النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُوْعَةٌ
شروع الموظّا
لِمَامِ مَالِكِ بْنِأَس
المتوفى سنة ١٧٩هـ
التَّهِيْدُ وَالاسْتِذِكَارُ
لِأِ عُمَر ◌ُوسُفَ بن ◌َدِد ◌ْ قَ الّ
المتوفىْ سَنَّة ٤٦٣ هـ
القَلَسُ
لِأَبِ بَكرٍمحمّدِ يْنِ عَبْدِاللّهِ ابْ العَربىّالمالكىّ
المتوفى سَنَّة ٥٤٣هـ
تحقيق
الدّكتور/ عَبْدِ اللَّه بْن عَبْدِالمُحْسِ التركيّ
بالتّاؤُكُ قع
مركز جر البحوث والدراسية العربية والإسلامية
الدكتور / عبد السند حسن بمامة
الجزء السابع

٠٫٤
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥ م

مَؤْسُؤْعَةُ
شُرقُِّ المُوَّة

د

الموطأ
کتابُ القرآنِ
الأمرُ بالوُضوءِ لمن مسَّ القرآنَ
٤٧١ - [٧٢ظ] وحدَّثنى يحيى عن مالكِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى
بكرِ بنِ حزم، أن فى الكتابِ الذى كتَبِه رسولُ اللهِ وَلّ لعمرو بنِ
حزم: ((أَلَّ يَمَشَّ القرآنَ إِلَّ طاهرٌ)).
التمهيد
٠
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، أنَّ فى الكتابِ الذى كتَبَه رسولُ اللهِ وَلِّ
العمرِو بنٍ حَزْمٍ: ((أَلَّا يَمَسَّ القرآنَ إِلَّ طَاهِرٌ))(١).
وقد ذكَرْنا أنَّ كتابَ النبيِّ وَّ لعمرو بنِ حَزْمِ إلى أهلِ اليمنِ - فى الشُّنَنِ
والفَرَائضِ والدِّيَاتِ - كتابٌ مَشْهُورٌ عندَ أهلِ العلم معروفٌ، يُستغنَى بشُهرتِه
عن الإسنادِ .
وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدّثنا
محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حَمَّادِ المروزىُّ، قال :
الأمرُ بالوُضوءِ لَمن مسَّ القرآنَ
القبس
قال علماؤنا: لا يجوزُ للمُحدِثِ أن يَمَسَّ المصحفَ ؛ لقول الله تبارك وتعالى:
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٩٧)، وبرواية أبى مصعب (٢٣٤). وأخرجه أبو داود فى
المراسيل ص ١٠٥، وابن أبى داود فى المصاحف ص١٨٥، ١٨٦، والبيهقى فى المعرفة (١٠٦)،
والبغوى فى شرح السنة (٢٧٥) من طريق مالك به .
٥

الموطأ
التمهيد حدَّثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن عبدِ اللهِ بن أبى بكرٍ، عن أبيه،
قال: فى كتابٍ النبيِّى ◌َّه لعمرو بنٍ حَزْمٍ: ((أَلَّ يُمَسَّ القرآنُ إِلَّا على طُهورِ)) (١).
وأخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ ، قال: حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ أحمدُ بنُ سليمانَ
ابنِ عمرٍو الجَرِيرِىُّ(١)، قال: حدَّثنا أبو العبَّاسِ حامِدُ بنُ شعيبِ التَّلْخىُ، قال:
حدَّثنا أبو صالح الحكمُ بنُ موسَى ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حمزةَ، قال : حدّثنا
سليمانُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنی الزهرىُّ، عن أبی بکرِ بنِ محمدِ بن عمرو بنِ
حزمٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ فى الكتابِ الذى كتبُه رسولُ اللهِ بَلّل إلى أهلِ
اليَمَنِ فى السُّنَنِ والفرائضِ والدِّيَاتِ: ((ألَّ يمَسَّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ)) . مختصرٌ.
والدليلُ على صِحَّةٍ كتابٍ عمرٍو بنِ حَزْمِ تَلَقِّى جمهورِ العلماءِ له بالقَبولِ(٤)، ولم
يختلِفْ فقهاءُ الأمصارِ بالمدينةِ ، والعراقِ ، والشَّامِ ، أنَّ المصحفَ لا يَمشُه إِلَّا
طاهرٌ على وُضُوءٍ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى حنيفةً، والثورىٌّ،
والأوزاعى ، وأحمد بن حنتل، وإسحاق بن راهُویہ، وأُبی ثور ، وأیی ◌ُبیدٍ ،
وهؤلاء أئمةُ الفقه والحديثِ فی اغْصَارِهم، وژُوِیَ ذلك عن سعدِ بنِ أبی
﴿وَلَّا يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. فإن قيل: هذا خبرٌ، والخبرُ مِن اللهِ لا يجوزُ أن يَقَعَ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٢٨)، وابن المنذر فى الأوسط (٦٣٠)، والدار قطنى ١٢١/١، ١٢٢،
والبيهقى ٨٧/١ من طريق معمر به.
(٢) فى ص: ((الحريرى)). وقد اجتمع فيه النسبتان. ينظر الأنساب ٢/ ٥٢.
(٣) أخرجه ابن حبان (٦٥٥٩)، وابن عدى ١١٢٣/٣، ١١٢٤ من طريق حامد بن شعيب به، وأخرجه
الدارمى (٢٣١٢)، وابن حبان (٦٥٥٩)، والدارقطنى ١٢٢/١، من طريق الحكم بن موسى به.
(٤) بعده فى ص: ((والعمل)).
٦

