النص المفهرس

صفحات 1-20

مَؤْسُؤْعَةُ
شروع المُحَظّا
لِمَامِ مَالِكِ بْنِأَس
المتوفى سنة ١٧٩ هـ
التَّهِيْدُ وَالاسْتِذِكَارُ
الأِ عَ مُوسُفَ بْ رَب ◌ِهِن ◌َّ الِّ
المتوفى سنة ٤٦٣ هـ
القَيَسُ
لِأَبِ بَكرٍ محمّدِنِ عَبْدِلّهِ ابْنِ العَربىّ المالكىّ
المتوفى سنة ٥٤٣هـ
پحقیں
الدّكتور / عَبْد اللَّه بْن عَبْدِ المُحْسِ التركيّ
بالتّاوُك مع
مركز مجم الجوث والدراسية العَرَبيّة والإسْلامية
الدكتور / عبد السند حسن يمامة
الجزء السادس

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥ م

مَؤْسُوْعَهُ
شروع المُودماء

.

الموطأ
٠
انتظارُ الصلاةِ والمشئ إليها
٣٨٣ - حدَّثنى يحيى، عن مالك، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن
أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ نٍَّ قال: ((الملائكةُ تُصَلّى على أحدكم ما دام
فى مُصلَّاه الذى صلَّى فيه، مالم يُحدِثْ؛ اللهم اغفِرْ له، اللهم ارحَمْه)) .
قال يَحْيَى: قال مالكٌ: لا أُرِى قَوْلَه: ((مَا لَمْ يُحْدِثْ)). إلّا
مالكٌ، عن أبى الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَظله التمهيد
قال: ((الملائكةُ تُصَلِّى على أَحَدِكم مَا دَامَ فى مُصَلَّه الذى صَلَّى فيه ما لم
يُحدِثْ؛ اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ ارْحَمْه))(١) .
القبس
انتظار الصلاةِ
الملائكةُ تُصَلِّى على العبدِ ما دامَ مُنْتِظِرًا للصلاةِ تَنْبِيهًا، وما دامَ فى مُصَلَّاه بعدَ
الصلاةِ نصًّا .
وقد قال : ((لا يَزالُ أحدُكم فى صَلاةٍ ما دامت الصلاةُ تَخْبِسُه))(١).
وقولُه: ((ما لم يُحدِثْ)). قال مالكٌ: يريدُ به الأحداثَ التى تَنْقُضُ
الوضوءَ. وقال غيرُه: يريدُ ما لم يَعصِ. وإذا قطَع صلاةَ الملائكةِ حَدَثُ الوضوءِ"
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٢٧). وأخرجه أحمد ٢٠٨/١٦ (١٠٣٠٧)، والبخارى (٤٤٥،
٦٥٩)، وأبو داود (٤٦٩)، والنسائى (٧٣٢) من طريق مالك به .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٣٨٤).
(٣ - ٣) سقط من : ج، م.

الموطأ
الإِحْدَاثَ الذى يَنْقُضُ الوضوءَ.
قال مالِكٌ: لا أَرَى قولَه: ((ما لم يُحدِثْ)). إِلَّ الإِحْدَاثَ الذى يَنْقُضُ الوضوءَ.
التمهيد
قال أبو عمرَ: أمَّا قولُه: ((الملائكةُ تُصَلِّى عَلَى أحَدِ كم)). فمَعْنَاه تَتْرََّّمُ
على أحَدِ كم، وتَدْعُو له بالرَّحْمَةِ والْمَغْفِرَةِ، وهذا بَيِّنٌ فى نَفْسٍ هذا الحديثِ ؛
قَوْلِهِ : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ ارْحَمْه)).
وأمَّا قولُه: ((فى مُصَلَّه الذى صَلَّى فيه)). فإنَّه أرادَ الصَّلاةَ المعروفةَ،
ومَوْضِعُها الذى تُفْعَلُ فيه هو المُصَلَّى، وهو المسجدُ ، مسجدُ الجماعةِ ؛ لأُنَّ فيه
يَحْصُلُ فِى الأَعْلَبِ انتظارُ الصَّلاةِ، ولو قَعَدَتِ المرأةُ فى بَطْنِ (١) بَيْتِها، أو مَن لا
يَقْدِرُ على شُهُودِها فى المسجدِ ، لكان كذلكَ إِنْ شاءَ اللهُ .
ذَكَرَ الفِزْيَابِىُّ، حدَّثَنَا محُكَيْمُ بنُ رُزَبِقٍ (٢) الأَتِىُّ(٣) ، قال: سمعتُ أَبِى يَسْأَلُ
سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ وأَنا معه؛ قال: يا أبا محمدٍ، إِنَّا أَهْلُ قَرْيَةٍ لا نَكَادُ أنْ نَقْبُرَ مَوْتَانا
إلّا بِالعَشِيِّ، فإذا خَرَجَتِ الجِنَازَةُ لم يَتَخلَّفْ عنها أحَدٌ إلَّ مَن لا يستطيعُ
حضورَها ، فكيف تَرَى ؛ اتِّبَاحُ الجِنّازَةِ أَحَبُّ إليكَ ، أم القعودُ فى المَسْجِدِ؟ فقال
سعيدٌ: مَنْ صَلَّى على جِنَازَةٍ فله قيراطٌ ، ومَنْ تَبِعَها حتى تُقْبَرَ فله قِرَاطان ،
والتَّخَلُّفُ فى المسجدِ أَحَبُّ؛ فإِنِّى أَذْكُرُ اللهَ، وأُهَلِّلُ وأُسَبِّحُ وأَسْتَغْفِرُ، فإنَّ
الملائكةَ تقولُ: اللهمَّ اغْفِرْ له، اللهمَّ ارْحَمْه . فإِذا فَعَلْتُ تقولُ الملائكةُ: اللهمَّ
القبس
فحَدَثُ المعصيةِ أَحْرَى أَن يَقْطَعَه .
(١) فى ص ١٦: ((مصلى)).
(٢) فى ص ١٦: ((رزين))، وفى م: ((زريق)). وينظر التاريخ الكبير ٩٥/٣، والجرح والتعديل
٢٨٧/٣، ٠٥٠٤
(٣) فى ص ١٦: ((العقيلى)).
٦

الموطأ
التمهيد
اغْفِرْ لسعيدِ بنِ المسَيَّبِ .
قال: وحدَّثنا سفيانُ، عن عثمانَ بنِ الأُسْوَدِ ، عن مُجَاهِدٍ ، قال: الصلاةُ
على الجنائزِ أفضلُ مِن صَلاةِ التَّطَوَّعِ(١).
قال أبو عمرَ: هذا أصَحُ فى النَّظَرِ؛ لأَنَّ الفُروضَ التى على الكِفَايَةِ أَفْضَلُ
مِن التَّوَافِلِ، وقد بانَ فى حديثٍ سعيدٍ هذا أَنَّ الصَّلاةَ المذكورةَ فى هذا الحديثِ
الدعاءُ، وللصلاةِ فى كلامِ العَرَبِ وُجُوهٌ؛ قال أبو بكرٍ بنُ الأَنْبَارِىِّ: والصلاةُ
تَنْقَسِمُ فى كَلامِ العربِ على ثَلاثَةِ أقسامِ ؛ تكونُ الصَّلاةَ المعروفةَ التى فيها الركوعُ
والسجودُ، كما قال عزَّ وجلّ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
قال أبو عمرَ : وَأَنْشَدَ نَفْطَوَيْه فى هذا المعنَى قولَ الأَعْشَى، وهو جاهِلٌّ(٢):
نراوح مِن صَلَواتِ المَليـ
ـكِ طَورًا سجودًا وطَوْرًا حَوَارًا(٣)
الحوَارُ هُنا: الرُّجُوعُ إلى القِيَامِ وِالقُعُودِ . ومِن هذا قَوْلُهم: البَكَرَةُ تَدُورُ
على المِخْوَرِ. ومِن هذا قولُ النَّابِغَةِ الذُّنْيَانِيّ(٤):
بَهِجْ متى يَرَها يُهِلَّ وَيَسْجُدِ
(أو دُرّةٌ) صَدَفِيَّةٌ غَوَّاصُها
قال ابنُ (١) الأنْبَارِىِّ: وتكونُ الصَّلاةُ التَّرَحُمَ ؛ مِن ذلكَ قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ :
القبس
(١) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٣ - زيادات نعيم) من طريق حكيم بن رزيق به .
(٢) دیوانه ص ٥٣.
(٣) فى الديوان: ((جؤارا)).
(٤) فى ص، ص ١٧: ((الجعدى)). والبيت فى ديوان النابغة الذبيانى ص ٣٢.
(٥ - ٥) فى الديوان: ((كمضيئة)).
(٦) سقط من: م.
٧

الموطأ
[البقرة: ١٥٧]. ومِن ذلك قولُ
﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾
التمهید
گغْبِ بنِ مالك(١) :
وسَقَى عِظامَهُمُ الغَمامُ الْمُسْبِلُ
صَلَّى الإِلَهُ عليهمُ مِن فِتْيَةٍ
وقال آخَرٍ(٢):
رَبِّ كريمٌ وشَفِيعٌ مُطَاعٌ
صلَّى على يَحْيَى وأَشْيَاعِه
ومنه الحديثُ الذى يُرْوَى عنِ ابنِ أبِى أَوْفَى، أنَّه قال: أَتَيْتُ النبيَّ نَه
بِصَدَقِنا، فقال: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِى أَوْفَى))(٣) . يريدُ: اللَّهُمَّ تَرَجَّمْ عليهم.
وتكونُ الصَّلاةُ الدُّعَاءَ؛ مِن ذلك الصَّلاةُ على الَّتِ مَعْنَاها الدُّعَاءُ، لأَنَّه لا رُكُوعَ
فيها ولا سجودَ؛ ومِن ذلك قولُ النبيِّ ◌َهِ: ((إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامِ
فليُجِبْ ، فإنْ كان مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وإنْ كان صَائِمًا فلْيُصَلِّ))(٤) . مَعْناه: فَلْيَدْعُ
بالبَرَكَةِ ، ومنه قولُه أيضًا: ((الصَّائِمُ إذا أُكِلَ عِنْدَه صَلَّتْ عَلَيْهِ الملائكةُ)) (٥).
القبس
(١) البيت فى السيرة النبوية ٣٨٥/٢.
(٢) ينظر تفسير القرطبى ١٧٧/٢.
(٣) أخرجه أحمد ٤٥٧/٣١، ٤٧٦ (١٩١١١، ١٩١٣٣)، والبخارى (١٤٩٧، ٤١٦٦،
٦٣٣٢، ٦٣٥٩)، ومسلم (١٧٦/١٠٧٨) من حديث ابن أبى أوفى.
(٤) أخرجه أحمد ١٧٢/١٣، ١٧٣ (٧٧٤٩)، ومسلم (١٤٣١)، وأبو داود (٢٤٦٠) من
حديث أبى هريرة .
(٥) أخرجه أحمد ٦١٥/٤٤، ٤٦٦/٤٥ (٢٧٠٦٠، ٢٧٤٧٢)، وابن ماجه (١٧٤٨)،
والترمذى (٧٨٥، ٧٨٦) من حديث أم عمارة بنت كعب الأنصارية .
-

