النص المفهرس
صفحات 361-380
الموطأ
التمهيد
فى صلاةِ الخوفٍ .
قال الأثرمُ : قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلِ : صلاةُ الخوفِ تقولُ فيها بالأحاديثِ
كلِّها؛ كلُّ حديثٍ فى موضعِه أم تختارُ واحدًا منها؟ فقال: أنا أقولُ: مَن ذهَب
إلى واحدٍ منها أو ذهَب إليها كلِّها فحسنٌ، وأما حديثُ سهلٍ بنِ أبى حَثْمَةً فأنا
أختارُه لأَنَّه أنكأُ للعدوِّ . قلتُ له : حديثُ سهلٍ بنِ أبِى حَثْمَةَ تستعملُه مستقبلِى
القبلةٍ كان العدوُّ أو مستدبرِيها؟ قال: نعم، هو أنكأَ فيهم لأنَّه يُصَلِّى بطائفةٍ ثم
يذهَبون، ويصلِّى بطائفةٍ أخرى ثم يذهبون .
واختار داودُ وطائفةٌ مِن أصحابِهِ حديثَ سهلٍ بنِ أبى حَثْمَةً أيضًا فى صلاةٍ
الخوفِ ، وكان عبدُ الرحمنِ بنُ مهدئٍّ ويحيى بنُ يحيى النيسابورىُّ يختارون
فى صلاةِ الخوفِ حديثَ سهلٍ بنِ أبِى حَثْمَةً(١).
روَاه شعبةُ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم ، عن أبيه ، عن صالحِ بنِ خوَّاتٍ ،
عن سهلِ بنِ أبِى حَثْمَةً، عن النبيِّ وَلَه(١) مثلَ حديثٍ مالكِ، عن يزيدَ بنِ
رُومانَ، عن صالح بنِ خَوَّاتٍ سواءً حرفًا بحرفٍ . كذلك روَاه معاذُ بنُ معاذٍ
العنبرِىُّ، عن شعبةً .
وأمَّا أبو حنيفةَ وأصحابُه إلَّا أبا يوسفَ فإنَّهم ذهبوا إلى ما رواه الثورىُّ،
وشريكٌ ، وزائدةُ ، وابنُ فضيلِ، عن خُصَيْفٍ ، عن أبى ◌ُبيدةً بنِ عبدِ اللهِ بنِ
مسعودٍ، عن أبيه، قال: صلَّى رسولُ اللهِ وَلَّهِ صلاةَ الخوفِ بطائفةٍ، وطائفةٌ
القبس
(١) بعده فى ن: ((و)).
- (٢) تقدم تخريجه ص ٣٥٠، ٣٥١ .
٣٦١
الموطأ
التمهید
مُسْتَقْبِلِى العدوِّ، فصلَّى بالذين ورَاءَه ركعةٌ وسجدتين، وانصرفوا ولم
يُسَلِّموا، فوقَفوا بإزاءِ العدوِّ، ثم جاء الآخرون فقاموا مَقامَهم، فصلَّى بهم
ركعةٌ ثم سَلَّمَ ، فقام هؤلاءِ فصلَّوا لأنفسِهم ركعةً ثم سلَّموا وذهبوا، فقاموا
مقامَ أولئك مستقبلى العدوِّ، ورجَع أولئك إلى مراتبِهم فصَلَّوا لأنفسِهم ركعةٌ
ثم سَلَُّوا(١).
وروَى أبو الأسودِ ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، عن مروانَ، عن أبى هريرةَ ، قال :
صلَّيْتُ مع رسولِ اللهِ وَلِّ عامَ نَجْدٍ صلاةَ الخوفِ. قال: فقامت طائفةٌ معه ،
وطائفةٌ أخرى مقابلَ العدوِّ وظهورُهم إلى القبلةِ(١). فذكَر مثلَ حديثِ ابنِ مسعودٍ
سواءً، إلَّ أَنَّه ليس فى حديثِ ابنِ مسعودٍ : وظهورُهم إلى القبلةِ . ولا ما يُخالِفُ
ذلك ، فالمعنى عندی فی حدیثِ ابنِ مسعودٍ ، وحديثِ أبى هريرةَ، وحديثٍ
ابنِ عمرَ المذكورِ فى هذا البابِ ، واحدٌ فى أنَّ الطائفتين كلتيهما لا تَقْضِى كلُّ
واحدةٍ منهما ركعتَها إلّ بعدَ سلام الإمام ، وكان الثورىُّ مرَةً يقولُ بحديثِ ابنٍ
مسعودٍ كقول أبى حنيفةً ، ومرّةً بحديثهعن منصور ، عن مجاهدٍ ، عن أبى عياشٍ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤٢٤٥)، وأحمد ٤٢٦/٦ (٣٨٨٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣١١/١
من طريق الثورى به، وأخرجه أبو داود (١٢٤٥)، وابن جرير فى تفسيره ٤٣٣/٧ من طريق شريك
به، وأخرجه أحمد ٢٦/٦ (٣٥٦١)، وأبو داود (١٢٤٤)، وأبو يعلى (٥٣٥٣)، وابن جرير فى
تفسيره ٤٣٢/٧ من طريق ابن فضيل به .
(٢) أخرجه أحمد ١٢/١٤ (٨٢٦٠)، وأبو داود (١٢٤٠)، والنسائى (١٥٤٢) من طريق أبى
الأسود به .
٣٦٢
الموطأ
التمهيد
الزُّرَقِىّ، قال: كنَّ مع رسولِ اللهِ وَّ بِعُسْفَانَ وعلى المشركين خالدُ بنُ الوليدِ.
