النص المفهرس
صفحات 341-360
الموطأ حدَّثنا أبو مسلم عبدُ الرحمنِ بنُ حمزةَ بنِ عفيفٍ البَلْخِئُ، قال: حدَّثنا التمهيد محمدُ بنُ عمرو بنٍ أبى عمرٍو الشَّيْبَانُ، عن أبى عمرو الشيبانيّ ، عن أبى بكر (٢) الهُذَلىِ، عن عكرمةَ قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أرأيتَ ما جاءَ عن النبيِّ وَّل فى أَميَّةَ بنِ أبى الصَّلْتِ: ((آمَنَ شِعرُه وكفَرِ قَلْبُه))؟ قال: هو حقٌّ ، فما أَنْكَرْتُم من ذلك؟ قلتُ: أَنْكَوْنا قولَه (٣): حمراءَ يُصْبِحُ لؤْنُها يتَوَرَّدُ والشمسُ تطْلُعُ كِلَّ آخرِ ليلةٍ إِلا مُعَذَّبَةً وإلَّا تُجْلَدُ ليست بطالعةٍ لهم فی رِسْلِها فما بالُ الشمسِ تُجْلَدُ؟ قال: والذى نفْسِى بيدِه، ما طَلَعَتِ الشمسُ قَطُ حتى يَنْخُسَها(١) سبعون ألفَ ملكِ، فيقولون لها: اطْلُعِى اطْلُعِى. فتقولُ : لا أطلُعُ على قومٍ يعبُدُونَنِى مِن دُونِ اللهِ. فيأْتِيها ملَكٌ عن اللهِ تعالى يأمُرُّها بالطُّلُوعِ، فتَستَقِلُ(٥) لضِياءِ بنى آدمَ، فيأْتِيها شيطانٌ يريدُ أنْ يَصُدَّها عن الطُّوع، فتَطْلُغُ بِينَ قَرْنَيْه، فيَحْرِقُه اللهُ بِحَرِّها ، وما غرَبتِ الشمسُ قطُّ إِلَّ خَرَّتْ للهِ ساجدةً ، فيأْتِيها شيطانٌ، فيُريدُ أنْ يَصُدَّها عن السجودِ ، فَتَغْرُبُ بينَ قَْنَْه ، القبس (١ - ١) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج. (٢) فى الأصل، س: ((بكرة)). وينظر تهذيب الكمال ١٥٩/٣٣. (٣) ديوانه ص ٢٩. (٤) فى س: ((يسحبها)). (٥) فى س، م: ((فتطلع)). ومعنى فتستقل، أى: ترتفع فى السماء وتتعالى. ينظر النهاية ٤/ ١٠٤. ٣٤١ الموطأ فيَخْرِفُه اللهُ تحتَها (١)، وذلك قولُ رسولِ اللهِ وَّهِ: ((مَا طَلَعَتْ إِلَّ بِينَ قَوْنَىْ شيطانٍ ، ولا غرَبتْ إلَّا بين قَرْنَىْ شيطانٍ))(٢) . التمهید وأخبرنا سعيدُ بنُّ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُّ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا عَبْدَةُ بنُّ سليمانَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن يعقوبَ بنِ عُثْبَةَ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ ، أنَّ النبيَّ مَلێ صدَّقَ أُمیئةً بن ابى الصَّلْتِ فی بیتین مِن شعرِه، قال(١) والنَّسْرُ للأخرَى وليثّ مُرصَدُ رجلٌ وَؤْرٌ تحت رجلٍ يمينه فقال النبيُّ وَله: ((صدَق)) . قال: حمراءَ يُصْبِح لونُها يتَوَرَّدُ والشمسُ تطْلُعُ كلَّ آخرٍ ليلةٍ إِلا مُعَذَّبَةٌ وإلَّ تُجْلَدُ تأتى فما تطْلُعْ لنا) فى رِسْلِها فقال النبيُّ وَله: ((صدَق))(٥). وحدَّثنى أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ ، قال : القبس (١) فى س: ((بحرها)). (٢) ابن الأنبارى محمد بن القاسم فى المصاحف - كما فى فيض القدير ٥٩/١ - ومن طريقه ابن عساكر ٩/ ٢٧١، ٢٧٢. (٣) ديوانه ص ٢٩. (٤) فى م: ((لهم)). (٥) ابن أبى شيبة ٥٠٥/٨، ٥٠٦ - ومن طريقه أحمد ١٥٨/٤ (٢٣١٤) - وأخرجه الدارمى (٢٧٤٥)، وابن خزيمة فى التوحيد (٢/١١١) من طريق عبدة بن سليمان به . = ٣٤٢ الموطأ حدَّثنا محمدُ بنُّ فُطَيْسٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مَرْزُوقٍ، قال: حدَّثنا التمهيد وهبُّ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سماكٍ ، قال: سمِعتُ المُهَلَّبَ بنَ أبى صُفْرَةَ يُحَدِّثُ، عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ النبيَّ ◌َ لَه قال: ((لا تُصلُّوا عند طلوعِ الشمسٍ، ولا عندَ غروبِها؛ فإنَّها تطْلُعُ بينَ قوْنَى شيطانٍ - أو على قَرْنَى شيطانٍ - وتَغْرُبُ بينَ قْنَىْ شيطانٍ - أو على قَوْنَى شيطانٍ)). ــ (١) شكَّ شعبةٌ (١) . قال أبو عمرَ : بلَغَنِى أَنَّ أبا محمدٍ عبدَ اللهِ بنَ إبراهيمَ سُئِلَ عن تأويلِ حديثٍ زيد بن أسلمَ هذا، فقال: "يُمْكِنُ بأن١) يكونَ للشَّيْطانِ قَوْنٌ يُظْهِرُه عندَ طلوعٍ الشمسِ وعندَ غُروبها على ظاهرِ الحديثِ . وما صنع أبو محمدٍ رحمه اللهُ فى جَوابِهِ هذا شيئًا، وأظُنُّه أشارَ إلى نَحْوِ القولِ المذكورِ مِن حَمْلِ الكلامِ على حقيقَتِه دونَ مجازِه . واللهُ أعلمُ . وقال قومٌ من العلماءِ: وَجْهُ هذا الحديثِ ومعناه عندَنا حملُه على مجازِ اللفظِ، واستعارةِ القولِ، واتِّساع الكلام. وقالوا: أرادَ بذكرِهِ وَلِيل قرنَ الشَّيْطانِ أُمَّةً تعبدُ الشمسَ، وتسجُدُ لها وتُصَلِّى فى حينٍ طُلوعِها القبس = وجاء بعده فى م: ((وذكر أسد بن موسى قال: حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال : حملة العرش أحدهم على صورة إنسان ، والثانى على صورة ثور، والثالث على صورة نسر، والرابع على صورة أسد)). (١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٥٢/١ عن ابن مرزوق به، وأخرجه أحمد ٣٧٧/٣٣ (٢٠٢٢٦)، وابن خزيمة (١٢٧٤) من طريق شعبة به . (٢ - ٢) فى الأصل، م: ((ممكن أن)). ٣٤٣ الموطأ التمهيد وغُروِها من دونِ اللهِ، وكان ◌َّلَهِ يَكْرَهُ التَّشَبُّهَ بالكَفَّارِ ويُحِبُّ مُخالَفَتَهم، وبذلك وَرَدَتْ سُنَّتْه وَّهِ، وكأنَّه أرادَ، واللهُ أعلمُ، أَنْ يَفْصِلَ دِینَه من دينهم ؛ إذْ هم أولياءُ الشيطانِ وحزبُّه، فنهى عن الصلاةِ فى تلك الأوقاتِ لذلك، وهذا التَّأْوِيلُ جائزٌ فى اللُّغَةِ ، معروفٌ فى لِسانِ العربِ؛ لأنَّ الأُمّةَ تُسَمَّى عندَهم قَوْنًا، والأُمَمَ قُرُونًا، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨]. وقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾ [الإسراء: ١٧]. وقال: ﴿فَمَا بَالُ اُلْقُرُونِ اَلْأُوْلَى﴾ [طه: ١٥]. وقال بَّ: ((خيرُ الناسِ قَرْنِى)) (١). وحدَّثنى خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثَنا أبو أحمدَ عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ ناصح الدِّمَشْقِىُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ علىِّ بنِ سعيدِ القاضِى، قال : حدّثنا أبو بكرٍ بُ أبی شیئاً ، قال : حدّثنا یزیدُ ، عن(٢) أبی سنان ، عن ابنِ أبی الهُذَيْلِ، عن خَبَّابٍ بنِ الأَرَتِّ، أَنَّه رأى ابنَه (عبدَ اللهِ يَقُص٢ُّ، فلمَّا رِجَع اتَّزَرَ وأخَذ السَّوْطَ ، وقال: أَمعَ العَمالقَةِ أنت؟ هذا قَوْنٌ قد طلَع(٤) . فهذا خبَّابٌ قد سمَّى القَصَّاصَ قرنًا طالعًا، إِنْكارًا منه للقَصَصِ ، وخبَّابٌ من كبارِ الصحابة رضوانُ اللهِ عليهم، وهم أهلُ الفصاحةِ والبيانِ ، وإنَّما قال ذلك خبَّابٌ؛ لأنَّ القصصَ أَحْدِثَ عليهم، ولم يكونوا يعرِفُونه، وكان القبس (١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٤٥٧) من الموطأ. (٢) فى س: ((بن)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٦/١٣. (٣ - ٣) فى مصدر التخريج: ((عند قاص)). (٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٦٠/٨ عن شريك عن أبى سنان به. (٥) فى س: ((للقصاص)). ٣٤٤ الموطأ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ يُنْكِرُه، ويقولُ: لم يَكُنْ على عهدِ النبيِّ وَلَه، ولا على عهدِ التمهيد أبى بكرٍ ، ولا على عهدٍ عمرَ ، ولا على عهدٍ عثمانَ ، وإنَّما كانتٍ القصصُ حین كانت الفِتْئَةُ(١) . وجائزٌ أَنْ يُضَافَ القرنُ إلى الشيطانِ؛ لطاعَتِهم فى ذلك لشَّيْطانِ ، وقد سمّى اللهُ الكُفَّارَ حزبَ الشيطانِ ، وهذا أعرفُ فى اللغةِ مِن أنْ يُحتاج فیه إلى إكْثارٍ . وحُجَّةُ مَن قال بهذا التَّأْويل ما أخبرناه أبو عبدِ اللهِ عُبَيْدُ بنُ محمدٍ ، قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مَشْرُورٍ (١) ، قال: حدَّثنا عِيسَى بنُ مسكينٍ، قال: حدّثنا محمدُ بنُ سَنْجرَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ صالح، قال: حدَّثنی معاويةُ بنُ صالحٍ، عن أبى يحتِى سُليمٍ بن عامرِ الخَبائِىِّ، وضَعْرةَ بنِ حبيبٍ ، وأبى طلحةً نُعَيمِ بنِ زيادٍ ، كلُّ هؤلاءِ سمِعه من أبى أمامةَ البَاهِلىّ صاحبٍ رسولِ اللهِ وَلێ ، قال: سمِعتُ عمرو بنَ عَبَسَةَ السُّلمِىُّ يقولُ: أَتَّيْتُ رسولَ اللهِ وهو نازلٌ بُعُكاظٍ ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ، من معكَ فى هذا الأمرِ؟ قال: ((مَعِى رَجلان؛ أبو بكرٍ وبلالٌ)). قال: فأسْلَمْتُ عندَ ذلك، فلقدْ رأيتُنِى رُبُعَ الإسلامِ . قال : فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ، أَمْكُتُ معكَ أمْ أَلْحقُ بقومِى؟ فقال: ((بلِ الْحَقْ بقومِك؛ فيُوشِكُ أنْ تَفِىءَ اللهُ بمَن ترَى إلى الإسلام)). ثم أَتَيْتُهِ قُبيلَ فتح مكّةَ، فسَلَّمْتُ عليه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ، أنا عمرُو بنُ عَبَسَةَ، أُحِبُّ أنْ أُسألَك عمَّا تَعلمُ القبس (١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٥٧/٨، ٥٥٨، ٥٦١، وابن ماجه (٣٧٥٤) مختصرًا، وأخرجه ابن حبان (٦٢٦١). (٢) فى الأصل، س: ((صالح)). ٣٤٥ الموطأ التمهيد وأجهلُ، وعمَّا يَنْفَعُنِى ولا يَضُرُّك . فقال: ((يا عمرو بنَ عَبَسَةَ، إِنَّك تُرِيدُ أنْ تَسألَنِى عن شىءٍ ما سألنى عنهُ أحدٌ مَّن ترَى، ولنْ تَسْأَلَنِى عن شىءٍ إِلَّا أنبأَتُك به إن شاء اللهُ)). فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، فهل من ساعةٍ أقربُ من أُخرَى، أو ساعةٍ يَبْقَى (١) ذكرُها؟ قال: ((نعم، إنَّ أقرب ما يكونُ الرَّبُّ مِن الدُّعَاءِ جوفُ الليلِ الآخرِ، فإن استطَعْتَ أنْ تكونَ ممَّن يَذْكُرُ اللهَ فى تلك الساعةٍ فَكُنْ ، فإنَّ الصلاةَ محضورةٌ مشهودةٌ إلى طلوع الشمسِ ، فإنَّها تطلُغُ بينَ قرنَي الشيطانِ ، وهى ساعةُ صلاةِ الكُفَّارِ ، فَدَع الصلاةَ حتى تَوْتفعَ قِيدَ (١) رُمْحِ ويذهَبَ شُعاعُها، ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ حتى تَعتدِلَ الشمسُ اعتدالَ الرُّمْحِ لنصفِ النهارِ، فإنَّها ساعةٌ تُفَتَّعُ فيها أبوابُ جهَّمَ وتُسَجَّرُ، فدَعِ الصلاةَ حتى يَفِىءَ الفَىءُ، ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ حتى تَغِيبَ الشمسُ، فإِنَّها تغرُبُ بينَ قَرْنَي الشيطانِ، وهى ساعةُ صلاةِ الكُفَّارِ)) . فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، هذا فى هذا، فكيفَ فى الوُضوءِ؟ قال: ((أمَّا الوضوءُ، فإِنَّك إذا تَوَضَّأَتَ)). وذكر الحديثَ(٢). أخبرنا أبو محمد عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الرزاقِ البَصْرِىُّ، قال: حدّثنا أبو داودَ السِّجسْتَانِيُّ، قال: حدَّثنا إِبراهِيمُ بنُ خالدِ الكَلْيِىُ، قال: حدَّثنا يَزِيدُ بنُ القبس (١) فى م: ((يتقى)). (٢) فى الأصل، م .: ((قدر)). وهما بمعنَى. (٣) أخرجه ابن المنذر فى الأوسط (١٨٣٢)، والطبرانى فى مسند الشاميين (١٩٦٩) من طريق عبد الله بن صالح به وسیأتی ص ٣٥٤. ٣٤٦ الموطأ هارونَ، قال: أخبرنا حريزُ(١) بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا سُليمُ بنُ عامٍ، عن التمهيد أبى أمامةً، عن عمرو بنٍ عَبَسَةً قال: أَتَّيْتُ رسولَ اللهِ وَله وهو بمُكَاظٍ، قلتُ: من معكَ على هذا الأمرِ؟ قال: ((حُرٍّ وعبدٌ)). ومعه أبو بكرٍ وبلالٌ، ثم قال: ((فارْجِعْ حتى يُمَكَّنَ اللهُ لرسولِه)). قال: فَأَتَيْتُه بعدُ، فقلتُ : یا رسولَ اللهِ، جعلَنِى اللهُ فِدَاكَ، شيئًا تَعْلَمُه وأجْهَلُه، لا يَضُرُكَ ويَنْفعُنِى اللهُ به؛ هل من ساعةٍ أَفْضَلُ من ساعةٍ؟ وهل من ساعةٍ لا يُصلَّى فيها؟ قال: (لقد سألْتَنِى عن شىءٍ ما سَأَلَنِى عنهُ أحدٌ، إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى يَتَدَلَّى(٢) فى جوفِ الليلِ فِيَغْفرُ، إلّ ما كان من الشِّركِ والتَغْيِ، والصلاةُ مشهودةٌ، فصَلِّ حتى تَطْلُعَ الشمسُ، فإذا طَلَعَتْ فَأَقْصِرْ، فإِنَّها تَطْلُغُ على قَوْنِ شيطانٍ ، وهى صلاةُ الكفارِ، حتى تَرتفعَ، فإذا استقَلَّتِ الشمسُ فَصَلِّ، فإنَّ الصلاة مشهودةٌ محضورةٌ، حتى يعتَدِلَ النهارُ، فإذا اعْتَدَل النهارُ فَأَقْصِرْ عن الصلاةِ، فإنَّها ساعةٌ تُسَجّرُ فيها جهنَّمُ، حتى يَفِىءَ الفَىْءُ، فإذا فاءَ الفَىْءُ فصَلٌ ، فإنَّ الصلاةَ محضورةٌ مشهودةٌ، حتى تَدْنوَ الشمسُ للغروبِ ، فإذا تَدَلَّتْ فَأَقْصِرْ عن الصلاةِ؛ فإنَّها تَغِيبُ على قرنِ شيطانٍ، وهى صلاةُ (٤) الكفارِ)) (٤). القبس (١) فى النسخ: ((جرير)). وينظر تهذيب الكمال ٥٦٨/٥ . (٢) فى س، م: ((ينزل)). (٣) فى الأصل: ((تدنى))، وفى مصادر التخريج: ((تدلى)). (٤) ذكره ابن أبى حاتم فى العلل ٣٥٤/٢ من طريق جرير - ووقع عنده جرير - به . ٣٤٧ الموطأ التمهید قال أبو عمرَ : فقد قال فى هذا الحديثِ عندَ طلوع الشمسِ وعندَ غُروبِها : ((هى صلاةُ الكُفَّارِ). وفى غيرِ هذا الإسنادِ فى هذا الحديثِ: ((ويُصلِّى لها الكفَّارُ)). وفى غيرِهِ فى هذا الحديثِ أيضًا: ((وهى ساعةُ صلاةِ الكفَّارِ)). وبعضُهم يقولُ فيه أيضًا: ((وحِيئَئذٍ يسجدُ لها الكفَّارُ)). كلُّ هذه الألفاظِ قد رُوِيتْ فى حديثٍ عمرو بنٍ عَبَسَةً هذا، وهو حديثٌ صحيحٌ من حديثٍ الشَّامِيِّين، رَواه أبو أمامةَ البَاهِلُّ، عن عمرٍو بنِ عَبَسَةً، ورَواه