الموطأ
مَعْنَاه: دَعَتْ له، ومنه قولُ الأَعْشَى(١) :
التمهيد
وإنْ ذُبِحَتْ صلَّى عليها وزَمْزَمَا
لها حارِسٌ لا يَتْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَها
وللأَعْشَى() :
يا رَبِّ جَنِّبْ أبِى الأَوْصَابَ والوَجَعَا
تقولُ بِثْنِى(٢) وقد قَرَّبْتُ مُؤْتَحَلًا
نومًا(٤) فإِنَّ لجَتَّبِ المَرْءِ مُضْطَجَعَا
عليكِ مثلُ الذى صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِى
يريدُ : عليكِ مثلُ الذى دَعَوْتٍ . وَيُؤْوَى : فَاغْتَمِضِى عَيْنًا .
ومِن هذا عندَ جماعَةٍ من(٥) العُلَماءِ قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ
بِصَلَئِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]. قالُوا: أَنْزِلَتْ فى الدُّعَاءِ والمسألةِ . هذا
قولُ مَگُولٍ وأبی عِیاضٍ().
وذكَر مالِكٌ، عن هشامٍ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، قال: أَنْزِلَتْ هذه الآيَةُ :
﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. فى الدُّعَاءِ(١).
هكذا رَوَاه مالِكٌ، عن هِشَامٍ، عن أبيه قَوْلَه. ورَوَاه الثورىُّ(٨)، وحَمَّادُ بنُ زَيْدٍ(٩)،
القبس
(١) ديوانه ص ٢٩٣.
(٢) ديوانه ص ١٠١.
(٣) فى ص ١٦: ((بنيتى)).
(٤) فى الديوان: ((يوما)).
(٥) ليس فى: الأصل، م.
(٦) ينظر تفسير ابن جرير ١٢٤/١٥، ١٢٦.
(٧) سيأتى فى الموطأ (٥٠٩).
(٨) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٢٦/١٥ من طريق الثورى به .
(٩) أخرجه مسلم (٤٤٧) عقب الحديث (١٤٦) من طريق حماد بن زيد به .
٩

الموطأ
التمهيد
ووَكِيمُ(١)، وأبو معاويَةً(٢)، عن هِشَامٍ بِنِ عُزْوَةَ، عن أبيه، عن عائِشَةَ .
ورَواه مَعْمَرٌ، عن هشام، عن أَبِيه(٢) كما رَواه مالِكٌ. وثمَّنْ قال : إنَّ هذه
الآيَةَ نَزَلَتْ فى الدُّعَاءِ؛ مُجَاهِدٌ، وإبراهيمُ النَّخَعِىُّ، وعَطَاءٌ، وعبدُ اللهِ بنُ
شَدَّادٍ(٤) . وفى الآيةِ قولٌ ثانٍ قالَه ابنُ عباسٍ ، وابنُ مسعُودٍ ، وسعيدُ بنُ مُبَيْرٍ ،.
وعكرمَةُ: نزَلَتْ فى القِرَاءَةِ؛ قالُوا: كان النبيُّ عليه السَّلامُ يَجْهَرُ بالقِرَاءَةِ فى
صلاتِه بِمَكَّةَ ، فكانَ ذلك يُعْجِبُ المسلمينَ ، ويَسُوءُ الكفارَ، فَهَمُّوا بأذَاه ، وسَبُّوا
القرآنَ ومَن أَنْزَلَه وقالُوا: يُؤْذِينَا. فَأَنْزَّلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا
◌ُّخَافِتْ بِهَا﴾ الآية(٥). قال ابنُ مَشْعُودٍ: ما خافَتَ مَنْ أَسْمَعَ نَفْسَهُ). ورُوِىَ،
عن قَتَادَةَ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرِ القَوْلان جميعًا(٧).
وقال الحسنُ: مَعْنَى الآيةِ: لا تُسِئْ (٨) صَلاتَكَ فى السّرّ، وتُحْسِنَها(٩) فى
العَلانِيَّةِ ، ولْتَكُنْ سَرِيرَتُكَ موافقةً لعلانيتِكَ(١). وعن الحَسَنِ أيضًا، قال: لا
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٤٤٠، ٤٠٤/١٠، ومسلم (٤٤٧) عقب الحديث (١٤٦) من طريق
و کیع به .
(٢) أخرجه مسلم (٤٤٧) عقب الحديث (١٤٦)، وأبو عوانة (١٦٦٣) من طريق أبى معاوية به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٩٣/١، وابن جرير فى تفسيره ١٢٨/١٥ من طريق معمر به.
(٤) فى م: ((سداد)).
وينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢/ ٤٤٠، ٤٠٤/١٠، وتفسير ابن جرير ١٢٧/١٥، ١٢٨.
(٥) ينظر تفسير ابن جرير ١٢٩/١٥ - ١٣٢.
(٦) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٣٧/١٥.
(٧) ينظر تفسير ابن جرير ١٢٨/١٥، ١٣١ - ١٣٣.
(٨) فى ص، ص ١٧: ((تحسن)).
(٩) فى ص، ض ١٧: ((تسئها)).
(١٠) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٣٤/١٥، ١٣٥.
١٠