قال یحیی : قال مالك : ولا يَحمِلُ أُحدّ المصحف بعلاقته ولا على
وسادَةٍ ، إلا وهو طاهرٌ.
الموطأ
قال مالكٌ : ولو جاز ذلك لمحُمِلَ فى خَبِيئَتِه ، ولم يُكرّة ذلك لأُنْ
يكونَ فى يدَيِ الذى يَحْمِلُه شىءٌ يُدَنِّسُ به المصحفَ ، ولكنْ إنما كُرِهَ
وقاصٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وطاؤُسٍ، والحسنٍ، والشعبىّ، والقاسم بنِ التمهيد
محمدٍ، وعطاءٍ (١). قال إسحاقُ بنُ راهُويَه: لا يَقْرَأَ أحدٌ فى المصحفِ
إلَّ وهو متوضِّئٌّ، وليس ذلك لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾
[الواقعة: ٧٩]. ولكن لقولِ رسولِ اللهِ وَله: ((لا يَمَسَّ القرآنَ إِلا طَاهرٌ)).
قال أبو عمر : وهذا يُشبهُ مذهب مالك على ما دَلَّ علیه قولُهفى ((موطئِه))،
وقال الشافعىُّ، والأوزاعىُّ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ : لا يَمَشُّ المصحفَ الجُنُبُ ،
ولا الحائضُ، ولا غيرُ المُتَوَضِىِّ.
وقال مالكٌ: لا يَحْمِلُهُ بِعِلَاقَتِه، ولا على وِسَادَةٍ إلَّ وهو طاهرٌ. قال: ولا
بأسَ أنْ يحمِلَه فى الثَّابُوتِ وَالُوْجِ(٢) والغِرَارَةِ(٣) مَن ليس على وُضُوءٍ. قال
بخلافٍ مُخْبَرِه ؛ لأنه يكونُ كذِبًا ، وذلك مستحيلٌ فى وصفِه ، فدَلَّ على أن المرادَ به القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٣١٢، ١٣١٤، ١٣١٥، ١٣٣٣، ١٣٣٤)، ومصنف ابن أبى
شيبة ٣٦١/٢، والأوسط لابن المنذر (٦٢٩).
(٢) الخرج: وعاء من شعر أو جلد ذو عدلين، يوضع على ظهر الدابة لوضع الأمتعة فيه. الوسيط
(خ ر ج).
(٣) الغرارة: كيس كبير من الخيش ، تسع اثنتى عشرة كيلةٌ من الحبوب . قاموس المصطلحات
الاقتصادية ص ٤٠٥.
٧

الموطأ ذلك لمَن يحمِلُه وهو غيرُ طاهرٍ؛ إكرامًا للقُرآنِ وتعظيمًا له.
التمهید
"أبو ثور١ٍ): وذلك أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾.
قال: وهذا قولُ مالكٍ، وأبى عبدِ اللهِ. يَعْنِى: الشافعىَّ رحِمَه اللهُ.
قال أبو عمرَ: إنَّما رَخَّصَ مالكٌ فى حَمْلٍ غيرِ المُتَوَضِّئِّ للمصحف فى
التَّابُوتِ والغِرَارَةِ؛ لأنَّ القَصْدَ لم يَكُنْ منه إلى حَمْلِ المصحفِ ، وإنَّما قَصْدٌ إلى
حمْلِ التّابُوتِ وما فيه مِن مصحفٍ وغيره ، وقد گرِه جماعةٌ مِن التّابعينَ ؛ منهمُ
القبس خبرُ اللهِ تعالى عن الملائكةِ "المطهّرين و) الصُّحْفِ التى عندَهم. هذا مُنْتَهى
كلامِهم، وهو ساقطٌ جدًّا؛ لأن الخبرَ لا يجوزُ أن يكونَ بمعنى الأمرِ، كما لا يجوزُ
أن یکون الأمر بمعنی الخبر ، کما لا یجوزُ أن یکون کلَّ واحدٍ منهما بمعنی النھی ،
ولا يجوزُ أن يكونَ النهى بمعناهما؛ لأن الكلامَ له حقيقةٌ يَنْفردُ بها عن العلمِ
والإرادةِ ، وكذلك أيضًا أقسامُه؛ مِن الأمرِ والنهي ، والخبرِ والاستخبارِ ، لها حقائقُ،
يَنْفردُ كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبهِ بحقيقةٍ"؛ ولهذا المعنى الذى فهمه الإمام مالكٌ
رحِمه اللـهُ ، مِن أن الخبرَ لا يجوزُ أن يَقَعَ مِن اللهِ تعالى كذِبًا، ومِن أن الخبرَ لا يجوزُ أن
يكونَ بمعنى الأمرِ ولا بمعنى النهي - قال رحمه اللهُ عنه: إن هذه الآيةَ والتى فى:
﴿عَسَ وَتَوٌَّ﴾﴾(١) سواءٌ. يريدُ أنهما راجعتان إلى الملائكةِ وضُحُفِها، وهذا بالغ فى
البيانِ لمَن كان له قلبٌ ، بَيْدَ أنى أقولُ فى ذلك قولًا حسنًا؛ وهو أن المصحفَ لا
يَمَسُّه إلا طاهرٌ، وأن قولَه: ﴿لَّا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩] . خبرٌ، وأن الخبرَ لا يجوزُ أن
يقعَ بخلافٍ مُخْبَرِهِ مِن اللهِ تعالى ، ولكن هلهنا دقيقةٌ يجِبُ أن يَتَفَطَّنَ لها الأريبُ ؛
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢ - ٢) فى ج، م: ((المقريين فى)).
(٣ - ٣) فى ج: ((منهما تحقيقته عن صاحبه))، وفى م: ((منها حقيقة عن صاحبه)).
(٤) يعنى قوله تعالى : ﴿مرفوعة مطهرة﴾.
٨

