النص المفهرس
صفحات 401-420
الموطأ
التمهید
كلِّ واحدةٍ ((أُمَّ القُرآنِ)» لابدَّ، وكلُّ ذلك لا يُسمَعُ للقارِئ فيه صوتٌ . وقال
أبو يوسف ومحمد بن الحسنِ : يَجْهَر بالقراءة فى صلاة الكسوف . وژُوِیَ عن
علىّ بنِ أبى طالِبٍ أَنَّه جهَر ١ ، وعن زيدِ بنِ أرقمَ ، والبَراءِ بنِ عازبٍ،
و "عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ مثلَه. وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ وإسحاقُ بنُ راهُويَه .
واحتُّوا أيضًا بحديثٍ سفيانَ بنِ حسينٍ ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ ،
أنَّ النبيَّ وَّ جَهَر بالقِراءَةِ فى كسوفِ الشمسِ(٣) .
وسفيانُ بنُ حُسينٍ فى الزهرىِّ ليس بالقَوِىِّ، وقد تابعه على ذلك عن
الزهرىِّ؛ عبدُ الرحمنِ بنُ نمِرٍ () وسليمانُ بنُ كثيرٍ (١) ، وكلَّهم لَيْنُ الحديثِ عن
الزهرىُّ .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٤٧٢، والطحاوى فى شرح المعانى ٣٣٤/١)، وابن المنذر فى الأوسط (٢٨٩٤).
(٢ - ٢) فى م: ((العلاء)). وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٣٠١.
(٣) أخرجه الترمذى (٥٦٣)، والنسائى فى الكبرى (١٨٨١)، وابن خزيمة (١٣٧٩) من طريق
سفيان بن حسین به .
وجاء بعده فى م: ((وفى حديث أَبى بن كعب عن النبى وَلِّ، أنه قرأ بسورة من الطول، ثم
ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام إلى الثانية فقرأ بسورة من الطول، ثم ركع خمس
ركعات، وسجد سجدتين، ثم جلس كما يدعو، ثم انجلى كسوفها. وقد يحتمل أن يكون قوله :
سورة من الطول . فى تقديره، والظاهر فيه الجهر والله أعلم ، ولكنه حديث يدور على أبى جعفر
الرازى عن الربيع بن أنس ، عن أبى العالية، عن أبى، وقد تكلم فى هذا الإسناد)».
(٤) فى النسخ: ((نمير)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤٦٠/٧.
والأثر أخرجه البخارى (١٠٦٥)، ومسلم (٥/٩٠١)، وأبو داود (١١٩٠) من طريق
عبد الرحمن بن نمر به .
(٥) أخرجه أحمد ٢١/٤١، ٢٢ (٢٤٤٧٣)، والنسائى فى الكبرى (١٨٨٠) من طريق سليمان بن
کثیر به .
٤٠١
( موسوعة شروح الموطأ ٢٦/٦ )
الموطأ
التمهيد
ومن حجةٍ من قال بالجهرِ فى صلاةِ الكسوفِ ، إجماعُ العلماءِ على أنَّ كلَّ
صلاةٍ سُنَّتُها أن تُصَلَّى فى جماعةٍ من صلواتِ السُّنَنِ ، فسنَّتُها الجهرُ، كالعِيدَينِ
والاستسقاءِ، فكذلك الكُسوفُ . وقال الطبرىُّ: إن شاء جهَر فى صلاةٍ
الکسوف، وإن شاء أسرّ، وإن شاء قرأ فى كلِّ ر کعةٍ مؤتئن، ورجع فيها
رکوعینٍ ، وإن شاء أربع مراتٍ (١) ، ور گع أربعَركعاتٍ ، وإن شاء ثلاثَ ر گعاتٍ
فى ركعةٍ، وإن شاء ركعتَيْن كصلاة النافلةِ .
واختلف الفقهاءُ أيضًا فى صلاةِ الكسوفِ ؛ هل هى فى كلِّ النَّهارِ أم لا؟
فروَى ابنُ وهب ، عن مالكٍ قال: لا يُصَلَّى الكسوفُ إلَّا فى حينٍ صلاةٍ. قال :
فإن كسَفَتْ فى غيرِ حينِ الصلاةِ ، ثم جاء حينُ الصلاةِ والشمسُ لم تَنْجَلِ
صلَّوا، فإِنْ تَجَلَّتْ قبلَ ذلك لم يُصلُّوا. وروَى ابنُ القاسم عنه قال: لا أرَى أنْ
يُصَلَّى الكسوفُ بعدَ الزوالِ ، وإنَّما سُنَّتُها أن تُصَلَّى ضحّى إلى الزوالِ. وقال
الليثُ بنُ سعدٍ : يُصَلَّى الكسوفُ نصفَ النَّهارِ؛ لأنَّ نصفَ النهارِ لا يَثْبُتُ
لسرعةِ الشمسِ . وقال الليثُ: حَجَجْتُ سنةَ ثلاثَ عشرةَ ومائةٍ ، وعلى الموسمِ
سليمانُ بنُ هشامٍ ، وبمكةَ عطاءُ بنُ أبى رباحٍ ، وابنُ شهابٍ ، وابنُ أبى مُليكةً ،
وعكرمةُ بنُ خالدٍ ، وعمرُو بنُ شُعيبٍ ، وقتادةُ ، وأيوبُ بنُ موسى ، وإسماعيلُ
ابْنُ أَميَّةَ ، فكسَفتِ الشمسُ بعدَ العصرِ ، فقاموا قيامًا يَدعُون اللهَ بعدَ العصرِ فى
المسجدِ، فقلتُ لأيُّوبَ بنِ موسَى: ما لهم لا يُصَلُّون وقد صلَّى النبىُّ وَلَه فى
الكسوفٍ ؟ فقال: النَّهْىُ قد جاء عن الصلاةِ بعدَ العصرِ، فلذلك لا يُصلُّون ،
القبس
(١) فى م: ((قراءات)).