٤
الموطأ
التمهید
تُصَلِّها (١) رِياءً ولا تَدَعْها حَياءً(١) .
ورَوَى سُفْيَانُ، عن زُبَيْدٍ ، قال: إذا كانت سَرِيرَةُ العَبْدِ أَفْضَلَ مِن عَلانِيَتِه
فذلك أفْضَلُ ، وإنْ كانت سَرِيرَتُه وعَلانِيتُه سَوَاءٌ فذلكَ النَّصَفُ ، وإنْ كانت
عَلانِيتُه عندَ اللهِ أَفْضَلَ، فذلك الحَوْرُ(٣).
وقال ابنُّ سِيرِينَ: نَزَلَتْ هذه الآيَةُ فى أبى بَكْرٍ وعُمَرَ ؛ كان عُمَرُ إذا قرَأَ رفَعَ
صَوْتَه، وقال: أَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، وأُوقِظُ الوَسْنَانَ. وكانَ أبو بَكْرٍ يَخْفِضُ صَوْتَه،
فَأُمِرَ أبو بَكْرٍ أَنْ يرفعَ صَوْتَه قليلاً، وأُمِر عمر أن يَخفِضَ صوتَه قليلًا، ونزلَتْ:
﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾(٤). رُوِىَ هذا عن ابْنٍ سِيرِينَ مِن وُجُوهِ
صِحَاحِ، وأصَحُّ شىءٍ فى مَعْنَى هذه الآيَةِ قولُ مَن قالَ: إِنَّها نزَلَتْ فى الدُّعَاءِ .
واللهُ أعلمُ .
ذكَرَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ(٥) ، قال أخْبَرَنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن أَشْعَثَ، عن عكرمةَ ، عن
ابنِ عباسٍ فى قَوْلِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قال: كان الرَّجُلُ
إذا دَعَا فى الصَّلاةِ رفَع صَوْتَه، فَزَلَتْ هذه الآيةُ . وكلُّ مَن رُوِىَ عنه أنَّها نزَلَتْ
فى القِراءَةِ فقد رُوِىَ عنه أنَّها نزَلَتْ فى الدُّعَاءِ.
القبس
(١) فى ص ١٦، م: ((تصليها)).
(٢) أخرجه ابن عساكر ٧/ ٨.
(٣) الحور: النقصان بعد الزيادة. التاج (ح ور).
(٤) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٣٢/١٥.
(٥) ابن أبى شيبة ٢/ ٤٤١.
١١

الموطأ
٣٨٤ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن أبى الزِّنادٍ، عن الأعرَجِ، عن
أبى هريرةَ، أَن رسُولَ اللهِ وَّهِ قال: ((لا يزالُ أحدُكم فى صلاةٍ ما
التمهيد
قال أبو عمرَ : هذا الحديثُ مِن أَفْضَلِ ما يُرْوَى فى فَضْلِ المُنْتَظِرِ الصَّلاةِ؛
لأنَّ الملائكةَ تستغفِرُ له، وفى اسْتِغْفارِها له دليلٌ على أنَّه يُغْفَرُ له، إنْ شاءَ اللهُ ؛ ألا
تَرَى أَنَّ طَلَبَ العِلْمِ مِن أفضلِ الأعْمَالِ، وإنَّما صارَ كذلك، واللهُ أعلمُ، لأنَّ
الملائكةَ تَضَعُ أُجْنِحَتَها له بالدُّعَاءِ والاسْتِغْفَارِ ، وأمَّا قولُ مالِكِ وتَفْسِيرُه: ((ما لم
يُحْدِثْ)) . بأَنَّه الحَدَثُ الذى يَنْقُضُ الوُضُوءَ فقد خالَفَه فيه غيرُه، وقال: هو
الكلامُ القَبِيحُ والخَوْضُ فيما لا يَصْلُحُ من اللَّهْوِ. والذى قالَه مالِكٌ هو الصَّوَابُ إِنْ
شاءَ اللهُ؛ لأَنَّ كُلَّ مَن أَحْدَثَ وقعد فى المسجدِ فَلَيْسَ بُتْتَظِرِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه إَّا
يَنْتَظِرُها مَن كان على وُضُوءٍ، وغيرُ نَكِيرٍ أَنْ تَتَرَّمَ الملائكةُ على كُلِّ منتظِرٍ
للصلاةِ، وتَدْعُوَ له بالمغفرةِ والرَّحْمَةِ والتوفيقِ والهِدَايَةِ لفَضْلِ انْتِظارِهِ الصَّلاةِ -
إذا لم يَحْبِئْه غيرُها على ما ذَكَرْنا ، إذا كانَ مُنْتَظِرًا الصَّلاةِ ، لا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْصَرِفَ
إلى أَهْلِهِ إِلَّ الصَّلاةُ، وهذا أَوْلَى بأنْ تَدْعُوَ له الملائكةُ بالمغفرة والرحمةِ ، فرحمتُه
وَسِعَتْ كلَّ شىءٍ (١) ، لا شَرِيكَ له ، وقولُ مالكِ يَدُلُّ على أنَّ كلَّ مَن لم يُحدِثْ
حَدَثًا يَنْقُضُ الوُضُوءَ داخِلٌ فى مَعْنَى هذا الحديثِ ، وإنْ خاضَ فى بعضٍ ما
يُخَاضُ فيه مِن أَخْبَارِ الدُّنْيَا، واللهُ أعلمُ ، إذا كان أصلُ عقدِه انتظارَ الصلاةِ بعدَ
الصلاةِ .
مالكٌ، عن أبى الزِّنادٍ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَه
القبس
(١) فى الأصل: ((مؤمن به)).
١٢