الموطأ
القاسمُ بنُ محمدٍ ، والشَّعبىُّ، وعطاءٌ، مَسَّ (١) الدَّرَاهِم التى فيها ذِكْرُ اللهِ على التمهيد
غيرٍ وُضُوءٍ(١)، فهو لا شَكَّ أشدُّ كراهيةٌ أنْ يَمَسَّ المُصْحَفَ غيرُ مُتَوَضِّئُّ. وقد
رُوِىَ عن عطاءٍ أَنَّه قال: لا بأسَ أن تَحْمِلَ الحائضُ المُصحفَ بِعِلَاقَتِهِ(١). وأمّا
الحَكُمُ بنُ عُتَيْبَةَ وحمادُ بنُ أبي سليمانَ فلم يُختَلَفْ عنهما فى إجازةٍ حَمْلٍ
المصحفِ بعِلَاقَتِهِ لمَنْ ليس بطاهرٍ(٤)، وقَوْلُهما عندِى شُذُوذٌ ، ومخالفةٌ لِلأَثَرِ ،
وإلى قولِهما ذهَبَ داودُ بنُّ علىٍّ؛ قال: لا بَأْسَ أن يَمَسَّ المصحفَ والدنانيرَ
والدراهمَ التى فيها ذكرُ اللهِ - الجُنُبُ والحائضُ. قال: ومعنَى قولِه:
القبس
وذلك أن قوله: ﴿لَّا يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. خبرٌ عن الشرع وما بيِّن فيه، و كذلك
قولُه: ﴿وَالْمُطَلَقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. خبرٌ عن الشرعِ
وما بيَّن فيه، فإن وجَدْنا مُحْدِثًا يَمَسُّ المصحفَ، ووجَدْنا مُطَلَّقةٌ لا تلتزمُ التّرْتُصَ،
فلا يكونُ ذلك مِن الشرع، كما قال: ((لا صلاةَ إلا بطُهُورٍ)). فليس يريدُ نَفْىَ
الوجودِ ؛ لأَنَّا نجِدُ كثيرًا ممن يُصَلِّى وهو مُحدِثٌ، وإنما معناه لا صلاةَ إلا بِطُهُورٍ
شَرْعًا ، فإن وُجِدَتْ بغيرِ طُهُورٍ ، فلا تكونُ مِن الشرعِ، وهذا نَفِیس ، فإنه يجتمُ لك
فيه سلامةُ الحقيقةِ فى ذاتِها مِن خلطِها بغيرِها ، وبقاء اللفظِ على صيغته العربية التى
وُضِع لها، وصحةُ التوحيدِ فى تَنْزِيهِ(٥) اللهِ عزَّ وجلَّ عن الكذبِ ، وقرارُ الشريعة فى
نصابها؛ بألّا يُشارِكَها فى حكمها ما ليس منها .
(١) فى م: (من)).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٣٣٥، ١٣٣٧).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٣٦١.
(٤) ينظر الأوسط لابن المنذر ٢/ ١٠١.
(٥) بعده فى ج : ( خبر)).
٩

قال يحيى : قال مالكٌ: أحسنُ ما سَمِعتُ فى هذه الآيةِ :
يَمَشُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة : ٧٩] . إنما هى بمنزلة هذه الآية التی فی
الموطأ
فَمَن
﴿عَسَ وَتَوَلَى﴾، قولُ اللهِ تبارك وتعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ
بِأَيْدِى سَفَرَةِ
١٥
١٣
شَآءُ ذَكَرَهُ
فِى صُحُفٍ مُكَرَّمَتٍ
جَ مَرْفُوعَةِ مُطَهَّرَقِم
كِرَامِ بَرَرَقِ﴾ [عبس: ١١ - ١٦].
يَمَشُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾: هم الملائكةُ. قال: ولو كان ذلك نَهْيًا لقال: لا
التمهيد
يَمَشَهُ. واحْتَجَّ أيضًا بقولِ رسولِ اللهِ وَِّ: ((المؤمنُ ليس بنَجَسٍ))(١).
قال أبو عمرَ: قد يَأْتِى النَّهْىُ بلفظِ الخبرِ، ويكونُ معناه النھیَ ، وذلك
موجودٌ فى كتابِ اللهِ كثيرٌ؛ نحوَ قوله: ﴿الَِّ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ
مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣]. جاءَ بلفظِ الخبرِ، وكان سعيدُ بنُّ المُسَيَّبِ وغيرُه يقولُ: إِنَّها
منسوخةٌ بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾﴾(١) [ النور: ٣٢]. ولو
لم يَكُنْ عندَه فى هذا الخبرِ مَعْنَى النَّهْي ، ما أجازَ فيه النسخَ ، ومِثْلُه كثيرٌ، (وقد
يَحتملُ أن يكونَ) كتابُ رسولِ اللهِ وَةِ: ((أَلَّ يَمَسَّ القرآنَ إلَّ طَاهِرٌ)).
بيانًا(٤) لمعنى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾. لاحتمَالِها
للتَّأويلِ، ومَجِيئِها بلفظِ الخبرِ.
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٤٥/١٢ (٧٢١١)، والبخارى (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١) من حديث أبى هريرة .
(٢) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص١٢٩، ١٣٠، وابن أبى شيبة ٢٧١/٤، وابن جرير فى تفسيره
١٥٩/١٧، ١٦٠، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٢٤/٨، والبيهقى ٧ /١٥٤.
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((وفى)).
(٤) فى الأصل، م: ((بيان)).
١٠

