النص المفهرس

صفحات 61-80

الموطأ
التمهيد
أخبرنا عبدُ الملكِ بنُ قُدَامَةَ الجُمَحِىُّ، عن أبيهِ، عن عمرَ بنِ أبى سلمةَ ، عن
أُمّ سلَمَةَ، أَنَّ أبا سلمةَ حدَّثَها، أنَّه سمِعَ رسولَ اللهِ وَله يقولُ: ((مَا مِن مسلم
يُصابُ(٢) بمُصيبةٍ فِيَفْزَعَ "إلى ما) أمَره اللهُ به من قولٍ: إنا لله وإنا إليه راجعون،
اللهمَّ عندَك أخْتَسِبُ مُصِيبَتِى، فَأَجُزْنِى فيها، وعِضْنِى خيرًا منها. إلَّا أَجَرَه اللهُ
عليها، وعَاضَه خيرًا منها)). قالت : فلَمَّا تُوفِّىَ أبو سلمةَ ذكرتُ الذی حدَّثنی عن
رسولِ اللهِ وَلَه فقلتُ: إنا لله وإنا إليه راجِعون، اللهمَّ أَحْتَسِبُ(٤) عندَك
مُصِيبَتِى، فأُجُزْنِى عليها. فلمَّا أردتُ أنْ أقولَ: وعِضْنِى خيرًا منها . قلتُ فى
نفسى: أُعاضُ خيرًا من أبى سلمةَ؟ ثم قلتُها، فَعَاضَنِى اللهُ محمدًا وَّهِ،
وأَجْرَنِی فی مُصِيبَتِی (٢).
قال أبو عمرَ : عبدُ الملكِ بنُ قُدامَةَ هذا هو عبدُ الملكِ بنُ قُدامةَ بنِ محمدٍ
ابنِ حَاطِبٍ الجُمَحِىُّ ، مَدَنِىٌّ ثقةٌ شريفٌ .
وأخبرَنى أبو عبدِ اللهِ عُبيدُ(١) بنُ محمدٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الملكِ ، قالا :
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ مسرورٍ العشَّالُ، قال: حدَّثنا عيسَى بنُ مسكينٍ، قال: حدَّثنا
القبس
أ ....
(١) فى م: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٢/٢١.
(٢) فى ك ١، م: ((أُصيب)).
(٣ - ٣) فى ك ١، م: ((لما)).
(٤) فى ك ١، م: ((إنى احتسبت)).
(٥) ابن أبى شيبة فى مسنده (٦٢٢) - وعنه ابن ماجه (١٥٩٨) - وأخرجه ابن سعد ٨٧/٨، ٨٨،
وأبو نعيم فى الحلية ٣/٢ من طريق يزيد بن هارون به، وسقط من إسناد ابن سعد ذكر عمر بن أبى سلمة.
(٦) فى ك ١: (عبيد الله)).
٦١

الموطأ
التمهيد محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سنجرَ، قال: حدّثنا ◌ُبیدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ حفصٍ
العَیْشِئُ ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلمةً ، قال : أخبرنا ثابت ، قال : أخبرنى عمرُ
ابنُّ أبى سلمةَ بنِ عبدِ الأسدِ، عن أُمَّه أُمّ سلَمَةَ، أنَّ أبا سلمةَ قال: قال
رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((إذا أصابَ أحدَكم مُصِيبَةٌ فَلْيقُلْ: إنا لله وإنا إليه راجعون ،
اللهمَّ عندَك اخْتَبْتُ مُصِيبَتِى، فأْمجزنى فيها ، وأَبْدِلْنِى بها خيرًا منها)). قالت:
فلمَّا اخْتُضِرَ أبو سلمةَ بنُ عبدِ الأسدِ ، قال : اللهمَّ أَخْلِفْنِى فى أهْلِى بخيرٍ مِنِّى.
فلمَّا قُبِضَ أبو سلَمَةَ قلتُ : إنا للهِ وإنا إليه راجِعون، اللهمَّ عندَك اخْتَسَبْتُ
مُصِيبَتِى، فأمجزنى فيها . فكنتُ إذا أرَدْتُ أنْ أقولَ: وأبْدِلْنِى خيرًا منها. قلتُ :
ومَن خيرٌ مِن أبى سلمةَ؟ فلم أَزَلْ حتى قلتُها . قال: فلمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خطَبها
أبو بكرٍ فَرَدَّتْه، ثم خطَيها عمرُ فَرَدَّتْه، ثم بعَث إليها رسولُ اللهِ وَلِّ فخطَبها،
فقالتْ: مرحبًا برسولِ اللهِ وَّهِ - أو قالت": مرحبًا باللهِ ورسولِه - أَقْرِئْ
رسولَ اللهِ وَّهِ السلامَ، وأَخْبِرْه آنِّى امْرَأَةٌ غَيْرَى(١)، وأنا مُضيِيةٌ(٢)، وليس أحدٌ
من أوليائى شاهِدًا. قال: فقال لها رسولُ اللهِ وَله: ((أمَّا قولُكِ: إِنِّى غَيْرَى.
فإِنِّى سأدعُو اللهَ أنْ يُذْهِبَ غَيْرَتَكِ، وأمَّ قولُكِ: إِنِّى مُضِيَةٌ. فإِنَّ اللهَ سيكفيكِ،
وأمَّا أولياؤُكِ، فليس أحدٌ منهم شاهدًا ولا غائِبًا إِلَّا سَيَرْضَانِى)). فقالتْ لائِنِها :
قُمْ يا عمرُ، فزوَّجْ رسولَ اللهِ وَ. فَوَّجَها، فقال لها رسولُ اللهِ وَهِ: ((أمَا إِنِّى
القبس
(١ - ١) فى ك ١: ((أو))، وفى م: ((و).
(٢) فى س: ((غيراء)).
(٣) مصبية: أى ذات صبيان. النهاية ٣/ ١١.
٠
٦٢

