النص المفهرس

صفحات 221-240

الموطأ
٤٢٣ - وحدَّثنى عن مالك، عن هشام بنِ عروةَ ، عن أبيه ، عن
عائشةَ زوج النبيِّ وَلّ، أنها قالت: كان أحبَّ العملِ إلى رسولِ اللهِ
التمهيد
قُرطٍ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((من صلَّى صلاةٌ لم يُكمِلْ فيها ركوعه وسجوده
وخشوعَه، زِيد فيها من سُبُحاتِه حتى تَتِمَّ)) (١). وهذا لا يُحفَظُ عن النبيِّ وَهِ إِلَّ
من هذا الوجهِ ، وليس بالقوىِّ، وإن صحَّ كان معناه أنه خرَج من صلاِه وقد أتَمّها عندَ
نفسِه، وليست فى الحكم بتامَّةٍ ، واللهُ أعلمُ. هذا على أنه قد كان يلزَمُه أن يتعلَّمَ ،
فإن تُذِّب ◌ُذِّب على تزكِ التعلُّم ، وإن عُفِى عنه فاللهُ أهلُ العفوِ وأهلُ المغفرةِ .
وأما قولُه فى حديثٍ يحيى بنِ سعيدٍ : فإن قُبِلت منه نُظِرِ فيما بقِىَ من عملِه .
فمعنى القبولِ واللهُ أعلمُ : أن تُوجَدَ تامَّةً على ما يلزَمُه منها لزومَ فرضٍ، فإذا
وُجِدتْ كذلك قُبِلت ونُظِرِ فى سائرٍ عملِه. وآثارُ هذا البابِ تعضُدُ هذا التأويلَ إِن
شاء اللهُ، ولا يصِحُ غيرُه على الأصولِ الصِّحاحِ، واللهُ أعلمُ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا موسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبانُ بنُ يزيدَ ،
قال : حدَّثنا قتادةُ، عن الحسنِ، عن أنسٍ بنِ حكيمٍ، عن أبى هريرةَ، أَنَّ النبىّ
وَ لِّ قال: «أولُ ما يُحاسبُ به العبدُ يومَ القيامةِ يُحاسَبُ بصلاتِه، فإذا صلَحت
فقد أفلَحَ وأَنْجَح، وإن فسدت فقد خاب وخسِر))(١).
القبس
(١) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٤٠٩)، وابن قانع فى معجم الصحابة ٣٠٢/٢،
والطبرانى ٢٢/١٨ (٣٧)، والضياء فى المختارة ٢٤٣/٨ (٢٩٥) من طريق محمد بن حمير به.
(٢) أخرجه البخارى فى تاريخه ٣٣/٢، وابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (١٨١) من طريق
موسی بن إسماعيل به .
٢٢١

وَمَّ الذى يدوم علیه صاحبُه .
الموطأ
٤٢٤ - وحدَّثنى عن مالكِ، أنه بلَغه عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ
أبى وقاص ، عن أبيه ، أنه قال : كان رجلان أخوان ، فهلَك أحدُهما قبلَ
صاحبِهِ بأربعينَ ليلةً، فذُكِرت فضيلةُ الأوَّلِ عندَ رسولِ اللهِ وَلَه ،
فقال: ((ألم يكنِ الآخَرُ مسلمًا؟)) . قالوا : بلى يا رسولَ اللهِ ، وكان لا
بأسَ به. فقال رسولُ اللهِ [٦٤ ر] وَله: (( وما يُدريكم ما بلَغت به صلاتُه؟
إنما مَثلُ الصلاةِ كمَثَلِ نَهرٍ غَمْرٍ عَذْبٍ ببابٍ أحدِ كم، يَقتحمُ فيه كلَّ يومٍ
خمسَ مراتٍ، فما تَرَون ذلك يُبقى مِن دَرَنِه؟ فإنكم لا تَدْرُون ما بلغت به
صلاتُه )) .
التمهید
مالكٌ ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت : كان أحبَّ العمل
إلى رسولِ اللهِ مَّ الذى يدومُ عليه صاحبُه(١).
ومعنى هذا الحديثِ مفهومٌ؛ لأن العملَ الدائمَ يتَصِلُ أجرُه وحسناتُه، وما
انقطَع ("من العمل٢ِ) انقطَعَ أجرُه وحسناتُه .
وفى هذا الحديثِ عندِى دليلٌ على أن قليلَ العمل إذا دام عليه صاحبه أزكى
له ، واللهُ يحبُّ الرفقَ فى الأمرِ كلِّه ويرضاه ، ولا يرضى العنفَ ، وبالله التوفيقُ.
مالكٌ ، أنه بلَغه عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبى وقاصٍ، عن أبيهِ ، أنه قال : كان
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٧٧). وأخرجه أحمد ٢٧٣/٤٢ (٢٥٤٣٩)، والبخارى
(٦٤٦٢)، وابن حبان (٣٢٣) من طريق مالك به .
(٢ - ٢) سقط من: ص ٢٧، م.
٢٢٢