الرُّخْصةُ فى قراءةِ القرآنِ على غيرٍ وضوءٍ
الموطأ
٤٧٢ - يحتِّى، عن مالكِ، عن أيوبَ بنِ أبى تميمةَ السَّخْتِيانىٌّ،
عن محمدِ بنِ سيرينَ ، أن عمرَ بنَ الخطابٍ كان فى قوم وأهم يقرءونَ
القرآن ، فذهب لحاجته، ثم رجع وهو يقرأ القرآن ، فقال له رجلٌ : یا
أميرَ المؤمنينَ ، أَتَقرَأُ القرآنَ ولستَ على وضوءٍ؟ فقال له عمرُ: مَن أفتاك
بهذا ، أمُسَيلِمَةُ؟
وقد قال مالكٌ فى هذه الآيةِ: إِنَّ أحسنَ ما سَمِعَ فيها ، أنَّها مثلُ قولِ اللهِ عزَّ التمهيد
وجلَّ: ﴿كَلَّ إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ ﴿ فَمَن شَآءُ ذَكَرَهُ ® فيِ مُحُفٍ تُكَمَةٍ ﴿١ ◌َّفُوعَتِ
تُطَهَّرَق ®)
كِرَامٍ بَرَوَ﴾ [عبس: ١١ - ١٦].
بِأَيْدِى سَفَرَةِ ®
وقولُ مالكٍ: أحسنُ ما سمعتُ . يَدُلُّ على أنَّه سَمِعَ فيها اخْتِلَافًا ، وأَوْلَی ما
قِيلَ به فى هذا البابِ ما عليه جمهورُ العلماءِ مِن امتثالٍ ما فى كتابٍ رسولِ اللهِ
وَّ لعمرو ابن حزم: ((ألَّ يَمَسَّ القرآنَ أحدٌ إلَّا وهو طاهرٌ)). واللهُ أعلمُ ، وبه
التوفيقُ .
الاستذ کار
بابُ الرخصةِ فى قراءةِ القرآنِ على غيرٍ وضوءٍ
مالك ، عن أيوب السَّختیانی ، عن محمد بنِ سیرین ، أن عمر بن الخطاب
كان فى قومٍ وهم يقرءُون القرآنَ ، فذهَب لحاجتِهِ، ثم رجَع وهو يقرأُ القرآنَ ،
فقال له رجلٌ : يا أميرَ المؤمنين ، أنقرَأَ القرآنَ ولستَ على وضوءٍ؟ فقال له عمر :
القبس
١١

الموطأ
الاستذكار مَن أفتاك بهذا، أمسيلمةُ (١)؟
وفى هذا الحديثِ جوازُ قراءةِ القرآنِ طاهرًا فى غيرِ المصحفِ لِمَن ليس على
ۇُضوءٍ، إذا لم يكُنْ جُنُبًا . وعلى هذا جماعةُ أهلِ العلم لا يختلفون فيه ، إلا مَن
شدّ عن جماعتِهم ممَّن هو محجوجٌ بهم، وحسبُك بعمرَ فى جماعةِ الصحابةِ
وهم السلفُ الصالحُ. والسننُ بذلك أيضًا ثابتةٌ؛ فمنها حديثُ مالك، عن
مَخرَمةَ بنِ سليمانَ ، عن كريبٍ مولى ابنِ عباسٍ ، عن ابن عباسٍ فى حديثٍ صلاةٍ
رسولِ اللهِ لِّ بالليلِ، وفيه: فاستيقَظ رسولُ اللهِ فَ لِّ مِن نومِه، فجلس ومسح
النومَ عن وجهِه ، ثم قرَأْ العشْرَ الآياتِ الخواتمَ مِن سورةِ((آل عمرانَ)»، ثم قام إلى
شَنِّ معلَّقةٍ فتوضَّأ منها. وذكر تمامَ الحديثِ (١) . وهذا نصٌّ فى قراءةِ القرآنِ طاهرًا
على غير وضوءٍ. وحديثُ علىٍّ بنِ أبى طالبٍ، قال: كان رسولُ اللهِ وَلِّ لا
يحجُبُه عن تلاوةِ القرآنِ شىءٌ إلا الجنابةُ. وقد شذَّ داودُ عن الجماعةِ فأجاز قراءةً
القرآنِ للجنُبِ ، وقال فى حديثٍ علىٍّ: إنه ليس قولَ النبيِّ وَلِّ. وهذا اعتراضٌ
مردودٌ عندَ جماعةِ أهلِ العلم بالأثرِ والفقهِ ؛ لأن عليًّا لم یقُلْه عنه حتى علمه منه،
ويلزَمُه على هذا أن يَؤُدَّ قولَ ابنِ عمرَ: قطَع رسولُ اللهِ وَلِّ فِى مِجَنّ(١) . وقولَ
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٣٥). وأخرجه البيهقى ٩٠/١ ، وابن بشكوال فى غوامض الأسماء
٤٣٦/١ من طريق مالك به .
(٢) تقدم فى الموطأ (٢٦٥).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٦١٣).
١٢