الموطأ
التمهيد
لا اُنْقُصُكِ ممَّا أغطیتُ أُختَك فلانةً ؛ جرِّتین، ورَخی ، ووِسادةً من ◌ُدَم حَشْؤُهَا
لِيفٌ)). قال: وكان رسولُ اللهِ وَلِّ يأْتِيها وهى تُرْضِعُ زينبَ، فكان إذا جاءَ
رسولُ اللهِ وَهِ أَخَذَتْها فَوَضَعَتْها فى حَجْرِها تُرْضِعُها، وكان رسولُ اللهِ وَد.
حَيًّا كريمًا، فرجَع، فنظر إليها عَمَّارُ بنُ ياسرٍ ، وكان أخاها من الرَّضَاعةِ ، فأرادَ
رسولُ اللهِ وَ﴿ أَنْ يَأْتْيَها ذاتَ يومٍ، فجاءَ عمَّارٌ فدخَل عليها، فانْتَشَط (١) زينبَ
من حَجْرِها، وقال: دَعِى هذه المقبوحةَ المَشقُوحَةَ(١) التى قد آذَيْتِ بها
رسولَ اللهِ وَّله. فجاءَ رسولُ اللهِ وَ لَهِ فِدْخَل، فجعَل يَلْتَفِتُ يَنظُرُ فى البيتِ
ويقولُ: ((أَينَ زُنابُ؟ ما فعَلتْ زُنابُ؟ ما لِى لا أُرَى زُنابَ ؟)). فقالتْ: جاءَ
عمارٌ فذهَب بها. فَتَى رسولُ اللهِ وَّهِ بِأَهْلِه، وقال لها: ((إِنْ سَبَعْتُ لكِ سَبَّعْتُ
(٣)
لنسائی())).
قال أبو عمرَ: ليس فى حديثٍ أَمِّ سَلَمةَ من روايةِ مالكٍ معنًى
يُشْكِلُ، ولا موضعٌ تَنَازَعَه العلماءُ فى التأويلِ، وإنَّما هو دعاءٌ
واسترجاع وتَعَزِّ .
ومعنَى قوله: ((إنَّا للهِ). أى: نحنُ للهِ عبيدٌ، وخلقٌ خُلِقْنا للفناءِ، ((وإنا إليه
القبس
(١) فى م: ((فأهبط)). ونشط وأنشط: جذبها ورفعها إليه. ينظر النهاية ٥٧/٥.
(٢) المشقوحة: المبعدة . النهاية ٢/ ٤٨٩.
(٣) فى م: «للنساء)».
والحديث أخرجه الترمذى (٣٥١١)، والنسائى فى الكبرى (١٠٩٠٩) من طريق حماد بن
سلمة به مختصرًا .
٦٣

الموطأ
. ٥٦٣ - وحدَّثنى عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بنِ
محمدٍ ، أنه قال : هلَكتِ امرأةٌ لى، فأتانى محمدٌ بنُ كعبِ القُرَظُّ
يُعزِّينى بها، فقال: إنه كان فى بنى إسرائيلَ رجلٌ فقيةٌ عالمٌ عابدٌ
مجتهدٌ ، وكانت له امرأةٌ ، وكان بها مُعجبًا ولها مُحبًّا ، فماتت ، فوجَد
عليها وجدًا شديدًا، ولقِىَ عليها أسفًا ، حتى خلا فى بيتٍ ، وغلَّق على
نفسِه، واحتجَب من الناس، فلم يكنْ يدخُلُ عليه أحدٌ، وإنَّ امرأةً
سمعت به، فجاءته فقالت : إن لی إلیه حاجةً أستفتِیہ فیھا ، لیس
يُجزُنى فيها إلا مشافهتُه. فذهَب الناسُ ، ولزمت بابَه وقالت : ما لى
منه بُدٌّ. فقال له قائلٌ: إن ههنا امرأةً أرادت أن تستفتيَك، وقالت : إن
التمهید
راجعون)). أى: وإليه نصيرُ و(١) نَرْجِعُ؛ لأَنَّه تباركَ اسْمُه إليه يَرجِعُ الأمرُ كلُّه،
والخلقُ كلُّه ، فلا بُدَّ من الموتِ والرجوع إلى اللهِ ، أىْ: فما لنا نَجْزَعُ مِمَّا لا بُدَّ
لنا منه، ولا مَحِيدَ عنه؟ وهذا أحسنُ شىءٍ وأبلغُه فى حُسْنِ العزاءِ، وفيه إيمانٌ
وإخلاصٌ وإقرارٌ بالبعثِ . والحمدُ للهِ .
الاستذكار
وذكَّر مالكٌ فى هذا البابِ عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن القاسِمِ بنِ محمدٍ ، أنَّه
قال : هلَكتْ امرأةٌ لى، فأتانى محمدُ بنُ كعبِ القُرَظُّ يُعَزِّينى بها ، فقال : إنه
كان فى بنى إسرائيلَ رجلٌ فقيةً عالمٌ عابدٌ مجتهدٌ ، وكانت له امرأةٌ ، و کان بها
مُعْجَبًا ولها مُحِبًّا، فماتَت، فوجَد عليها وَجدًا شديدًا ، ولقِى عليها أسَفًا ، حتى
القبس
(١) بعده فى ك١، م: ((إليه)).
٦٤