الموطأ
التمهيد
رجلان أخوان ، فهلَك أحدُهما قبلَ أن يَهلِكَ صاحبُه بأربعين ليلةً ، فذُكِرتْ
فضيلةُ الأولِ عندَ رسولِ اللهِ وَلِّ، فقال: ((ألم يكنِ الآخَرُ مسلمًا؟)). قالوا:
بلى يا رسولَ اللهِ، وكان لا بأسَ به. فقال رسولُ اللهِ وَله: « وما يُدريكم ما
بلَغت به صلاتُه؟ إنما مثَلُ الصلاةِ كمَثلٍ نَهَرٍ غَمْرٍ عَذْبٍ ببابِ أحدِ كم ، يَقْتحِمُ
فیه كلَّ يوم خمس مراتٍ ، فما تَرون ذلك يُبقِی مِن دَرَنِه؟ فإنكم لا تدرون ما
بلَغتْ به صلاتُه))(٢).
النهرُ الغمْرُ: الكثيرُ الماءِ، والدَّرنُ: الوسَخُ . ويدُلُّ هذا الحديثُ واللهُ أعلمُ
على أن العذْبَ مِن المياهِ أشدُّ إنقاءً للدَّرنِ من غيرِ العذبِ، كما أن الكثيرَ() أنقَى
مِن اليسيرِ ، وهذا مثلٌ ضرّبه رسولُ اللهِ وَّهِ للصلاةِ يُخبِرُ بأنها تُكفِّرُ ما قبلَها مِن
الذنوبِ إذا اجتنبتِ الكبائرُ، وقد مضَى هذا المعنى مُجوَّدًا فى بابِ زيدِ بنِ
أسلمَ (٤) ، والحمدُ للهِ. والروايةُ الصحيحةُ: ((يُبقِى))؛ بالباءِ لا بالنونِ .
قال أبو عمرَ: أما قصةُ الأخوين فليست تُحفظُ من حديثٍ سعدِ بنِ
أبى وقاصٍ إلا فى مرسلٍ مالك هذا، وقد أنكره أبو بكر البزارُ وقطَع بأنه لا يوجَدُ
من حديثٍ سعدِ البَّةَ، وما كان ينبغى له أن يُنكِرَه ؛ لأن مراسيلَ مالكِ أصولُها
صِحاحٌ كلُّها ، وجائزٌ أن يروِىَ ذلك الحديثَ سعدٌ وغيرُه ، وقد رواه ابنُ وهبٍ
عن مخرمةً بنِ بُکیرٍ ، عن أبيه ، عن عامر بن سعدٍ ، عن أبيهِ مثلَ حدیثِ مالك
القبس
(١) فى ف: ((ينقى)).
(٢) عوالى مالك (٧٦ - رواية الحاكم الكبير ) .
(٣) بعده فى ر: ((الماء)).
(٤) تقدم فى ٧٧/٣ - ٨٩ .
٢٢٣

