النص المفهرس
صفحات 101-120
الموطأ التمهید واختلَفَ العلماءُ فى معنَى هذا الحديثِ؛ فقال منهم قائلونَ: أرواحُ المؤمنينَ عندَ اللهِ فى الجنَّةِ ، شهداءَ كانوا أم غيرَ شهداءَ، إذا لم يحبِشْهم عن الجنَّةِ كبيرةٌ ولا دينٌ، وتلقّهم ربُّهم بالعفوِ عنهم وبالرحمةِ لهم. واحتجُوا بأنَّ هذا الحديثَ لم يخُصَّ فيه مؤمنًا شهيدًا من غيرِ شهيدٍ. واحتُوا أيضًا بما رُوىَ عن أبى هريرةَ، أَنَّ أرواح الأبرارِ فى علِّيِينَ، وأرواحَ الفَّارِ فى سجّينٍ. وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ مثلُ ذلك. وهذا قولٌ يُعارضُه من السُّنَّةِ ما لا مَدفعَ فى صحَّةٍ نقلِهِ، وهو قولُهُ وَّله: ((إذا مات أحدُكم ◌ُرضَ عليه مقعَدُه بالغداة والعشئ، إن كان من أهلِ الجنَّةِ فيمِن أهلِ الجنَّةِ، وإن كان من أهلِ النَّارِ فمِن أهلِ النَّارِ، يُقالُ : هذا مقعدُكَ حتى يبعثَكَ اللهُ إليه يومَ القيامةِ )) . وسيأتى هذا الحديثُ وما كان فى معناه من صحيحِ الأثرِ فى بابِ نافع إن شاء الله تعالى. وقال آخرون: إنما معنَى هذا الحديثِ فى الشُّهداءِ دونَ غيرِهم؛ لأنَّ القرآنَ والسنَّةَ لا يدُلَّانِ إِلَّا على ذلك؛ أمَّا القرآنُ فقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ ١٦٩١ مِن فَضْلِهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠]. وأمّا الآثارُ فمنها ما رواه الثِّقاتُ فی حدیثِ ابنِ شهابٍ هذا . أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا القبس (١) تقدم ص ٨٧ - ٩٢ . ١٠١ الموطأ التمهید محمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، قال : حدثنا ابنُ أبى عمرَ، حدثنا سفيانُ بنُ عُيينةً ، عن عمرو بن دينارٍ، عن الزهرىِّ، عن ابنِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿ قال: ((أرواحُ الشُّهداءِ فى طيرٍ خُضرٍ تعلَقُ فى شجرِ الجنَّةِ))(١). ومنها ما حدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا مقدامُ بنُّ داودَ ، قال : حدثنا يوسفُ بنُ عدیٍّ ، قال : حدثنا إسماعيلُ بنُ المختارِ، عن عطيَّةَ العوفي، عن أبى سعيد الخدرىِّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّةٍ : ((الشهداءُ يغذُونَ ويروحونَ إِلى رياضٍ الجنَّةِ، ثم يكونُ مأواهم إلى قناديلَ مُعلَّقةٍ بالعرشِ، فيقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: هل تعلمونَ كرامةً أفضلَ من كرامةٍ أكرمتهوها؟ فيقولون : لا ، غير أنّا ودِدنا أنَّكَ أعدت أرواحنا فى أجسادِنا حتى تُقاتلَ مرّةً أُخرَى فتُقتلَ(٢) فى سبيلك)». وذكَر بقىُ بنُ مخلَدٍ، قال: حدثنا هنَّدُ(١) بنُ السّرئِّ، عن إسماعيلَ بنِ المختارِ، عن عطيّةً، عن أبى سعيد الخدرىِّ، عن النبيِّ وَلِيرِ مثلَهُ(٤). قال بقیّ: وحدثنا عثمانُ بنُ أبی شیبةً ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ إدریسَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن إسماعيلَ بنِ أُميَّةَ، عن أبى الزبير ، عن سعيدِ بنِ القبس (١) أخرجه الترمذى (١٦٤١) عن ابن أبى عمر به، وأخرجه الحميدى (٨٧٣)، وأحمد ١٤٣/٤٥ (٢٧١٦٦) عن ابن عيينة به . (٢) سقط من: م. (٣) فى النسخ: ((عباد)). (٤) هناد (١٥٦) - وعنه ابن أبى عاصم فى الجهاد (٢٠٠). ١٠٢ الموطأ التمهيد جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((لَمَّا أُصيبَ إخواتُكم يومَ أُحدٍ ، جعَلَ اللهُ أرواحَهم فى أجوافٍ طيرٍ خُضْرٍ ترِدُ أنهارَ الجنَّةِ ، وتأكُلُ من ثمارِها، وتأوِى إلى قناديلَ من ذهبٍ مُذلَّلةٍ فى ظلِّ العرشِ، فلمَّا وجَدوا طِيبَ مأكلهم ومشربهم ومقيلهم ، قالوا: من يُبلِّغُ إخواننا عنَّا أَنَّا أحياءٌ فى الجنةِ نُرزقُ ؛ لعلَّا يَنكُّلوا عن الحربِ، ولا يزهَدوا فى الجهادِ؟ قال: فقال اللهُ عزَّ وجلَّ: أنا أُبلِّغُهم عنكم . فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَاً بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُّونَ﴾﴾ [آل عمران: ١٦٩]. قال بقىٌّ: وحدثنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً، قال: حدثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةً، عن مسروقٍ ، عن عبدِ اللهِ ، قال : سألناه عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأُ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَفُونَ﴾. قال: أمَا إِنَّا قد(١) سألنا عن ذلك، أرواحهم كطيرٍ خُضرٍ تسرَحُ فى الجنَّةِ فى أيُّها شاءت "ثم تَأْوِى