الموطأ
أردتُ إلا مشافهتَه. وقد ذهَب الناسُ، وهى لا تفارقُ البابَ ، فقال:
ائذنُوا لها. فدخَلت عليه، فقالت : إنى جئتُك أستفتِيك فى أمرٍ. قال :
وما هو؟ قالت : إنى استعرتُ من جارةٍ لى حَلْيًّا، فكنتُ ألبَسُه وأُعيرُه
زمانًا، ثم إنهم أرسَلوا إلىَّ فيه، أفأَؤَدِّيه إليهم؟ فقال: نعم واللهِ .
فقالت : إنه قد مكَث عندى زمانًا . فقال: ذلك أحقُّ لردِّك إيَّه إليهم
حينَ أعارُوكِيه زمانًا. فقالت: أىْ، يرحَمُك اللهُ؛ أفتأسَفُ على ما
أعارك اللهُ، ثم أخَذه منك وهو أحقُّ به منك؟ فأبصر ما كان فيه،
ونفَعه اللهُ بقولها .
خَلا فى بيتٍ، وغلَّق على نفسِه ، واحتجَب مِن الناسِ، فلم يكنْ يدخُلُ عليه الاستذكار
أحدٌ ، وإنّ امرأةٌ سمِعت به ، فجاءته فقالت : إن لی إلیه حاجةً أُسْتَفْتِیه فيها ، لیس
يُجْزِئُنى فيها إلا مُشافَهتُه. فذهَب الناسُ، ولزِمتْ بابَه وقالت: ما لى منه بُدٌّ .
فقال له قائلٌ: إن هلهنا امرأةٌ أرادت أن تَسْتَفْتِيَك، وقالت : إن أردتُ إلا
مُشافهتَه. وقد ذهَب الناسُ، وهى لا تفارقُ البابَ. فقال: ائذَنوا لها .
فدخَلت عليه، فقالت : إنى جئتُك أستفْتِيك فى أمرٍ. قال: وما هو؟ قالت :
إنى استعرتُ مِن جارةٍ لى حَلْيًا، فكنتُ ألبَسُه وأَعِيرُه زمانًا، ثم إنهم أرسَلوا
إِلىَّ فيه ، أفْأَدِّيه إليهم؟ قال: نعم واللهِ. قالت : إنه قد مكث عندى زمانًا .
قال : ذلك أحقُّ لِرَدِّك إِيَّاه إليهم حينَ أعارُوكِيه زمانًا . فقالت : أَىْ، يرحمُك
اللهُ؛ أفتأسَفُ على ما أعارَك اللهُ، ثم أخَذه منك وهو أحقُّ به منك؟ فأبصر
القبس
٦٥
( موسوعة شروح الموطأ ٥/٨)

للوطأ
الاستذكار ما كان فيه، ونفَعه اللهُ بقولِها (١).
قال أبو عمرَ : ليس فى قولِ المرأةِ ولا ما ذكّرتْه مِن العاريَّةِ للحلي على جهةٍ
ضرب المثلِ ما يَدخُلُ فى مذمومِ الكذبِ ، بل ذلك مِن الخيرِ المحمودِ عليه
صاحبُه، وقد قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((ليس بالكاذبِ مَن قال خيرًا، أو نمَى
خیرًا ، أو أصلح بینَ اثنین )(١) . وهذا خبرٌ جیدٌ حسن عجيبٌ فی التعازِی ، ليس
فى كلِّ ((الموطَّآتِ))، وليس فيه ما يحتاجُ إلى شرحٍ ولا تفسيرٍ ولا اجتهادٍ ".
وفى معنى هذا الخبرِ مِن النظمِ قولُ لبيدٍ (٤):
وما المالُ والأهلونَ إلا ودائعٌ ولا بُدَّ يومًا أن تُرَدَّ الودائعُ
وقولُ محمدٍ بنٍ مَنَاذِرَ(٥) :
والعَوارِى قَصْرُها(١) أن تُشْترَدْ
إنما أنفسنا عارِيَّةٌ
أخطَأنّنا فلنا الموتُ رَصَدْ
نحنُ للآفاتِ أغراضٌ(٢) فإن
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٦/٧ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٩٨).
(٢) سيأتي تخريجه فى شرح الحديث (١٩٢٧) من الموطأ.
(٣) فى ح: ((استشهاد)).
(٤) الديوان ص ١٧٠.
(٥) فى الأصل: ((صادر))، وفى ح، م: ((دينار)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر الشعر
والشعراء لابن قتيبة ٨٦٩/٢. والبيتان ذكرهما المصنف فى بهجة المجالس ٣٧٧/٢.
(٦) فى ح، م: ((مصيرها)). وقصرها: غايتها. النهاية ٦٩/٤.
(٧) فى النسخ: ((اعتراض)). والمثبت من مصدر التخريج.
٦٦

ما جاء فى الاختفاءِ
الموطأ
٥٦٤ - حدّثنی یحتی عن مالك، عن أبى الرّجالِ محمدِ بنِ
عبد الرحمن، عن أمِّه عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ ، أنه سمِعها تقولُ: لعَن
رسولُ اللهِ وَ﴾ المُخْتِفِىَ والمُختفيةَ. يعنِى نَبَّشَ القبورِ .
وبابُ التَّعازِى بابٌ لا يُحاطُ بأقوالِ الناسِ فيه، وخيرُ القولِ قول الاستذكار
صادَف(١) قَبولًا فنفَع. ومِن أحسنٍ ما جاء فى هذا المعنى ما عزَّى به عمرُو بنُّ
عبيدٍ سهمَ بنَ عبدِ الحكمِ بنِ عبدِ الحميدِ على ابنٍ هلَك ، فقال: إن أباك كان
أصلَك، وإن ابنك كان فرعَك، وإنَّ امراً ذهَب أصلُه وفرعُه لحَرِىِّ أن يَقِلَّ
بقاؤه(١) . وكتَب الحسنُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ: أمَّا بعدُ يا أميرَ المؤمنين، فإن
طولَ البقاءِ إلى فناءٍ ما هو ؟ فخُذْ مِن فنائِك الذى لا يبقَى لبقائِك الذى لا يَفْنَى،
(٤)
والسلامُ(٤).
مالكٌ، عن أبى الرّجالِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أُمَّه عَمْرَةَ بنتٍ
التمهيد
القبس
(١) فى الأصل: ((قليل)).
(٢) فى ح: ((صادق)).
(٣) أخرجه ابن ماكولا فى تهذيب مستمر الأوهام ص ٢٨٧ ثم قال بعده: وفى هذا وهم؛ لأن سهم
ابن عبد الحميد قال: شهدت يونس بن عبيد وعزَّاه عمرو بن عبيد على ابن له. فقال له ذلك
الكلام. ويدل على قول ابن ماكولا ما أخرجه ابن عدى فى الكامل ١٧٥٥/٥، والبيهقى فى
الشعب (١٠١٨٠).
(٤) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣١٧/٥.
٦٧