كانت الصلاةُ تَحَبِسُه، لا يَمْنَعُه أن يَنقلِبَ إلى أهلِه إلا الصلاةُ)).
الموطأ
قال : (( لا يزالُ أحدُ كم فى صلاةٍ ما كانت الصلاةُ تَحِسُه، لا يَمْنَعُه أن يَنْقَلِبَ إلى
أهلِه إلَّ الصلاةُ))(١).
التمهيد
هذا حديثٌ صحیح لا مطعن لأحدٍ فیه من جهة الإسنادٍ ، وقد رُوِی عن أبى
هريرةَ من وُجُوهٍ . وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ فضلَ منتظرِ الصَّلاةِ كفضلٍ
المصلِّى؛ لأنَّه معلومٌ أنَّ قولَه بَّهِ: (( لا يزالُ أحدُكم فى صلاةٍ ما كانت الصلاةُ
تَخْبِسُه)). لم يُرِدْ به أَنَّ مُنتظِرُ ) الصلاةِ قائمٌ، ولا أنَّه راكِعٌ وساحِدٌ ، وأَّما أرادَ أنَّ
فضلَ ( ١) انتظارِ الصلاةِ بالقَصْدِ إلى ذلك وبالنِّيَّةِ فيه كفضلِ الصلاةِ، وأنَّ مُنتَظِرَها
كالمصلِّى فى الفضل، وللَّهِ أن يتفضَّلَ بما شاءَ على مَن يشَاءُ فيما شاءَ مِنَ
الأعمالِ ، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه، ولا رَادَّ لفَضْلِه، ومِن الوَجْهِ الذى عرَفْنا فضلَ
الصَّلاةِ فيه عرَفْنا فضلَ انتظَارِها ، وقد عَلِمَ الناسُ أنَّ المصلِّىَ فى تلاوتِه ، وقِيامِه،
وركوعِه أَتعَبُ مِن المنتظِرِ الصَّلاةِ، ذاكِرًا كان أو ساكنًا، ولكنَّ الفضائلَ لا
تُدْرَكُ بنظرٍ ، ولا مَدْخَلَ فيها لقِياسٍ، ولو أَخِذَتْ قِياسًا لكان مَن نَوَى السيئةً
كمَنْ نَوَى الحسنةَ ، ولكنَّ اللَّهَ مُنْعِمٌ كريمٌ، مُتَفَضِّلٌ رَحِيمٌ، يكتُبُ الحسنةَ بالنيةِ
وإنْ لم تُعْمَلْ ، فإِن عُمِلَتْ ضُعِّفَت عَشْرًا إلى سبعمائةٍ ، واللَّهُ يضاعفُ لمن يشاءُ،
ولا يؤاخِذُ عبَادَه المسلمين بما وَسْوَسَتْ به صُدُورُهم، ونَوَوْا مِن الشرِّ ما لم
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٢٨). وأخرجه أحمد ٢٠٨/١٦ (١٠٣٠٨)، والبخارى (٦٥٩)،
ومسلم ٤٦٠/١ (٢٧٥/٦٤٩)، وأبو داود (٤٧٠) من طريق مالك به .
(٢) فى الأصل، ص ١٦، م: ((ينتظر)) .
(٣) فى ص، ص ١٦: ((فعل)).
١٣

الموطأ
التمهيد
يَعملوه، وهذا كلُّه لا مدخلَ فيه للقِیاسِ ؛ أَلَا تَرَی إلی ما مَضَى ذِكْرُه فى بابٍ
محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ (١) مِن هذا الكتابِ، فى الذى كان له صلاةٌ مِن الليلِ ، فَغَلَبْه
عينُه ، أنَّه يُكْتَبُ له أجرُ صَلاتِه، وأَنَّ مَن نَوَى الجهادَ وأرَادَه ثم حبَسه عن ذلك
عُذْرٌ، أَنَّه يُكتبُ له أجرُ المجاهدِ فى مَشْيِهِ وسَغْيِهِ ونَصَبِهِ ، ومعلومٌ أنَّ مشقةً المسافرِ
وما يَلْقَاه مِن أَلَم السَّفَرِ، لا يجدُه المتخلِّفُ المحبوسُ بالعُذْرِ، وكذلك المريضُ
يُكْتَبُ له فى مَرَضِه ما كان يُؤَاظِبُ عليه مِن أعمالِ البِرّ ، وهذا كلُّه مَؤُودٌ فى
الآثارِ الصِّحَاح عن النبيِّ عليه السَّلامُ، وقد مَضَى أكثَرُها فى هذا الكتاب ؛ فغیرُ
نَكيرِ أن يُعْطَى منتظرُ الصلاةِ فَضْلَ المُصَلِّى وَثَوابَ عَمَلِه؛ لحَسِه نَفْسَه عن
التَّصَرُّفِ فى حاجَاتِهِ انتظارًا منه لصَلاتِه، كما يَحْبِسُ المُغْتَكِفُ نَفْسَه عن
تصَرُّفِهِ ، ويَلْزَمُ مَوْضِعَ اعتكافِهِ حِينًا فى صلاةٍ ، وحِينًا فى غيرِ صلاةٍ، وهو فى
ذلك كلِّه معتكفٌ، وكذلك المرابطُ المنتظِرُ لصيحةِ العدوِّ فى موضعِ الخوفِ ، له
فضلُ المقاتلِ فى سبيلِ اللهِ الشَّاهِرِ سَيْفَه فى ذلك؛ لانتظارِهِ(١) العَدُوَّ، وإِرصَادِهِ
له، وارتقَابِهِ إِيَّاه، وقد سَمَّى رسولُ اللهِ وَهِ انتظَارَ الصَّلاةِ بعدَ الصلاةِ رِبَاطًا ،
وسيأتى ذلك فى بابٍ أبى العَلَاءِ(٣) إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقد رُوِّينا عن أبى الدَّرْدَاءِ، أَنَّه قال : مِن قِلَّةِ فِقْهِ الرجلِ أن يكونَ فى المسجدِ
منتظرًا للصلاةِ وهو يحسَبُ أن ليسَ فى صَلاةٍ .
القبس
.
(١) تقدم فى ٧١/٥ - ٧٧ .
(٢) فى الأصل، م: (( كانتظار)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٣٨٧).
١٤