الموطأ
التمهيد
سواءً (١). ( وأظنُّ مالكًا" أخذه من كتبٍ بُكيرِ بنِ الأشجُ وأخبرَه به عنه مَخرمةٌ
ابنُه ، أو ابنُ وهبٍ ؛ واللهُ أعلمُ فإن هذا حديثٌ انفرَد به ابنُ وهبٍ ، لم يَروِه أحدٌ
غيرُه فيما قال جماعةٌ مِن العلماءِ بالحديثِ .
قال أبو عمرَ : تُحفظُ قصةُ الأخوين مِن حديثِ طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ() ، ومِن
حديثٍ أبى هريرةً(٤)، ومِن حديثِ عُبيدٍ بنٍ خالدٍ ) ، ومِن حديثِ سعدٍ هذا مِن
روايةِ مالكِ هذه، ومُرسَلُ حديثِ مالكِ هذا أقوى من مسندٍ بعضٍ حديثٍ
هؤلاء .
وأمَّا آخرُ هذا الحديثِ قولُه: ((مثَلُ الصلواتِ الخمسِ كمثَلِ نهَرٍ عذْبٍ
غَمْرٍ )). فهو محفوظٌ مِن حديثٍ أبى هريرةً(١) ، وحديثٍ جابرٍ(٧)، وحديثِ
أبى سعيد الخدرىِّ(٨)، مِن طُرقٍ صِحاحِ ثابتةٍ. ويُروَى: ((مثَلُ الصلواتِ الخمسِ)).
أيضًا مِن حديثٍ عامرِ بنِ سعدٍ ، عن أبانِ بنِ عثمانَ، عن عثمانَ ، عن النبيِّ
(وَلَه١. وزعَم أبو بكرِ البَّارُ أن حديثَ مالكِ هذا كلَّه خطأً فى قصةِ الأخوينِ،
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص٢٢٥، ٢٢٦.
(٢ - ٢) فى ف: ((وهو حديث مالك هذا)).
(٣) سيأتى ص٢٢٥ - ٢٢٩.
(٤) سيأتى ص٢٢٩، ٢٣٠.
(٥) سيأتى ص ٢٣٠، ٢٣١.
(٦) سيأتى تخريجه ص٢٣٣، ٢٣٤.
(٧) سيأتى تخريجه ص ٢٣٢.
(٨) أخرجه البزار (٣٤٤ - كشف)، وابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٨٦)، والطبرانى (٥٤٤٤).
(٩) سيأتى مسندًا ص ٢٣١ - ٢٣٣.
٢٢٤

الموطأ
التمهيد
وقصةُ: ((مثَّلُ الصلواتِ الخمسِ))؛ قال البزارُ: ولم يروٍ أحدٌ عن سعدٍ ،
عن النبيِّ وَّ قولَه: ((مثلُ الصلواتِ الخمسِ)). ولا أعلمُه من حديثٍ
سعدٍ، واللهُ أعلمُ .
قال أبو عمرَ : قد رواه ابنُّ وهبٍ كما وصَفنا عن مخرمةَ، عن أبيهِ ، حدَّثناه
عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ، حدَّثنا الحسنُ بنُ علىٍّ بنِ داودَ، حدَّثنا عباسُ بنُ
محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى مخرمةُ بنُ
بُكيرٍ ، عن أبيه ، عن عامٍ بنِ سعدِ بنِ أبى وقاصٍ ، قال: سمِعتُ سعدًا وأناسًا مِن
أصحابِ رسولِ اللهِ وَل يقولون: كان رجلان على عهد رسولِ اللهِ وَله
أخوانٍ، وكان أحدُهما أفضلَ مِن الآخرِ ، فتُوفِّى الذى هو أفضلُهما، ثم عُمِّر
الآخرُ بعدَه أربعينَ ليلةً ثم توِّى، فذُكِر لرسولِ اللهِ وَلِّ فضيلةُ الأولِ على
الآخَرِ، فقال: ((أوَ لم يكنْ يصلِّى؟)). فقالوا: بلى، وكان لا بأسَ به يا رسولَ
اللهِ. فقال رسولُ اللهِ وَلَ: ((ما يُدريكم ما بلَغت به صلاتُه؟)). ثم قال عندَ
ذلك: ((إنما الصلاةُ كمثَلٍ نَهَرٍ غَمْرٍ عذبٍ ببابٍ رجلٍ، يقتحِمُ فيه كلّ يومٍ خمسَ
مراتٍ ، فماذا ترَون ذلك يُبقِى مِن دَرَنِه؟ إنكم لا تدرون ما بلغت به صلاتُه))(١) .
تفرّد به ابنُ وهبٍ .
فأمَّا حديثُ طلحةَ فى قصة الأخوين ، فحدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ
المؤمنِ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ
القبس
(١) عوالى مالك (٧٦ - رواية الحاكم الكبير). وأخرجه أحمد ١١٥/٣ (١٥٣٤)، والدورقى فى
مسند سعد (٤٠)، وابن خزيمة (٣١٠)، والحاكم ٢٠٠/١، والبيهقى فى الشعب (٢٨١٤) =.
٢٢٥
( موسوعة شروح الموطأ ١٥/٦)