الموطأ
عبد الرحمنِ، أَنْه سمِعها تقولُ: لعَن رسولُ اللهِ وَّةِ المُخْتَفِىَ والمُخْتَفِيَةَ.
التمهید
يعنِی نَجَّاشَ القبورِ (١).
قال أبو عمرَ : هذا التفسيرُ فى هذا الحديثِ هو من قولٍ مالكٍ ، ولا أعلَم
أحدًا خالَفه فى ذلك، وأصلُ الكلمةِ الظهورُ والكشفُ ؛ لأَنَّ النَّبَاشَ يَكْشِفُ
المَيِّتَ عن ثيابِهِ ويُظهِرُه ويَقْلَعُها عنه. ومن هذا قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ فى الساعةِ :
(أَكَادُ أَخْفِيها ). على قراءةٍ من قرَأ بفتح الهمزةِ. قال أبو عُبيدةً(٢): يُقالُ:
خَفَيْتُ خُبْزَتِى. إذا أُخرَجْتَها من النارِ. وأنشَد لامرئ القيسِ بنِ عابسٍ
,(٣)
الکندئِّ(٣) :
فإنْ تَكثُّموا الدَّاءَ لا نَخْفِه وإنْ تَبْعَثوا الحربَ لا نَفْعُدِ
قال: وقال امرؤُ القيسِ بنُ محجرٍ():
خَفاهُنَّ من أنْفاقِهنَّ كأُما خَفَاهُنَّ وَدْقٌ من عَشِئٌ مُجِلِّبٍ
وقال الأصمعىُّ: مُجَلِّبٌ بالجيم، يعنى صوتَ الرَّعْدِ. قال أبو عبيدةَ :
والغالبُ على هذا النحوِ أنْ يكونَ ((خَفَيْتُ)) بغيرِ ألفٍ، وقد يكونُ أيضًا بالألفِ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٦/٧ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٩٩). وأخرجه
الشافعى ١٤٥/٦، والعقيلى ٤٠٩/٤، والبيهقى ٢٧٠/٨ من طريق مالك به .
(٢) فى ى: ((عبيد)). وينظر مجاز القرآن ١٦/٢، ١٧.
(٣) البيت فى اللسان والتاج (خ ف ی) منسوب لامرئ القيس بن عابس، وهو فى ديوان امرئ
القيس بن حجر ص ١٨٦.
(٤) ديوانه ص ٥١.
٦٨

الموطأ
التمهيد
بمعنَى واحدٍ؛ أَخِفِيها(١) : أُظهِرُها، ويكونُ من الأضدادِ . ويقالُ: خَفَيْتُ
الشىءَ. أَظهَرتُه، وأُخْفَيْتُه . سَتَرتُه .
ومثَّن قرأ: (أَخْفِيها) بفتح الهمزةِ سعيدُ بنُّ جبيرٍ، لم يُخْتَلَفْ عنه،
ومجاهدٌ على اختلافٍ عنه (٢) .
وقد رُوِىَ هذا الحديثُ مُسندًا من حديثٍ مالكِ وغيرِه، رواه عن مالكٍ
یحیی الخاطئُ وغیرُه .
حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قال: أخبرنا الميمونُ بنُ حمزةَ ، قال :
حدثنا الطّحاوِىُّ ، قال : حدثنا إبراهیمُ بنُ ابی داودَ الُلَّسِئُ ، قال : حدثنا یحیی
ابنُ صالحِ الوُحَاظِىُّ، قال: حدثنا مالكٌ، عن أبى الرِّجالِ، عن عَمْرَةً، عن
عائشةَ، قالتْ: لعَن رسولُ اللهِ وَّهِ المُخْتَفِىَ والمُخْتَفِيَةَ(١) . روايةُ الوُحَاظِىِّ
مشهورةٌ عنه فى تَوصيلِ هذا الحديثِ ، وكذلك رواه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الوهّابِ
عن مالكٍ .
حدَّثناه خلفُ بنُ قاسم، حدثنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى ،
حدثنا هشامُ بنُ إسحاقَ ، حدثنا جعفرُ بنُّ محمدِ القَلانِسِىُّ ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ
القبس
(١) فى م: ((أخفاها)).
(٢) وهى أيضًا قراءة أبى الدرداء والحسن وحميد. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٩٠،
والبحر المحيط ٦/ ٢٣٢.
(٣) أخرجه البيهقى ٢٧٠/٨ من طريق إبراهيم بن أبى داود به .
٦٩

الموطأ
عبدِ الوهّابِ ، قال: سمِعتُ مالكَ بنَ أنسِ قِيلَ له : حدَّثك أبو الرِّجالِ محمدُ بنُّ
التمهيد
عبد الرحمنٍ، عن أَمّه عَمْرَةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ لَعَنَ المُخْتَفِىّ
والمُخْتَفِيَةَ .
قال أبو عمرَ: لا أعلمُ اختلافًا بينَ أهلِ العلم أنَّ المقصودَ باللَّعنِ فى هذا
الحديثِ هو النََّّاشُ، الذى يَحْفِرُ على الميَّتِ فيَتْبُشُه ويُخْرِجُه، ويُجَرِّدُه من ثيابِه
ويأخذُها. وأمَّا من فعل ذلك بوليّه من الموتَى لهُذرٍ ما ، ووجهٍ غيرِ الوجهِ الذى
ذكّرنا، فلا بأسَ بذلك .
وقد أخرج جاپُ بنُ عبدِ اللهِ أباه من قبره الذی دُفِنَ فیه ، ودفنه فى غير ذلك
الموضعِ، وفعَل ذلك معاويةُ بشهداءٍ أحدٍ حِينَ أرادَ أنْ يُجْرِىّ العينَ ، وذلك
بمحضرٍ جماعةٍ ١ من الصحابةِ ، ولم يَبلُغْنِى أنَّ أحدًا أنكره يومَئذٍ .
واختلف الفقهاءُ فى النَُّاشِ؛ هل عليه القَطْعُ، إذا " بلَغ ما نزَعه" من الميّتِ
من الثِّابِ ما يجِبُ(٣) فيه القَطْعُ أم لا؟ فقال الكُوفِئُون: لا قطعَ عليه؛ لأنَّ القبرَ
ليس بحِزْزِ، ولأنَّ الميْتَ لا يَعْلِكُ. وقال مالكٌ: عليه القطعُ؛ لأنَّ القبرَ
کالبيت .
وحدثنى عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا
القبس
(١) سقط من: ى، م.
(٢ - ٢) فى م: (نزع)).
(٣) فى م: ((يحق)).
٧٠