فذكَر الحديثَ. وفيه: والعدوُّ بينَهم وبينَ القبلةِ. قال: فأمَرهم رسولُ اللهِ وَه
فأخَذوا السلاحَ، ثم قاموا خلفَه صفَّين؛ صفّ بعدَ صفٍّ، فكبّر رسولُ اللهِ
وٍَّ وكَبَّرُوا جميعًا، ثم ركَع وركَعوا جميعًا، ثم رفَع ورفعوا جميعًا، ثم
سجَد وسجَّد الذينَ يلُونه، والآخرون قيام يحرُّسُونهم ، فلما سجدوا سجدتين
قاموا، وسجَد الآخرون الذينَ كانوا خلفَهم، ثم تأخّر الذين سجَدوا مع
رسولِ اللهِ وَّوَ إلى مقامِ الذين كانوا يَحْرُسُونهم، وتقَدَّم الآخرون فقاموا
فى مقامِهم، ثم ركَع النبيُّ وَّلَه وركَعوا، ثم رفَع فرفَعوا جميعًا، ثم سجد
وسجَّد الذين يلُونه فى الصَّفِّ الذى يَلِيه، والآخرون قيام يحرُّسُونهم، فلما
رفَع رسولُ اللهِ وَله رأسَه مِن سجودِه وجلَس سجَد الآخرون، ثم جلسوا
جميعًا، ثم سَلَّمَ عليهم. قال: فصلًّاها رسولُ اللهِ نَّهِ مرَّةً بِعُشْفَانَ، ومرَّةً
بأرضٍ بنى سُلَيمٍ (٧).
قال سفيانُ: وحدَّثنا أبو الزبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ وَّه صَلَّاها بنَخْلَةَ مِثْلَ
(٣)
ذلك(٣).
قال أبو عمرَ : رواه أيوبُ وجماعةٌ، عن أبى الزبير، عن جابرٍ كما رواه
القبس
(١) فى ن: ((يحرسونه)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٢٣٧)، وأحمد ١٢٠/٢٧ (١٦٥٨٠)، وابن حبان (٢٨٧٥) من طريق
الثوری به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٤٢٣٨)، والنسائى (١٥٤٧) من طريق الثورى به.
(٤) أخرجه ابن ماجه (١٢٦٠)، وابن خزيمة (١٣٥٠) من طريق أيوب به .
٣٦٣
الموطأ
التمهيد
الثورىُّ. وكذلك رواه عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ .
وكذلك روَاه داودُ بنُ الحُصَيْنِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ (). وكذلك روَاه
قتادةُ ، عن الحسن ، عن حِطَّانَ الرَّقَاشئ ، عن أبى موسى ، فِعْلَهُ(١). ومِن مرسلٍ
مجاهدٍ(٤) وعروةً(٢) مِثْلُه . وإلى هذا الوجهِ فى صلاةِ الخوفِ ذهَب ابنُ أبى ليلَى .
قال الثورىُّ: وَبلَغنا أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ صلَّى بذى قَرَدٍ(٥)، فصَفَّ خلفَه صفًّا ،
وقام صفٍّ بإزاءِ العدوِّ، فصلَّى بالذين خَلْفَه ركعةً، ثم انصرَفُوا فقاموا مقامَ
أصحابِه(١)، وجاء الآخرون فصَلَّى بهم ركعةً، ثم سَلَّمَ عليهم، فكانت للنبىِّ
عليه السلامُ ركعتانٍ ، ولَكُلِّ صفِّ ركعةٌ . قال سفيانُ: قد جاء هذا وهذا، وأىَّ
ذلك فعَلْتَ رجوتُ أن يُجزِئَ .
قال أبو عمرَ : فخيَّر الثورىُّ فى صلاةِ الخوفِ على ثلاثةِ أوجُهٍ ؛ أحدُها ،
حديثُ ابنِ مسعودٍ الذى ذهَب إليه أبو حنيفةَ . والثانى، حديثُ أبى عياشٍ
الزُّرَقِيِّ، وإليه ذهب ابنُ أبى ليلَى جملةٌ ، وذهَب إليه أبو حنيفةً وأصحابُه إذا كان
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٢٢/٢٢، ٣٢٣ (١٤٤٣٦)، ومسلم (٣٠٧/٨٤٠)، والنسائى (١٥٤٦) من
طريق عبد الملك به .
(٢) أخرجه أحمد ٢١٢/٤ (٢٣٨٢)، والنسائى (١٥٣٤) من طريق داود به.
(٣) ذكره أبو داود عقب الحديث (١٢٣٦) .
(٤) تفسير مجاهد ص ٢٩٠. وأخرجه عبد الرزاق (٤٢٣٥، ٤٢٣٦)، وابن جرير فى تفسيره ٧/ ٤١١،
٤١٢، ٤٣٩ .
(٥) ذو قرد: ماء على ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر. معجم البلدان ٤/ ٥٤.
(٦) فى ن: ((أصحابهم)) .
٣٦٤
الموطأ
العدوُّ فى القبلةِ. والثالثُ، الوجهُ الذى بلغه أنَّ رسولَ اللهِ إِِّ صلَّى صلاةٌ التمهيد
بذى قَرَدٍ، وهو وإن كان أَرْسله فى ((جامعِه)) فإنَّه محفوظٌ من حديثه ، عن
الأشعثِ بنِ سُلَيمٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن ثعلبةَ بنِ زَهْدمِ (٢، أنَّهم كانوا
مع سعيدِ بنِ العاصِى بطَبَرِسْتَانَ ، فسأل سعيدٌ حذيفةً عن صلاةِ الخوفِ،
فقال حذيفةُ: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ نَّهِ صلَّها بهؤلاء ركعةٌ، وبهؤلاء ركعةٌ ،
ولم يَقْضُوا (٢).
وروَى الثورىُّ أيضًا ، عن أبى بكرِ بنِ أبى الجَهْمِ ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ
ابنِ عتبةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ مثلَ حديثٍ حذيفةً(٣)، وذكر أنَّ ذلك كان
بذِی قَرَدٍ . فبلاُ الثوریِّ قد بانَ انَّه مسندٌ عنده صحیح ، ورواه مجاهدٌ ، عن ابنٍ
عباسٍ .
وروَى سماكٌ الحنفىُّ، عن ابنِ عمرَ مثلَه (٤)، والقاسمُ بنُ حسانَ ، عن زيد
ابنِ ثابتٍ، عن النبيِّ وَ لَه مثلَه (١).
القبس
(١) فى الأصل، م: ((بزهدم)). وينظر تهذيب الكمال ٣٩١/٤.
(٢) أخرجه أحمد ٣٠٢/٣٨، ٤٠١ (٢٣٢٦٨، ٢٣٣٨٩)، وأبو داود (١٢٤٦)، والنسائى
(١٥٢٨، ١٥٢٩) من طريق الثورى به .
(٣) أخرجه أحمد ٤٩٣/٣ (٢٠٦٣)، والنسائي (١٥٣٢) من طريق الثورى به .