جماعةٌ عن أبى أُمامةَ؛ منهم أبو سلام الحَبَشىُُّ ) ، وقد سَمِعَه أبو سلام أيضًا مِن عمرو بنِ عَبَسَةً(١) ، وسَمِعَه من عمرو بنِ عَبَسَةً يَزِيدُ بنُ طلقٍ ( ١) وغيرُه، وهو حديثٌ طويلٌ فى إسلامِ عمرو بنِ عَبَسَةَ، فيه معانِى حديثِ الصُّنابِحِىٌّ فى النَّهْي عن الصلاةِ فى الثلاث ساعاتٍ وفى فَضلِ الوضوءِ جميعًا، وسنَذكرُه بتَمامِه فى البابِ الذى يأتى بعدَ هذا(٤) إن شاء الله . وقد رُوِىَ عن أبى أمامةً، عن النبيِّ وَّلَهُ مُخْتَصَرًا . حدَّثنی خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ أحمدَ بنِ المِسْوَرِ ، قال : حدَّثْنا مِقدَامُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ مَعْبَدِ بنِ شَدَّادٍ (١) ، قال: حدَّثنا القبس (١) تقدم تخريجه فى ٨٣/٣ - ٨٦ . (٢) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (١٣٢٩)، والطبرانى فى مسند الشاميين (٨٠٦) من طريق أبى سلام به . (٣) سيأتى ص ٣٥٥، ٣٥٦. (٤) تقدم فى ٨٣/٣ - ٨٩ . (٥) فى الأصل، س: ((راشد)). وينظر تهذيب الكمال ١٣٩/٢١. ٣٤٨ الموطأ التمهيد مُوسى بنُّ أَعْيَنَ، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابطٍ ، عن أبى أمامةً ، عن النبىّ وَلِّ قال: ((لا تُصَلَّوا عندَ طلوع الشمسِ؛ فإِنَّها تَطلُعُ بِينَ قرنىْ شَيْطانٍ ، وكُلُّ كافرٍ يَسجدُ لها، ولا تُصلُّوا عندَ غروبِ الشمسِ ؛ فإِنَّها تَغُْبُ بينَ قرنی شيطانٍ ، وكلَّ كافٍ يسجُدُ لها ، ولا تُصَلُّوا وسَطَ النهارِ ؛ فإنَّ جهنَّمَ تُسَجَّرُ عندَ (١) ذلك))(١). وهذه الأحاديثُ فى ظاهرِها حُجّةٌ للقولين جميعًا ، واللهُ أعلمُ ؛ لقولِه فيها: (بينَ قرنى شيطانٍ)). على ما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ فى تأويله . وأجمع العلماءُ أَنَّ نَهْيَهِ وَلِّ عن الصلاةِ عندَ طلوع الشمسِ وعندَ غروبِها صحيحٌ غيرُ منسوخ، إِلَّا أَنَّهم اخْتَلَفُوا فى تأويلِه(١)؛ فقال علماءُ الحجازِ: معناه المَنْعُ عنَ ١ صلاةِ النَّفلةِ دونَ الفريضةِ. هذه جملةُ قولِهم ، وقال العِراقِيُّون: كلّ صلاةٍ ؛ فريضةً أو نافلةً أو جنازةً، فلا تُصَلَّى ذلك الوقتَ، لا عندَ طلوعِ الشمسٍ، ولا عندَ الغروبِ، ولا عندَ الاستواءِ؛ لأنَّ الحديثَ لم يَخُصَّ نافلةً مِن فريضةٍ، إلّ عصرَ يَوْمِه؛ لقولِهِ وَله: ((مَن أَدْرَك ركعةً من العصرِ فقد أدْرَك العصرَ) . وقد مضَى الَّدُّ عليهم فيما ذهبوا إليه من ذلك فى هذا الكتاب(٥) ، القبس (١) أخرجه الطبرانى (٨١٠٥) من طريق موسى بن أعين به، وأخرجه أحمد ٥٨٣/٣٦ (٢٢٢٤٥) من طريق ليث به . (٢) بعده فى م: ((ومعناه)). (٣) فى م: ((من)). (٤) تقدم فى الموطأ (٤). (٥) تقدم فى ١٣٨/٢ - ١٤٥. ٣٤٩ الموطأ التمهيد ويأتى القولُ فى الصلاةِ بعدَ العصرِ وبعدَ الصبحِ مُمَهَّدًا مبسوطًا بما للعلماءِ فى ذلك من المذاهب ، فی بابِ محمدِ بنِ یحتی بن حبان ( إن شاء اللهُ، ونَذ کرُ هلهُنا أقاويلَ الفقهاءِ فى الصلاةِ عندَ استواءِ الشمسِ فى كَبِدِ السماءِ؛ لأَنَّه أَوْلَی المواضعِ بنا (٢) فى ذلك . وباللهِ العونُ. فأمَّا مالكٌ وأصحابُه، فلا بأسَ عندَهم بالصلاةِ نِصفَ النهارِ ؛ قال ابنُ القاسم : قال مالكٌ : لا أْرَهُ الصلاةَ نصفَ النهارِ إذا اسْتَوتِ الشمسُ فى وسطٍ السماءِ، لا فى يومِ الجمعةِ ولا فى غيرِهِ ، ولا أعرِفُ هذا النَّهْىَ، وما أدْرَكْتُ أهلَ الفضلِ إلَّ وهم يُهَجّرون(٣) ويُصَلُّون نصفَ النهارِ . فقد أبانَ مالكٌ حُجَّتَه فى مذهبِه هذا؛ أنَّه لم يَعْرِ فِ النَّهْىَ عن الصلاةِ وسطَ النهارِ ، وقد رُوِىَ عن مالكٍ أَنَّه قال : لا أكْرَهُ التَّطوُّعَ نصفَ النهارِ إِذا استوَتِ الشمسُ، ولا أُحِبُه. ومَحْمَلُ هذا عندی أنّه لم يصحّ عنده حدیثُ زیدِ بنِ أسلم المذ کورُ فى هذا الباب ، عن عطاءٍ، عن الصُّنَابِحِيِّ ؛ لأَنَّه قد رَواه، أو صحَّ عندَه، ونُسِخ منه واستُثْنىَ الصلاةُ نصفَ النهارِ بما ذكَر(٤) من العملِ الذى لا يجوزُ أنْ يكونَ مِثْلُه إلَّا توقيفًا. واللهُ أعلمُ. وقد روَى مالكٌ(١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن ثَعلبةَ بنِ أبى مالكِ القُرَظِىِّ ، أنَّهم كانوا فى زمنٍ عمرَ بنِ الخطابِ يُصَلّون حتى يَخرُجَ عمرُ، فإذا خرج عمرُ وجلس القبس (١) سيأتى ص ٣٧٠ وما بعدها . (٢) فى الأصل: ((ما))، وفى