الموطأ
التمهيد
محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حدثنا محمدُ بنُ بشّارِ بُندارٌ، قال: حدثنا
عبدُ الرحمنِ، قال: سمِعتُ مالكًا يقولُ : القبرُ حِزْزٌ للمَيْتِ، كما أنَّ البیتَ حرزٌ
للحی.
قال أبو عمرَ: وقد رُوِىَ عن النبيِّ بَّه من حديث أبى ذرِّ أَنَّه سمَّى القبرَ
بَيْتًا، فى حديثٍ ذكَرَهُ(١) . وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَلَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا (٥)
أَحْيَاءُ وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]. وقد احتجُّ ابنُ القاسمِ فى قطعِ النَّاشِ
بهذه الآية .
وأمَّا نَبْشُ الموتَى وإخراجهم لمعنَّى غيرِ هذا المعنَى ؛ فحدثنا عبدُ الوارثِ
ابنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ ، قال :
حدثنا خالدُ بنُ خِداشِ، قال : حدثنا غسّانُ بنُ مُضرَ، قال: حدثنا سعيدُ بنُ
يزيدَ، عن أبى نَضرةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، قال: دعانِى أيِى، وقد حضَر قتالُ
أحدٍ، فقال لى: يا جابرُ، لا أَرانِى إِلَّ أوَّلَ مقتولٍ يُقْتَلُ غدًا من أصحابٍ
رسولِ اللهِ وَلَه، وإِنِّى لن أدعَ أحدًا أعَزَّ علىَّ منك غيرَ نفسِ رسولِ اللهِ وَله،
وإنَّ لك أخواتٍ فاسْتَوْصِ بهنَّ خيرًا، وإنَّ علىَّ دَيْنًا فاقضٍ عَنِى . فكان أوَّلَ قتيل
من أصحاب النبيِ پژ. قال: فدفنته هو وآخر فی قبرٍ واحدٍ، فكان فى نفسِی
منه شىءٌ، فاستَخرَجْتُه بعدَ ستَّةِ أشهرٍ كيومَ دَفَتْتُهُ(١).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٥٢/٣٥ (٢١٣٢٥)، وأبو داود (٤٢٦١، ٤٤٠٩)، وابن ماجه (٣٩٥٨).
(٢) فى م: (استدل)).
(٣) أخرجه البيهقی ٢٨٦/٦ من طریق أحمد بن زهیر به ، وأخرجه ابن سعد ٣/ ٥٦٣، وأبو داود =
٧١

الموطأ
التمهید
وحدثنا عبدُ الوارث بنُ سفیان ، قال : حدثنا قاسم ، قال: حدثنا محمدُ بنُ
عبدِ السلام ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال : حدثنى سعيدُ بنُ عامٍ ، قال :
حدثنا شُعبةُ، عن ابنٍ ١ أبى نَجيحِ، عن عطاءٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، قال: دُفِنَ
مع أبى رجلٌ فى القبرِ، فلم تَطِبْ نَفسِى حتى حَوَّلْتُه(٢) .
وحدثنا عبدُالوارث ، قال : حدثنا قاسمٌ، قال : حدثنا محمدٌ ، قال : حدثنا
◌ُنْدارٌ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : حدثنا شعبةُ ، عن أبِی مَسلمةً ، عن
أبى نَضرةَ، عن جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ ، أَنَّ أباه قال: إِنِّى مُعَرِّضّ نفسِى للقتلِ، ولا
أُرانِى إِلَّا مقتولًا، وإِنِّى لا أدعُ أحدًا (٢) بعدَ رسولِ اللهِ وَّهِ أَحبَّ إلىّ منكَ.
وأوصاه بيناتِهِ ودَينٍ عليه، فَقُتِلَ يومَ أحدٍ ، فدُفِنوا بأحدٍ ، قال: فلم تَطِبْ أنفسُنا ،
فاسْتَخْرَ جناهم بعدَ ستَّةٍ أو سبعةٍ أشهرٍ ، فوجَدْناهم لم يَتَغَيَّرُوا غيرَ أنَّ طرفَ أُذُنٍ
أُحدِهم تَغَيَّ ().
وأخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُّ يحيى، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
يوسفَ، وأخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدثنا قاسمٌ، قالا : حدثنا ابنُ وضَّاحِ،
قال : حدثنا حامدُ بنُ يحيى، قال : حدثنا سفيانُ، عن أبى الزبيرِ ، سمِع جابِرًا
القبس
= (٣٢٣٢)، والحاكم ٢٠٣/٣ من طريق سعيد بن يزيد به نحوه.
(١) سقط من: م.
(٢) أخرجه البخارى (١٣٥٢)، والنسائى (٢٠٢٠) من طريق سعيد بن عامر به.
(٣) سقط من: ى، م.
(٤) أخرجه الإسماعيلى فى معجمه ٧٩٤/٣، ٧٩٥ من طريق بندار به .
٧٢