(٤) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٧/ ٤١٦، وابن خزيمة (١٣٤٩) من طريق سماك به .
(٥) فى النسخ: ((حيان)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٣٤١/٢٣.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٤٢٥٠)، وأحمد ٤٧٠/٣٥ (٢١٥٩٣) من طريق القاسم بن حسان به.
٣٦٥
الموطأ
التمهيد
"ويزيدُ الفقيرُ، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَلِّ مِثْلَه". إلّا أنَّ بعضَ رواةٍ حديثٍ
(١
يزيدَ الفقيرِ قال فيه: إنَّهم قَضَوا رَكعةٌ (١). وقال أحمدُ بنُ حنبل: لا أعلمُ أنَّه رُوِى
فى صلاةِ الخوفِ إلَّا حديثٌ ثابتٌ، هى كلُّها ثابتةٌ، فعلَى أىِّ حديثٍ صلَّى
المصلِّى صلاةَ الخوفِ أْزَأه إن شاء اللهُ. وكذلك قال الطبرىُّ.
قال أبو عمرَ: فى صلاةِ الخوفِ عن النبيِّ وَ لَه وجوه كثيرةٌ ؛ منها ، حديثُ
ابنِ عمرَ المذكورُ فى أوَّلِ هذا البابِ ، وما كان مِثْلَه على حسَبٍ ما تقَدَّم فى هذا
البابِ ذِكْرُه، ومِن القائلين به مِن أئمةِ فقهاءِ الأمصارِ ؛ الأوزاعىُ ، وإليه ذهب
أشهبُ صاحبُ مالكٍ . ووَجْهٌ ثانٍ ، وهو حديثُ صالحِ بنِ خوَّاتٍ مِن روايةٍ
مالكٍ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ ، عن صالحِ بنِ خوَّاتٍ ، ومِن
روايته أيضًا عن يزيدَ بنِ رومانَ، عن صالحِ بنِ خوَّاتٍ ، على حسَبٍ ما بينَهما مِن
الاختلافِ فى انتظارِ الإمامِ الطائفةَ الأُخرى بالسَّلامِ، ومِن القائلين بذلك؛
مالكٌ ، والشافعىُّ، وأبو ثورٍ ، على اختلافٍ ما بينَهم فى السَّلَامِ، على حسَبِ ما
وصَفْناه . ووجه ثالثٌ ، وهو حديثُ ابن مسعودٍ ، على ما تقدَّم ذِكْرُه فى هذا
البابِ، ومِن القائلين به ؛ أبو حنيفةً وأصحابُه إلَّ أبا يوسفَ، وهو أحدُ الوجوهِ
التى خَيَّر الثورىُّ فيها ، وبه قال بعضُ أصحابٍ داودَ أيضًا . ووجهٌ رابعٌ، وهو
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
والحديث أخرجه أحمد ٨٥/٢٢ (١٤١٨٠)، والنسائى (١٥٤٤، ١٥٤٥) من طريق يزيد
الفقير به .
(٢) ذكره أبو داود عقب الحديث (١٢٤٦).
٣٦٦
الموطأ
حديثُ أبى عياشِ الزُّرَقِيّ وما كانَ مِثْلَه ، على حسَبِ ما ذكَرْناه فى هذا التمهيد
البابِ، ومِن القائلين به؛ ابنُ أبي ليلى، والثَّوْرِىُّ أيضًا فى تَخْبِيرِه، وقد
قالت به طائفةٌ مِن الفقهاءِ إذا كان العدوُّ فى القبلةِ . ووجةٌ خامس، وهو
حديثُ حذيفةً وما كان مثله ، على ما قد مضى فى هذا البابِ ذِ كْرُه ، وهو
أحدُ الأَوجهِ الثلاثةِ التى خَيَّرَ الثَّوْرِىُّ رَحِمه اللهُ فى العملِ بها فى صلاةٍ
الخوفِ، ومِن حجةٍ مَن قال بهذا الوجهِ ما رواه بُكيرُ بنُ الأخنسِ، عن
مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: فَرَض اللهُ عزَّ وجلَّ الصلاةَ على لسانٍ
نبيِّكُم بَّهِ فى الحضرِ أربعًا، وفى السفرِ ركعتين، وفى الخوفِ ركعةً(١).
وزعَم بعضُ مَن قال بهذا(٢) الوجهِ مِن الفقهاءِ أنَّ للقصرِ فى الخوفِ
خصوصًا ليس فى غيرِ الخوفِ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ
چ
الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [ النساء: ١٠٢]. قال: فينبغى أنْ تكونَ الصلاةُ فى السفرِ بشرطِ
الخوفِ خِلافَ الصلاةِ فى السفرِ فى حالِ الأمنِ .
وذكروا عن جماعةٍ مِن الصحابةِ منهم ؛ ابنُ عباسٍ ، وزيدُ بنُ ثابت ، وجابرُ
ابنُ عبدِ اللهِ ، أنَّهم قالُوا : الصلاةُ فى الحضرِ أربعٌ، وفى السفرِ ركعتان، وفى
الخوفِ ركعةٌ . قالوا : ولو كان القصرُ فى حالِ الأُمنِ وحالِ الخوفِ سواءً ما كان
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٨/٤، (٢١٢٤)، والبخارى فى جزء القراءة خلف الإمام (٢٢٦)، ومسلم
(٥/٦٨٧، ٦) من طريق بكير به .
(٢) فى الأصل، م: ((هذا)).
٣٦٧
الموطأ
لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُ﴾. معنًى، وقد جَلَّ اللهُ عزَّ وجلَّ عن ذلك.
التمهید
قال أبو عمرَ : هذا القولُ خلافُ ما عليه جمهورُ الفقهاءِ، وقد يجوزُ فى
حكم لسانِ العربِ أنْ يكونَ المسكوتُ عنه فى معنى المذكورٍ، كما يجوزُ أن
يكونَ بخلافِهِ، وقد بيَّنَّا ذلك فى مواضعَ، والحمدُ للهِ .