الموطأ
عمرَ: رجَم رسولُ اللهِ وَّله ورجَمنا(١). ومثلُه قولُ الصاحبِ: نهى رسولُ اللهِ الاستذكار
وَالِه . و: أمَر رسولُ اللهِ نَّهِ. و: كان رسولُ اللهِ وَلَهِ يَفعَلُ كذا. ونحوُ
هذا، ومثلُ هذا كثيرٌ.
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ ،
عن مِشْعَرٍ وشعبةً وابنٍ أبى ليلى، عن عمرٍو بنِ مُؤَّةً، عن عبدِ اللهِ بنِ سلمةً ، عن
علىّ، أن رسولَ اللهِ وَِّ لم يكُنْ يحجُه عن تلاوةِ القرآنِ إلا أن يكونَ مُجُنُبًا (١) .
ورواه الأعمشُ عن عمرو بنٍ مُرَّةَ مثلَهُ(١) . وقال عبدُ اللهِ بنُ مالكِ الغافقيُّ:
سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقولُ: ((إذا كنتُ جُنُبًا لم أَصَلِّ ولم أقرَأْ حتى
أغتسلَ))(٤). ومعلومٌ أنه لو جاز له أن يقرّأَ لصلَّى. وأما الرجلُ المخاطِبُ لعمرَ
القائلُ له : أنقرَأُ ولستَ على ◌ُضوءِ؟ فهو رجلٌ مِن بنى حَنيفةً مَّن كان آمَن
بمسيلمةً ثم تاب وآمَن باللهِ ورسولِه ، ويقالُ : إنه الذى قتل زيد بن الخطابِ
باليمامةِ، فكان عمرُ لذلك يستثقلُه ويُغِضُه، وقد قال قومٌ: إنه أبو مريم
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٥٩٨).
(٢) الحميدى (٥٧). وأخرجه ابن حبان (٧٩٩، ٨٠٠) من طريق سفيان بن عيينة عن مسعر وشعبة
وآخر معهما، وأخرجه الدارقطنى ١١٩/١، والخطيب فى الجامع لأخلاق الراوى (١٣٦٣) من
طريق مسعر وشعبة به .
(٣) أخرجه الترمذى (١٤٦)، والنسائى (٢٦٦) من طريق الأعمش به .
(٤) أخرجه الطبرانى ٢٩٥/١٩ (٦٥٦)، والدار قطنى ١١٩/١.
١٣

الموطأ
ما جاء فى تَحزيبِ القرآنِ
٤٧٣ - حدّثنی یحیی ، عن مالك، عن داود بنِ الحصینِ ، عن
الأعرج، عن عبد [٧٣و] الرحمنِ بنِ عبدِ القارئِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ
قال: مَن فاته حِزْبُه مِن الليلِ ، فقرَأْه حينَ تزولُ الشمسُ إلى صلاةٍ
الظهرِ، فإنهُ لم يفُتْه ، أو كأنه أُدرَ که .
الاستذكار الحنفى. وأتى ذلك آخرون؛ لأن أبا مريمَ قد ولّاه عمرُ بعضَ ولاياتِه. واللهُ
أعلَمُ . وأما مسيلمةُ الحنفىُ كذابُ اليمامةِ الذى ادَّعَى النبوةَ فاسمُه اليمامةُ(١).
ابنُ حبيبٍ، يُكْنَى أبا هارونَ، ومسيلمةُ لقبٌ ).
بابُ ما جاء فى تحزيبِ القرآنِ
ذكر فيه عن داود بنِ الخُصينِ، عن الأعرجِ، عن عبد الرحمنِ بنِ عبد
القارىِّ، عن عمرَ بنِ الخطابِ قال: مَن فاته حزبُه مِن الليلِ، فقرَأَه حينَ تزولُ
القبس
تَحْزیبُ القرآنِ
اعلَموا ، نوَّر اللهُ تعالى بصائر كم، أن (حزب) موضوع فى لسان العرب لجَمْعِ
المُفْترِقِ وضَمِّ المُنْتشِرِ؛ فالحزبُ كلَّ مجموعٍ مِن مُفْترِقٍ قبلَه، وإنما بؤَّب عليه
(١ - ١) سقط من: ح.
(٢) كذا فى الأصل، وفى م: ((ابن اليمامة))، وفى سيرة ابن هشام ٢/ ٥٧٦، ٥٩٩ عن ابن
إسحاق: مسيلمة بن حبيب. قال ابن هشام: مسيلمة بن ثمامة ويكنى أبا ثمامة . وفى جمهرة
الأنساب ص ٣١٠ والروض الأنف ٧/ ٤٤٣: مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب .
١٤