الموطأ
التمهيد
ابنِ حنبلٍ ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ
مُضرَ، عن ابنِ الهادِ ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا
سعيدُ بنُ أبي مريمَ ، قال : أخبرنا ابنُ لهيعةً ويحيى بنُ أيوبَ ، قالا: حدَّثنا ابنُ
الهادِ ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن طلحةً بنِ
عبيدِ اللهِ، أن رجلين من بَلِيٍّ(١) قدِما على رسولِ اللهِ وَ لِ فكان إسلامُهما
جميعًا، وكان أحدُهما أشدَّ اجتهادًا من الآخرِ ، فغزا المجتهدُ منهما فاستُشهِد ،
ثم مات الآخرُ بعدَه بسنةٍ . قال طلحةُ : بينما أنا عندَ بابِ الجنةِ ، إذ أُتى بهما،
فخرَج خارجٌ مِن الجنةِ ، فأذِن للذى تُوفِّى ؛ الآخرِ منهما، ثم خرَج فأذِن الذى
۵
استُشهِد، ثم رجَع إلىَّ فقال: ارجِعْ، فإنك لم يأنِ لك بعدُ . فأصبح طلحةٌ
يحدِّثُ الناسَ، فَعَجِبُوا لذلك، فبلغ ذلك رسولَ اللهِ وَلِّ، فقال رسولُ اللهِ
وَ له: ((مِن أَىِّ ذلك تعجّبون؟)). قالوا: يا رسولَ اللهِ، هذا كان أشدَّ الرجلين
اجتهادًا ثم استُشهِد فى سبيلِ اللهِ، ودخَل هذا الجنةَ قبلَه! قال: ((أليس هذا قد
مكَث بعدَه سنةً؟)). قالوا: بلى. قال: ((وأدرَك رمضانَ وصامه؟)). قالوا: بلَى.
قال: ((وصلَّى كذا وكذا من سجدةٍ فى السنةِ؟)). قالوا: بلى. قال رسولُ الله
إنَّه: (( بينَهما أبعدُ ما بينَ السماءِ والأرضِ)) (١). سُئل يحيى بنُ معينٍ عن
القبس
= من طريق ابن وهب به .
(١) بَلِىّ: قبيلة عظيمة من قضاعة. ينظر معجم قبائل العرب ١٠٤/١.
(٢) أحمد ٢١/٣ (١٤٠٣). وأخرجه البيهقى ٣/ ٣٧١، ٣٧٢ من طريق ابن لهيعة ويحيى بن
أيوب به، وأخرجه ابن ماجه (٣٩٢٥)، وابن حبان (٢٩٨٢) من طريق ابن الهاد به .
٢٢٦

الموطأ
حديثٍ أبى سلمةً، عن طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ ، فقال: مرسلٌ ، لم يُسمَعْ مِن طلحةً التمهيد
ابنِ عُبیدِ اللهِ .
قال أبو عمرَ : هو عندَ أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، عن طلحةً، وسنذ کرُه
هلهنا إن شاء اللهُ بعدَ هذا .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ
حَمدانَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، حدَّثنى أبى، حدَّثنا محمدُ
ابنُ عُبيدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبى سلمةَ ،
قال : نزَل رجلان مِن أهلِ اليمنِ على طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ، فقُتل أحدُهما مع
رسولِ اللهِ وَُّ، ثم مكث الآخرُ بعدَه سنةً، ثم مات على فراشِه، فرأى طلحةُ
ابنُ عبيدِ اللهِ أن الذى مات على فراشِه دخَل الجنةَ قبلَ الآخرِ بحينٍ ، فذكر ذلك
طلحةُ لرسولِ اللهِ وَِّهِ، فقال رسولُ اللهِ وَةِ: ((كم مكَث بعدَه؟)). قال:
حولًا. فقال رسولُ اللهِ وَلَهَ: ((صلّى(١) ألفًا") وثمانمائةٍ صلاةٍ وصام
رمضانَ))(٢).
:
وقد روَى هذه القصةَ إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ طلحةً عن جدِّه فى ثلاثةِ إخوةٍ
بنحوِ هذا المعنى .
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ص. وفى م: ((على)).
(٢) فى م: ((ألف)).
(٣) أحمد ١٢/٣ (١٣٨٩).
٢٢٧