وممَّا يَدُلُّ على أنَّ صلاةَ السفرِ فى الخوفِ وفى الأمنِ سواءٌ حديثُ ابنٍ
عمرَ حينَ قال له رجلٌ مِن آلِ خالدِ بنِ أَسِيدٍ (١): يا أبا عبدِ الرحمنِ، إِنَّا نَجِدُ
صلاةَ الحضرِ وصلاةَ الخوفِ فى القرآنِ ، ولا نَجِدُ صلاةَ السفرِ - يعنى فى
حالِ الأُمْنِ - فقال: يابنَ أخى، إنَّ اللهَ بعَث إلينا محمدًا وَلَّهِ ونحنُ لا نعلمُ
شيئًا، فإنَّما نفعلُ كما رَأيناه يفعلُ(٢). أىْ: رأَيْناه يفعلُ فى حالِ الخوفِ
وحالِ الأُمنِ فى السفرِ فِعْلًا واحدًا، فنحنُ نفعلُ كما كان ◌َِّ يفعلُ. وفى
ذلك ما يدُلُّ على أنَّ مرادَ اللهِ عزَّ وجلَّ فى ذلك مِن عبادِه واحدٌ ببيانِ السنةِ
فى ذلك ، كما صار قتلُ الصيدِ خطأً بالسنةِ يجبُ فيه مِن الجزاءِ ، كما
يَجِبُ على مَن قتلَه عمدًا مع قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ قَثَلَهُ مِنْكُمْ
متعمدا﴾ [ المائدة : ٩٥ ] .
وقد عَجِب عمرُ بنُ الخطابِ ويعلَى بنُ أميةً مِن هذا المعنى أيضًا حينَ قال
يَعْلَى لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، ما بالُنا نقصُرُ الصلاةَ وقد أمِنَّا، واللهُ عزَّ وجلَّ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((أسد)).
(٢) تقدم فى الموطأ (٣٣٤).
٣٦٨
الموطأ
يقولُ: ﴿إِنْ خِفْثُمْ﴾؟! فقال: عَجِئْتُ ممَّا عجِبتَ منه، فسألتُ رسولَ اللهِ وَّل التمهيد
عن ذلك، فقال(١): ((صدقةٌ تصَدَّق اللهُ بها عليكم، فاقْبَلُوا صدقَتَه)) (١). وهذا
أيضًا بَيِّنٌ فى أنَّ صلاةَ السفرِ فى الأُمنِ وفى الخوفِ سواءٌ، وبذلك جرَى
العملُ والفتوَى فى أمصارِ المسلمين عندَ جمهورِ الفقهاءِ، وقد يحتمِلُ أن
تكونَ روايةُ مَن رَوَى أنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ صلَّى بهم ركعةً ولم يَقْضُوا. أى
فى علم من روَى ذلك؛ لأنَّه قد روَى غيرُه أنَّهم قضَوْا ركعةً فى تلك
الصلاةِ بعينها، وشهادةُ مَن زاد أوْلَى، ويحتمِلُ أن يكونَ أراد بقولِه: لم
يقضُوا. أى: لم يَقْضُوا إِذْ أَمِنوا، وتكونُ فائدتُه أنَّ الخائفَ إذا أَمِن لا
يَقْضِى ما صلَّى على تلك الهيئةِ مِن الصلواتِ فى الخوفِ، وقد يحتمِلُ
قولُه: صَلَّوا فى الخوفِ ركعةً. أى: فى جماعةٍ مع رسولِ اللَّهِ وَله
وسكَت عن الثانيةِ لأنهم صلَّؤها أفذاذًا .
وحديثُ ابنِ عباسٍ انفردَ به بُكيرُ بنُ الأخنسِ ، وليس بحجةٍ فيما ينفردُ به ،
والصلاةُ أُوْلَى ما اخْتِيطَ فيه، ومن صلَّى ركعتين فى خوفِه وسفرِه خرّج من
الاختلافِ إلى اليقينِ. ووجهٌ سادسٌ، وهو حديثُ أبى بكرةَ، أن النبيَّ وَله
صلَّى بهم(٢) صلاةَ الخوفَ ركعتين(٢) بطائفةٍ وركعتين بطائفةٍ، فكانت للنبىّ
القبس
(١) بعده فى الأصل، ق، م: ((تلك)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٥١١/٥ - ٥١٣ .
(٣) بعده فى الأصل، ن، م: ((فى )).
(٤) بعده فى الأصل، ق: ((ركعتين)).
٣٦٩
( موسوعة شروح الموطأ ٢٤/٦ )
الموطأ
عليه السلامُ أربعٌ(١) ، ولكلِّ طائفةٍ ركعتانِ. رواه الأشعثُ وغيرُه، عن الحسنِ،
عن أبى بكرةَ .
التمهيد
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ معاذِ بنِ معاذٍ، قال: حدَّثنا أبى، حدَّثنا
الأشعثُ، عن الحسنِ، عن أبى بكرةَ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ وَلَّهِ الظهرَ فى
خوفٍ، فصَفَّ بعضَهم خلفَه، وبعضَهم بإزاءِ العدوِّ، فصلَّى ركعتين ثم سلَّم ،
فانْطلَق الذين صلَّوْا فوقَفوا موقفَ أصحابِهِم، ثم جاء أولئك فصَفُّوا خَلْفَه ،
فصَلَّى بهم ركعتين، ثم سلَّم، فكانت لرسولِ اللهِ وَلِّل أربعٌ، ولأصحابِه
ركعتانِ ركعتانٍ (١). وبذلك كان يُفْتِى الحسنُ. وروَى يحيى بنُ أبى كثيرٍ، عن
أبى سلمةً، عن جابرٍ مثلَه بمعناه .
حدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، (٢ثنا ابنُ وضَّاحِ)، حدَّثنا أبو
بكرِ بنُ أبى شيبةَ ، قال : حدَّثنا عفانُ ، قال: حدَّثنا أبانُ بنُ یزیدَ ، قال: حدَّثنی
يحيى بنُّ أبى كثيرٍ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن جابرٍ ، قال : أقبَلْنا مع
القبس
(١) فى ق، ن: ((أربعًا)).
(٢) أخرجه البيهقى ٢٦٠/٣ من طريق محمد بن بكر به، وهو عند أبى داود (١٢٤٨). وأخرجه
أحمد ٥٠/٣٤، ١٣٦ (٢٠٤٠٨، ٢٠٤٩٧)، والنسائى (٨٣٥، ١٥٥٠، ١٥٥٤) من طريق
الأشعث به .