الموطأ
الشمسُ إلى صلاة الظهرِ، فإنه لم يَفُتْه، أو كأنه أدرَكه(١) .
الاستذكار
هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطأً)) عن داودَ بنِ الحصينِ، وهو عندَهم وهم
مِن داودَ ، واللهُ أَعلَمُ ؛ لأن المحفوظَ مِن حديثِ ابنِ شهابٍ عن السائبِ بنِ یزیدَ
ومُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ القارئِّ، عن عمرَ بنِ الخطابِ ،
قال: مَن نام عن حزبِه فقرَأَه ما بينَ صلاةِ الفجرِ وصلاة الظهرِ ، كُتِب له كأنما
القبس
مالكٌ، لِتُكِتَّةٍ بديعةٍ؛ وهى أن الله تعالى قال لرسولِهِ وَله: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُم وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧].
فأخبر اللهُ تعالى أن جمعه إليه ، فو جب أن يُوقَفَ بذلك الإخبار عنهإليه ، حتى جاء
قولُ عمرَ بنِ الخطابٍ: مَن فاتَه حِزْبُهُ مِن الليلِ . فصار ذلك قُدوةً فى الإذنِ فى إطلاقِهِ،
وهذا كما اختلف الناسُ: هل يجوزُ أن يقالَ: حفظتُ القرآنَ. لقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. فمِن الناسِ مَن أذِن فيه، ومنهم من
منَعه لهذه الخَصِيصةِ، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا مَعَهُ﴾ . كذلك قال : إن علينا
قرآنَه. ثم يجوزُ إجماعًا أن يقولَ: قرأتُ. كذلك يجوزُ أن يقولَ: جمّعتُ،
وحفِظتُ. والمعنى واحدٌ، وليس فى التخزيبِ أَثَرٌ صحيحٌ عن النبيِّ بَّهِ، إلا ما قيل
لعبدِ اللهِ بنِ عمرو: ((اقْرَأَه فى شهرٍ)) (١). ثم انتَهى تقسيمُ الناسِ" فيه إلى ستينَ
جزءًا ، والأمر فى ذلك قريب .
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٦٨)، وبرواية أبى مصعب (٢٤٠)، وقد سقط ((عبد الرحمن بن عبد
القارى)) من مطبوع محمد بن الحسن. وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٢٤٨)، وأبو عبيد فى فضائل القرآن
ص٩٣، والنسائى (١٧٩١)، والبيهقى ٤٨٤/٢، ٤٨٥ من طريق مالك به .
(٢) سيأتى تخريجه ص١٩.
(٣ - ٣) فى ج، م: ((التقسيم بالناس)).
١٥

الموطأ
الاستذكار قرأه مِن الليل(١) . ومِن أصحاب ابن شهاب من یرویه عنه بإسناده عن عمرَ ، عن
النبيِّ ◌َآلێ". وهذا عند أهل العلم أولی بالصوابِ مِن حدیث داودَ بنِ مُصَينٍ،
حينَ جعَله مِن زوالِ الشمسِ إلى صلاة الظهرِ ؛ لأن ضيقَ ذلك الوقتِ لا يُدرِكُ فيه
المرءُ حِزْبَه مِن الليلِ ، ورُبَّ رجلٍ حِزْبُه نصفٌ وتُلُثُ ورُبُعٌ ، ونحوذلك . وقد كان
عثمانُ، وتميم الدارىُّ، وعلقمةُ، وغيرُهم ، يقرءُون القرآنَ كلَّه فى ركعةٍ(٢)،
وكان سعيدُ بنُ جبيرٍ وجماعةٌ يختمون القرآن مرتین وأكثرفى ليلةٍ . وقدذكرنا هذا
المعنى مجوَّدًا عن العلماءِ فى كتابٍ ((البيانِ عن تلاوةِ القرآنِ)). والحمدُ للهِ .
والذى فى حديث ابن شهابٍ : مِن صلاةِ الفجرِ إلى صلاةِ الظهرِ. أوسَعُ
وقّا ، وابنُّ شهابٍ أتقَنُ حفظًا وأثبتُ نقلًا . وفى الحديث فضلُ صلاةِ الليلِ على
صلاةِ النهارِ ، وقيامُ الليلِ مِن أفضلٍ نوافلِ البرّ وأعمالِ الخيرِ. وكان السلفُ
يقومون الليلَ بالقرآنِ ويندُبون إليه، والآثارُ بذلك كثيرةٌ عنهم. وفى فضلٍ
التهجدٍ وأخبارِ المتهجدين كتبٌ وأبوابٌ للمصنّفين هى أشهرُ عندَ العلماءِ وأكثرُ
مِن أن تُجمَعَ هلهنا. وحسبُك بقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّعِلُ ﴿ قُرِ أَلَّيْلَ
إِلَّا قَلِيلًا﴾ الآيات [المزمل: ١، ٢]. أمَر فيها بقيامِ الليلِ وترتيلِ القرآنِ. وهذه الآيةُ
وإن كانت منسوخةً بالصلواتِ الخمسِ، وبقولِه جلَّ وعزَّ: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُخْصُوهُ
فَابَ عَلَيْكُمْ فَقْرَهُواْ مَا تَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ الآية [المزمل: ٢٠] - فإن التهجدَ به
القبس
(١) أخرجه النسائى فى الكبرى (١٤٦٤) من طريق ابن شهاب به موقوفًا .
(٢) أخرجه أحمد ٣٤٣/١ (٢٢٠)، ومسلم (٧٤٧)، وأبو داود (١٣١٣)، والترمذى (٥٨١)،
والنسائى (١٧٨٩)، وابن ماجه (١٣٤٣) من طريق ابن شهاب به مرفوعا .
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٥٩٥٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢/ ٥٠٢، ٥٠٣، وشرح معاني الآثار ١/ ٣٤٨.
١٦