٤٠٢
الموطأ
التمهيد
والنَّهْىُ يَقْطَعُ الأمرَ . ذكَرِه الحُلوانِىُّ، عن ابنِ أبِى مريمَ وأيِى صالح كاتبِ اللَّيثِ
جميعًا، عن اللَّيثِ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه والطبرىُّ: لا تُصَلَّى صلاةُ
الكسوفِ فى الأوقاتِ المنهِىِّ عن الصلاةِ فيها. وقال الشافعِىُّ: تُصلَّى
نصفَ النهارِ ، وبعدَ العصرِ، وفى كلِّ وقتٍ. وهو قولُ أبى ثورٍ، وقال
إسحاقُ: تُصَلَّى فى كلِّ وقتٍ إلَّا فى حينِ الطَّوع والغروبِ. والتَّهْىُ عندَ
الشافعيّ عن الصلاةِ بعدَ العصرِ إِنَّما هو على التَّطوُّعِ المُبْتَداً ، فأمَّا الفرائضُ
والسُننُ وما كان من عادةِ المرءِ أَنْ يُصلِّيَّه فلا. وسيأتِى اختلافُهم فى هذا
المعنَى فى موضعِه من هذا الكتابِ إن شاء اللهُ، بحَّةٍ كلّ واحدٍ منهم،
ولا حولَ ولا قُؤَّةً إِلَّ بِاللهِ .
وقال إسحاقُ بنُ راهُويه فى صلاةِ الكسوفِ : إن شاء أربعَ ركَعاتٍ فى
رَكْعَتَيْنِ، وإن شاءَ سِتَّ ركَعاتٍ فى رَكْعَتَيْن، كلُّ ذلك مُؤْتلِفٌ يُصَدِّقُ بعضُه
بعضًا؛ لأنَّه إنَّما كان يزيدُ فى الركوع إذا لم يرَ الشمسَ قد تَجَلَّت ، فإذا تَجَلَّتْ
سجَد . قال : فمِن ههنا زيادةُ الركعاتِ ، ولا يُجاوِزُ بذلك أربعَ ركعاتٍ فى كلِّ
ركعةٍ؛ لأَنَّه لم يأْتِنا عن النبيِّ ◌َِّ أكثرُ من ذلك .
قال أبو عمرَ: رُوِىَ من حديثٍ أُبىّ بنِ كعبٍ()، عن النبيِّ ◌َل، خمسُ
ركعاتٍ - على ما قدَّمنا ذكْرَه - فى كلِّ ركعةٍ(٢) . وهو حديثٌ لَيِّنٌّ، ومثلُه رُوِىَ
عن علىِّ رحِمه اللهُ، أَنَّه صلَّى فى الكسوفِ خمسَ ركَعاتٍ ، وسجَد سجدَتَيْن ،
القبس
(١ - ١) فى ك ١، م: «أبى هريرة)).
(٢) تقدم تخريجه ص٣٩٥ .
٤٠٣
الموطأ
ثم قام ، ففعَل فى الرَّكعةِ الثانيةِ مثلَ ذلكُ(١) . ورُوِىَ عن الحسنِ مثلُ ذلك(٢) .
التمهيد
وأصُ شيءٍ فى هذا البابِ حديثُ ابنِ عباسٍ وعائشةً، أربعُ ركعاتٍ فى أربعِ
سجداتٍ. واللهُ أعلمُ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، وقاله جماعةٌ من
أصحابِ الشافعيّ: إنَّ الآثارَ المرويَّةَ عن النبيِّ وَلِّ فى صلاةِ الكسوفِ كلُّها
حسانٌ ، وبأيُّها عمِل الناسُ جازَ عنهم . إلّا أنَّ الاختيارَ عندهم ما فى حديثِ ابنِ
عباسٍ هذا وما كان مثله .
واختلفوا أيضًا فى صلاةٍ كسوفِ القمرِ ؛ فقال العراقيُّون ومالكٌ وأصحابُه :
لا يُجمَعُ فى صلاةٍ كسوفِ القمرِ، ولكنْ يُصَلِّى الناسُ أَفْذاذًا رَكْعَتَيْنِ كسائرٍ
الصَّلواتِ. والحُجّةُ لهم قولُه بَلَ: ((صلاةُ المرءِ فى بَيْتِه أفضلُ إلَّا
المكتوبةَ))(٢). وخَصَّ صلاةَ كُسوفِ الشمسِ بالجمعِ لها ، ولم يفعلْ ذلك فى
كسوفٍ القمرِ ، فخرَجتْ صلاةُ كسوفِ الشمسِ بدليلها وما ورَد من التوقيفِ
فيها ، وبقِيَتْ صلاةُ كسوفِ القمرِ على أصلٍ ما عليه النوافلُ .
وقال اللَّيتُ بنُ سعدٍ: لا يُجمَعُ فى صلاةٍ كسوفِ القمرِ، ولكنَّ الصلاةَ
فيها كهيئةِ الصلاةِ فى كُسوفِ الشمسِ. وهو قولُ عبدِ العزيزِ بنِ أبى سلمةَ.
ذكره ابنُ وهبٍ عنه، وقال: ذلك لقولِ رسولِ اللهِ وَّهِ: «فإذا رأيتُم ذلك بهما
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٦٨/٢، والبيهقى ٣٢٩/٣، ٣٣٠.
(٢) ينظر الأوسط لابن المنذر ٣٠٢/٥.
(٣) تقدم تخريجه فى ٢٦٥/٥ .
٤٠٤
الموطأ
فافزَعوا إلى الصلاةِ )). وقال الشافعىُّ وأصحابُه، وأهلُ الحديثِ، وأحمدُ ، التمهيد
وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وداودُ، والطبرىُّ: الصلاةُ فى كسوفِ القمرِ كهىَ () فى
كسوفِ الشمسِ سواءً. وهو قولُ الحسنِ، وإبراهيمَ، وعطاءٍ ) . وحجّتُهم فى
ذلك قولُهُ وَِّ فى هذا الحديثِ: ((إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ ، لا
يَخسِفانِ لموتٍ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فاذكروا اللهَ)). قال الشافعىُّ
رحِمه اللهُ: فكان الذِّكرُ الذى فزع إليه رسولُ اللهِ وَلِّ عندَ كسوفِ الشمسِ هو
الصلاةَ المذكورةَ، فكذلك خسوفُ القمرِ، تُجمَعُ الصلاةُ عندَه على حسَبٍ
الصلاةِ عندَ كسوفٍ الشمسِ؛ لأَنَّه بِِّّ قد جمَع بينَهما فى الذِّكرِ ، ولم يَخُصَّ
إحداهما من الأخرَى بشىءٍ، وقال ◌َله: ((إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتٍ
اللهِ ، لا يَخسفانِ لموتٍ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فصلَّوا وادعُوا)) . وروَى
عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ عنه٢، أنَّه قال : ((فافرَعوا إلى الصلاةِ إذا رأيتُم ذلك)) (٤).
