوْضِعَ ذكرِها. وقد رَوَى مِثلَ رِوايَةِ ابنِ عمرَ هذه جماعةٌ مِن
الصَّحَابةِ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ،
قال : حدَّثنا محمدُ بنُّ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُمَيْدِىُّ، قال: حدثنا سفيانُ ،
قال: حدَّثنا عمرُو بنُ دينارٍ ، أَنَّه سَمِعَ ابنَّ أبى مُلَئِكَةً يقولُ: حضرْتُ جِنازةَ أُمّ
أبانٍ ، وفى الجنازةِ عبدُ اللهِ بنُّ عمرَ وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ ، فجَلَسْتُ بينَهما ، فتگی
النِّسَاءُ، فقال ابنُ عمرَ: إِنَّ بُكاءَ الحىّ على الميتِ عذابٌ للميتِ . قال: فقال
ابنُ عباسٍ : صدرنا مع عمر أمیرٍ المؤمنین حتى إذا كُنَّا بالبيداءِإذا هو برَ کْبٍ نُزُولٍ
تحتَ شَجَرَةٍ ، فقال: يا عبدَ اللهِ، اذهَبْ فانظُرْ مَن الرَّكبُ ثم الحَقْنِى.
فذهَبتُ ، فقلتُ: هذا صُهَيْبٌ مَولَى ابنِ جُدْعَانَ. فقال: مُرْهُ فَلْيَلْحَقْنِى. قال:
فلمَّا قَدِمْنَا المدينةَ لم يلبَثْ عمرُ أن طُعِنَ، فجاءَ صُهَيْبٌ وهو يقولُ: واأُخَيَاةْ ،
وَاصَاحِبَاهُ. فقال عمرُ: مَه يا صُهَيْبُ ، إِنَّ المَيْتَ يُعَذَّبُ يُكَاءِ الحَىّ عليه . فقال
ابنُّ عَبَّاسٍ: فَأَتَيْتُ عائشةَ فسألتُها، فقالت: يرحَمُ اللهُ عمرَ، إنَّما قال رسولُ اللهِ
وَلِّ: ((إنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكافرَ عذابًا ببعضِ بُكاءِ أهلِهِ عليه)). وقد قَضَى اللَّهُ ﴿أَلَّا
القبس
(١) فى ص: ((مرافعة)).
١٩

الموطأ
نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُغْرَى﴾ [النجم: ٣٨].
التمهید
فهذا عمرُ قد رَوَى فى بُكَاءِ الحىّ على المَيِّتِ مثلَ رِوَايةِ ابنِهِ سَواءً، وهذا
حدیثٌ ثابت عن عمرَ ، صحیحُ الإسنادِ ، لا مَقالَ فیه لأحدٍ ، وقد رَوَاه عن ابنٍ
أبى(٢) مُلَيْكَةَ جماعةٌ؛ منهم أَيُّوبُ السَّختيانِئُّ(٢) وغيرُه.
ورَوَی شعبةُ ، عن قتادةً ، عن سعيدِ بنِ المسیبِ ، عن ابنِ عمرَ، عن أبيه
عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَهِ قال: ((إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ فى قَبْرِهِ بالنِّاحَةِ))(١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ إسماعیلَ ، قال: حدّثنا أبو نُعیم، قال: حدّثنا سعيدُ بنُ ◌ُبيدٍ ، عن
علىّ بنِ ربيعةَ، أَنَّه خَرَجَ يومًا إلى المسجدِ والمغيرةُ بنُّ شُعبةَ أَميرُ على الكوفةِ ،
فِخَرَج المغيرةُ إلى المسجِدِ ، فَرَقِىَ المنبرَ، فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ثم قال : ما
هذا النَّوْحُ فى الإسلامِ؟ قالوا: تُؤُنِّىَ رجلٌ مِن الأنصارِ يُقالُ له : قَرَظَةُ بنُّ كعبٍ .
فَنِيحَ عليه. فقال المغيرةُ: إِنِّى سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ لَ قال: ((مَن نِيحَ عليه فإنَّه
◌ُعَذَّبُ بما نِیحَ علیه))".
القبس
(١) الحميدى (٢٢٠)، ومن طريقه أبو نعيم فى مستخرجه (٢٠٧٨).
(٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) أخرجه أحمد ٣٨٦/١ (٢٨٨)، ومسلم (٢٢/٩٢٨) من طريق أيوب به .
(٤) أخرجه أحمد ٣١٢/١، ٣٦٢، ٤٢٨ (١٨٠، ٢٤٧، ٣٥٤)، والبخارى (١٢٩٢)، ومسلم
(١٧/٩٢٧)، والنسائى (١٨٥٢)، وابن ماجه (١٥٩٣) من طريق شعبة به.
(٥) أخرجه البخارى (١٢٩١) عن أبى نعيم به، وأخرجه أحمد ٧١/٣٠، ١٤٢، ١٧٣=
٢٠