الموطأ
٤٧٤ - وحدَّثنى عن مالك ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، أنه قال: كنتُ
أنا ومحمدُ بنُ يحيى بنِ حَبَّانَ جالسَينٍ، فدعا محمدٌ رجلًا فقال:
أخبرنى بالذى سمِعتَ مِن أبيك . فقال الرجلُ : أخبرَنى أبى أنه أتی زیدَ
ابنَ ثابتٍ فقال له: كيف تَرَى فى قراءةِ القرآنِ فى سبع؟ فقال زيدٌ :
حسنٌ، ولأَنْ أقرَأَه فى نصفٍ أو عشرٍ أحبُّ إلىّ. وسَلْنى: لِمَ ذَاكَ؟
قال: فإِنِّى أسألُك . قال زيدٌ: لكى أتدبَّرَه وأقفَ عليه .
مندوبٌ إليه، محمودٌ فاعلُه عليه. قالت عائشةُ رضِى اللهُ عنها: كان بينَ الاستذكار
نزول أول سورةِ ((المزملِ)) وبينَ آخِرِها حولٌ كاملٌ قام فيه المسلمون حتى
شقَّ عليهم، فأنزل اللهُ تعالى التخفيفَ عنهم فى آخرِ السورةِ (١) . وقال اللهُ
تعالى لنبيِّه وَله: ﴿وَمِنَ الَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. وقد
قال بعضُ التابعين - وهو عَبيدةُ السلمانىُّ - : قيامُ الليلِ فَرِضٌ ولو كقَدٍ حلبٍ
شاةٍ ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَهُ واْ مَا تَبَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾. وهذا قولٌ لم
يتابَعْ عليه قائلُه، والذى عليه جماعةُ العلماءِ أن قيامَ الليلِ نافلةٌ وفضيلةٌ .
وذكَر مالكٌ فى هذا البابِ أيضًا عن يحيى بن سعيدٍ ، أنه قال: كنتُ أنا
ومحمدُ بنُ یحیی بن خبّانَ جالسین، فدعا محمدٌ رجلا فقال : أخبرنى بالذى
سمِعتَ مِن أبيك . فقال الرجلُ : أخبرنى أبى أنه أتَى زيدَ بنَ ثابتٍ فقال له : كيف
تَرَى فى قراءةِ القرآنِ فى سبع؟ فقال زيدٌ: حَسَنٌ، ولأن أقرَأَه فى نصفٍ أو عَشرِ
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٣٢/٢.
١٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢/٧ )

الموطأ
الاستذكار أُحبُّ إِلىَّ. وسَلْنى: لمَ ذاك؟ قال: فإنى أسألُك. قال زيدٌ: لكى أتدََّه وأقِفَ
(١)
علیه
وهذا الحديثُ رواه ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ أنه أخبره، قال :
سمِعتُ رجلًا يُحدِّثُ عن أبيه، أنه سأل زيدَ بنَ ثابتٍ عن قراءةِ القرآنِ فى سبعٍ ،
فقال: لأَن أقرَأَه فى عشرين أو فى نصفٍ شهرٍ أَبُّ إلىَّ مِن أن أقرَأَه فى سبعٍ .
واسألْنى: لمَ ذلك؟ أقفُ عليه وأتدبُّه(١) . ورواه يزيدُ بنُ هارونَ ، عن يحيى بنِ
سعیدٍ بمثل معناه(١) . ورواه النضرُ بنُ شُمَیل، عن شعبةً ، عن عبد ربُّه ، ویحیی
ابنُ سعیدٍ ، عن رجلٍ - قال : مِن أهلِ المدينةِ - عن أبيه ، عن زيد بن ثابت بمثلٍ
ذلك، كلُّهم قال : عشرين أو نصفٍ شهرٍ () . وكذلك رواه ابنُ وهپٍ، وابنُ
بكيرٍ ، وابنُ القاسم، عن مالكِ. وأظنُّ يحيى وهَم فى قولِه: أو عشرٍ. واللهُ
أُعلَمُ . ويشهَدُ لصحةٍ قولِ ابنِ ثابتٍ هذا قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ
مُبَكٌ لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ﴾ [ص: ٢٩]. وقال: ﴿وَرَتَّلِ الْقُرْءَانَ تَّرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].
وقال : ﴿ وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَامُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]. وژُوِى عن
النبيِّ وَّهِ أنه قال: ((مَن قرأ القرآنَ فى أقلُّ مِن ثلاثٍ فلم يفقَهْه)). رواه عبدُ اللهِ
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٤١)، وأخرجه البيهقى فى الشعب (٢٠٤٣) من طريق مالك به ،
وعنده بلفظ ((عشرين)).
(٢) الزهد (١١٩٤).
(٣) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص٧٥ عن يزيد به .
(٤) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ٧٥ عن أبى النضر ، عن شعبة به .
١٨