(٣ - ٣) سقط من: م.
٣٧٠
الموطأ
رسولِ اللهِ وَ له حتى إذا كنا بذاتِ الرّقاع. فذكر الحدیثَ ، وفيه قال : فنُودِی
بالصلاةِ. قال: فصلى رسولُ اللهِ وَ لَهِ بطائفةٍ ركعتين، ثم تأخّروا، وصلَّى
بالطائفةِ الأخرى ركعتين. قال: فكانت لرسولِ اللهِ وَ له أربعُ ركعاتٍ، وللقومِ
(١)
ركعتان(١).
التمهيد
قال أبو عمرَ : كلُّ مَن أجاز اختلافَ نيةِ الإمام والمأموم فى الصلاةِ ، وأجاز
لِمَن صلَّى فى بيتِهِ أن يَؤُمَّ فى تلك الصَّلاةِ غيرَه، وأجاز أن تُصلَّى الفريضةُ خلفَ
المتنفِّلِ - يُجِيزُ هذا الوجهَ فى صلاةِ الخوفِ، وهو مذهبُ الأوزاعىِّ ،
والشافعيِّ ، وابنٍ عليَّةَ، وأحمد بن حنبلٍ، وداودَ .
وصلاةُ الخوفِ إِنما وُضِعَت على أخفّ ما يُمْكِنُ وأحوطِه للمسلمين، ولا
وجْهَ لقولٍ مَن قال: إنَّ حديثَ أبى بكرةَ وما كان (٢مثلَه كان٢) فى الحضرِ. لأنَّ
فيه سلامَه (٢) فى كلِّ ركعتين منها، وغيرُ محفوظٍ عن النبيِّ وَلَ أَنَّهِ صلَّى صلاةَ
الخوفِ فى الحضرِ، وقد حكى المزنيُ، عن الشافعيّ، قال: ولو صلَّى فى الخوفِ
القبس
(١) فى الأصل، ق، م: ((ركعتين)).
والحديث عند ابن أبى شيبة ٢/ ٤٦٤، ٤٦٥ - ومن طريقه مسلم (٣١١/٨٤٣)، ١٧٨٧/٤
(٨٤٣)، وأخرجه أحمد ١٩١/٢٣ (١٤٩٢٨)، وأبو عوانة (٢٤٢٧) من طريق عفان به، وأخرجه
الطحاوى فى شرح المعانى ٣١٥/١، وفى شرح المشكل (٤٢٢٠) من طريق أبان به .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى ن: ((كلامه)).
٣٧١
الموطأ
بطائفةٍ ركعتين ثم سلَّم، فصلَّى بالطائفةِ الأخرى ركعتين ثم سلَّم - كان جائزًا .
قال: وهكذا صلَّى النبيُّ وَلّه ◌ِبَطْنِ نخلةَ.
التمهيد
قال أبو عمرَ: قد رُوِى أنَّ صلاتَه هكذا كانت يومَ ذاتِ الرِّقَاع ، ولكن
ذلك عندِى لا يثبتُ ، واللهُ أعلمُ، لروايةِ صالحِ بنِ خوَّاتٍ فى يومِ ذاتِ الرِّقاع،
ويحتمِلُ أن يكونَ صلَّاها مرّتين على الهيئتين هناك، فهذه ستةُ (١) أوجهٍ كلُّها ثابتةٌ
مِن جهةِ النقلِ، قد قال بكُلِ وجهٍ منها طائفةٌ مِن أهلِ العلمِ .
وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ، والطبرىُّ، وبعضُ أصحابِ الشافعىِّ ، بجوازٍ كلِّ
وَجْهٍ منها، والوجهُ المختارُ فى هذا البابِ - على أنَّه لا يَحْرَجُ(٢) عندِى مَن صلَّى
بغيرِهُ مِما قد ثبت عن النبيِّ ◌َِّ - هذا الوجهُ المذكورُ فی حدیثِ ابنِ عمرَ ؛
حديثٍ هذا البابِ وما كان مثلَه ، لأَنَّه ورَد بنقلِ أئمةِ أهلِ المدينةِ ، وهم الحجةُ
و
على مَن خالَفهم ، ولأنه أشبهُ بالأُصُولِ؛ لأنَّ الطائفةَ الأُولَى والثانيةَ لم يَقْضُوا
الركعةَ إلَّا بعدَ خُروج رسولِ اللهِ بَّهِ مِن الصلاةِ، وهو المعروفُ مِن ستَّتِهِ(٥)
المُجتمعِ عليها فى سائرِ الصلواتِ ، وأمَّا صلاةُ الطائفةِ الأولى ركْعتَها قبلَ أن
يُصَلِّيَها إِمَامُها فهو مخالفٌ للسنةِ المجتمَعِ عليها فى سائرِ الصلواتِ ، ومخالفٌ
.
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) فى م: ((سبعة)).
(٣) فى ق، ن، م: ((يخرج).
(٤) فى م: ((لغيره)).
(٥) فى م: ((السنة)).
٣٧٢
الموطأ
التمهيد
لقولِهِ وَاخِلّهِ: ((إنما جُعِل الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به)) . وقد روى الثقاتُ حديثَ صالح بنِ
خوَّاتٍ ، عن سهلٍ بنِ أبى حَثْمَةَ على مثلٍ معنى حديثِ ابنِ عمرَ ، فصار حديثُ
سهلٍ مختلفًا فيه ، ولم يُختَلَف فى حديثِ ابنِ عمرَ، إلَّا ما جاء مِن شكٌّ مالكٍ
رحِمه اللهُ فى رَفْعِه، وقد رفَعه مِن غيرِ شكِّ جماعةٌ عن نافعٍ، ورفَعه الزهرىُّ،
عن سالم. والشَّكُّ لا يُلْتَفَتُ إليه، واليقينُ معمولٌ عليه.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ السَّكَنِ، حدَّثنا محمدٌ ، حدَّثنا
البخارىُّ، حدَّثنا أبو اليمانِ ، أخبرنا شعيبٌ، عن الزهرىِّ، أنَّه سأله: هل صَلَّى
النبىُّ نَّه صلاةَ الخوفِ؟ فقال: أخبرنا سالمٌ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ قال: غَزَوْتُ
مع رسولِ اللهِ وَّه قِبَلَ تَجْدٍ، فوازَيْنا العَدُوَّ فصفَفْنا لهم، فقام رسولُ اللهِ وَه
يُصلِّى لنا، فقامت طائفةٌ معه، وأقبَلت طائفةٌ على العدوِّ، فركَع رسولُ اللهِ وَ
بمن معه ركعةٌ، وسجَد سجدتين، ثم انصرفوا مكانَ الطائفةِ التى لم تُصَلِّ ،
فجاءوا، فركَع رسولُ اللهِ وَ لّهبهم ركعةٌ وسجَد سجدتين ثم سلَّم ، فقام كلُّ
واحدٍ منهم فركَع لنفسِه ركعةً، وسجد سجدتين(٢).