وعرَّفنا كيف الصلاةُ عندَ إحداهما، فكان دليلاً على الصلاةِ عندَ الأُخرَى .
قال أبو عمرَ : رُويَ عن ابنِ عباسٍ(٥)، وعثمانَ بنِ عفانَ(٦) ، أنّهما صلًَّا فى
القبس
(١) فى س: ((كما)).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٤٩٣٧، ٤٩٤٠)، والأوسط لابن المنذر ٣١١/٥.
(٣ - ٣) سقط من: ك ١، س.
(٤) أخرجه الشافعى ٢٤٣/١ من حديث ابن عباس.
(٥) أخرجه الشافعى ٢٤٣/١، والبيهقى ٣٣٨/٣.
(٦) أخرجه أحمد ٣٩٦/٧ (٤٣٨٧).
٤٠٥
الموطأ.
کسوف القمر جماعةً ر کعتین، فی کلِّ ر کعةٍ ر کوعاٍ . مثل قول الشافعىِّ ،
على حديثِ ابنِ عباسٍ المذكورِ فى هذا البابِ .
التمهيد
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمد الجُهَنىُ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ
الكنانىُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبِ النَّسَوىُّ، قال: حدَّثنا عمرانُ بنُ
موسى ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن الحسنِ، عن أبى
بكرةَ قال: كنَّا عندَ رسولِ اللهِ نَّهِ، فانكسفَتِ الشمسُ، فخرج رسولُ اللهِ
وَلَّه يَجُرُّ رداءَه، حتى انتهى إلى المسجدِ، وثابَ إليه الناسُ، فصلَّى ركعتينِ،
فلمَّا انكشفتِ (١) الشمسُ قال: ((إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ، يُخوِّفُ
اللهُ بهما عبادَه، وإنَّهما لا يَخسفانِ لموتٍ أحدٍ ولا لحياتِه ، فإذا رأيتُم ذلك فصلُّوا
حتى يُكْشَفَ ما بكم)) . وذلك أنَّ ابنًا له مات، يُقالُ له: إبراهيمُ . فقال ناسٌ فى
(٢)
ذلك(٢) .
وقد رُوىَ عن مالكِ أنَّه قال : ليس فى صلاةِ كسوفِ القمرِ سُنَّةٌ ، ولا صلاةَ
فيها إلّا لمن شاء. وهذا شىءٌ لم يَقُلْه أحدٌ من العلماءِ غيرُه، واللهُ أعلمُ ، وسائرُ
العلماءِ يرَون صلاةَ كسوفِ القمرِ سُنَّةً، كلٌّ على مذهبه .
القبس
(١) فى س: ((انجلت))، وفى م: ((انكسفت)).
(٢) النسائى (١٤٩٠)، وفى الكبرى (١٨٧٦). وأخرجه البيهقى ٣٣١/٣، ٣٣٢ من طريق عمران
ابن موسى به ، وأخرجه البخارى (١٠٦٣) من طريق عبد الوارث به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢ / ٤٦٨،
وأحمد ٣٠/٣٤ (٢٠٣٩٠)، والبخارى (١٠٤٠) من طريق يونس به.
٤٠٦
الموطأ
التمهيد
واختلفوا أيضًا فى الخطبةِ بعدَ صلاةِ الكسوفِ ؛ فقال الشافعىُّ ومن اتَّعَه ،
وهو قولُ إسحاقَ والطبرىِّ: يَخطُبُ بعدَ الصلاةِ فى الكسوفِ، كالعيدينِ
والاستسقاءِ. واحتجَّ الشافعىُ بحديثِ هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً ،
فى حديثِ الكسوفِ ، وفيه : ثم انصرَف وقد تجلَّتِ الشمسُ، فخطَب الناسَ،
فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إنَّ الشَّمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ)
الحديثَ(١) . وبه احتجَّ كلُّ من رأى الخطبةَ فى الكسوفِ. وقال مالكٌ وأبو حنيفةً
وأصحابُهما : لا خُطبةَ فى الكسوفِ . واحتجّ بعضُهم فى ذلك بأنَّ رسولَ اللهِ
فَلَهًَّا خطَب الناسَ لأَنَّهم قالوا: إنَّ الشمسَ كَسَفتْ لموتِ إبراهيمَ ابنِ النبيِّ
وَله. فلذلك خطَبهم يُعرِّفُهم أنَّ الشمسَ والقمرَ لا يَنكسِفان لموتٍ أحدٍ ولا
لحياته .
وكان مالكٌ والشافعىُ لا يريان الصلاةَ عندَ الزَّلزلةِ ، ولا عندَ الظَّلمةِ ، والرِّيح
الشديدة . ورآها جماعةٌ من أهلِ العلم؛ منهم أحمدُ ، وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ .
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ أنَّه صلَّى فى زلزلةٍ . وقال ابنُ مسعودٍ : إذا سمِعتم هدًّا من
السماءِ فافزَعوا إلى الصلاةِ . وقال أبو حنيفةً: من فعَل فحسنٌّ، ومن لا فلا
حرج .
قال أبو عمرَ: لم يأتِ عن النبيِّ وٍَّ من وجهٍ صحيحٍ أَنَّ الزَّلزلةَ كانت فى
عصرِه، ولا صحَّتْ عنه فيها سُنَّةٌ، وقد كانَت "أوَّلَ ما كانت" فى الإسلام فى
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٤٤٦).
(٢) أخرجه البيهقى ٣٤٣/٣.
(٣ - ٣) سقط من : ك١ .
٤٠٧
الموطأ
التمهید
عهدٍ عمرَ، فأنكرها وقال: أَحدَثُم، واللهِ لئن عادَتْ لأُخْرُجنَّ من بينِ
أظهرِ كم . رواه ابنُ عُبينةَ ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن صفيَّةً قالت :
زُلزِلَتِ المدينةُ على عهدٍ عمرَ حتى اصطكّتِ السُّرُرُ(١) ، فقام فحمِد اللهَ وأثنَى
عليه، ثم قال: ما أسرعَ ما أُحدَثْتُم، واللهِ لئنْ عادَتْ لأُخرُجنَّ من بينِ
(٢)
أظهرٍ كم(٢).
روَى حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ قال : زُلزلَتِ
الأرضُ بالبصرةِ ، فقال ابنُ عباسٍ: واللهِ ما أدرِى؛ أَزْلِزِلَتِ الأرضُ أَمْ يِى
أَرْضٌ(٣) ؟ فقام بالناسِ فصلَّى. يعنِى مِثلَ(٤) صلاة الكسوفِ(٥) .
وأمَّا قولُه فى الحديثِ: رأيناك تَكَعْكئتَ. فمعناه عندَ أهل اللُّغةِ: أخنسْتَ
وتأخَّرْتَ. وقال الفقهاءُ: معناه: تَقهقرْتَ. والأمرُ كلُّه قريبٌ .
وقال مُتَمِّمُ بنُ نُويرةَ (٦):
إذا بعضُ من لاقَى الخطوبَ تَكَعْكَعا
ولكنَّنِى أمضِى على ذاك مُقْدِمًا
وأمَّا قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: (( إنِّى رأيتُ الجنةَ - ورأيتُ النارَ)). فإِنَّ
القبس
(١) فى س: ((البيوت)).
(٢) أخرجه نعيم بن حماد فى الفتن (١٧٣١) عن ابن عيينة به .
(٣) الأرض؛ بسكون الراء: الرّعدة. النهاية ٣٩/١.
(٤) سقط من : م.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٤٩٢٩)، والبيهقى ٣٤٣/٣ من طريق قتادة به .
(٦) ديوانه ( مجموع ) ص ١١٤.
٤٠٨
الموطأ
الآثارَ فى رُؤيتِه لهما وٌَّ كثيرةٌ، وقد رآهما مرارًا، واللهُ أعلمُ، على ما جاءَتْ به التمهيد
الأحاديثُ، وعندَ اللهِ علمُ كيفيةِ رُؤيته لهما ◌ََّ، فممكنٌ أن يُمثَّلَا له فِيَنظُرَ
إليهما بعَينَىْ وجهِه، كما مُثِّلَ له بيْتُ المقدسِ حينَ كذَّبه الكفَّارُ بالإسراءِ، فنظَر
إليه، وجعَل يُخبرُهم عنه، وممكنٌ أنْ يكونَ ذلك برؤيةِ القلبِ ، قال اللهُ عزَّ
القبس
تحقيقٌ: قولُه ◌َلَةِ: ((رأيتُ الجنةَ والنارَ)). وفى روايةٍ: ((فى عُرْضِ هذا
الحائطِ )) (١). قد بَنَّا لكم أن الإدراكَ يَخلُقُهُ(١) اللهُ متى شاء لمَن شاء، حتى يُدْرِكَ وهو
فى مَقامِهِ مِن العرشِ إلى الفَرْشِ ، ومِن آخِرِ المَكوتِ إلى بطنِ الحوتِ، وقد قال اللهُ
تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِنْزَهِيمَ مَلَكُونَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥]. وقد
قالت قريشٌ للنبىِّ وَلَّ: إن كنتَ دَخَلْتَ بيتَ المقدسِ، فصِفْه لنا. ((فكُرِبْتُ
كُرْبَةً ما كُرِبْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، فجلا اللهُ لى عن بَيْتِ المقدسِ عندَ دارِ أبى جَهْمٍ
بالبلاطِ ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهم عن آياتِهِ))(٢) . فإن قيل: وكيف تكونُ الجنةُ والنارُ فى
عُرْضِ الحائطِ؟ قلنا: حَضَرْتُ يومًا مَجْلِسًا جَرَى فيه هذا السؤالُ، فقال بعضُ
الأشياخِ: صَقَل اللهُ له الحائطَ، ثم كُشِفَت له الحُجُبُ، فَتَمَثَّلت(٤) له الجنةُ والنارُ
فى ذلك الجزمِ الصَّقِيلِ. وذلك تَقْصِيرٌ عظيمٌ، وذلك وإن كان جائزًا فى حكمِ اللهِ
تعالى، وهو دونَ قُدْرتِه، ولكن لا تَدْعُو الحاجةُ إليه، وإنما يُغْدَلُ عن الظّواهرِ إذا
خالَفتْ أدلةَ العقولِ .
(١) أخرجه البخارى (٧٢٩٤)، ومسلم (١٣٦/٢٣٥٩) من حديث أنس بن مالك .
(٢) فى م: ((يخلفه)).
(٣) أخرجه البخارى (٤٧١٠)، ومسلم (١٧٠) من حديث جابر .
(٤) فى ج: (( فتجلت)).
٤٠٩
الموطأ
التمهيد
وجلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىٌ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوْتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ
اُلْمُوقِنِينَ﴾. واختلف أهلُ التَّفسيرِ فى ذلك؛ فقال مجاهدٌ: فُرِجَتْ له
السَّماواتُ فنظَر إلى ما فيهنَّ حتى انتهَى بصره إلى العرشِ، وفُرِجَتْ له الأرضون
السبعُ فنظَر إلى ما فيهنَّ .
ذكَره حجَّاجْ، عن ابن جريج، قال : أخبَرِنِى القاسمُ بنُ أبى بزَّةَ، عن
مجاهدٍ
(١)
القبس
وقولُه : ((فى عُرْضِ الحائطِ )). مُتَعلِّقٌ بقولِه: ((رأيتُ)). كما قال: ﴿وَجَدَهَا
تَغْرُبُ فِ عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]. فقيل: قولُه: ﴿فِى عَيْنٍ حَمنَةٍ﴾.
مُتَعَلِّقٌ بـ: ﴿وَجَدَهَا﴾. لا بـ: ﴿تَغْرُبُ﴾. والقولُ الأولُ الصحيحُ. وأما
الثانى، فيجوزُ أن يكونَ قولُه: ﴿فِى عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾. متعلّقًا بـ: ﴿تَغْرُبُ﴾.
كما تقولُ: غَرَبَت الشمسُ فى البحرِ . وذلك مَجازُ ما رَأَتَه العيونُ، وغايةُ ما
أدرَ كه البصر.