الموطأ
ابنُ عمرٍو عن النبيِّ وَّهُ). وقالت عائشةُ: كان(٢) رسولُ اللهِ وَهِ لا يَخْتِمُ الاستذكار
القرآنَ فى أقلَّ مِن ثلاثٍ(٢). وأما أحاديثُ عبدِ الله بن عمرو عن النبيِّ وَلـ
فأکثرها أنه قال له: ( اقرأه فی سَئع ولا تَزِدْ علی ذلك ))".
وقد أفردنا لهذا المعنى كتابًا سمَّيناه (( كتابَ البيانِ عن تلاوة القرآنِ))،
واستوعَبنا فيه القولَ والآثارَ فى قراءةِ النبيِّ وَلَه، ومعنى الهذّ والترتيلِ
والخَذْرِ (٥)، وأُّ ذلك أفضَلُ، والقولَ فى قراءةِ القرآنِ بالألحانِ، ومَن كرِه ذلك
ومَن أجازه، وما رُوى فى صوتٍ داودَ وَل ◌ٍ، وما جاءمِن هذه المعانى، فيه شفاءٌ
فی معناه . والحمدُ للهِ .
أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ ، قال : أخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زياد
الأعرابي، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ الزعفرانىُ، قال: حدَّثنا
إسماعيلُ ابْنُ عُلَيَّةً عن أيوبَ ، عن أبى جَمرةً ) ، قال: قلتُ لابنٍ عباسٍ :
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٠٠/٢، ٥٠١، وأحمد ٩١/١١، ٤١٣، ٤٣١ (٦٥٣٥، ٦٨١٠،
٦٨٤١)، وأبو داود (١٣٩٠، ١٣٩٤)، والترمذى (٢٩٤٩)، والنسائى فى الكبرى (٨٠٦٧)،
وابن ماجه (١٣٤٧).
(٢) فى النسخ: ((قال)). والمثبت من مصدرى التخريج.
(٣) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ٨٨، وابن سعد ٣٧٦/١.
(٤) أخرجه البخارى (٥٠٥٣، ٥٠٥٤)، ومسلم (١٨٤/١١٥٩).
(٥) الهذُّ: الإسراع المفرط ، بحيث يخفى كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها. والترتيل:
تبيين الحروف والتأنى فى أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها. والحدر: الإسراع فى القراءة. فتح
الباری ٨٩/٩، واللسان (ح د ر).
(٦) فى النسخ، والشعب: ((حمزة)). وينظر الإكمال ٥٠٦/٢، وتهذيب الكمال ٣٦٢/٢٩.
١٩

الموطأ
الاستذكار إنى سريعُ القراءةِ، إنى أقرأ القرآنَ فى ثلاثٍ. قال: لأَن أقرأَ سورةَ
((البقرة)) فى ليلةٍ أَدَّبَّرُها وأرَتِّلُها أحَبُّ إلىَّ مِن أن أقرَأَ القرآنَ كلَّهِ أَهُذُّه
ء (١)
كما تقولُ(١) .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا
جعفرُ بنُ محمد الصائغُ، قال : حدثنا عاصمُ بنُ علىٍّ ، قال : حدثنا شعبةُ ، عن
أبى جَمرةً ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أقرَأُ القرآنَ فى كلِّ ليلةٍ - وأكثَرُ ظنِّى أنى
قلتُ : مرتين - فقال: لأَن أقرَأَ سورةً واحدةً أحَبُّ إلىّ، فإن كنتَ لابدَّ فاعلًا
فاقرأْ ما تسمَعُه أُذُناك ويفقَّهُه قلبُك(٢).
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، وسعيدُ بنُ نَصرٍ ، وأحمدُ بنُ قاسمِ ، وأحمدُ
ابنُ محمدٍ ، قالوا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ
الترمذىُّ، قال: حدَّثنا أبو نعيم الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً،
عن عبيدِ المُكْتِبِ ، قال: سئل مجاهدٌ عن رجلينٍ قرَأَ أحدُهما ((البقرةَ)) وقرَأ
الآخَرُ ((البقرةَ)) و ((آل عمرانَ))، فكان ركوعُهما وسجودُهما واحدًا،
وجلوسُهما سواءً، أيُّهما أفضَلُ؟ فقال: الذى قرَأ ((البقرةَ)). ثم قرأ: ﴿وَقُرْءَانًا
القبس
(١) أخرجه البيهقى فى الشعب (٢٠٤٠) من طريق ابن الأعرابى به، وأخرجه الآجرى فى أخلاق
حملة القرآن ص (٨٩) من طريق الحسن بن محمد الزعفرانى به، وأخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن
ص٧٤ عن إسماعيل ابن علية به .
(٢) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ٧٤، وسعيد بن منصور (١٦١ - تفسير)، والبيهقى
٣٩٦/٢، ١٣/٣، وفى الشعب (١٩٧٢) من طريق شعبة به .
٢٠