الموطأ
التمهید
أخبَرناه قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ عمرو بنٍ منصورٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنجرَ الجرجانىُ ، قال :
حدَّثنا سعيدُ بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ موسى بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ
إسحاقَ بنِ طلحةً، عن أبيه، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ طلحةً، عن جدِّه
طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ ، قال: نزَل علَىَّ ثلاثةُ إخوةٍ مِن بَلِىٌّ، وهم من بنى عُذرةَ،
فغزا رجلٌ منهم فى بعضٍ مغازِى النبيِّ وَ لِّ فَقُتل، وغزا الآخرُ بعدَه فى بعضٍ
مغازِى النبيِّ وَ جَرَ فمات، وبقِىَ الآخرُ فمات بعدَهما، فأَريتُ فى منامِى
كأنهم أُحضِروا بابَ الجنةِ، فبدئَّ بالذى مات فأُدخِل الجنةَ، ثم ثُنِّى بالذى
مات فى الغزوٍ فَأُدخِل الجنةَ ، ثم ثُلِّث بالذى قُتِل فى سبيلِ اللهِ فأدخِل الجنةَ، ثم
ذهَبتُ لأُدْخُلَ فحُجِبتُ ، فأصبحتُ مذعورًا، فَأَتَيتُ رسولَ اللهِ وَِّ فأخبَرُه ،
فقال: (( وما أَذْعَرك يا أبا محمدٍ ؟ إن الذى مات على فِراشِه أدرَك من فضلٍ
العملِ ما يُدِىَّ به، وإن الذى مات فى سبيلِ اللهِ أدرَك من فضلِ العملِ بعدَ
صاحبِه ما ثُّنِّى به ، وإن الذى قُتِل فى سبيلِ اللهِ فَأُدخِلَ الجنةَ بقتلِه فى سبيلِ اللهِ،
وأنت فلم يحضُرْك أجلُكَ فتدخُلَها)) .
ولم يسمعْه إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ طلحةً من جدِّه؛ بينَهما عبدُ اللهِ
ابن شداد .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ
حمدانَ ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، حدَّثنا أبى، حدَّثنا وكيع، حدَّثنا
طلحةُ بنُ يحيى ، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ طلحةً، عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ ، أن
القبس
٢٢٨

الموطأ
التمهید
نفرًا من بنى عُذرةَ ثلاثةً أَتَوُا النبىَّ وَّهِ فَأَسْلَموا، قال: فقال النبيُّ ◌َله: (( من
يكفِينيهم؟(١))). قال طلحةُ: أنا. قال: فكانوا عندَ طلحةً، فبعث النبيُِّ لَله
بعثًا، فخرَج فيه أحدُهم فاستُشهِد. قال: ثم بعَث بعثًا ، فخرَج فيه آخرُ
فاستُشهِد . قال : ثم مات الثالثُ على فِراشِه. قال طلحةُ : فرأيتُ هؤلاء الثلاثةَ
الذين كانوا عندى فى الجنةِ ، فرأيتُ الميتَ على فراشِه أمامَهم ، ورأيتُ الذى
استُشهِد أخيرًا يليه، ورأيتُ الذى استُشهِد أوَّلَهم آخرَهم. قال: فدخَلنى من
ذلك، فَأَتَيتُ النبىَّ وَِّ فذكَرتُ ذلك له، فقال رسولُ اللهِ وَلَةِ: (( وما أنْكَرتَ
من ذلك ؟ ليس أحدٌ أفضلَ عندَ اللهِ من مؤمنٍ يُعمَّرُ فى الإسلامِ لتسبيحِه وتكبيرِه
(٢)
وتهلیله))(٢) .
وأما روايةُ أبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ، عن طلحةً لهذا الحديثِ، فحدَّثنا
سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، قال :
حدَّثنا أبو بكرٍ بِنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
عمرٍو، حدَّثنا أبو سلمةَ، عن أبى هريرةَ، قال : جاء رجلان من بَلِىٌّ من قُضاعةً،
فأَسلما مع رسولِ اللهِ وَّله، فاستُشهِد أحدُهما، وأَخِّر الآخرُ بعدَ سنةٍ. قال
طلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ : فرأيتُ كأنى أُدخِلتُ الجنةَ ، فرأيتُ المؤَّرَ منهما دخَل
قبلَ الشهيدِ، فعجِبتُ من ذلك، فأصبحتُ فذكرتُ ذلك لرسولِ اللهِ وَله
القبس
(١) فى الأصل: ((يكفتهم))، وفى ر، ر ١، م: ((يكفلهم)).
(٢) أحمد ١٩/٣ (١٤٠١) - ومن طريقه الضياء فى المختارة (٨٣٠) - وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٥/١٣،
وعبد بن حميد (١٠٤- منتخب)، والنسائى فى الكبرى (١٠٦٧٤) من طريق وكيع به ، وينظر علل
الدار قطنى ٢١٧/٤.
٢٢٩