وقولُه: ((تَناوَلتُ منها ◌ُنْقُودًا، فلو أخَذْتُه لأكَلْتُم منه ما بَقِيَتِ الدنيا)). وإنما
ذلك لأن طعامَ الجنةِ مخصوصٌ بصفتين؛ إحداهما، عدمُ التغيُّرِ والاسْتحالةِ .
والثانيةُ، عدمُ الانقطاع بدَوامِ البقاءِ، كلما قُطِعت منه حبّةٌ نشَأَت مائَةٌ ، كطعام
البركةٍ ، وقد قال بعضُ الناسِ: إن طعامَ الجنةِ إذا أرادَهُ(١) العبدُ ، خلَق اللهُ له مثلَه فى
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٥٠/٩ من طريق حجاج به .
(٢) فى د: ((رآه)).
٤١٠
الموطأ
وذكَره معمرٌ، عن قتادةَ قال: ملكوتُ السماواتِ ؛ الشمسُ، والقمرُ،
والنجوم، وملكوتُ الأرضِ؛ الجبالُ، والشجرُ، والبحارُ(١).
التمهيد
والظاهرُ فى هذا الحديثِ أنه رأى الجنةَ والنارَ رُؤيةً عينٍ، واللهُ أعلمُ،
وتناول من الجنةِ عنقودًا على ما ذكَر ◌ََّ، ويؤيِّدُ ذلك قولُه: ((فلم أرَ
كاليومِ منظرًا قطُّ)). فالظاهرُ الأغلبُ أنَّها رُؤيةُ عينٍ؛ لأنَّ الرؤيةَ والنَّظرَ إذا
أُطلِقا فحقُّهما أنْ يُضافًا إلى رُؤيةِ العينِ إلَّا بدليلٍ لا يَحتمِلُ تَأويلًا، وإلَّا
فظاهرُ الكلام وحقيقتُه أولَّى، إذا لم يَمنع منه (٢) دليلٌ يَجِبُ التسليمُ له.
وفى الحديثِ أيضًا من ذكرٍ الجنةِ والنارِ دليلٌ على أنَّهما مخلوقتانٍ، وعلى
ذلك جماعةُ أهلِ العلم، وأنَّهما لا يَبيدانِ من بين سائرِ المخلوقاتِ، وأهلُ
البدعِ يُنكِرون ذلك. وأمّا قولُه فى العُنقودٍ: ((ولو أخَذتُه لأكلثُم منه ما
بقِيَتِ الدنيا)). فكما قال ◌َله .
حدثنى أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ علىٍّ ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ فُطيسٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ السِّجسيُّ، قال :
القبس
البطنِ. وليس كذلك بل نقولُ(٢): ويَقْطَعُه ويأكُلُه ويُخلَفُ(٤) مثلَه، وقد بيَنَّا ذلك
فى موضعِه .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٢/١، وابن جرير فى تفسيره ٣٥٢/٩ من طريق معمر به .
(٢) بعده فى ك ١، م: ((مانع)).
(٣) فى م: ((يقوم)).
(٤) فى م: ((يخلق)).
٤١١
الموطأ
التمهید
حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمرٌ ، عن یحیی بنِ أبی کثیرٍ ، عن عمرو () بنِ
زيدٍ () البِكَالِيِّ، عن عتبةَ بنِ عبدِ السُّلميِّ قال: جاء أعرابىٌّ إلى النبيِّ وَلَهِ، فسألَه
عن الجنةِ، وذكَر الحوضَ، فقال: قال: فيها فاكهةٌ؟ قال: ((نعم، فيها(١) شجرةٌ
تُدعَى طُوبَى)). قال: يا رسولَ اللهِ ، أىَّ شجرٍ أرضِنا تُشْبِهُ؟ قال: ((لا تُشبِهُ شيئًا
من شجرِ أرضِك، اثْتِ الشَّامَ، هناكَ شجرةٌ تُدعَى الجَوزَةَ ، تَنبُتُ على ساقٍ
(٢ ويُفترشُ مِن ) أعلاها)). قال: يا رسولَ اللهِ، ما عِظَمُ أصلِها؟ قال: ((لوار تحلْتَ
جَذَعَةٌ من إبلِ أهلِكَ ما أحطتَ (٥) بأصلِها حتى تنكسِرَ تَرْقُوَتُها هرمًا)). قال : هل
فيها ◌ِنَبٌ ؟ قال : ((نعم). قال: فما عِظَمُ العنقودِ منها؟ قال: ((مسيرةُ الغرابِ
شهرًا، لا يَقَعُ ولا يَفْتُ)). قال: فما عِظَمُ حَبِّها؟ قال: ((أمَا عمَد أبوك وأهلُك إلى
جَذَعةٍ فَذَبَحها، وسلَخ إِهابَها، فقال: افروا لنا منها دلوًا)). فقال: يا(١) رسولَ
اللهِ، إِنَّ تلكَ الحَّةَ لتُشبِعُنى(١) وأهلَ بيتِى؟ قال: ((نعم، وعامَّةً(٨) عشيرتِك))(٩).
القبس
(١) كذا فى النسخ، وابن أبى عاصم، والطبرانى، وعند أحمد، ومصادر الترجمة: ((عامر)). وينظر
الجرح والتعديل ٦/ ٣٢٠، والثقات ١٩١/٥.
(٢) فى النسخ: ((يزيد)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) سقط من : ك١، م.
(٤ - ٤) فى ك ١، م: ((يفترش)).
(٥) فى م: ((أحاطت)).
(٦) سقط من : م.
(٧) فى ك ١: (لتسعنى)) .
(٨) فى الأصل، م: ((أهل)).
(٩) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (٧١٦)، والطبرانى ١٢٨/١٧ (٣١٣) من طريق عبد الرزاق =
٤١٢
الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : رُوِّینا عن بعض الصحابة ، لا أُقِفُ علی اسْمِه فی وَقْتی هذا ،
أَنَّه قال: كان يَسُؤُنا أن تأتِىَ الأعرابُ يسألون رسولَ اللهِ وَلَه، فإنَّهم كانوا
يسألون عن أشياءً لا نَقْدِرُ(١) نحن على السؤالِ عنها(٢). أو نحوَ هذا، وقال بعضُ
أهلِ العلمِ: ليس فى الدنيا شىءٌ مِمّا فى الجنةِ إلَّ الأسماءُ.