الموطأ
يقولُ: لمَّا أراد معاويةُ أنْ يُجْرِىَ العين التى فى أسفل أحدٍ عندَ قبور الشهداءالذين
بالمدينة ، أمَر مُنادِیًا یُنادِی(١) : من كان له میت فلیاته فلْيُخْرِجْه. قال جابر:
فِذَهَبْتُ إلى أبى، فأُخْرَجناهم رِطابًا يَتَنَّون .
التمهيد
قال أبو سعيدٍ: لا أَنكِرُ بعدَ هذا مُنْكرًا أبدًا. قال جابرٌ: فأصابَتِ المِسْحاةُ
إِصبَعَ رجلٍ منهم، فقطَر الدَّمُ(٢) .
قال أبو عمر : وقد رَوَینا أنَّ طلحة بن عبيد اللهِ رآه بعدَ قتله ودَفْنِهِ مَولّی له فى
النوم، فشكا إليه أنَّ الماءَ يُؤْذِيه، فنبَشه، وأخرَجه من جنبٍ ساقيةٍ كان دُفِنَ
إليها، ووجّد جنبه قد اخضرَّ، فدفَته فى غيرِ ذلك الموضع. وقد ذكرنا
هذا الخبرَ فى كتابٍ ((الصحابة)) فی بابٍ طلحةً على وجهِه. والحمدُ
للهِ .
وقد روَى مالكٌ، عن أبى الرِّجالِ، عن عَمْرَةَ، عن عائشةً، موقوفًا مِن
قولها: كسرُ عَظْم المؤمِنِ مَيْئًا ككْسرِه وهو حىٍّ. وأكثرُ رواةِ ((الموطُّ)) يَقولونَ
فيه : عن مالكٍ أَنَّه بلَغه أنَّ عائشةَ كانَتْ تقولُ: كسرُ عظم المسلمُ مَيْتًا
القبس
(١) فى ى، م: ((فنادى)).
(٢) أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٩٨)، وعبد الرزاق (٩٦٠٢)، والطحاوى فى شرح المشكل ٤٤٠/١٢،
٤٤١ من طريق ابن عيينة به، وينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٠٢٩) من الموطأ .
(٣) الاستيعاب ٧٦٨/٢، ٧٦٩ .
(٤) فى الأصل، م: ((المؤمن)).
٧٣

الموطأ
التمهيد
ككسرِه وهو حىٍّ. تعنى فى الإثم(١). وهو حديثٌ يَدْخُلُ فى هذا البابِ من جهةٍ
المعنی ومن جهة الإسناد ، ولا أعلم أحدا رفعه عن مالك. وقد ژُوِیَ مرفوعًا إلى
النبيِّ وَلِّ مُسندًا من حديث عائشةً، من روايةٍ عَمْرةَ وغيرِها . فرأيتُ ذكرَه
هلهنا؛ لأَنَّ أَصلَه من روايةِ مالكٍ، وهو من هذا البابِ أيضًا؛ لأَنَّه يَدُلُّ على
كراهةٍ حفرٍ قبور المسلمين().
حدثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ
وضَّاحِ، قال: حدثنا أبو بكرٍ بِنُ أبى شَيْئَةَ، قال: حدثنا أبو أسامةَ، عن سعدٍ (١)
ابنِ سعيدٍ، قال: سمِعتُ عَمْرَةَ تقولُ: سمِعتُ عائشةً تقولُ: سمِعتُ
رسولَ اللهِلَه يقولُ: ((كسرٌ عَظْمِ المؤمنِ مَيْئًا كَكَشْرِهِ حيًّا)(٤).
وحدثنا عبدُ الوارث، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدثنا بکرُ بنُ
حمَّادٍ، قال: حدثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدثنا يحيى، عن شُعبةً، عن محمد بن
عبد الرحمنِ، قال: قالت عَمْرَةُ: أَعْطِنِى قطعةً من أرضِكَ أَدْفَرْ فيها ؛ فإنَّ عائشةً
قالت : كسرُ عظم المَيِّتِ ككَسرِه وهو حىٍّ. قال محمدٌ: وكان مولّى بالمدينةِ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٥٦٥).
(٢) فى الأصل: ((المؤمنين).
(٣) فى ؟)): (سعيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٦٢/١٠.
(٤) أخرجه ابن أبى عاصم فى الديات ص١٠١ عن ابن أبى شيبة به، وأخرجه أحمد ٤٠/ ٣٥٤،
(٢٤٣٠٨)، وأبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦) من طريق سعد بن سعيد به.
(٥) فى الأصل: ((سعد)). وينظر تهذيب الكمال ٦٠٩/٢٥.
٧٤

الموطأ
التمهید
يُحَدِّثُ عن عَمْرَةَ، عن عائشةً، عن النبيِّ وَِّ مثلَه(١).
وحدثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدثنا محمدُ
ابنُ الحسين ) الكُوفِئُ، قال: حدثنا أبو (١) محذيفةً، قال: حدثنا زُهيرٌ،
يعنى ابنَ محمدٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبى حكيمٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ،
عن عائشةً، عن النبيِّ بَّرِ قال: ((كسرُ عَظم المؤمنِ مَيْنًا كَكَسرِه
(٤)
حيًا))().
قال أبو عمرَ: هذا كلامٌ عام يُرادُ به الخُصوصُ ؛ لإجماعِهم على أنَّ كسرَ
عظم المَيِّتِ لا ديةَ فيه ولا قَوَدَ ، فعَلِمْنا أنَّ المعنَى ككسْرِهِ حَيًّا فى الإثم، لا فى
القَوَدِ ولا الدِّيَةِ؛ لإجماعِ العلماءِ على ما ذَكَوْتُ لك.
وفى لعنِ رسولِ اللهِ وَّهِ النََّاشَ دليلٌ على أَنَّ كِلَّ مَن أَتَى المُحرَّماتِ،
وازْتَكَب الكبائرَ المحظُوراتِ فى أذَى المسلمين، وظلَمهم - جائزٌ لعنُه واللهُ
أعلمُ، وقد تكَلَّئنا على هذا المعنَى فى غيرِ هذا المَوْضِعِ، وقد لعَن
رسولُ اللهِ وَّهِ آكِلَ الرَّبا ومُوكِلَه(٥)، والواصلةَ والمُسْتوصِلَةَ() ، والخَعْرَ
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ٨/ ٤٨١، وإسحاق بن راهويه فى مسنده (١١٧١)، وأحمد ٢١٨/٤١
(٢٤٦٨٦)، والبخارى فى تاريخه ١٥٠/١ من طريق شعبة به.
(٢) بعده فى ى، م: ((بن أبى الحسن)).
(٣) سقط من: ى، م. وينظر تهذيب الكمال ١٤٥/٢٩.
(٤) أخرجه الدارقطنى ١٨٨/٣ - ١٨٩ من طريق أبي حذيفة به.
(٥) أخرجه أحمد ١٦٥/٢٢ (١٤٢٦٣)، ومسلم (١٥٩٨) من حديث جابر .
(٦) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٨٣٢) من الموطأ.
٧٥