الموطأ
التمهید
فقال: ((أليس صام بعدَه رمضانَ، وصلَّى بعدَه كذا وكذا ركعةً؟))(١). صلاةً
.(٢)
السنةِ(٢).
وروَى هذا المعنى عُبِيدُ بنُ خالدٍ - رجلٌ مِن الصحابةِ - عن النبيِّ ◌َه.
حدَّثنا قاسمُ بنُ محمدٍ قراءةً منِّى عليه، أن خالدَ بنَ سعدٍ حدَّثهم، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ ، قال: حدَّثنا وهبُ
ابنُّ جريرٍ، حدَّثنا شعبةُ، عن عمرو بنِ مرَّةَ، عن عمرو بن ميمونٍ، عن
عبدِ اللهِ بنِ ربيعةَ، عن عُبيدِ بنِ خالدٍ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ آخَى بينَ رجلين، فقُتل
أحدُهما فى سبيلِ اللهِ، ثم تُوِّى الآخرُ بعدَه فصلَّوا عليه، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ:
(( ما قلتُم عليه؟)). قالوا: دعَونا الله أن يغفر له ويرحَمَه ويُلحِقَه بصاحبِه.
فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((فأينَ صلاتُه بعدَ صلاِه، وصيامُه بعدَ صيامِه ، وعملُه
بعدَ عملِه؟ لَّا بينَهما أبعدُ مما بينَ السماءِ والأرضِ)).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، حدثنا أبو داود ، حدّثنا محمدُ
ابنُ کثیرٍ ، قال : اخترنا شعبةُ ، عن عمرو بن مرّةً ، قال : سمِعتُ عمرو بنَ میمون ، عن
عبدِ اللهِ بنِ ربيعةً، عن عُبيدِ بنِ خالدِ السُّلَميِّ، قال: آخَى رسولُ اللهِ وَلَهُ بِينَ
رجلينٍ، فقُتل أحدُهما، ومات الآخرُ بعدَه بجُمُعةٍ أو نحوِها ، فصلَينا عليه ،
فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((ما قلتُم له؟)). قالوا: دعَونا له وقلنا: اللّهِمَ اغفِرْ
له وألحِقْه بصاحبِه. فقال رسولُ اللهِ نَّهِ: «فأينَ صلاتُه بعدَ صلاتِه،
القبس
(١) بعده فى مصدر التخريج: ((يعنى)).
(٢) أخرجه البزار (٩٢٩) من طريق محمد بن عمرو به. وينظر علل الدارقطنى ٤/ ٢١٤.
٢٣٠
.

الموطأ
أو صومُه بعدَ صومِه - شكَّ شعبةُ فى صومِه - وعملُه بعدَ عملِه؟ إنَّ بينَهما كما التمهيد
بينَ السماءِ والأرضِ)) (١).
قال أبو عمرَ: يُفسِّرُ هذا المعنَى ويُوضِّحُه قولُه وَله: ((خيرُ الناسِ مَن طال
عمُرُه وحسن عملُه)) (٢) .
وأخبرنا عبدُ اللهِ، حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ،
حدَّثنا علىُّ بنُ المدينىِّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ عَونٍ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُّ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((ألا أَخِرُكم بخيارٍكم؟)). قالوا: بلى. قال:
((أطولُكم أعمارًا، وأحسنُكم أعمالًاً))(١).
وأما قولُهُ وَّهِ: ((مثلُ الصلواتِ الخمسِ)). فحدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاکرٍ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنٍ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ ، قال :
حذَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عمرو بنِ عبدِ الخالقِ البزَّارُ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ
القبس
(١) أبو داود (٢٥٢٤). وأخرجه الطيالسى (١٢٨٧)، وابن أبى شيبة ٢٥٦/١٣، وأحمد ٤٧٦/٢٥،
٤٤٤/٢٩، ٤٤٥ (١٦٠٧٤، ١٧٩٢١، ١٧٩٢٣)، والنسائى (١٩٨٤) من طريق شعبة به .
(٢) أخرجه أحمد ٢٢٦/٢٩، ٢٤٠ (١٧٦٨٠، ١٧٦٩٨) من حديث عبد الله بن بسر المازنى.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٤/١٣، ٢٥٥، والبزار (١٩٧١ - كشف)، وابن حبان (٤٨٤)،
والبيهقى ٣٧١/٣ من طريق جعفر بن عون، وأخرجه أحمد ١٤٦/١٢، ١٢٩/١٥ (٧٢١٢،
٩٢٣٥)، وابن حبان (٢٩٨١) من طريق ابن إسحاق به .
٢٣١