وأمَّا قولُه : ((ورأيتُ النارَ، فلم أرَ كاليومِ منظرًا قَطُّ ، ورأيتُ أكثرَ أهلِها
النساء)). فإِنَّه قد ثبت عنه نَّه من وجوهٍ أنَّه قال: ((اطَّلَعْتُ فى الجنةِ فرأيْتُ أكثرَ
أهلِها المساكينَ ، واطَّلَعْتُ فى النارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النساءَ)).
حدَّثنى أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
قال : حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، وحدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال :
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ ، قالا جميعًا :
القبس
وقولُه: ((ورأيتُ أكثرَ أهْلِها النساءَ)).
إن اللهَ عزَّ وجلَّ خلَق الجنةَ وخلَق لها أهلًا، وخَلَق النارَ وخلَق لها أهلًاً، ثم
يَشَر كلَّ أحدٍ لِما خُلِق له، ويَسَّرَه لعملٍ يُؤدِّيه إليه وجَبَله عليه، فخَلَق المعصيةَ
فى النساءٍ أكثرَ، ونقْصانَ الجِبِلَّةِ فيهن أوفَى. وبيِّنَ فى هذا الحديثِ أن العبدَ
يدخُلُ النارَ بالمعاصى وإن كان معه الإِيمانُ؛ رَدَّا على المُرْجِئَةِ، وقد بَيَّنَّه فى
موضعِه .
= به، وأخرجه أحمد ١٩١/٢٩ (١٧٦٤٢) من طريق معمر به .
(١) فى ك ١، م: ((نقدم)).
(٢) تقدم ص٢٥٧ .
٤١٣
الموطأ
حدَّثْنَا هَوْذَةُ بنُ خليفةَ ، قال: حدَّثنا سليمانُ التيمىُّ، عن أبى عثمانَ النَّهْدِىِّ،
التمهيد
عن أسامةَ بنِ زيدٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((قُشْتُ على بابِ الجنةِ، فإذا عامةُ
من دخَلَها المساكينُ، وإذا أصحابُ الجَدِّ (١) مَحبوسون، إِلَّ أصحابَ النَّارِ فقد
أَمِرَ بهم إلى النارِ ، وقُمتُ على بابِ النارِ، فإذا عامةُ من يَدْخُلُها(٢) النساءُ)(٣).
وأمَّا قولُه فى الحديثِ: قالوا : لمَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((لكَفرِهِنَّ). قيل:
أيكْفُوْنَ باللهِ؟ قال: ((ويَكْفُرِنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرنَ الإحسانَ)) . فهكذا رواه يحيى
ابنُّ يحيى: ((ويَكْفُرْنَ العشيرَ)). بالواوٍ. قالوا: وقد تابَعه بعضُ من يُعَدُّ(٤) عليه
ذلك أيضًا غَلَطًا كما عُدَّ على يحيى، والمحفوظُ فيه عن مالكِ ، من رواية ابنِ
القاسم، وابنٍ وهبٍ(١)، والقَعْنَبِّ(١)، وعامَّةٍ رواةِ ((الموطأُ))، قال: ((يَكْفُرْنَ
العشيرَ)). بغيرِ واوٍ، وهو الصحيحُ فى المعنى، وأما روايةُ يحيى، فالوجهُ فيها ،
واللهُ أعلمُ ، أن يكونَ السائلُ لما قال: أَيَكْفُوْنَ باللهِ؟ لم يُجِئْه على (٨ هذا جوابًا
القبس
(١) الجَدّ: الحظ والغنى. النهاية ٢٤٤/١.
(٢) فى م: ((دخلها)).
(٣) أخرجه أبو نعيم فى معرفة الصحابة (٧٧٠) من طريق الحارث بن أبى أسامة به ، وأخرجه أحمد
١١٥/٣٦، ١١٦، ١٤٨ (٢١٧٨٢، ٢١٨٢٥)، والبخارى (٥١٩٦، ٦٥٤٧)، ومسلم (٢٧٣٦)
من طريق سليمان التيمى به .
(٤) فى م: ((نقد)).
(٥) أخرجه النسائى (١٤٩٢) من طريق ابن القاسم به .
(٦) أخرجه ابن خزيمة (١٣٧٧) من طريق ابن وهب به .
(٧) أخرجه البخارى (١٠٥٢)، وأبو داود (١١٨٩) من طريق القعنبى به .
(٨) فى م: ((عن)).
٤١٤
الموطأ
التمهيد
مكشوفًا؛ لإحاطةِ العلم بأنَّ من النساءِ من يَكْفُرْنَ باللهِ ، کما أنَّ من الرجالِ من
يَكْفُرُ باللهِ، فلم يَحْتَجْ إلى ذلك؛ لأن المقْصِدَ() فى الحدِيثِ إلى غيرِ
ذلك، كأنَّه قال: وإن كان من النساءِ من يَكْفُرْنَ باللهِ، فإنهنَّ كُلَّهُنَّ فى
الغالبِ من أمرٍ هنَّ يَكْفُوْنَ الإِحسانَ)، ألا ترَى إلى قولِهِ وَّهِ للنساءِ المؤمناتِ:
(تَصَدَّقْنَ ، فَإِنِّى رَأَيْتُكُنَّ أكثرَ أهلِ النار)) .
قرَأْتُ على خلفٍ بنِ القاسم ، أن الحسينَ بنَ جعفرِ الزيَّاتَ حدَّثهم بمصرَ ،
قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيدَ ، قال: حدَّثنا حجَّاجُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا
إسماعيلُ بنُ جعفرٍ ، عن عمرو بنٍ أبى عمرٍو، عن أبى سعيدِ المقبُرِىِّ، عن أبى
هريرةَ، أن النبيَّ وَِّ انصرَف من صلاةٍ" الصبح، فأتَى النساءَ فى المسجدِ ،
فوقَف عليهنَّ، فقال : ((يا معشرَ النساءِ، تَصَدَّقْنَ، فما رأيتُ من نواقصٍ عقلٍ
و )دينٍ أذهَبَ لقلوبٍ ذوى الألبابِ منكنَّ، وإنِّى رأيتُكنَّ أكثرَ أهلِ النارِ يومَ
القيامةِ ، فَتَقَرَّبْن إِلى اللهِ بما استَطَعْتُنَّ). وكان فى النساءِ امرأةُ ابنٍ مسعودٍ . فساق
الحديثَ ، فقالت: فما نقصانُ ديننا وعُقولِنا يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((أمَّا ما ذَكَوْتُ
من نقصانِ دِينِكُنَّ ، فالحيضةُ التى تُصِيبُكُنَّ، تَمْكُثُ إحداكُنَّ ما شاء اللهُ أن
تمكُّثَ، لا تصلِّى ولا تصومُ ، فذلك نُقصانُ دينِكُنَّ، وأمَّا ما ذكرتُ من نُقصانٍ
القبس
(١) فى م: ((المقصود)).