إلى قناديلَ مُعَلَّقةٍ بالعرشِ، فبينما هم كذلك، إذ اطّلَع عليهم ربّك اطّلاعةً فقال: سلُونى ما شئْتُم. فقالوا: يا ربَّنا، وماذا نسألُك ونحن نشْرَحُ فى الجنةِ فى أيُّها شِئْنا. قال: فبينما هم كذلك إذ" القبس (١) أخرجه أبو داود (٢٥٢٠)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٢١٩/٤ (٢٣٨٩) عن عثمان ابن أبى شيبة به . (٢) فى النسخ: ((فقد)). والمثبت من مصادر التخريج. (٣ - ٣) سقط من النسخ. والمثبت من ابن أبى شيبة، ولفظ مسلم وابن ماجه فيه اختصار. ١٠٣ الموطأ التمهید اطَلَع عليهم ربُّهم اطّلاعةً فقال: سلُونى ما شئْتُم. فقالوا: يا ربّنا، وماذا نسألُك ونحن نشْرَحُ فى الجنةِ فى أيُّها شِئْنا. قال: فبينما هم كذلك إذ اطَّلَع علیھم ربهم اطلاعةً فقال : سلُونی ما شئتُم . فقالوا : يا ربَّنا ، وماذا نسألُك ونحن نشْرَحُ فى الجنةِ فى أيَّهَا شِئْنا). قال(٢): فلمَّا رأوا أنهم لا يُتركُونَ قالوا : نسألُكَ أَنْ تؤدَّ أرواحنا إلى الدنيا حتى نُقتلَ فى سبيلِكَ. فلمَّا رأى أنهم لا يَسألونَ إِلَّ هذا (٣) تركهم (٢). وحدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفیانَ ، قال : حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ عبدِ السلامِ، قال: حدثنا محمدُ بنُّ بشّارٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ أبى عدىٍّ، عن شعبةً، عن سليمانَ الأعمشِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةً ، عن مسروق قال : سألنا عبدَ اللهِ عن أرواح الشُّهداءِ، ولولا عبدُ اللهِ ما أخبرنا أحدٌ ، قال: أرواحُ الشُّهداءِ عندَ اللهِ إلى يومِ القيامةِ فى طيرٍ خُضرٍ، فى قناديلَ تحتَ العرشِ، تسرَحُ فى الجنةِ حيثُ شاءتْ، ثم ترجعُ إلى قناديلِها، فيطُّلعُ عليها ربُّها، فيقولُ: ماذا تُريدونَ؟ فيقولون: نُريدُ أن نَرجِعَ إلى الدُّنيا فتُقتلَ مرَّةً أُخْرَى(٤). ورواه ابنُّ إسحاقَ، عن الأعمشِ، عن أبى الضُّحَى مُسلمٍ بنِ صُبِيحٍ، عن القبس (١ - ١) سقط من النسخ. والمثبت من ابن أبى شيبة، ولفظ مسلم وابن ماجه فيه اختصار. (٢) فى النسخ: ((قالو)). والمثبت من ابن أبى شيبة. (٣) ابن أبى شيبة ٣٠٨/٥، ٣٠٩، وعنه مسلم (١٢١/١٨٨٧)، وأخرجه مسلم (١٢١/١٨٨٧)، وابن ماجه (٢٨٠١) من طريق أبى معاوية به . (٤) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢٢٩/٦ من طريق ابن أبى عدى به، وأخرجه الطيالسى (٢٨٩)، والدارمى (٢٤٥٤) من طريق شعبة به . ١٠٤ الموطأ التمهيد مسروقٍ قال: سأَلْنا عبدَ اللهِ ، مثلَه بمعناه إلى آخرِهِ ". والصَّوابُ فيه ما قال أبو معاويةً وشعبةُ ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةَ، عن مسروقٍ . وكذلك رواه عيسَى بنُ يُونسَ، عن الأعمشِ بإسنادِهِ مثلَه(٢). وذِكرُ أبى الضُّحَى فى هذا الإسنادِ عندِى خطأ، وأظنُّ الوَهْمَ فيه من ابنٍ إسحاقَ . واللهُ أعلمُ . وقال بقٹّ : حدثنا یحتی بنُ عبد الحميدِ ، حدثنا ابنُ غُيينةً ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ أبى يزيدَ، سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: أرواحُ الشُّهداءِ تجولُ(٢) فى أجوافٍ طيرٍ خُضرٍ تعلَقُ فى شجرِ الجنةِ " . قال : وحدثنا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ وجعفرُ بنُ محُميدٍ، قالا : حدثنا ابنُ المباركِ ، عن ابنِ مُجريج فيما قُرئّ عليه ، عن مجاهدٍ قال : ليس هى فى الجنةِ ، ولكن يأكُلونَ من ثمارِها فيجِدونَ رِيحَها(٥). قال: وحدثنا المسيّبُ) ، قال: حدثنا ابنُ المباركِ ، عن ابنٍ جريج، عن مجاهدٍ فى قولِه : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ القبس (١) أخرجه ابن جرير ٢٢٨/٦، ٢٢٩ من طريق ابن إسحاق به. (٢) أخرجه مسلم (١٢١/١٨٨٧)، والبيهقى ١٦٣/٩ من طريق عيسى بن يونس به. (٣) فى مصدرى التخريج: ((تحول)). (٤) أخرجه عبد الرزاق (٩٥٥٧)، وسعيد بن منصور فى سننه (٢٥٦١) عن ابن عيينة به . (٥) أخرجه ابن المنذر فى تفسيره (١١٧٩) من طريق يحيى بن عبد الحميد به . (٦) فى النسخ: ((ابن المسيب)). والمثبت من نسخة كما فى حاشية المطبوع، وينظر الجرح والتعديل ٢٩٤/٨، والثقات ٢٠٤/٩ . ١٠٥ الموطأ التمهید رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. قال(١): يُرزَقونَ من ثمرِ الجنَّةِ فیجِدونَ ریحَها(١). قال : وحدثنا محمدُ بنُ عُبیدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ ثور ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. قال: بلغَنا أنَّ أرواحَ الشُّهداءِ فى صورة طيرٍ بيضٍ ، يأكلونَ من .