الموطأ
التمهيد وشاربَها . الحديثَ (١) . وكثيرًا معَن يطولُ الكتابُ بذكرِهم. وتفرَّد حَبيبٌ،
عنمالك ، عن محمد بن عمرو بن علقمةً، عن خالد بنِ عبدِ اللهِبنِ خَرملةً ، عن
الحارثِ بنِ خُفافٍ بنِ إيماءٍ (١)، قال: ركَع رسولُ اللهِ وَلَه ثم رفَع رأْسَه،
فقال: ((غِفارُ غفَر اللهُ لها، وأسْلَمُ سالمَها اللـهُ، وُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ ورسولَه،
اللَّهُمَّ الْعَنْ بِنِى لِحيانَ، ورِعْلًا(٢)، وذَكْوانَ)). قال خُفافٌ: فجُعِلَ لعنُ
الگفرة(٤) من أجل ذلك. قال الدَّارَقُطْنِئُ : تفرّد به حییب ، عن مالك، وهو
صحيح عن محمد بن عمرو. وفى قول من قال فى هذا الحديث: (( کسرُ
عظمِ المُؤْمنِ )). دليلٌ على أنَّ غيرَ المؤمنِ بخلافِه . واللهُ أعلمُ .
وقد اختلف الفقهاءُ فى نبشٍ قبورِ المشركينَ طَلَبًا للمالِ ؛ فقال مالكٌ:
اْرَهُه ، وليس بحرام . وقال أبو حنيفة والشافعِئُ : لا بأسَ بنبش قبور المشرِ کین
طلبًا للمالِ. وقال الأوزاعِىُّ: لا يُفعَلُ؛ لأنَّ النبيَّ وَّهِ لمَّا مَرَّ بالحِجْرِ سَجّى ثوبَه
على رأسِه، واسْتَحَتَّ(١) راحِلَتَه، ثم قال: ((لا تَدخُلوا بيوتَ الذين ظلموا، إلَّا
أنْ تَدخُلوها وأنتم باكُون؛ مخافةَ أنْ يُصِيبَكم مثلُ ما أَصابَهُم)).
القبس
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٣٨١)، والترمذى (١٢٩٥) من حديث أنس .
(٢) فى م: ((أسلم)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢٦/٥.
(٣) فى م: ((رعنا)).
(٤) فى م: ((الكفر)) .
(٥) أخرجه مسلم (٣٠٨/٦٧٩) من طريق محمد بن عمرو به بذكر خفاف بن إيماء ، وينظر ما
سيأتى فى شرح الحديث (١٧٩٨) من الموطأ .
(٦) بعده فى ى، م: ((على)).
٧٦

الموطأ
" قال الأوزاعىُ: فقد نهى أن يَدْخلُوها عليهم وهى بيوتُهم، فكيف يَدْخُلون
قبورهم)؟
التمهید
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ تَروِیه ابنُّ شهابٍ مرسلاً(٢) . ورَواه مالكٌ،
عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبىِّ بَله، من حديثٍ
القَعْنَيِىِّ. ورُويَ من غيرِ هذا الوجهِ أيضًا أنَّه لمّا أتَى ذلك الوادِىَ أمَر
الناسَ فأسرَعوا، وقال: ((إنَّ هذا وادٍ مَلعونٌ)). ورُويَ عنه أنَّه أمَر بالعجينِ
(٤)
فِطُرِعَ(4).
وقد روَى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن إسماعيلَ بنِ أَميَّةً، عن بُجيرِ بنِ
أبى بُجَيرٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو (١) ، يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ
وَّ حِينَ خرَجْنا إلى الطائفِ، فمرَرْنا بقبرٍ، فقال رسولُ اللهِ وَ له: ((هذا قبرُ
أيِى رِغالٍ؛ وهو أبو ثقِيفٍ (١٢)، وكان من ثمودَ، وكان بهذا الحَرَمِ يُدْفَعُ عنه ،
فلمَّا خرَج أصابَته النّقْمَةُ بهذا المكانِ ، ودُفِنَ فيه ، وآيةُ ذلك أنَّه ◌ُفِن معه غصنٌ
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢٩٨/١٠.
(٣) سیأتی تخريجه ص ٨١.
(٤) أخرجه البزار (٣٩٧١)، والطحاوى فى شرح المشكل (٣٧٤٦، ٣٧٤٧)، وابن حجر فى
التغليق ٢١/٤، ٢٢ من حديث أبى ذر، وأخرجه الطبرانى (١٣٦٥٤) من حديث ابن عمر .
(٥ - ٥) فى الأصل: ((بجير بن بجير))، وفى م: ((يحيى بن أبى يحيى)). وينظر تهذيب الكمال ٩/٤.
(٦) فى م: ((عمر)). وينظر المصدر السابق.
(٧) فى م: ((الطائف)).
٧٧