الموطأ
التمهيد
جعفرٍ، ومحمدُ بنُ عبدِ الرحيم ، وإبراهيمُ بنُ زيادٍ ، قالوا: حدَّثنا يعقوبُ بنُ
إبراهيمَ بنِ سعدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ابنُ أخى الزهرىِّ، عن عمِّه ابنٍ
شهابٍ ، عن صالحِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبى فروةً ، أن عامرَ بنَ سعدِ بنِ أبی وقّاصٍ،
أخبره عن أبانِ بنِ عثمانَ، عن عثمانَ، أنه أخبره أنه سمِع رسولَ اللهِ وَلِّ يقولُ:
((أرأيتَ لو أن لأحدٍكم نهَرًا جاريًا ما بينَ منزلِه ومُعتمَلِه ويغتمِسُ (١) فيه كلّ يوم
خمسَ مراتٍ؛ هل كان يُقِى من دَرَنِه شيئًا؟)). قالوا: لا. قال: ((فكذلك
الصلواتُ الخمسُ))(٢) .
قال البزارُ: وهذا الحديثُ لا نعلَمُه يُروَى عن عثمانَ، عن النبيِّ وَلّ إلّا من
هذا الوجهِ عن عثمانَ، وقد رُوى عن غيرِ عثمانَ عن النبيِّ وَلَ، وهذا الحديثُ
أرفعُ حديثٍ فى هذا البابِ عن النبيِّ وَّةٍ .
قال أبو عمرَ : وقد حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ
ابنِ الفضلِ البغدادىُّ - يُعرفُ بابنِ المارستانىٌّ - قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباسِ
(٣)
ابنِ الفضلِ بنِ يونسَ الموصلىُّ ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُّ أحمدَ بنِ أبی
المثنَّى ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعدِ بنِ إبراهيمَ ، قال : حدَّثنا ابنُ أخى ابنٍ
شهابٍ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن عمِّه محمدِ بنِ مسلمٍ ، قال : أخبرنى صالح بنُ
القبس
(١) فى ر١، وإحدى نسخ البزار: ((ينغمس)).
(٢) البزار (٣٥٦). وأخرجه أحمد ٥٤١/١ (٥١٨)، وعبد بن حميد (٥٦ - منتخب )، وابن
ماجه (١٣٩٧) من طريق يعقوب بن إبراهيم به .
(٣) ليس فى: الأصل، ف، م. وينظر سير أعلام النبلاء ١٣٩/١٣.
٢٣٢