وأما الروايةُ التى جاءت فى حديث سهلٍ بنِ أبى حَثْمَةَ بنحوِ حديث ابنٍ
عمرَ، فحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٣٠٤، ٣٠٥).
(٢) أخرجه البغوى فى شرح السنة (٣٧٩٩) من طريق محمد بن يوسف به . وهو عند البخارى
(٩٤٢، ٤١٣٢). وأخرجه أحمد ٤٤٣/١٠ (٦٣٧٨)، والدارمى (١٥٦٢) من طريق أبى اليمان
به ، وأخرجه النسائى (١٥٣٨) من طريق شعيب به .
٣٧٣
الموطأ
التمهيد
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا يحيى - يعنى
القطانَ - قال: حدَّثنا شعبةُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ ، عن أبيه ، عن صالحٍ
ابنِ خوَّاتٍ، عن سهلٍ بِنِ أبِى حَثْمَةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ صلَّى بهم صلاةَ
الخوفِ ، فصفَّ صَفًّا خَلْفَه، وصَفَّا مُصَافِّى العدوِّ، فصلَّى بهم ركعةٌ، ثم ذهَب
هؤلاءِ وجاء أولئك، فصلَّى بهم ركعةً، ثم قاموا فقضَوا ركعةٌ ركعةٌ(١).
فإن قيل: إنَّ يحيى القطانَ قد خُولِف عن شعبةً فى ذلك. فالجوابُ أنَّ الذى
خالَفه لا يُقاسُ به حِفظً وإتقانًا وإمامةً فى الحديثِ .
وما اخترناه فى هذا البابِ فهو اختيارُ أشهبَ ، وإليه ذهَب الأوزاعىُ ، وقال
به بعضُ أصحابٍ داودَ ، والحجةُ فى اختيارِنا هذا الوجهَ مِن بينِ سائرِ الوجوهِ
المرويَّةِ فى صلاةِ الخوفِ، أَنَّه أصحُها إسنادًا، وأشبهُها بالأصولِ المجتمعِ
عليها، وفى صلاةِ رسولِ اللهِ وَلِّ فى الخوفِ بأصحابِه ركعةً ركعةٌ، وأتمَّت
كلُّ طائفةٍ لأنفسِها (٢) دليلٌ على أنَّ حديثَ جابرٍ فى قصةِ معاذٍ وصلاتِه بقومِه بعدَ
صلاِهِ مع النبيِّ وٍَّ(١) تلك الصلاةَ منسوخٌ؛ لأَنَّه لو جاز أن تُصلَّى الفريضةُ
خلفَ المتنفِّلِ لصلَّى بهم رسولُ اللهِ وَلَه ركعتين ركعتين، واللَّهُ أَعلمُ . قد
احتجّ بهذا أبو الفرجِ وغيرُه مِن أصحابنا، ومِن الكُوفِين أيضًا، إِلَّا أَنَّه يَعترضُ
عليهم حديثُ أبى بكرةَ، وحديثُ جابرٍ، وفى ذلك نظرٌ، وباللَّهِ التوفيقُ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣٥٠.
(٢) فى م: ((لنفسها)).
(٣) تقدم فى ٣٤١/٥ - ٣٤٢ .
٣٧٤
الموطأ
التمهيد
وقالت طائفةٌ مِن أهلِ العلم ؛ منهم أبو يوسفَ وابنُ عليةً: لا تُصلَّى صلاةٌ
الخوفِ بعدَ النبىِِّ نَّه بإمامٍ واحدٍ، وإنما تُصلَّى (١) بإمامين؛ يصلِّى كلُّ إمام
بطائفةٍ ركعتين. واحتجُوا بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ
الصَّلَوَةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]. قالوا: فإذا لم يكنْ
فيهم النبىُّ وَّه لم يكنْ ذلك لهم؛ لأَنَّ النبيَّ وَلِّ ليس كغيره فى ذلك، ولم
يكنْ مِن أصحابِهِ مَن يُؤْثِرُ بنصيبِه منه غيرَه، وكلَّهم كان يُحِبُّ أن يأتَمَّ به ويصلِّىَ
خَلْفَه، وليس أحدٌ بعدَه يقومُ فى الفضلِ مقامَه ، والناسُ بعدَه تستوِى أحوالُهم أو
تتقاربُ ؛ فلذلك يُصلِّى الإمامُ بفريقٍ منهم، ويأمُرُ مَن يُصلِّى بالفريقِ الآخَرِ ،
وليس بالناسِ اليومَ حاجةٌ إلى صلاةِ الخوفٍ إذا كان لهم سبيلٌ أن يصلُّوا فوجًا
فوجًا ، ولا يَدَعوا فرضَ القبلةِ ولهم إليها سبيلٌ .
قال أبو عمرَ : هذه جملةُ ما احتجَّ به القائلون بألّا تُصلَّى صلاةُ الخوفِ بإمام
واحدٍ لطائفتين بعدَ النبىِّ وَّهَ، ومِن الحَجَّةِ عليهم لسائرِ العلماءِ أنَّه لما
كان قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾.
[التوبة: ١٠٣]. لا يوجِبُ الاقتصارَ على النبيِّ نَّهِ وحدَه، وأنَّ مَن بعده يقومُ فى
ذلك مقامَه، فكذلك قولُه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾.
سواءٌ، ألا ترَى أَنَّ أبا بكرِ الصدِّيقَ فى جماعةِ الصحابةِ قاتَلُوا مَن تأوَّل فى الزكاةِ
مثلَ تأويلِ هؤلاءِ فى صلاةِ الخوفِ .