(٢ - ٢) سقط من : ك ١، س.
(٣ - ٣) فى س: ((عن)) .
(٤) فى ك ١، م: ((قط أو)).
٤١٥
الموطأ
عُقُولِكُنَّ، فشَهادةُ المرأةِ نصفُ شَهادةِ الرجلِ))(١) .
التمهید
وأمّا قولُه: ((يَكْفُرْنَ العشيرَ، ويَكْفُرنَ الإحسانَ)). فالعشيرُ عندَ أهلِ العلمِ
فى هذا الموضعِ الزوج. والمعنَى عندَهم فى ذلك كفرُ النساءِ لحُسنٍ مُعاشرةٍ
الزوجِ، ثم عطّف على ذلك كفرَهنَّ بالإحسانِ جملةٌ فى الزوج وغيرِه، وقال
أهلُ اللغةِ : العشيرُ المخالطُ، من المعاشرةِ (" والمخالطة٢ِ) ، ومنه قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ:
﴿َبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِفْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣].
قال الشاعر :
عشِيرٌ وهل يشكو الكريمَ عشيرُ
وتلك التى لم يشكُّها فى خليقةٍ
(٣)
وقال آخر (١) :
سلا هل قَلانِی مِن عَشیرٍ صَحِبْتُه
وهل ذَّ رَحْلِى فى الفراقِ(4) خليلى(٥)
حدَّثنى سعيدُ بنُّ نصرٍ قراءةً عليه ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثُهم ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الْحُميدِىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثْنا
منصورٌ، قال: حدَّثنَا ذَرِّ الهَمْدانِىُ، عن وائلِ بنِ مَهَانةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٤٩/١٤ (٨٨٦٢)، ومسلم (٨٠) من طريق إسماعيل بن جعفر به، وأخرجه
ابن منده (٦٧٦) من طريق عمرو بن أبى عمرو به .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) البيت فى ديوان مجنون ليلى ص٢٠٧، ونسبه القالى فى الأمالى ٢٥٨/٢ إلى مضرس بن قرظ
ابن الحارث المزنى، وعندهما: ((سلى)) بدلًا من: ((سلا)).
(٤) فى م: ((الرفاق)).
(٥) فى ك ١، م: ((دخيل)).
٤١٦
الموطأ
التمهيد
قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (تَصَدَّقْنَ يا معشرَ(١) النساءِ ولو من حُلِيْكَنَّ، فإنَّكنَّ
من أكثرِ أهلِ النارِ)) . فقامتِ امرأةٌ ليست من عليةِ النساءِ فقالت : لمَ يا رسولَ
اللهِ؟ فقال: ((لأَنَّكنَّ تُكثِرِنَ اللعنَ، وَتَكْفُوْنَ العشيرَ)). ثم قال عبدُ اللهِ بنُ
مسعودٍ : ما وُجِد من ناقصِ العقلِ والدينِ أَغْلَبُ للرجالِ ذَوِى الرَّأَيِ على أمورِهم
من النساءِ . قال : فقيل : يا أبا عبدِ الرحمنِ ، فما نقصانُ عقلِها ودينِها ؟ فقال :
أما نقصانُ عقلِها ، فجَعَلَ اللهُ شهادةَ امرأتين كشهادةِ رجلٍ ، وأما نقصانُ دينِها ،
فإِنَّها تَمْكُثُ كذا وكذا يومًا لا تُصلِّى للهِ فيه سجدةً(٢) .
قال أبو عمرَ : رواه شعبةُ، عن الحكمِ، "عن ذر٢ّ)، عن وائلِ بنِ مَهانةَ، عن
عبدِ اللهِ، عن النبيِّ وَّهِ نحوَه، قال: وقال عبدُ اللهِ: وما رأيتُ من ناقصاتِ
الدينِ والعقلِ أغْلَبَ للرجالِ ذَوِى الأُمرِ منهنَّ. ثم ذكَرَه إلى آخِرِه (٤).
ورواه المسعودىُّ، عن الحكم، عن ذرٍّ، عن وائلٍ بنِ مهانةَ ، عن عبدِ اللهِ
مَوقوفًا . والصوابُ فيه روايةُ منصورٍ ، عن ذرٍّ . واللهُ أعلمُ ، وقد رُوِى كلامُ ابنٍ
مسعودٍ هذا مرفوعًا ، وقد ذكرناه(٥).
القبس
(١) فى س: ((معاشر)).
(٢) الحميدى (٩٢). وأخرجه أحمد ٤٠/٦ (٣٥٦٩)، والنسائى فى الكبرى (٩٢٥٧) من طريق
ابن عيينة به .
(٣ - ٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) أخرجه الطيالسى (٣٨٤)، وأحمد ٢١٧/٧، ٢١٨ (٤١٥١، ٤١٥٢)، والدارمى (١٠٤٧)،
والنسائى فى الكبرى (٩٢٥٦) من طريق شعبة به .
(٥) بعده فى م: ((من حديث المغيرة - صوابه: المقبرى - عن أبى هريرة، عن النبى وَ لقوله ورواه
الدراوردى عن سهيل عن - صوابها: ابن - أبى صالح عن أبيه، عن أبى هريرة، أن رسول اللَّهِ وَه =
٤١٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢٧/٦)
,٠
الموطأ
التمهید
وحدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ خالدٍ (١) ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
رجاءٍ الغُدانِئُ(٢) ، قال: أخبرنا عمرانُ القَطَّنُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ
المسئَّبِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (١)، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يَنظُرُ اللهُ عَّ
وجلَّ يومَ القيامةِ إلى امرأةٍ لا تَشكُرُ لزوجِها وهى لا تَسْتَغْنِى عنه))(4).