(٣) ثمارِ الجنَّةِ(٣) . حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يُوسفَ ، قال : حدثنا یحتی بنُ مالكِ بنِ عائدٍ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ سليمانَ بنِ أبى الشَّريفِ، قال: حدثنا محمدُ بنُّ مگھ(٤) ، قال : حدثنا یزیدُ بُ سنانٍ ، قال : حدثنا أبو عاصم النّبيلُ ، قال : حدثنا ثورُ بنُ يزيدَ، عن خالدِ بنِ مَعْدانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو قال: الجنَّةُ مُعلَّقةٌ بقرونِ الشمسِ، تنشُرُها فى كلِّ عامٍ مرةً ، وأرواحُ الشّهداءِ فى طيرٍ كالزَّرازيٍ(٥)، يتعارَفون ويُرزقونَ من ثمرِ الجنَّةِ() . القبس (١) فى النسخ: ((قالوا)). (٢) ابن المبارك فى الجهاد (٥٩) . (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٦٣/١، ١٣٩، وفی مصنفه (٩٥٥٣، ٩٥٥٨)، وابن جرير فى تفسیره ٧٠٠/٢ من طريق معمر به . (٤) فى ى: ((ملى))، وفى م: ((على)). وينظر المحلى ٦/ ١٨٧. (٥) الزرازير: جمع زُرزُور، وهو طائر من رتبة العصفوريات، وهو أكبر قليلاً من العصفور، وله منقار طويل ذو قاعدة عريضة، ويغطى فتحة الأنف غشاء قرنى، وجناحاه طويلان مذبيان، ويستوطن أوربة وشمالى آسيا وإفريقية. الوسيط (ز ر ر). (٦) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٨٩/١، ٢٩٠ من طريق أبى عاصم به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٠٣/١٣ من طريق ثور بن يزيد به، وعندهما (( وأرواح المؤمنين)). ١٠٦ الموطأ التمهيد قال أبو عمر: قد ذكرنا من الآثار عن السّلف ما فی معنی حدیثِنا فى هذا البابِ؛ لقولِهِ وَله: ((إِنَّما نسَمةُ المؤمنِ طائرٌ تعلَقُ فى شجرِ الجنةِ)). وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّهم الشُّهداءُ دونَ غيرِهم ، وفى بعضِها : فى صورةٍ طيرٍ . وفى بعضِها : فى أجوافٍ طيرٍ . وفى بعضِها: كطيرٍ . والذى يُشبِهُ عندِى، واللهُ أعلمُ ، أن يكونَ القولُ قول من قال: كطيرٍ . أو: كصورٍ طيرٍ. لمطابقته لحديثنا المذكورِ . وليس هذا موضعَ نظرٍ ولا قياسٍ ؛ لأنَّ القياسَ إنما يكونُ فيما يسوغُ فیه الاجتهاد ، ولا مدخلَ للاجتهادِ فی هذا البابِ ، وإنما نُسلِّمُ فیه لما صحّ من الخبرِ عمَّنْ یچِبُ التَّسلیمُ له . روَى عيسى بنُ يونسَ هذا الحديثَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةً ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، فقال: أرواحهم كطيرٍ خُضرٍ (١). وكذلك قال فيه روحُ بنُّ القاسم، عن الأعمش، عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةً ، عن مسروقٍ ، عن عبدِ اللهِ: كطيرٍ خُضرٍ تسرَحُ فى الجنَّةِ حيثُ شاءَتْ ، وتأوِى إِلى قناديلَ تحتَ العرشِ . وثبَتَ عن ابنِ عباسٍ، ومجاهدٍ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ ، أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ فى الشُّهداءِ؛ قولَه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. وهو قولُ ابن مسعودٍ، وأبى سعيدٍ، وجابرٍ. وهو الصَّحيحُ. وباللهِ التوفيقُ . القبس (١) تقدم تخريجه ص ١٠٥. ١٠٧ ٢٠ الموطأ التمهید وللنَّاسِ أقاويلُ فی مُستقرّ الأرواح غیرُ ما ذُکِر، سنذكر ذلك فی حدیثٍ نافعٍ (١) ، إن شاء اللهُ تعالى . فعلى هذا التَّأويلِ، كأنَّه قال وَ لَّهِ: إنما نسمةُ المؤمن من الشُّهداءِ ( طائرٌ يعلَقُ) فى شجرِ الجنَّةِ . وجاءَ عن أَبيِّ بنِ كعبٍ رحِمه اللهُ، وجماعةٍ من التَّابعينَ ، فى صفةِ أحوالٍ الشُّهداءِ وطعامهم فى الجنَّةِ ، أقاويلُ غیرُ هذه، وإنّما ذكرنا فى هذا البابِ ما فی معنَى حدثنا، وما يُطابقُه ويضاهِيه . وباللهِ التوفيقُ . وقال آخرونَ: أرواح المؤمنينَ على أفنيةِ قُبُورِهم. وكان ابنُ وضَّاحِ يذهبُ إلى هذا، ويحتجُّ بحديثِ النبيِّ وَّهِ حينَ خرَج إلى المقبرةِ، فقال: ((السلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين))(٢). فهذا يدُلَّ على أنَّ الأرواح بأفنيةِ القبورِ. وقد خالَفه غيرُه ، فمالَ إلى الحديثِ: ((اذهبوا بروحِه - يعنِى المؤمنَ - إلى عليِين)). وقال فى الكافرِ: ((اذهَبوا برُوحِه إلى سِجِينٍ من أسفل الأرض))(٤). وقد ذكّرنا هذا المعنَى فى بابٍ نافع ، وبابِ العلاءِ من هذا الكتاب(٥). والحمدُ للهِ . ٠ القبس (١) تقدم ص٨٧ - ٩٣. (٢ - ٢) فى ى: ((تعلق)). (٣) تقدم فى الموطأ (٥٧) . (٤) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٧٤٢)، ومن طريقه المزى فى تهذيب الكمال ٦٠٤/٢٣، ٦٠٥ من حديث أبى هريرة . (٥) ينظر ما تقدم فى ٢٠/٣ - ٢٤. ١٠٨ الموطأ ٥٧١ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن أبي الزنادِ ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((قال الله تبارك وتعالى: إذا أحبُّ عبدِى لقائى أحبَبتُ لقاءَه، وإذا كرِه لقائى كرِهتُ لقاءَه)). التمهید مالكٌ، عن أبى الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةً"، أنَّ رسولَ اللهِ وَله قال: ((قال اللهُ تبارَكَ وتعالَى: إذا أحبَّ عَبْدِى لِقَائِى أَحْبَبْتُ لِقَاءَه، وإذا كَرِهَ لِقَائِى كَرِهْتُ لِقَاءَه))(١). وهذا الحديثُ معناه عندَ أهلِ العلم فيما يُعَاينُهُ المَرْءُ عندَ حُضُورٍ أجلِه ، فإِذا رَأى ما يَكرَهُ لم يُحِبَّ الخُرُوجَ مِن الدُّنْيَا ولا لقاءَ اللهِ ؛ لسُوءِ ما عايَنَ مِمَّا يَصِيرُ إليه ، وإذا رَأَى ما يُحِبُّ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ والإِسْرَاعَ إلى رَحْمَتِه؛ لحُسْنِ ما عايَنَ وبُشِّرَ به ، وليسَ حُبُّ المَوْتِ ولا كَرَاهِيتُه والمَرْءُ فی صِحَّتِه مِن هذا المَعْنَی فی شىءٍ، واللَّهُ أعلمُ . وقال أبو عُبَيْدٍ (١) فى مَغْنَى قوله عليه السلامُ: ((مَن أحبَّ لقاءَ اللَّهِ أحبَّ اللَّهُ لقاءَه)). قال: ليس وَجْهُه عندِى أن يكونَ يَكْرَهُ عَلَزَ المَوتِ(٤) وشِدَّتَه ؛ لأنَّ هذا لا ێکادُ یَخلُو منه أحدٌ ؛ نبئ ولا غیژه، ولکنَّ المکژوه مِن ذلك إيثار الدنيا ، القبس (١ - ١) سقط من: م. (٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/٧ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٩٤). وأخرجه البخارى (٧٥٠٤)، والنسائى (١٨٣٤) من طريق مالك به. (٣) غريب الحديث ٢٠٢/٢ - ٢٠٤. (٤) علز الموت: قلقه وكربه . التاج ( ع ل ز ) . ١٠٩ الموطأ التمهيد والؤُكُونُ إليها، والكَرَاهةُ أن يصيرَ إلى اللهِ والدارِ الآخرةِ، وَيُؤْثِرَ المُقامَ فى الدنيا. قال: ومِمَّا يُبَيِّنُّ ذلك أنَّ اللهَ قد عابَ قومًا فى كتابه بحُبٌّ الحَياةِ ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوْقِ الدُّنْيَا وَأَلْمَأَنَوْ بِهَا﴾ [ يونس: ٧]. وقال: ﴿وَلَنَجِدَتَهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْمٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]. وقال: ﴿وَلَا يَنَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَّدَّمَتْ أَيْدِ يهِْ﴾ [الجمعة: ٧]. قال: فهذا يَدُلَّ على أنَّ الكَراهِيَةَ لِلقَاءِ اللهِ ليست بكَراهيَةِ الموتِ ، وإنَّما هو الكراهيةُ للنُّقلةِ مِن الدنيا إلى الآخرةِ . قال أبو عمرَ: نَهَى رسولُ اللهِ وَلِ أُمَّتَه عن أن يتَمَنَّى أحدُهم الموتَ لضُرّ نَزَلَ به ، فالمُتَمَنِّى للموتِ ليس بمُحِبٍّ للقَاءِ اللَّهِ ، بل هو عاصٍ للهِ عزَّ وجلَّ فى تَمَنِّيِه الموتَ إذا كان بالنَّهي عالِمًا . حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مَرْزُوقٍ ، قال: حدّثنا شعبةُ ، عن قتادةَ ، وعبدِ العزيزِ بنِ صُهيبٍ ، وعلىٍّ بنِ زيدٍ، كلَّهم عن أنس ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿ه قال: ((لا يَتَمَنَّى أحدُكم الموتَ لضُرّ نزَل به، فإن كان لابُدَّ قائلًا، فليقُل: اللَّهُمَّ أحينِى ما كانت الحياةُ خيرًا لى، وتَوَقَّنِى إذا كانت الوفاةُ (١) خیرًا لِی)) (). القبس (١) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٤٣٢) من طريق عمرو بن مرزوق به ، وأخرجه الطيالسى (٢١١٥) عن شعبة به . ١١٠ الموطأ ورَوَى عِن النبيِّ رَّهِ النَّهْىَ عن تَمَنِّى الموتِ جماعةٌ مِن الصَّحابَةِ؛ منهم ءِ خَجَّابُ بنُ الأَرَتِّ، وأَمّ الفَضلِ بِنتُ الحارثِ أَمّ ابنِ عباسٍ ، وعابِسَ الغِفَارِئُّ(١)، وأبو هريرةً ، وغیرُهم . التمهيد حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدّثنا بكرُ بنُّ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ ، قال: حدَّثنا يحتِى، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، قال: حدَّثنى قيسٌ، قال: أتيتُ حَبَّابًا، وقد اكْتَوَى سَبْعًا فى بطنِهِ، فقال: لولا أنَّ رسولَ اللهِ وَ نَهَانَا أَن نَدْعُوَ بالموتِ لَدَعَوْتُ به(٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أُسامَةً، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ الوَرْكَانِىُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللهِ ابنِ عبدِ اللهِ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((لَا يَتَمَنَّى أحدُكم الموتَ؛ إِمَّا مُحْسِنَّ فَلَعَلَه يزدادُ خيرًا، وإمَّا مُسِىءٌ فلعَلَّه (٤) يسْتَغْتبُ))(). القبس (١) أخرجه أحمد ٤٤٤/٤٤ (٢٦٨٧٤). (٢) سيأتى تخريجه ص ٢٠٢. (٣) أخرجه البخارى (٦٣٤٩) عن مسدد به، وأخرجه أحمد ٥٥٦/٣٤، ١٩١/٤٥ (٢١٠٧٩، ٢٧٢١٦)، والبخارى (٦٣٥٠، ٦٤٣١)، والنسائى (١٨٢٢) من طريق يحيى بن سعيد به. (٤) أخرجه أحمد ٢٣/١٣ (٧٥٧٨)، والنسائى (١٨١٧) من طريق إبراهيم بن سعد به. ١١١ الموطأ التمهيد فهذه الآثارُ وما كان مِثْلَها، يَدُلَّكَ على أنَّ حُبَّ لِقَاءِ اللهِ ليس بتَمَنِّى الموتِ ، واللَّهُ أعلمُ. وقد يجوزُ تَمَنِّى الموتِ لغيرِ البَلَاءِ النازلِ ، مثلَ أن يخافَ على نفسِه المرءُ فتنةً فى دينِهِ، قال مالكٌ: كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ لا يَبلُغُه شىءٌ عن عمرَ بنِ الخطّابِ، إلَّا أحبَّ أن يعملَ به، حتى لقد بلَغَه أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ دَعًا على نفسِه بالموتِ ، فَدَعَا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ على نفسِه بالمَوتِ ، فما أُتتِ الجمعةُ حتى ماتَ رحِمه اللـهُ . وقد أُوْضَحنَا هذا المعنَى فى هذا الكتابِ عندَ قولِه وَلَّهِ : ((لَا تقومُ الساعةُ حتَّى يَمُوَّ الرجلُ بِقَبرِ أخيه، فيقولُ: يَا لَيْتَنِى مكانَه))(١). وأمَّا معنَى حديثٍ هذا البابِ ، فإنَّما هو، واللهُ أعلمُ، عندَ خُضُورِ الموتِ ومُعاينَةٍ بُشْرَى الخَيْرِ أو الشَّرِّ؛ فعلى هذا تدُلُّ(٢) الآثارُ، وعلى ذلك فَشَرَه العلماء . حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحتِى وخلفُ بنُّ القاسم، قالا : حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ بنِ الحَدَّادِ بُكَيْرٌ، قال: حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمذىُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ " محمدِ الفَرْوِىُّ)، قال: حدّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن عمارةَ بنِ غَزِيَّةً ، عن موسى () بنِ وَزِدانَ المصرىِّ ، عن القبس (١) سيأتى فى الموطأ (٥٧٤). (٢) فى م: ((تنزل)). (٣ - ٣) فى الأصل، ص١٦، م: ((موسى الهروى)). وفى ص: ((موسى الفروى)). والمثبت من تهذيب الكمال ٢ / ٤٧١. (٤) فى ص: ((يونس)). وينظر تهذيب الكمال ١٦٣/٢٩. ١١٢ الموطأ التمهید أبى سعيد الخُدرِىِّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَه قال: ((إِنَّ المسلمَ إِذا حَضَرَه الموتُ. رأى بُشُرَه، فلَم يَكُنْ شىءٌ أَبِغَضَ إليه مِن المُكثِ فى الدُّنيا، وإذا حَضَرَ الكافرَ الموتُ رَأَى بُشْرَه، فلم يَكُنْ شىءٌ أَحَبَّ إليه من المُكثِ فى الدنيا)). قال أبو عمرَ : بُشْرٌّ جَمعُ بشيرٍ ، مثلُ: سَرِيرٍ وسُرُرٍ ، وقد يُخَفَّفُ ذلك ويُتَقَّلُ ، مثلُ: رُسُلٍ ورُسْلٍ ، وسُبْلٍ وسُبْلٍ، وقد تكونُ الْبُشرَى بالخيرِ والشَّرُّ، كما قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤]. وقال أهلُ اللغةِ أيضًا: إنَّه قد يكونُ البُشُرُ جمعَ بِشَارَةٍ . حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبی شَيْئَةً ، قال : حدّثنا شبابةُ ، عن ابنِ أبی ذئبٍ ، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ عطاءٍ، عن سعيد بنِ یسارٍ ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ ◌َ لِّ قال: ((الميتُ تَحْضُرُه الملائكةُ ، فإذا كان الرجلُ الصالح، قالوا : اخرُچِى أَيَتُها النفسُ الطيبةُ ، كانت فى الجَسَدِ الطَّيِّبِ ؛ اخْرُچِی حَمِيدَةٌ ، وَأَبْشِرِى برَوْحِ ورَيْحَانٍ، وربِّ غيرٍ غَضْبَانَ)). قال: ((فلا يَزَالُ يُقَالُ لها ذلك حَتَّى تَخْرُجَ، ثم يُعْرَجُ بها إلى السَّمَاءِ، فَيُفْتَعُ لها، فيُقَالُ: مَن هذا؟ فِيقُولُون: فُلَانٌ. فيُقَالُ: مَرْحَبًا بالنَّفْسِ الطَّيَِّةِ، كانت فى الجَسَدِ الطَّيِّبِ؛ ادْخُلِى حَمِيدَةً ، وأبْشِرِى برَوْحِ ورَيْحَانٍ، ورَبِّ غيرِ غضبانَ . فلا يزالُ يُقالُ ذلك، حتى يُنتَهى بها إلى السماءِ - يعنِى السَّابِعَةَ - وإذا كان الرجلُ الشَّوْءُ وحضرتْهُ الملائكةُ عندَ موتِهِ ، قالت : اخرُچِی أيتها النفسُ الخبيثةُ، كانت فى الجَسَدِ الخبيثِ؛ اخرُجِى ذَمِيمَةً، وأبشرِى بحَمِيمٍ وغشّاقٍ وَآخَرَ مِن شَكْلِهِ القبس ١١٣ ( موسوعة شروح الموطأ ٨/٨) الموطأ التمهيد أزواج. فَلا يزالُ يُقالُ لها ذلك حتَّى تخرُجَ)). وذكَرَ الحديثَ(١). وفيه ما يَدُلُّ على أنَّ ما ذكَرنَا مِن ◌ُحُبِّ لِقَاءِ اللَّهِ وكَرَاهيتِهِ، إنَّما ذلك عندَ محُضُورِ الوَفَاةِ ومُعايَنَةٍ ما له عندَ اللَّهِ ، واللَّهُ أعلمُ. وفيه ما يَدُلُّ على أنَّ الِشَارَةَ قد تكونُ بالخَيْرِ والشَّرِّ، وبما يَشُوءُ وبما يَسُرُّ، وقد رُوِىَ عن النبيِّ وَلِّ أَنَّه قال لبعضٍ أصحابِهِ، فى حديثٍ ذكّرَه: ((أينما مَرَرْتَ بِقَبِرٍ كَافِرٍ فَبَشِّرْه بِالنَّارِ))(٢). ورُوِىَ عن علىِّ رضِى اللَّهُ عنه أَنَّه قال: بَشِّرْ قاتِلَ ابنِ صَفِيَّةً بالنَّارِ ". وقد حدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا يَزِيدُ بنُ هارونَ ، قال: أخبرنا محمدُ بنُّ عمرٍو، عن أبى سَلَمَةً، عن أبى هريرةَ ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَه، ومَن كَرِهَ لِقاءً اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَه)). قيلَ: يا رسولَ اللهِ، ما منَّا أحدٌ إلا وهو يكرّةُ الموتَ ويَفْظَعُ(٤) به. فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إذا كانَ ذلك كُشِفَ له))(٥). حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا حمزَةُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ القبس (١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٦٢) عن ابن أبى شيبة به، وأخرجه أحمد ٣٧٧/١٤، ١٤/٤٢ (٨٧٦٩، ٢٥٠٩٠)، والنسائى فى الكبرى (١١٤٤٢) من طريق ابن أبى ذئب به. (٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٧٣) من حديث ابن عمر. (٣) أخرجه أحمد ٩٩/٢ (٦٨١). (٤) فى النسخ: ((يقطع)). والمثبت من مصدر التخريج، وفيع بالأمر: استعظمه وهاله . الوسيط (ف ظ ع ) . (٥) أخرجه أحمد ٥١٠/١٥ (٩٨٢٢) عن يزيد به، وأول الحديث عنده من رواية النبى وَ ليقل عن ربه عز وجل ، وآخره موقوف على أبى هريرة. ١١٤ الموطأ ٥٧٢ - وحدَّثنى يحتِى، عن مالكِ، عن أبى الزنادِ ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَ لِّ قال: ((قال رجلٌ لم يعمَلْ حسنةٌ قَطُّ لأهلِه : إذا مات فحرّقوه، ثم اذرُوا نصفَه فى البرِّ، ونصفَه فى البحرِ ، فواللهِ لئن قدَر اللهُ عليه لَيُعذّبَتَّه عذابًا لا يُعذّبُه أحدًا من العالمين. فلما ابن شُعيبٍ ، قال: أخبرنا هنَّادُ بنُ السَّرىِّ، عن أبى زُبيدٍ ، عن مُطرّفٍ ، عن عامرِ التمهيد الشعبىِّ، عن شُريح بن هانئُ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ أحبَّ لقاءَ اللهِ أحبَّ اللهُ لقاءَه، ومَن كرة لقاءَ اللهِ كرِةَ اللهُ لقاءَه)). قال شُريح : فأتيتُ عائشةَ ، فقلتُ : يا أُمَّ المؤمنين ، سمِعتُ أبا هريرةَ يذكُرُ عن رسولِ اللهِ وَ لّ حديثًا، إن كان كذلك فقد هَلَكْنا. فقالت: وما ذاك؟ قلتُ: قال: ((مَن أحبَّ لقَاءَ اللهِ أحبَّ اللهُ لقاءَه، ومَن كَرِهَ لقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَه)). وليس مِنَّا أحدٌ إلّ وهو ێکرهُ الموت . قالت: قد قاله رسولُ اللهِ ێے ، ولكن ليس بالذى تذهبُ إليه، ولكن إذا طَمَحَ البصرُ، وحَشرَجَ الصَّدرُ، واقشَعرَّ الجِلدُ، فعندَ ذلك مَن أحبَّ لقاءَ اللهِ أحبَّ اللَّهُ لقاءَه، ومَن كَرِهَ لقَاءَ اللَّهِ كَرِةَ اللَّهُ لقاءَه (١). فهذه الآثارُ كلُّها قد بانَ فيها أنَّ ذلك عندَ حُضُورِ المَوتِ ومُعاينَةِ ما هُنالك، وذلك حينَ لا تُقَبلُ تَوبةُ التَّائِبِ إن لم يَتُبْ قبلَ ذلك(٢). مالكٌ، عن أبى الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَهـ قال: ((قال رجلٌ لم يَعْمَل حَسَنَةً قَطُّ لأَهلِهِ : إذا مَات فَحَرَّقُوه، ثم اذْرُوا نصفَه القبس (١) النسائى (١٨٣٣). وأخرجه مسلم (٢٦٨٥) من طريق أبى زيد به، وأخرجه أحمد ٢٢٩/١٤ (٨٥٥٦)، ومسلم (٢٦٨٥) من طريق مطرف به . (٢) بعده فى ص، م: (وقد ذكرنا هذا المعنى مجودا فى باب نافع والحمد لله)). ١١٥ الموطأ مات الرجلُ فعَلوا ما أمرهم به، فأمَر اللهُ البرَّ فجمَع ما فيه، وأمَر البحرَ فجمع ما فيه، ثم قال : لم فعلت هذا ؟ قال : مِن خشیتِك يا ربِّ ، وأنتَ أعلم. قال: فغفر له)) . التمهید فى البَرِّ، ونصفَه فى البَحرِ ، فواللهِ لَئِن قَدَرَ اللَّهُ عليه لَيُعَذِّبَتَّه عذابًا لا يُعَذِّبُه أحدًا مِن العالمين. فلمَّا مَاتَ الرجلُ فعَلُوا ما أَمَرَهم به، فأمَرَ اللَّهُ البَرَّ فَجَمَعَ ما فيه، وأمَرَ البحرَ فجَمَّعَ ما فيه، ثم قال: لِمَ فَعَلْتَ هذا؟ قال: مِن خَشْيَتِك یا رَبِّ ، وأنت أعلمُ . فَغَفَرَ له))(١). قال أبو عمر : تابع یحتی علی رفع هذا الحديثِ عن مالك بهذا الإسنادٍ أكثرُ رُواةِ («الموطّاً))، ووقَفَه مُصعَبُ بنُ عبدِ اللهِ الزُّبِيرِىُّ وعبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةً القَعْنَيِىُّ، فجَعَلاه مِن قولِ أبى هريرةَ ، ولم يَرْفَعاه، وقد رُوِىَ عن القَعْنَبِىِّ مرفوعًا كروايةٍ سائرِ الرُّواةِ عن مالكٍ، وممَّن رَوَاه مرفُوعًا عن مالكِ عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، وابنُ القاسمِ(١)، وابنُ بكيرٍ(٣) ، وأبو المصعبِ(٤)، ومُطرّفٌ، وروحُ بنُ عُبَادَةً(٥)، وجماعةٌ . أخبرنا أبو القاسم خلفُ بنُ القاسمِ بنِ سهلٍ، قال: حدَّثنا أبو الفوارسِ القبس (١) أخرجه البخارى (٧٥٠٦) من طريق مالك به . (٢) أخرجه النسائى فى الكبرى - كما فى تحفة الأشراف (١٣٨١٠) - من طريق ابن القاسم به . (٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/٧ ظ - مخطوط ) . (٤) الموطأ برواية أبى مصعب (٩٩٣). (٥) أخرجه مسلم (٢٤/٢٧٥٦) من طريق روح بن عبادة به . ١١٦ الموطأ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ بنِ السِّنْدِىِّ العسكرِىُّ، حدَّثنا يونسُ بنُّ التمهيد عبدِ الأَعلَى والربيعُ بنُ سليمانَ ، قالا : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ وهْبٍ ، قال : أخبرنى ابنُ أبي الزِّنَادِ ومالكُ بنُ أنسٍ ، عن أبى الزِّنَادِ ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لِّ قال: ((قال رجلٌ لم يعمَلْ خيرًا قَطُّ لأُهلِه: إذا مات فأحرِقُوه، واذْرُوا نِصْفَه فى البرِّ ، ونِصْفَه فى البحرِ، فوَاللَّهِ لَئِن قَدَرَ اللَّهُ عليهِ لَيُعَذِّبَنَّه عَذَابًا لا يُعَذِّبُه أحدًا مِن العالمين . فلما مات فَعَلُوا به ، فأمَرَ اللَّهُ البحرَ فَجَمَع ما فيه ، وأُمَرَ البَرَّ فجمَعَ ما فيه، ثم قال: لِمَ فعَلتَ هذا؟ قال: مِن خَشْيَتِك يا رَبِّ ، وأنت أعلمُ . فَفَرَ له))(). قال أبو عمر: ژُوِی مِن حدیثِ الزُّهرِىِّ، عن مُمیدِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ عوف، عن أبى هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((أسرَفَ رجلٌ على نَفْسِه، حتَّى إذا حَضَرَته الوفاةُ قال لأَهلِه: إذا أنا مِتُّ فَأَخْرِقُونِى)) الحدیث(٢). کحديث مالك عن أبی الزنادِ سواءً. ورُوِیَ من حديثٍ أبی سعید الخُدرىِّ هذا المعنَى أيضًا . حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ ، قال: حدَّثْنَا مُوسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو هلالٍ ، قال : حدَّثنا قتادة ، عن عقبةً بنِ عبدِ الغَافِرِ ، عن أبى سعيد الخُدرىِّ ، قال : كان فيمن القبس (١) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٥٦٣) عن الربيع به ، وأخرجه أيضًا (٥٦٤) عن يونس عن ابن وهب عن مالك - وحده - به . (٢) أخرجه أحمد ٨٥/١٣ (٧٦٤٧)، والبخارى (٣٤٨١)، ومسلم (٢٥/٢٧٥٦، ٢٦)، وابن ماجه (٤٢٥٥)، والنسائى (٢٠٧٨) من طريق الزهرى به . ١١٧ الموطأ التمهید كان قبلكم رجلٌ مِن الأمم السالفةِ ، أفادَه اللَّهُ مَالًا وولدًا، فلمَّا ذهَبَ - يعنى أكثرَ عمرِه - قال لولدِه: لا أَدَعُ لكم مالًا أو تفعَلُون ما أقولُ . قالُوا : يا أبانا ، لا تاُمُؤ بشیءإلّا فعلناه . قال : إذا أنا مِتُّ ، فأحرِقُونی ثم اسحقُونی ، ثم اذْرُونِى فى يومٍ ريحٍ عاصفٍ، لعلَّى أضِلُ اللَّهَ. ففعَلُوا ذلك به، فقال اللَّهُ له: كُنْ. فإذا هو رجلٌ قائمٌ، قال: ما حَمَلَك على ما صَنَعْتَ؟ فقال: مَخَافَتُكَ. فما تَلَافَاه(١) غيرُها ، فَغَفَرَ له . قال أحمدُ بنُ زُهَيْرِ: كذا قال أبو هلالٍ ، أَوْقَفَ الحدیثَ علی ایی سعیدٍ ، ورَفَعه سليمانُ التَّيمىُّ: حدَّثنا مُوسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثْنا مُعْتَمِرُ بنُّ سليمانَ ، قال: أخبرنى أبى، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن عُقبةَ بنِ عبدِ الغافرِ ، عن أبى سعيد الخُدرِىِّ، عن النبيِّ وَلِّ، اَنَّه ذكّرَ رجلًا فيمن كان سَلَفَ . ثم ذكرَ نحوه(٢). قال أبو عمرَ : رُوِىَ مِن حديثٍ أبى رافعٍ، عن أبى هريرةً ، فى هذا الحديثِ أنه قال: ((قال رجلٌ لم يعمَلْ خيرًا قطُّ إلَّ التوحيدَ))(٢). وهذه اللَّفْظَةُ إِن صَحّت رَفَعَت الإشكالَ فى إيمانِ هذا الرجلِ ، وإن لم تَصِحّ مِن جهةِ النَّقُلِ فهى صحيحةٌ القبس (١) تلافاه، أى ما تداركه، والتاء فيه زائدة. صحيح مسلم بشرح النووى ١٧/ ٧٤، ٧٥. (٢) أخرجه البخارى (٦٤٨١) عن موسى بن إسماعيل به، وأخرجه أحمد ٢٦٣/١٨ (١١٧٣٦)، والبخارى (٧٥٠٨)، ومسلم (٢٨/٢٧٥٧) من طريق معتمر به. (٣) أخرجه أحمد ٣٢٨/٦، ٤٠٨/١٣ (٣٧٨٦، ٨٠٤٠) من طريق أبي رافع به . ١١٨ الموطأ التمهيد مِن جهةِ المعنَى، والأُصولُ كلُّها تَعضُّدُها، والنَّظَرُ يُوجِبُها؛ لأَنَّه مُحالٌ غيرُ جائزٍ أن يُغْفَرَ للذين يمُوتُون وهم كُفَّارٌ؛ لأنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد أخبرَ أَنَّه لا يغفر أن يُشرَكَ به لمَن مات كافرًا، وهذا ما لا مَدْفَعَ له، ولا خِلَافَ فيه بينَ أَهلِ القِبْلَةِ، وفى هذا الأصلِ ما يَدُلُّكَ على أن قولَه فى هذا الحديثِ: ((لم يعمَلْ حسنةً قَطُّ)). أو: ((لم يعمَلْ خيرًا قَطُّ)). ( لم يُغْنَ به" إِلَّا ما عَدَا التوحيدَ مِن الحَسَناتِ والخيرِ، وهذا سائغٌّ فى لِسَانِ العربِ، جائزٌ فى لُغَتِها أن يُؤْتَى بَلَفْظِ الكُلِّ، والمُرادُ البعضُ. والدليلُ على أنَّ الرجلَ كان مؤمنًا، قولُه حينَ قيل له: ((لِمَ فعَلتَ هذا؟ فقال: مِن خشيتِك يا ربِّ)). والخَشيةُ لا تكونُ إلَّا لمؤمنٍ مصدِّقٍ ، بل ما تكادُ تكونُ إلَّا لمؤمنٍ عالم، كما قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْ﴾ [فاطر: ٢٨]. قالُوا: كُلَّ مَن خافَ اللَّهُ فقد آمَنَ به وعَرَفَه، ومُسْتَحِيلٌ أن يَخَافَه مَن لا يُؤمِنُ به. وهذا واضحٌ لِمَن فَهِمَ وأُلهِم ◌ُشده . ومثلُ هذا الحديثِ فى المَعنَى ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، حدَّثنا محمدُ بنُّ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنی الليثُ ، عن ابنِ العجلانِ ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ، عن رسولِ اللهِ وَّه قال: ((إِنَّ رجلًا لم يعمَلْ خيرًا قَطَّ، وكان يُدَايِنُ النَّاسَ، فيقولُ لرسُولِه: خُذْمَا يَسِر، واتركْ مَا عسِرَ، وَتَجَاوَزْ، لعلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عِنَّ. فلمَّا هَلَكَ قال اللَّهُ: هل عَمِلْتَ خيرًا قَطُ ؟ قال: لا، إِلَّ أَنَّه كان لى غُلَامٌ، فَكُنتُ القبس (١ - ١) فى ص: ((ولم يعن به))، وفى م: ((لم يعذبه)). ١١٩ الموطأ أَدَايِنُ النَّاسَ ، فإذا بعَثْتُه يَتَقَاضَى ، قُلتُ له : خُذْمايَسِر ، واترك ما عَسِرَ، وتَجاوَزْ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوزُ عنَّا. قال اللَّهُ: قد تَجاوَزتُ عنك))(١). التمهید قال أبو عمرَ: فقولُ هذا الرَّجُلِ الذى لم يعمَلْ خِيرًا قطُّ غيرَ تَجاؤُزِه عن غُرَمَائِهِ: لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجاوَزُ عنا. إيمانٌ وإقرارٌ بالرَّبِّ ومُجَازَاتِه، وكذلك قولُ(٢) الآخَرِ : خَشْيْتُكَ يا رَبِّ. إيمانٌ باللَّهِ، واعترافٌ له بالرُّبُوِيَّةِ، واللَّهُ أعلمُ . وأمَّا قولُه: ((لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَىَّ)). فقد اختَلَفَ العلماءُ فى معنَاه؛ فقال منهم قائلُون: هذا رجلٌ جَهِلَ بعضَ صِفَاتِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وهى القُدْرَةُ، فلم يعلَمْ أنَّ اللَّهَ على كُلِّ ما يشاء قديرٌ، قالُوا: ومَن جَهِلَ صِفَةٌ مِن صِفَاتِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وآمَنَ بسائرٍ صِفَاتِه وعَرَفَها ، لم يَكُنْ بجَهْلِه بعضَ صِفَاتِ اللَّهِ كافرًا. قالُوا: وإنَّما الكافرُ مَن عائدَ الحَقَّ، لا مَن جَهِلَه. ( وهذا قولُ المُتَقَدِّمِينَ مِن العلماءِ، ومَن سَلَكَ سَبِيلَهم مِن المُتَأَخِّرِينَ). وقال آخرونَ: أرادَ بقولِه: (لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عليه)). مِن القَدَرِ الذى هو القَضاءُ، وليس مِن بابِ القُدْرَةِ والاستطَاعَةِ فى شىءٍ . قالُوا: وهو مثلُ قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ فى ذِى النُّونِ: ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وللعُلماءِ فى تأويلِ هذه اللفظةِ قَولان؛ أحدُهما ، أنَّها مِن التَّقْدِيرِ والقَضَاءِ. والآخرُ، أنَّها مِن التَّقْتِيرِ والتَّضْيِيقِ، وكُلَّ ما قاله العلماءُ فى القبس (١) أخرجه أحمد ٣٤٤/١٤ (٨٧٣٠)، والنسائى (٤٧٠٨) من طريق الليث به . (٢) فى م: (( قوله )). (٣ - ٣) فى ص: ((قال أبو عمر: هذا قول يدفعه جماعة من أهل النظر، وفيه ضروب من الاعتراضات والعلل ليس هذا موضع ذكرها)). ١٢٠