الموطأ
التمهيد من ذهبٍ ، إن أنتم نَبَشْتُم عنه أصَبْتُمُوه معه)). فابْتَدَره الناسُ، فاسْتَخْرَجوا معه
الغُصنَ .
وفى هذا الحديثِ إباحةُ نَيْشٍ قبورِ المُشْرِكِين لأخذِ المالِ .
حدثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ
یحیی ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زِیادٍ ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجبّارِ
العُطاردِىُّ(١)، قال: حدثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، وحدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ،
قال : حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحِدِ ، حدثنا أحمدُ بنُّ
محمدِ بنِ أيوبَ ، حدثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ ، قالا جميعًا: حدثنا محمدُ بنُ
إسحاقَ . فذكره پإسنادِه(٣) .
قال أبو عمرَ: أبو رِغالٍ هذا، هو الذى يَرْجُمُ قبرَه أبدًا كلَّ مَن مرّ به،
واختُلِف فى قصَّتِه؛ فقِيل: إِنَّه كان من ثمودَ، واسْتَحَقَّ من العُقويةِ مثلَ (٤) ما
استحَقَّتْ ثمودُ، فصرَف اللهُ عنه ذلك(٤) لكونِه فى الحرم، فلمَّا خرّج منه أخَذتْه
الصَّيْحَةُ، فمات، فدُفِن هناكَ. وقيل: إنَّه كان وَجَّهَه صالح النبىُّ عليه السلامُ
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((سعيد)). وينظر تهذيب الكمال ٨٨/٢.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٠٨٨)، والطحاوى فى شرح المشكل (٣٧٥٤)، والبيهنى ١٥٦/٤ من
طریق ابن إسحاق به.
(٤) سقط من: ى، م.
٧٨

الموطأ
التمهید
على صدقاتٍ (١) الأموالِ(١)، فخالَف أمرَه، وأساءَ السّيرةَ، فوثَب عليه ثَقِيفٌ ؛
وهو قَسِىُّ بنُ مُنَبِّهِ، فقتله، وإنَّما فعل ذلك به (٣) لسوءِ سِيرَتِه فى أهلِ الحَرَمِ، فقال
غَيْلانُ بنُ سلمةَ النَّقَفِىُ، وذكَر قسوةَ أبيه (٤) على أبی رِغال(٥):
* نحن قسئ وقسا أبونا »
وقال أُمْيَةُ بنُ أبي الصلْتِ(٦):
وكانُوا للقبائلِ قاهِرِينا
نَفَوا عن أرضِھم عَدْنانَ طُوًّا
بنخلةَ إِذْ يَسُوقُ بها الوَضِينا
وهم قتلوا الرئيس أبا رِغالٍ
وقال عمرُو بنُ دَرَّاكٍ (٧) العبدِىُّ يذْكُرُ فجورَ أبى رِغالٍ وخُبتَه(٨):
وحالَفْتُ الْمُونَ(٤) على تميمٍ
وإنَّى إِنْ قطَعْتُ حِبالَ قيسٍ
القبس
(١) فى م: ((نفقات)).
(٢) فى الأصل: ((الأموات)).
(٣) سقط من: م.
(٤) فى م: ((الله)).
(٥) البيت فى اللسان، والتاج (ق س و) غير منسوب .
(٦) البيتان فى ديوانه ص٧١ برواية :
وكانوا بالرعاية قاطنينا
نفوا عن أرضهم عدنان طرا
بنخلة حين إذ وسق الوطينا
وهم قتلوا السنى أبا رغال
(٧) فى ى، م: ((دارك)). وينظر معجم الشعراء ص ٢٩.
(٨) البيتان فى المستقصى فى أمثال العرب ٥٦/١، واللسان (س د م).
(٩) فى م: ((الحرون)). والمزون: اسم من أسماء عمان. معجم البلدان ٤/ ٥٢٢.
٧٩

الموطأ
وأجْوَرُ فى الحكومةِ من سَدُوم
لأعظَمُ فجْرَةً منَ ابی رِغالٍ
التمهيد
وقال مِسْكِينَ الدَّارِمِىُّ(٢):
وأرْمجمُ قبرَه فى كلِّ عامٍ كَرَجْمِ الناسِ قبرَ أبى رِغالٍ
وقد رُوِىَ عن أنسٍٍ، قال: كان موضعُ مسجدٍ رسولِ اللهِ وَله قبورَ
المشركينَ، وكان فيها حَرْثٌ ونخلٌ، فأمَر رسولُ اللهِ وَلَه بقبورِ المشركين
فَتُبِشَتْ، وبالنَّخلِ فَقُطِعَ، وبالحَرْثِ فسُوِّىَ .
حدثناه أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنٍ، حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدثنا
الحارثُ بنُ أبي أسامةً، حدثنا العبَّاسُ بنُ الفضلِ، حدثنا عبدُ الوارثِ ، عن(١)
أبی التَُّاحِ، عن أنسٍ .
" وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا أبو داود،
حدَّثنا موسی بنُ إسماعیلَ ، حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةً وعبدُ الوارثِ بنُ سعیدٍ ، عن
أبی التیاح، عن أنس. فذكره(٦).
وذكَره أيضًا أبو داودَ(٧)، عن مُسدَّدٍ ، عن عبدِ الوارثِ، عن أبى التياحِ، عن
٤)
أنسِ".
القبس
(١) سدوم: مدينة من مدائن قوم لوط، كان قاضيها يقال له: سدوم. معجم البلدان ٥٩/٣.
(٢) ديوانه ص ٥٧.
(٣) فى م: ((ابن)). وينظر تهذيب الكمال ١٠٩/٣٢.
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥ - ٥) فى الأصل، ((بكير حدَّثّنا داود)).
(٦) تقدم تخريجه فى ٢٨٥/٢ .
(٧) تقدم تخريجه فى ٢٨٤/٢، ٢٨٥.
٨٠