وكذلك رواه سعيدُ بنُّ أبى عروبةَ ، عن قتادةَ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، عن
القبس
خطب فوعظ ثم قال: (( يا معشر النساء تصدقن فإنى رأيتكن أكثر أهل النار)). فقالت له امرأة: ولم
ذلك يا رسول الله؟ قال: ((بكثرة لعنكن وكفركن العشير، وما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب
الألباب ذوى الرأى منكن )) . فقالت امرأة : يا رسول الله، وما نقصان عقولنا وديننا ؟ فقال:
(( شهادة امرأتين منكن شهادة رجل، ونقصان دينكن الحيضة، تمكث إحداكن الثلاث والأربع لا
تصلى)) . وروى الليث بن سعد وبكر بن مضر عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار وعن - صوابها :
عن - عبد الله بن عمر أن رسول اللّهِ وَّلي قال: ((يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن من الاستغفار،
فإنى رأيتكن أكثر أهل النار)) . قالت امرأة منهن: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال :
((تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذى لب منكن)) . قالت :
يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: ((أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة
رجل ، فهذا من نقصان العقل ، وتمكث ليالى ما تصلى ، وتفطر فى رمضان ، فهذا نقصان الدين)).
هذا الحديث يدل على أن نقصان الدين قد يقع ضرورة لا تدفع ، ألا ترى أن الله جبلهن على ما
يكون نقصا فيهن . قال الله عز وجل: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على
بعض﴾. وقد فضل الله أيضا بعض الرجال على بعض وبعض النساء على بعض وبعض الأنبياء على
بعض ، لا يسأل عما يفعل وهو الحكيم العليم .
(١) بعده فى م: ((قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال: حدثنا أحمد بن خالد)).
(٢) فى الأصل: ((العدانى))، وفى س: ((السعانى))، وينظر تهذيب الكمال ٤٩٥/١٤ .
(٣) فى النسخ: ((عمر)). والمثبت من مصدر التخريج، وهو كذلك فى نسخة فى حاشية المطبوعة.
(٤) أخرجه ابن عدى ٢١٤٤/٦ من طريق عمران القطان به .
٤١٨
الموطأ
عبدِ اللهِ بنِ عمٍو (١)، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((لا يَنظُرُ اللهُ إلى امرأةٍ لا تَعْرِفُ
حقَّ زوجِها وهى لا تَسْتَغْنِى عنه))(١).
التمهيد
رواه شعبةُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن عبدِ اللهِ بنِ
عمرٍو (٣) موقوفًا .
حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهيرٍ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مرزوقٍ ، قال: حدَّثنا شعبةُ ، عن قتادةَ ،
عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمٍو (١) قال: ((لا يَنْظُرُ اللهُ إلى امرأةٍ لا
تَشْكُوْ لزوجِها (" وهى" لا تَستغنى عنه)) .
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا أبو طالبٍ محمدُ بنُ زكريا ببيتٍ
المقدسِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يعقوبَ بنِ الفرج، قال: حدَّثنا علىُ بنُ
المدِينِيِّ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ يوسفَ ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ فَيَّاضٍ، عن
خلَّادٍ (١) بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ جُندَةً (١) ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ ، أنَّه سمِع ابنَ عباسٍ
القبس
(١) فى م: ((عمر)).
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (٩١٣٥) من طريق سعيد بن أبى عروبة به .
(٣) فى النسخ: ((عمر)).
(٤ - ٤) سقط من : ك١، س.
(٥) أخرجه النسائى فى الكبرى (٩١٣٧) من طريق شعبة به .
(٦) فى ك ١، س: ((خالد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٥٦/٨.
(٧) فى النسخ: ((جعدة)). والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر تهذيب الكمال الموضع
السابق .
٤١٩
الموطأ
٤٤٨ - وحدَّثنى عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرَةَ بنتٍ
عبدِ الرحمنٍ، عن عائشةَ زوج النبيِّ وَلّ، أَن يهوديَّةٌ جاءت تسألُها
فقالت : [٦٨ظ] أعاذكِ اللهُ مِن عذابِ القبرِ. فسألَتْ عائشةُ رسولَ اللهِ
وَلَّهِ : أَيُعَذَّبُ الناسُ فى قبورِهم؟ فقال رسولُ اللهِ مَِّ عائذًا باللهِ من
ذلك، ثم ركِب رسولُ اللهِ وَِّ ذاتَ غَداةٍ مَركَبًا، فخسَفتِ الشمسُ،
فرجَع ضُحَّى، فمَرَّ بينَ ظَهْرَي الحُجَرِ، ثم قامَ يُصَلِّى وقامَ الناسُ
وراءَه ، فقام قيامًا طويلًا ، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفَع فقامَ قيامًا طويلًا
وهو دونَ القيامِ الأُولِ ، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوع الأولِ،
ثم رفَعَ فسجَدَ ، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأوَّلِ ، ثم ركَع
ركوعًا طويلاً وهو دونَ الركوع الأوَّلِ، ثم رفَع فقام قيامًا طويلًا وهو دونَ
القيامِ الأوَّلِ، ثم ركَع ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوعِ الأوَّلِ، ثم رفَع،
ثم سجَد، ثم انصرفَ فقال ما شاء اللهُ أن يقولَ، ثم أمَرهم أن يتعَوَّذوا من
عذاب القبرِ .
التمهید
يقولُ: إِنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ اللهِ، ما خيرُ ما أعدَّتِ المرأةُ؟ قال: ((الطاعةُ
للزوجِ، والاعترافُ بحقٌه))(١).
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن عمرةً، عن عائشةَ، أن يهوديةٌ جاءت
تسألُها فقالت: أعاذَكِ اللهُ من عذابِ القبرِ. فسأَلتْ(٢) عائشةُ رسولَ اللهِ :
القبس
(١) أخرجه البخارى فى تاريخه ١٦٢/٧، والطبرانى (١٠٧٠٢) من طريق على بن المدينى به.
(٢) فى الأصل: ((قالت)).
٤٢٠