الموطأ
التمهيد
وذكَرَ ابْنُ وَضَّاحِ، عن محمدِ بنِ أبى السَّرِىِّ العَسْقَلَانِىٌّ، قال : رَأْتُه يَأْتِی
المسجدَ ، فَيُحَيِّه بركعتين، ثم يجلسُ ويقولُ: مَا أَبَالِى صَلَّيْتُ أو قَعَدْتُ مُنْتَظِرًا
الصَّلاةِ. وهذا واللَّهُ أعلمُ إذا كان المنتظرُ الصَّلاةِ لا يَحْبِسُه فى المسجدِ إلَّ
انتظارُها، ولا يَخْلِطُ بِنِيَّتِهِ سِوَاها، ويحتاج مع ذلك ألَّ يَلْغُوَ ولا يَلْهُوَ، فحينَئِذٍ
يُرْجَى له بما ذكرْنَا ، وقد نَزَعَ عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ فى مُعارَضَتِه أبا هريرةَ حينَ قال له
فى السَّاعةِ التى فى يومِ الجُمُعةِ: هى آخرُ ساعةٍ مِنَ النَّهارِ . فقال أبو هريرةَ : كيفَ
يكونُ ذلك وقد قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ ذلك ليس بوقتٍ صلاةٍ))، وقال فى
الساعةِ التى فى يوم الجمعةِ: ((لا يُوافِقُها عبدٌ مسلمٌ وهو يُصَلِّى))؟ فقال له
عبدُ اللهِ بنُ سلام: أليس قد قال وَ لَّ: ((إنَّ أحدَكم فى صلاةٍ ما كان يَنْتَظِرُ
الصلاةَ))؟ قال: نعم. قال: فهو ذاكَ(١). فسَكَتَ أبو هريرةَ، وسَلَّمَ لَّ أَخَذَته(٢)
الحجةُ ، وهكذا أهلُ الإنصافِ . واللَّهُ المستعانُ.
وقد قيل : إنَّ منتظِرَ الصَّلاةِ فى المسجدِ ، وإن لَغَا وَلَهَا ، فإنَّه على أصلِ نِيَّتِه
وعَمَلِه. وستَذْكُرُ بعدَ هذا البابِ قولَهِ وَلَّهِ: ((الملائكةُ تُصَلِّى على أحدٍ كم مَا دَامَ
فى مصلاه مَا لَمْ يُحْدِثْ)). وما ذهَبَ إليه مالكٌ وغيرُه فى ذلك(٣)، إن شاءَ اللَّهُ.
وقد قيل: إنَّ منتظِرَ الصَّلاةِ، وإن كُتِبَ له أجرُ المُصَلِّى، فالمُصَلِّى أفضلُ
منه، كما أنَّ بعضَ(٤) الشُّهَداءِ أفضلُ مِن بعضٍ وكلُّهم يُسَمَّى شهيدًا. ومِن
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٢٤٠).
(٢) فى ص ١٧: ((حدثه)).
(٣) تقدم ص ٥ - ١٢ .
(٤) بعده فى ص ١٦: ((المصلين أفضل من بعض وبعض)).
١٥