م: ((بما)). (٣) فى النسخ: ((يجتهدون)). والمثبت من المدونة ١٠٧/١. (٤) فى م: ((ذكرنا)). (٥) تقدم فى الموطأ (٢٣٠). ٣٥٠ على المِنْبَرِ وَأَذَّنَ المُؤْذِّنون(١) ، جلسوا يَتَحدَّثُونَ، حتى إذا سكت المُؤَذِّنُون(١) وقامَ عمرُ، سكتوا فلم يتَكلَّمْ أحَدٌ . وخروجُ عمرَ إِنَّما كان بعدَ الزَّوالِ ، بدليلٍ حديثٍ طِنْفِسَةٍ عَقيلٍ بنٍ أبى طالبٍ (١) ، وإذا كانَ خروجُه بعدَ الزوالٍ، وقد كانوا يُصَلُّون إلى أنْ يَخرُجَ، فقد كانوا يُصلُّون وقتَ اسْتَوَاءِ الشمسِ. واللهُ أعلمُ . ويومُ الجمعةِ عندَ مالكِ وغيرُ يوم الجمعةِ سواءٌ؛ لأَنَّ الفرقَ بينَهما لم يَصِحّ عندَه فى أثرٍ ولا فى نظرٍ، وممَّن رخّص فى ذلك أيضًا؛ الحسنُ، وطاوسٌ ( ، والأوزاعىُ. وقال أبو يوسفَ ، والشافعىُّ وأصحابُه: لا بأسَ بالتَّطوُّعِ نصفَ النهارِ يومَ الجمعةِ خاصةً . وهو روايةٌ عن الأوزاعىّ وأهلِ الشامِ . وحجةُ الشافعىِّ ومَن قال بقوله هذا ما رواه الشافعُّ ، عن إبراهيم بنِ محمدٍ ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ ، عن سعیدِ بنِ أبی سعیدِ المَقْبُرِىِّ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَ لَهَنَهَى عن الصلاةِ نصفَ النهارِ حتى تَزولَ الشمسُ، إِلَّ يومَ الجمعةِ. واحتجَّ أيضًا بحديثٍ مالك ، عن ابن شهابٍ، عن ثعلبةَ بنِ أبی مالك . وقد تقدَّمَ ذِ کژه . قال : وخبرُ ثعلبةً عن عامة أصحاب رسول الله ێ فى دارِ الهجرةِ أنهم كانوا يُصَلُّون نصفَ النهارِ يومَ الجمعةِ. القبس (١) فى النسخ: ((المؤذن)). ينظر ما تقدم فى ٦٨٣/٤ . (٢) تقدم فى الموطأ (١٢). (٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٥٣٣٥، ٥٣٣٦)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٣٩/٢. (٤) الشافعى ١٩٧/١. ٣٥١ الموطأ التمهيد الموطأ · التمهيد قال أبو عمرَ : كأنَّه يقولُ : النّھئ عن الصلاة عند استواءِ الشمسِ صحیحٌ، وخُصّ منه يوم الجمعة بما ژُوی من العملِ الذی لا یکونُ مثلُه إلا توقيفًا ،وبالخبرِ المذكورِ أيضًا، ويَقِىَ سائرُ الأيامِ موقوفةً على النَّهْيِ . وإبراهیم بن محمد الذی روی عنه الشافعُ هذا الخبر هو ابنُ أبی یحتِی المدنىُ، متروكُ الحديثِ، وإسحاقُ بعدَه فى الإسنادِ ، وهو ابنُ أَبِى فَرْوَةً، ضعيفٌ أيضًا، فكأنَّه إنَّما يَقوّى عندَه هذا الخبرُ بما رُوِىَ عن الصحابةِ فى زمنٍ عمرَ من الصلاةِ نصفَ النهارِ يومَ الجمعةِ . وباللهِ التوفيقُ . وقد حدَّثنِى عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سليمانَ بنِ عمرَ(١) البغدادِىُّ، قال: حدَّثنا أبو اللَّيثِ نصرُ بنُ القاسمِ الفَرَائضِىُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى إسرائيلَ، قال: حدَّثنا حسانُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا لَيْثٌ، قال : حدَّثنا مجاهدٌ، عن أبى الخليلِ، عن أبى قتادةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَله : (الصلاةُ تُكْرَهُ نصفَ النهارِ إلَّ يومَ الجمُعةِ؛ فإنَّ جَهنَّمَ تُسَجّرُ إلّ يومَ الجمُعةِ)(١). وهذا الحديثُ منهم من يُوقِفُه . حدَّثنى سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمدِ الفَرْوِىُّ(٢) ، قال: حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفر الزُّهرِئُّ ، عنإسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقاصٍ، عن القبس (١) فى الأصل، س: ((عمرو)). وينظر تاريخ بغداد ٤ /١٧٧. (٢) أخرجه أبو داود (١٠٨٣)، والبيهقى ٤٦٤/٢ من طريق حسان بن إبراهيم به . (٣) فى النسخ: ((القروى)). ٣٥٢ الموطأ التمهيد السائبِ بنِ يزيدَ قال: النِّداءُ الذى ذكر اللهُ فى القرآنِ إذا كان الإمامُ على المنبرِ زمنَ النبيِّ بَّهِ، وأبى بكرٍ، وعمرَ، حتى كان عثمانُ فكثُر الناسُ ، واسْتُبْعِدَتِ البيوتُ، فزادَ النِّداءَ الثانىَ فلم يَعِيبُوه . قال السائبُ: وكان عمرُ إذا خرَج ترَك الناسُ الصلاةَ وجلَسوا، فإذا جلس عمرُ على المنبرِ صَمَتوا . وكان عطاءُ بنُّ أبى رباح يكْرَهُ الصلاةَ نصفَ النهارِ فى الصيفِ، ويُحُ ذلك فى الشتاءِ) . وقال أبو حنيفةً، والثورىُّ، ومحمدُ بنُّ الحسنِ، والحسنُ بنُّ حَىٍّ، وعبدُ اللهِ بنُ المباركِ ، وأحمدُ بنُّ حنبلٍ : لا يَجوزُ التَّطوُُّ نصف النهارِ فى شتاءٍ ولا صيف . و کرِهوا ذلك . ولا يَجوزُ عند أبى حنيفةَ وأصحابِهِ أنْ تُصَلَّى فريضةٌ ، ولا على جنازةٍ ، ولا شىءٌ مِن الصلواتِ؛ لا فائتةٌ مذكورةٌ، ولا غيرُها، ولا نافلةٌ، عندَ استواءٍ الشمسِ نصفَ النهارِ . والحجةُ لمن قال بقولِ العِرَاقِيِّين فى هذا البابِ حديثُ الصُّنَابِحيِّ المذكورُ فى هذا البابِ ، وحديثُ عمرو بنِ عَبَسَةً، وحديثُ عُقبةَ بنِ عامٍ . حدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال: أخبرنا عمرُو بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبى إياسٍ، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بنُ صالحٍ، قال : اخترنی ابو یحیی سُلیمُ بنُ عامٍ ، وضمرُ بنُ حبیبٍ ، وأبو طلحةً نُعیمُ بنُّ زیادٍ ، القبس (١) أخرجه عبد الرزاق (٥٣٣٤). ٣٥٣ ( موسوعة شروح الموطأ ٢٣/٧ ) الموطأ التمهید قالوا : سَمِعْنا أبا أمامةَ الباهِلىَّ يقولُ: سمِعْتُ عمرو بنَ عَبَسَةً يقولُ : قلتُ : يا رسولَ اللهِ، هل من ساعةٍ أَقْرَبُ من الأُخْرَى؟ أو هل ساعةٌ يَتْقى (١) ذكرُها؟ قال: ((نعم، إنَّ أقرب ما يكونُ الرَّبُّ من العبدِ جوفُ الليلِ الآخرِ، فإنِ استطَعْتَ أن " تكونَ ممَّن يَذكُرُ اللهَ فى تلكَ الساعةِ فكنْ، فإنَّ الصلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ إلى طلوع الشمسِ ، فإِنَّها تطلُعُ بينَ قَرْنَىْ شيطانٍ ، وهى ساعةُ صلاةٍ الكُفَّارِ ، فَدَع الصلاةَ حتى تَرْتَفِعَ الشمسُ قِيدَ رُمْحٍ، ويذهَبَ شُعاعُها، ثم الصلاةُ مشهودةٌ محضورةٌ حتَّى تعتدِلَ الشمسُ اعتِدالَ الرُّمْحِ نصفَ النهارِ ، فإِنَّها ساعةٌ تُفَتَّحُ فيها أبوابُ جهنَّمَ وتُسَجَّرُ، فدَعِ الصلاةَ حتى يَفِىءَ الفَىءُ، ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ حتى تَغِيبَ الشمسُ ، فإِنَّها تغِيبُ بينَ قْنَى شيطانٍ ، وهى صلاةُ الكُفَّارِ))(٣). قال أبو عمرَ: فى حديثٍ عمرو بنِ عَبَسَةَ هذا النَّهْىُ عن الصلاةِ عندَ طلوع الشمسٍ، وعندَ اسْتِوائِها، وعندَ غُروبِها، وفيه إباحَةُ الصلاةِ بعدَ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ، وبعدَ زَوالِها إلى الغروبِ، وتدَبَّرُه تجِدْه كما ذكَرْتُ لك، وهو حديثٌ صحيحٌ، وطُرُقُه كثيرةٌ حِسانٌ شامِيَّةٌ ، إلا أنَّ قولَه فى هذا الحديثِ : ((ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ حتى تَغِيبَ الشمسُ)). القبس (١) فى الأصل: ((تبقى)) وفى م، والكبرى: ((يتقى))، وفى المجتبى: ((يبتغى))، وينظر ما تقدم ص ٣٤٦. (٢ - ٢) فى الأصل، س: ((تذكر)). (٣) النسائى (٥٧١)، وفى الكبرى (١٥٤٤). وينظر ما تقدم ص٣٤٥، ٣٤٦. ٣٥٤ الموطأ التمهید قد خالَفه فيه غيرُه فى هذا الحديثِ فقال: ((ثم الصلاةُ مشهودةٌ مُتَقَبلَةٌ حتى يُصَلَّى العَصْرُ)). وهذا أشْبَهُ بالشّتَنِ المأثورة فى ذلك. وقد ژُوِىَ فى هذا الحديثِ أيضًا: ((حتى تكونَ الشمسُ قد دَنَتْ للغروبِ قِيدَ رُمْحٍ أو رُمْحَين)). وسنذْكُرُ اختلافَ العلماءِ فى الصلاةِ النافلةِ بعدَ الفجرِ والعصرِ، وما رُوِىَ فى ذلك من الآثارِ ، فی بابِ محمدِ بنِ یحیِی بِ حَبَّانَ مِن هذا الكتاب) إن شاء اللهُ. وأخبرنى عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا موسَى بنُ إسماعيلَ أبو سلمةَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن يَعلَى بنِ عطاءٍ، عن يزيدَ بنِ طَلْقٍ، عن عبد الرحمنِ بنِ البَيْلَمانىِّ، عن عمرو بنِ عَبَسَةً. قال أبو داودَ: حدَّثنا عثمانُ بنُ أبى شيبةَ، أَنَّ محمدَ بنَ جعفرٍ حدَّثهم، عن شعبةً، عن یعلی بن عطاءٍ، عن یزید بنٍ طلقٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ البَتْلَمَانِىٌّ، عن عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ - وهذا لفظُ أبى سلمةَ - قال : أتيتُ رسولَ اللهِ وَ لِهِ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، مَن أسلَم معك؟ قال: ((محٌُّ وعبدٌ)). يعنى أبا بكرٍ وبلالًا . فقلتُ : يا رسولَ اللهِ، عَلِّمْنِى ممَّا تَعلَمُ وأجهلُ ، هل مِنَ الساعاتِ ساعةٌ أَفْضَلُ مِن أخرَى؟ قال: ((نعم، صلِّ من الليلِ الآخرِ)) - وفى حديثٍ شعبةً، قال: ((نعم، جوفُ الليلِ الأخيرِ)) - ((فصَلُ ما بدَالك حتى تُصَلِّىَ الصُّبحَ))(١ - وفى القبس (١) فى م: ((و)). (٢) سيأتى ص ٣٧٠ وما بعدها . (٣) أخرجه أحمد ٢٣٤/٢٨ (١٧٠١٨) من طريق حماد به، وأخرجه أحمد ٢٥٠/٢٨ (١٧٠٢٦)، وابن ماجه (١٢٥١) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه النسائى (٥٨٣) من طريق شعبة به . ٣٥٥ الموطأ التمهيد حديثٍ حمَّادٍ : ((فإنَّ الصلاةَ مشهودةٌ مُتَقبَّلَةٌ)) - (( ثم انتَهِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ، وما دامَتْ مِثلَ الحَجَفَةِ(١) حتى تَنْتشِرَ(١) ، فإِنَّها تطْلُغُ بينَ قَرْنَى شيطانٍ ، ويسجُدُ لها الكفَّارُ، ثم صَلِّ ما بدَالك؛ فإنَّها مشهودةٌ متقبلةٌ حتى يَشْتَوىَ العمودُ على ظِلِّهِ ، فإِنَّها ساعةٌ تُسَجّرُ فيها الجحيمُ ، فإذا زالتِ الشمسُ فصَلِّ ؛ فإنَّها مشهودةٌ متقبلةٌ حتى تُصَلِّىَ العصرَ ، ثم انْتَهِ حتى تغرُبَ الشمسُ ؛ فإِنَّها تغرُبُ بينَ قرنَیْ شيطانٍ ، ويَسجُدُ لها الكفارُ)) . وقد رُوِىَ من حديثِ البَهْزِىِّ معنَى حديثٍ عمرو بنِ عَبَسَةَ هذا، رواه الثَّوْرِىُّ، عن منصورٍ ، عن سالمِ بنِ أبى الجَعْدِ ، عن رجلٍ مِن أهلِ الشامِ، عن كعبِ بنِ مُرّةَ الْبَهْزِىِّ قال: قال رجلٌ لرسولِ اللهِ وَلِّ : أَىُّ الليلِ أسْمَعُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((جوفُ الليلِ الآخرِ، ثم الصلاةُ مقبولةٌ حتى تُصلَّىَ الفجرَ، ثم لا صلاةَ حتى تكونَ الشمسُ قِيدَ رُمْحٍ أو رُمْحَين، ثم الصلاةُ مقبولةٌ حتى يقومَ الظُّلُّ قيامَ الرُّمْحِ، ثم لا صلاةَ حتى تَزُولَ الشمسُ، ثم الصلاةُ مقبولةٌ حتى تكونَ الشمسُ قد دَنَت للغُرُوبِ قِيدَ رُمْح أو رُمْحَين)). وذكَرَ فَضْلَ الوضوءِ أيضًا(٢). قال أبو عمرَ: أحاديثُ هذا البابِ عن عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ كلُّها وحديثُ البَهْزِئِّ، إنما فيها (٤) ما يدُلَّ على صلاةِ التَّطوع لا الفرائضِ، وذلك بَيِّنَّ منها . واللهُ أعلمُ . القبس (١) الحجفة: الترس. النهاية ٣٤٥/١. (٢) فى النسخ: ((تستقر)). وعند ابن ماجه: ((تبشبش))، والمثبت من مصادر التخريج. (٣) تقدم تخريجه فى ٨٩/٣. (٤) فى س: (فيه)). ٣٥٦ الموطأ وذكَر الأَثْرَمُ قال: سألتُ أبا عبدِ اللهِ ، يغْنِى أحمدَ بنَ حنبلِ، عن الصلاةِ التمهيد نصفَ النهارِ يومَ الجمعةِ، فقال: يُعْجِبُنِى أَنْ تَتَوَقَّها. فَذَكَوْتُ له حديثَ تَعْلَبَةَ بنِ أبى مالكِ القُرَظِيِّ: كُنَّا نُصَلِّى يومَ الجمعةِ حتى يَخْرُجَ عمرُ. قلتُ له : هذا يدُلُّ على الرخصةِ فى الصلاةِ نصفَ النهارِ. فقال: ليسَ هذا بيانٍ)، إنَّما جاءَ الكلامُ مُجْمَلًا: كنا نُصَلِّى. ثم قال: لا، ولكنَّ حديثَ النبيِّ بَّهِ مِن وُمُجُوهٍ إِنَّمَا نَهَى عن الصلاةِ نصفَ النهارِ، وعندَ طلوع الشمسِ، وعندَ الغروبِ؛ حديثُ عمرو بنِ عَبَسَةً، وعُقْبَةَ بنٍ عامٍ ، والصُّنَابِحِىِّ . وذكَرِ الأَثْرَمُ، قال: حدَّثْنا مِنْجَابُ بنُ الحارثِ، قال: أخبرنا خالدُ بنُ سعيدِ بنِ عمرو بنِ سعيدِ بنِ العاصِى، عن أبيه قال: كنتُ أَرَى أصحابَ رسولِ اللهِ وَلَه، فإذا زالَتِ الشمسُ يومَ الجمعةِ قاموا فصلُّوا أَرْبَعًا . قال أبو عمرَ : حديثُ ثعلبةَ بنِ أبى مالكِ أقوَى من هذا الحديثِ وأُبْيَنُ ، وحديثُ السائبِ بنِ يَزِيدَ مثْلُه . واللهُ أعلمُ . وأمّا حديثُ عُقبةَ بنِ عامرٍ، فحدَّثَنِى أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ ، قال: حدّثنا أبو النّضْرِ ، قال : حدّثنا اللّثُ ، عن مُوسی بنِ عُلى بنِ (٢) رباحٍ، عن أبيه، عن عُقبةَ بنِ عامرِ الجُهَنِىِّ قال: ثلاثُ ساعاتٍ نَهَى رسولُ اللهِ وَلَهِ أَنْ نُصَلِّيَ فيها ، القبس (١ - ١) فى م: ((فى هذا بيان)). (٢) بعده فى النسخ: ((أبى)). وينظر تهذيب الكمال ١٢٢/٢٩. ٣٥٧ الموطأ التمهيد أو نَقْبُرَ فيها مَؤْتانا؛ عند طلوع الشمسِ حتى تَبْيَضَّ ، وعندَ انتصاف النهارِ حتى تزُولَ، وعندَ اصفِرارِ الشمسِ وإضافَتِها(١) حتى تَغِيبَ (٢). وحدَّثنا عُبَيْدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مَسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ ، قال : حدَّثنا موسى بنُ عُلىّ بنِ رَباحِ اللَّحْمِىُّ المصرىُّ، قال: سمِعتُ أبِى يقولُ أَنَّه سمِع ◌ُقبةَ بنَ عامٍ قال: ثلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ اللهِ وَّ يَنْهانا أنْ نُصَلِّىَ فيهنَّ، أو نَقْثُرَ فيهنَّ مَوْتانا؛ حينَ تَطْلُعُ الشمسُ بازغةٌ حتى تَرتفعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظهيرةِ حتى تَميلَ الشمسُ، وحينَ تَضَيَّفُ الشمسُ للغروبِ حتی تغربَ(٢). وأخبرنى محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حدَّثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: جدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ ، عن موسى بنِ عُلىٍّ بنِ رباحٍ، قال: سمِعتُ أبى يقولُ: سمِعتُ عُقْبَةً ابنَ عامٍ الجُهَنِيَّ يقولُ: ثلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ اللهِ وَّهِ يَنْهانا أنْ نُصَلِّىَ فيها، أَو نَقْبُرَ فيها مَوْتانا؛ حينَ تَطْلُغُ الشمسُ بازغةً حتى ترتفعَ. فذكره حرفًا (٤) بحرفٍ(٤). القبس (١) إضافتها: ميلها. ينظر التاج ( ض ی ف ). (٢) أخرجه أبو نعيم فى مستخرجه (١٨٧٦) من طريق الحارث به، وأخرجه عبد الرزاق (٦٥٦٩) من طريق اللیث به . (٣) أخرجه أبو عوانة (١١٤٥) من طريق الفضل بن دکین به . (٤) النسائى (٥٥٩)، وفى الكبرى (١٥٤٣). وأخرجه ابن ماجه (١٥١٩) من طريق ابن = ٣٥٨ الموطأ ورُوِىَ عن عمرَ بنِ الخطابِ أنَّه نهَى عن الصلاةِ نصفَ النهارِ (١) ، وقال ابنُ مسعودٍ: كنَّا نُنهَى عن ذلك(١) . وقال أبو سعيدِ المَقْتُرِىُّ: أدركتُ الناسَ وهم يَتَّقُون ذلك(٣) . التمهید وأمَّا الصلاةُ على الجنائزِ فى ذلك الوقتِ ، فإنَّ أهلَ العلم أيضًا اختلفوا فى ذلك؛ فقال مالكٌ: لا بأسَ بالصلاةِ على الجنائزِ بعدَ العَصْرِ ما لم تَصفرَّ الشمسُ، فإِذا اصْفَرَّتْ لم يُصَلَّ على الجنازةِ ، إِلَّ أنْ يكونَ يُخافُ عليها، فيُصَلَّى عليها حِينَئذٍ ، ولا بأسَ بالصلاةِ على الجنازةِ بعدَ الصبحِ ما لم يُشْفِرْ، فإذا أسفَرَ فلا يُصَلُّوا عليها إلا أنْ يَخافوا عليها . هذه روايةُ ابنِ القاسمِ عنه . وذكر ابنُ عبدِ الحكم عنه أنَّ الصلاةَ على الجنائزِ جائزةٌ فى ساعاتِ الليلِ والنهارِ؛ عندَ طلوع الشمسِ، وعندَ غروبِها. ولا خلافَ() عن مالك وأصْحابِه أنَّ الصلاةَ على الجنائزِ ودَفْتَها نصفَ النهارِ جائزٌ. وقال الثورىُّ: لا يُصَلَّى على الجنائزِ إِلَّ فى مواقيتِ الصلاةِ، وَتُكْرَهُ الصلاةُ عليها نصفَ النهارِ ، وحينَ تَغِيبُ الشمسُ، وبعدَ الفجرِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: لا يُصَلَّى على الجنائزِ عندَ الطَّلوع، ولا عندَ الغروبِ، ولا نصفَ القبس = المبارك به ، وسیأتی ص ٥٣٨. (١) أخرجه ابن المنذر فى الأوسط (١٨٣٤). (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٥٣/٢، ٣٥٤، وأبو يعلى (٤٩٧٧)، والطحاوى فى شرح المعانى ١/ ١٥١، وفى شرح المشكل (٣٩٧٠). (٣) أخرجه ابن المنذر فى الأوسط (١٨٣٦). (٤) بعده فى م: ((فى ذلك)). ٣٥٩ الموطأ ٥١٥ - وحدَّثنى يحيى ، عن مالك، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، أنه قال: كان رسولُ اللهِ وَ لَهِ يقولُ: ((إذا بدَا حاجِبُ الشمسِ فأخِّروا الصلاةَ حتى تَبْرُزَ، وإذا غاب حاجِبُ الشمسِ فأخِّروا الصلاةَ حتى تَغْيبَ )) . التمهيد النهارِ، ويُصلَّى عليها فى غيرِها مِن الأوقاتِ. وقال اللَّيْثُ: لا يُصَلَّى على الجنازةِ فى الساعةِ التى تُكْرَهُ فيها الصلاةُ . وقال الأوزاعىُّ: يُصَلَّى عليها ما دامَ فى مِيقاتِ العصرِ، فإذا ذهَب عنهم ميقاتُ العصرِ لم يُصلُّوا عليها حتى تَغْرُبَ الشمسُ . وقال الشافعىُّ: يُصلَّى على الجنائزِ فى كلِّ وقتٍ. والنَّهْىُ عندَه عن الصلاةِ فى تلك الساعاتِ إنَّما هو عن النوافلِ المُتَدَواتِ والتطوعِ، وأمَّا عن صلاةٍ فريضةٍ أو صلاةٍ سُنَّةٍ فلا؛ لدلائلَ مِن الأثَرِ سأذْكُرُها فى كتابى هذا إن شاء الله . مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أنه قال: كان رسولُ اللهِ وَ لِ يقولُ: ((إذا بدا حاجبُ الشمسِ فأخِّروا الصلاةَ حتى تبرُزَ ، وإذا غابَ حاجبُ الشمسِ فأخّروا الصلاةَ حتى تغيبَ))(١). وهذا أيضًا لم يُختلفْ عن مالكٍ فى إرسالِه ، وقد رواه أيوبُ بنُ صالحٍ ، عن مالكٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، "عن عائشةً) . ولم يتابَعْ عليه عن مالكِ، وأیوبُ بنُ صالح هذا ليس بالمشهورِ بحملِ العلمِ ولا ممن يحتجُ به . القبس (١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٢). (٢ - ٢) ليس فى : الأصل، م. وينظر ما سيأتى الصفحة التالية . ٣٦٠