القبس
(١) بعده فى ن: ((بعد إلى يوم القيامة)).
٣٧٥
الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: ليس فى أخذِ الزكاةِ التى قد استوى فيها النبيُّ أَّه ومَن بعده
مِن الخلفاءِ ما يُشْبِهُ صلاةَ مَن صَلَّى خلفَ النبيِّ نَّهِ وَصلَّى غيرُه خلفَ غيرِهِ؛
لأنَّ أخذَ الزكاةِ فائدتُها توصيلُها للمساكينِ ، وليس فى هذا فضلٌ للمُعْطَى كما
فى الصلاةِ فضلٌ للمصلَّی خَلْفَه .
وأما مراعاةُ القبلةِ للخائفِ فى الصلاةِ فساقطةٌ عنه عندَ أهلِ المدينةِ والشافعىِّ
إذا اشتدَّ خوفُه كما يَشْقُطُ عنه(١) النزولُ إلى الأرضِ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَإِنْ
خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: )
قال أبو عمرَ: مُسْتَقْبلى القبلةِ وغيرَ مستقبلِيها. وهذا لا يجوزُ لمُصَلِّى
الفَرْضِ فى غيرِ الخوفِ، ومِن الدَّليلِ على أنَّ ما خُوطِب به النبىُّ وَل دخَلت فيه
أَمَّتُه إِلَّا أنْ يَتَبَيّنَ خصوصٌ فى ذلك - قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا
وَطَرًّا زَوَّحْنَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجُ فِى أَزَوَجِ أَدْعِيَابِهِمْ﴾ الآية
[الأحزاب: ٣٧]. ومثلُ ذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَئِنَا
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]. هو المخاطبُ به، وأَمَّتُه داخلةٌ فى حكمِه، ومثلُ
هذا كثيرٌ. وباللَّهِ التوفيقُ .
وأما قولُ ابنِ عمرَ فى حديثه هذا : فإن كان خوفًا هو أشدُّ مِن ذلك صَلَّوا
رجالًا قيامًا (١) على أقدامِهم أو ركبانًا، مُسْتَقْبِلِى القبلةِ وغيرَ مستقبلِيها . فإليه
ذهَب مالكٌ ، والشافعى، وأصحابُهما، وجماعةٌ غيرُهم ؛ قال مالكٌ والشافعىُّ :
القبس
(١) فى م: ((عند)).
(٢) فى الأصل، م: ((قياسا)).
٣٧٦
الموطأ
يُصلِّى المسافرُ والخائفُ على قدرٍ طاقته ، مستقبل القبلةِ ومستديرها . وبذلك قال
أهلُ الظاهِرِ ، وقال ابنُ أبى ليلَى وأبو حنيفةً وأصحابُه: لا يصلِّى الخائفُ إلَّ إلى
القبلةِ ، ولا يُصلِّ أحدٌ فى حالِ المسايفةِ .
التمهيد
وقولُ الثورىِّ نحوُ قولٍ مالكِ، ومِن قولٍ مالكِ والثورىِّ: إنَّه إن لم يقدِرْ على
الركوع والسجودِ، فإِنَّه يصلِّى قائمًا ويُومِئُ إيماءً (١). قال الثورىُّ: إذا كنتَ
خائفًا، فكنتَ راكبًا أو قائمًا، أومأَت إيماءً حيثُ كان وجهُك ركعتين . تَجْعَلُ
السجودَ أُخفضَ مِن الركوعِ، وذلك عندَ السَّلَّةِ . والسَّلَّةُ المُسايفةُ.
وقال الأوزاعىُّ : إذا كان القومُ مواجِهِى العدوِّ وصلَّى بهم إمامُهم صلاةَ
الخوفِ ، فإن شغَلهم القتالُ صلَّوْا فرادَى، فإن اشتدَّ القتالُ صَلَّوْا رجالاً ور كبانًا
إيماءً حيثُ كانت ومجوهُهم ، فإنْ لم يَقْدِروا ترَكوا الصلاةَ حتى يأمَنُوا . وقال
الشافعىُّ : لا بأسَ أن يضرِبَ فى الصلاةِ الضربةَ، ويَطعُنَ الطعنةَ، وإنْ تابعَ
الضربَ أو الطعنَ أو "عَمِل عملاً بطَلَت صلاتُه٢).
واستحبَّ الشافعىُّ أن يأخُذَ المُصلِّى سلاحَه فى الصلاةِ ما لم يكنْ نَجِسًا،
أو يمنعُه مِن الصلاةِ، أو يُؤْذِى أحدًا. قال: ولا يأخُذُ الرمحَ إلَّا أن يكونَ فى
حاشيةِ الناسِ. وأكثرُ أهلِ العلم يستحِبُّون للمصلِّى أخذَ سلاحِه إذا صلَّى فى
[ النساء: ١٠٢] . على
الخوفِ، ويحمِلون قوله: ﴿(" وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُم٣ّ)﴾
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ن، م.
(٢ - ٢) فى الآم: ((عمل ما يطول فلا يجزئه صلاته)).
(٣ - ٣) فى النسخ: ((وخذوا أسلحتكم)). والمثبت صواب التلاوة.
٣٧٧
الموطأ
التمهيد
الندبِ ؛ لأَنَّه شىءٌ لولا الخوفُ لم يَجِبْ أخذُه، فكان الأمرُ به ندبًا .
وقال أهلُ الظاهرِ: أخذُ السلاحِ فى صلاةِ الخوفِ واجبٌ؛ لأمرِ اللهِ به إلَّا لَن
كان به أذًى مِن مطرٍ أو مرضٍ، فإن كان ذلك جاز له وضعُ سلاحِه .
قال أبو عمرَ : الحالُ التى يجوزُ فيها للخائفِ أن يُصلِّىَ راكبًا وراجلًا،
مستقبلَ القبلةِ وغيرَ مستقبلِها، هى حالُ شدَّةِ الخوفِ ، والحالُ الأَولَى التى
ورَدتِ الآثارُ فيها هى غيرُ هذه الحالِ ، وأحسنُ الناسِ صفةً للحالينِ جميعًا مِن
الفقهاءِ الشافعىُّ رحِمه اللـهُ، ونحنُ نذكُرُ قولَه فى ذلك لنُبَيِّنَ به المرادَ مِن
الحديثِ . وباللَّهِ التوفيقُ .