٣٨٥ - وحدَّثنى يحيى، عن مالِكٍ، عن سُمَيٍّ مولَى أبى بكرٍ ، أن أبا بكرٍ
الموطأ
ابنَ عبدِ الرحمنِ كان يقولُ: مَن غَدَا أو راح إلى المسجدِ ، لا يريدُ غيرَه؛ ليتعلّمَ
خيرًا أو ليُعَلَّمَه ، ثم رجع إلى بيتِه، كان [٥٩و] كالمجاهدِ فى سبيلِ اللهِ رجَع غانمًا .
حُجَّةٍ مَن قال هذا القولَ ما رُوِىَ عن النبيِّ وَلَه مِن قولِه: ((صلاةُ القاعدِ على
التمهيد
النِّصْفِ من صلاةِ القائم )) (١) . يعنى فى الأجرِ. واللَّهُ أعلمُ.
فإِذا كان القائمُ أفضلَ مِن القاعدِ فى الصَّلاةِ، فكذلك هو أفضلُ مِن
المنتظِرِ، واللَّهُ يُؤْتِى فَضْلَه مَن يَشاءُ، لا شَرِيكَ له، وتَحْصِيلُ هذا البابِ عندِى
واللَّهُ أعلمُ مَا تَنْعَقِدُ عليه النِيَّةُ، وما يَجِدُه فى نفسِه المُتُخَلِّفُ عن الغَزْوِ بالعُذْرِ مِن
أَلَمِ ما فَقَد مِن ذلك ، والحسرةِ والتأسُّفِ والحزنِ عليه، وشِدَّةِ الحرصِ فى النُّهُوضِ
إليه، وكذلك المريضُ والنَّائِمُ فيما فاتَّه لمَرَضِه ونَوْمِه مِن صَلاتِه وسائرٍ صالحٍ
عَمَلِه، واللَّهُ الموفقُ للصَّوابِ .
الاستذكار
وأما حديثُه عن سُمَيٍّ مولى أبى بكرٍ ، أن أبا بكرِ بنَ عبدِ الرحمنِ كان
يقولُ : مَن غَدا أو راحَ إلى المسجدِ لا يريدُ غيرَه ؛ ليتعلمَ خيرًا أو ليعلِّمَه، ثم رجع
إلى بيتِهِ، كان كالمجاهدِ فى سبيلِ اللهِ(٢). فمعلومٌ أن هذا لا يُدرَكُ بالرأي
والاجتهادِ ؛ لأنه قطْعٌ على غيبٍ مِن حكم اللهِ وأمرِه فى ثوابه: وقد ژُویتْ فى
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٣٠٨).
/ (٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٢٩).
١٦

الموطأ
٣٨٦ - وحدَّثنى عن مالك، عن نُعَيْمِ بنِ عبدِ اللهِ المجْمِرِ ، أنه سمِع
أبا هريرةَ يقولُ: إذا صلَّى أحدُكم ثم جلس فى مُصلَّاه، لم تزَل الملائكةُ
تُصَلِّى عليه؛ اللَّهم اغفِرْ له، اللَّهم ارحَمْه . فإن قام مِن مُصلَّه فجلَس
فى المسجدِ يَنتظرُ الصلاةَ، لم يزلْ فى صلاةٍ حتى يُصلَِّ .
الاستذكار
هذا المعنى آثارٌ مرفوعةٌ ، وقد أورَدنا مِن ذلك أبوابًا فى كتابٍ ((جامعٍ بيانِ العلمِ
وفضلِه))(١) كافيةً. والحمدُ للهِ .
التمهيد
مالكٌ، عن نُعَيْمِ بنِ عبدِ اللهِ المَجْمِرِ ، أَنَّ سمع أبا هريرةَ يقولُ: إذا صَلَّى أحدُ كم ثم
جلَس فى مُصَلَّه لم تزَلِ الملائكةُ تُصَلِّى عليه: اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ ارْحَمْه. فإن قام مِن
مُصَلَّه فجلَس فى المسجدِ يَنْتَظِرُ الصلاةَ، لم يَزَلْ فى صلاةٍ حتى يُصَلَِّ (١) .
هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطَّأَ)) مِن قولٍ أبى هريرةَ، وقد رُوِى عن مالكِ بهذا
الإسنادِ، عن نُعَيْم، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ بَ لَه. وممن رواه هكذا مرفوعًا عن مالكٍ،
عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ ، وإسماعيلُ بنُ جَعْفٍ، وعثمانُ بنُ عُمَرَ، والوليدُ بنُ مُسْلِمٍ (١) .
فحدیثُ ابن وهبِ حدَّثناه أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ ، قال :
حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم والحسنُ بنُ عبدِ اللهِ الزَُّيْدىُّ، قالا:
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ علىٍّ بنِ الجارُودِ ، قال: حدَّثنا مَسْرُورُ بنُ نوح، قال: حدَّثنا
القبس
(١) جامع بيان العلم وفضله ٩٩/١ - ١٣١.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٣٠). وينظر ما تقدم فى الموطأ (٦٢).
(٣) ينظر علل الدارقطنى ١٦٣/١١.
١٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢/٦ )

الموطأ
التمهید
إبراهيم بنُ مُنْذٍ، قال: حدَّثنا ابنُّ وهبٍ ، قال: أُخْبَرنى مالكٌ، عن نُعَيْم بنٍ
عبدِ اللهِ المجْمِرِ، أَنَّه سَمِعَ أبا هُرَيرةَ يقولُ: قَالَ أبو القَاسِمِ وَلّهِ: ((إذا صلَّى أحدُكم
ثم جلَس فى مُصَلَّه لم تزلِ الملائكةُ تُصَلِّى عليه: اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ ارْحَمْه . فإن
قام مِن مُصلَّاه فجلس فى المسجدِ يَنْتَظِرُ الصلاةَ، لم يَزَلْ فى صَلاةٍ حتى يُصَلَِّ )).
وحديثُ إسماعيلَ بنِ جَعْفَرِ حدَّثناه خَلَفُ بنُ القاسم ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُّ
عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عبدِ العَزِيزِ البَغوىُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ
ابنُّ مُطيعٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ، عن مالك، عن نُعَيْمِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن
أبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((إنَّ الملائكةَ تُصَلِّى على أحدِكم ما دامَ فى
مُصَلَّه الذى صَلَّى فيه، ما لم يُحدِثْ أو يقومَ (١)، فإن قام من مُصَلَّه فجَلّسَ
مَجْلِسًا فى الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصلاةَ، لم يَزَلْ فى صلاةٍ حتى يُصَلَِّ )) .
وحديثُ عثمانَ بنِ عُمَرَ حدَّثناه عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى ، قال : حدَّثْنَا الحَسَنُّ
ابنُّ الخَضرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْبِ النَّسَوىُّ، قال: حدَّثنا زكريًّا بنُ
يحيى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حَكِيم المُقَوِّمُ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عُمَرَ، قال :
أخبرنا مالكٌ، عن نُعَيْم بنِ عبدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، عن أبى هُرَيْرةَ، عن النبيِّ وَله .
فذكَرَ مَغْنَى ما فى ((المَُّطّأُ)) بهذا الإِسْنادِ مَرْفوعًا وهو فى ((الموطأ)) مَوْقُوفٌ.
وحديثُ الوَلِيدِ بنِ مسلمٍ حدَّثناه عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا
الحَسَنُ بنُ الخَضْرِ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ المُعَلّى
ابنِ يزيدَ ، قال: حدَّثنا صَفوانُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا الوَلِيدُ بنُ مسلمٍ، عن
القبس
(١) فى م: ((يقم)).
١٨

٣٨٧ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الموطأ
يعقوبَ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلّ قال: ((ألا
أخيِرُ كم بما يمحُو اللهُ به الخطايا ويرفعُ به الدرجاتِ ؛ إِسباعُ الوضوءِ عندَ
المكارهِ، وكثرةُ الخطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ،
فذلكم الرّباطُ، فذلكم الرّباطُ ، فذلكم الرّباطُ )) .
التمهید
مالكِ، عن نُعَيْم، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَّهِ، فذكَرَه(١).
قال أبو عمرَ : هو حديثٌ صحيحٌ ، رواه جماعةٌ مِن ثِقاتِ رُواةٍ أبى هريرةَ،
عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ بَه .
مالكٌ، عن العَلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبيه ، عن أبى هريرةَ ، أن رسولَ اللهِ
وَّه قال: ((أَلَا أُخْبِرُكم بمَا يَمِحُو اللهُ به الخَطايا، ويرفَعُ بِهِ الدَّرجاتِ؛ إسباُ
الوُضُوءِ عندَ (٢) المكَارِهِ، وكثرةُ الخُطَا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ،
فذلكمُ الرِّباطُ ، فذلكمُ الرِّباطُ ، فذلكمُ الرّباطُ))(٣) .
قال أبو عمرَ : فى هذا الحديثِ طرح العالمِ العلمَ على المتعلمِ ، وابتداؤُه إياه
بالفائدةِ وعرضُها عليه، وهذا الحديثُ مِن أحسنٍ ما يُروَى عن النبيِّ بَلِ فِى
القبس
(١) أخرجه الأصبهانى فى مجلس إملاء فى رؤية الله تبارك وتعالى (٩) عن الحسن بن الخضر به .
وينظر علل الدارقطنى ١٦٢/١١.
(٢) فى ص ١٦: ((على)).
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٧٧). وأخرجه أحمد ١٦٢/١٣، ٣٩٣ (٧٧٢٩، ٨٠٢١)،
ومسلم (٢٥١)، والنسائى (١٤٣) من طريق مالك به .
١٩

الموطأ
التمهيد
فَضائلِ الأعمالِ .
وأما قولُه: ((إسباُ الوُضُوءِ على المكارهِ)). فالإِسباُ الإكمالُ والإتمامُ
فى اللغةِ، مِن ذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةُ
وَبَاطِنَةٌ﴾ [لقمان: ٢٠]. يعنى أَتَّها عليكم وأكمَلها، وإسباغُ الوُضوءِ أَن تَأْتِىَ
بالماءِ على كلِّ عضوٍ يلزَمُك غسلُه وتَعُمَّه كلَّه بالماءِ وجَرِّ اليدِ ، وما لم تَأْتِ عليه
بالماءِ منه ، فلم تَغِلْه بل مسخْتَه . ومَن مسح عضوًا یلزَمُه غسله فلا وضوءًله ولا
صلاةَ ، حتى يَغْسِلَ ما أمَر اللهُ بغسلِهِ ، على حسَبٍ ما وصَفتُ لك.
وأما قولُه: ((على المكارهِ)). فقيل: أراد البردَ وشدَّتَه، وكلَّ حالٍ يُكْرِهُ المرءُ
فيها نفسَه ؛ بدفع وَسوسةِ الشيطانِ فى تَكسيلِه إياه عن الطاعةِ والعملِ الصالحِ .
واللهُ أعلمُ .
وأما قولُه: ((فذلكمُ الرباطُ )). فالرّباطُ ههنا مُلازمةُ المسجدِ لانتظارٍ
الصلاةِ، وذلك معروفٌ فى اللغةِ، قال صاحبُ كتابٍ ((العَيْنِ))(١): الرّباطُ
مُلازَمةُ الثُّغورِ. قال: والرّباطُ مُواظَبةُ الصلاةِ أيضًا .
حدَّثنا يونُسُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
جعفرُ بنُ محمدِ الفِزيائىُ ، قال: حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ
مَخْلَدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ - يعنى ابنَ أبى كثيرٍ - قال: حدَّثنا العلاءُ
ابنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((ألا
أدُلُّكم على ما يَحُطُّ اللهُ به الخطايا، وتَرْفَعُ به الدَّرَجَاتِ؟)). قالوا: بلى،
القبس
(١) العين ٤٢٣/٧ .
٢٠