قال الشافعىُ: لا يجوزُ لأحدٍ أن يصلِّىَ صلاةَ الخوفِ إلَّا بأن يُعَايِنَ عدوًّا
قريبًا غيرَ مأمونٍ أن يَحْمِلَ عليه مِن موضعِ يَرَاه، أو يأتيَه مَن يُصَدِّقُه بمثلِ ذلك مِن
قربِ العدوِّ منه ومسيرِهم جادِّين إليه ، فإنْ لم يكنْ واحدٌ مِن هذين المعنيين فلا
يجوزُ له أن يُصلِّىَ صلاةَ الخوفِ، فإِنْ صلَّوْا بالخبرِ صلاةَ الخوفِ ثم ذهَب لم
يُعيدوا .
وقال أبو حنيفةً: يُعِيدُون (١). وقال الشافعىُّ: إن كان بينهم وبينَ العدوِّ حائلٌ
يأمَنون وصولَ العدوِّ إليهم لم يُصلُّوا صلاةَ الخوفِ، وإن كانوا لا يأمنونهم
صلَّوْا .
وقال الشافعىُّ : الخوفُ الذى تجوزُ فيه الصلاةُ رجالًا وركبانًا ، إِطْلالُ العدوِّ
القبس
(١) فى ق، ن: ((يعيدوا)).
٣٧٨
الموطأ
التمهيد
عليهم فيَتَرَاءَوْن معًاً ، والمسلمون فى غيرِ حصنٍ حتى ينالَهم السلامحُ مِن
الرمى أو (١) أكثرَ مِن أن يقرُبَ العدوُّ فيه منهم مِن الطعنِ والضَّرْبِ ، فإذا كان
هكذا والعدوُّ مِن وجهٍ واحدٍ(٢)، أو مُحِيطون بالمسلِمين، والمسلمون كثيرٌ،
والعدوُّ قليلٌ ، تستقِلُّ كلُّ طائفةٍ وَلِيها العدوُّ بالعدوِّ(٤)، حتى تكونَ مِن بينِ
الطوائفِ التى يَلِيها العدوُّ فى غيرٍ شدَّةِ خوفٍ منهم، صلَّى الذين لا
يلونهم صلاةً غيرَ شدَّةِ الخوفِ، لا يُجْزِئُ غيرُ ذلك. ولغيرِ الشافعىِّ قريبٌ
مِن هذا المعنى فى الوجهين جميعًا. وقال مالكٌ: إن صلَّى آمنًا ركعةً ثم
خاف رَكِب وبنَى، وكذلك إنْ صلَّى ركعةً راكبًا وهو خائفٌ ثم أمِن نزَل
وبنَى . وهو أحد قولَي الشافعىِّ، وبه قال المزنيُ. وقال أبو حنيفةً: إذا افتَتَح
الصلاةَ آمنًا ثم خاف استقبَل ولم يَينِ، فإن صلَّى خائفًا ثم أَمِن بنَى . وقال
الشافعىُ: يَبْنى النازلُ ولا يَثْنِى الراكبُ. وقال أبو يوسفَ: لا يَبْنِى فى شىءٍ
مِن هذا كلِّه .
وللفقهاءِ اختلافٌ فیمن ظنَّ بالعدوّ أو رآه فصنَّی صلاةً خائفٍ ثم انکشف له
القبس
(١) فى الأصل، م: ((صفا)). ويُنظر الأم ٢٢٢/١.
(٢) فى الأصل، م: ((و)).
(٣) بعده فى الأم ٢٢٢/١: (( والمسلمون كثير يستقل بعضهم بقتال العدو حتى يكون بعض فى شبيه
بحال غير شدة الخوف منهم قاتلتهم طائفة وصلت أخرى صلاة غير شدة الخوف ، وكذلك لو كان
العدو من وجهين أو ثلاثة )) .
(٤) فى ن، م: ((بالكرّ)).
(٥) بعده فى الأصل، م: (( تليها)).
٣٧٩
الموطأ
التمهید
أنَّه لم يكنْ عدوٌ. وفى الخوفِ مِن السباعِ وغيرِها، وفى الصلاةِ فى حينٍ
المُسايفةِ، وفى أخذِ السلاح فى الحربِ مسائلُ كثيرةٌ مِن فروعُ صلاةٍ
الخوفِ ، لا يجمُلُ بى إيرادُها ، لخروجِنا بذلك عن تأليفِنا، وفيما ذكَوْنا مِن
الأُصولِ التى فى معنى الحديثِ ما يُستدلَّ به على كثيرٍ مِن الفروعِ، وللفروعِ
كتبٌ غيرُ هذه . وباللهِ العصمةُ والتوفيقُ .
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ جريرٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الرَّقْىُ ، قال: حدَّثنا عمرُو
ابنُ أبى سلمةَ ، قال: حدَّثنا الأوزاعىُّ، قال: حدَّثنا سابقٌ البَرْبَرِىُّ، قال : كنتُ
مع مكحولٍ بدابِقَ (١). قال: فكتَب إلى الحسنِ يسألُه عن الرجلِ يطلُبُ عدوَّه،
فلم نَبْرَحْ حتى جاء كتابُه ، فقرَأْتُ كتابَ الحسنِ : إن كان هو الطالبَ نزَل فصلَّی
على الأرضِ، وإن كان هو المطلوبَ صلَّى على ظهرٍ. قال الأوزاعىُّ: فوجَدْنا
الأمرَ على غيرِ ذلكَ (٤).
قال شُرحبيلُ ابنُ حسنةً لأصحابِهِ : لا تُصلُّوا الصبحَ إلَّا على ظَهْرٍ. فنزَل
الأَشْتَرْ فصَلَّى على الأرضِ، فمرّ به شُرَخْبِيلٌ فقال: مخالفٌ ، خالَف اللهُ به .
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ن، م.
(٢) فى م: ((فرع)).
(٣) فى م: ((بدانق)). ودابق: قرية قرب حلب من أعمال عَزَاز بينها وبين حلب أربعة فراسخ.
معجم البلدان ٢/ ٥١٣.
(٤) أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٢٥٦)، وابن عساكر ٥/٢٠ من طريق الأوزاعى به .
٣٨٠