الموطأ
التمهيد
عبدِ اللهِ بنِ أبى فروةَ، أن عامرَ بنَ سعدِ بنِ أبى وقاصٍ حدَّثه أنه سمع أبانَ بنَ
عثمانَ يقولُ: قال عثمانُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقولُ: ((أرأيتَ لو كان بفناءٍ
أحدِكم نهرٌ يجرِى يغتسِلُ منه كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ، ماذا كان مُبقِيًّا() من
درَيِه؟)). قالوا: لا شىءَ. قال: ((فكذلك الصلواتُ الخمسُ، يُذهِبِنَ الذنوبَ
كما يُذهِبُ الماءُ الدَّرنَ » .
وأما حديثُ غيرِ عثمانَ فى هذا؛ فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال :
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا أبو قلابةً ، قال : حذَّثنا یحیی بنُ حمَّادٍ ، عن
أبى عوانةَ ، عن الأعمشِ، عن أبى سفيانَ، عن جابرٍ ، قال : سمِعتُ رسولَ اللهِ
وَ لَّ يقولُ: ((مَثَلُ الصلواتِ الخمسِ مثلُ رجلٍ ببابِهِ نهرٌ جارٍ يغتسلُ فيه كلّ يوم
خمسَ مراتٍ، فماذا يَبقَى من درَنِه؟))(١).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ ، عن
الأعمشِ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ قال: ((مَثَلُ الصلواتِ
الخمسِ كمثلٍ نهرٍ جارٍ على بابِ أحدِ كم يغتسلُ منه كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ)) (١).
القبس
(١) فى ف: ((منقيا))، وفى ر١: (يبقى)).
(٢) أخرجه ابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٩٠)، والطحاوى فى شرح المشكل (٤٩٦٤) من
طريق يحيى بن حماد به، وأخرجه أحمد ١٥/ ٣١١، ١٧٧/٢٢، ٣٠٠، ١٤٣/٢٣ (٩٥٠٥،
١٤٢٧٥، ١٤٤٠٨، ١٤٨٥٣)، والدارمى (١٢٢٠)، وابن حبان (١٧٢٥) من طريق الأعمش
به .
(٣) ابن أبى شيبة ٣٨٩/٢. وأخرجه أحمد ٤٣٣/١٥ (٩٦٩٢)، وابن نصر فى تعظيم قدر =
٢٣٣

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : اختُلِف على (١) الأعمشِ فى هذا الحديثِ؛ فمن أهلِ العلمِ
مَن لا يحتجُ بحديثه هذا مِن أجلٍ أبى سفيانَ ؛ طلحةَ بنِ نافع، فهو ضعيفٌ ،
ومنهم مَن يجعَلُهما إسنادين، وأصحُ إسنادٍ فى هذا إن شاء اللهُ ما حدَّثناه عبدُ اللهِ
ابنُّ محمدِ بنِ أسدٍ ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السكنِ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ يوسفَ ، قال: حدَّثنا البخارىُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ ، قال :
حذَّثنا ابنُ أبى حازم ، عن یزیدَ - یعنی ابنَ عبدِ اللهِ بنِ الهادِ - عن محمدِ بنِ
إبراهيمَ، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، أنه سمع رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((لو أن
نهَرًا ببابِ أحدِ كم يغتسلُ فيه كلَّ يومٍ خمسًا، ما تقولُ ذلك يُبقِى من درَنِه؟)).
قال: لا يُبقى من درنِه شيئًا. قال: ((فكذلك الصلواتُ الخمسُ يمحو اللهُ بها
(٢)
الخطايا))(٢).
وبلَغنى أن أبا زرعةَ الرازىَّ قال: خطَر ببالى تقصيرُ الناسِ وتقصيرى فى
الأعمالِ من النوافلِ والحجّ والصيامِ والجهادِ ، فكبُرَ ذلك فى قلبى ، فرأيتُ ليلةً
فيما يرَى النائمُ كأن آتيًا أتانى فضرَب بيدِه بينَ کتِفَیَّ ، وقال: قد أكثَرتَ فی
العبادة، وأىُّ عبادةٍ أفضلُ مِن الصلواتِ الخمسِ فى جماعةٍ !
القبس
= الصلاة (٩٣)، والطحاوى فى شرح المشكل (٤٩٦٧) من طريق محمد بن عبيد به.
(١) فى الأصل، ر ١، م: ((عن)).
(٢) البخارى (٥٢٨). وأخرجه البيهقى ٦٢/٣، ٦٣ من طريق إبراهيم بن حمزة به، وأخرجه
أحمد ٤٩٤/١٤، ٤٩٥ (٨٩٢٤، ٨٩٢٥)، ومسلم (٦٦٧)، والترمذى (٢٨٦٨)، والنسائى
(٤٦١) من طريق ابن الهاد به .
٢٣٤

٤٢٥ - وحدَّثنى عن مالكِ ، أنه بلغه أن عطاءَ بنَ يسارٍ كان إذا مرَّ الموطأ
عليه بعضُ مَن يَبيعُ فى المسجدِ ، دعاه فسأله : ما معك ؟ وما تريدُ ؟ فإن
أخبره أنه يريدُ أن يبيعَه، قال: عليك بسوقِ الدنيا، فإنما هذا سوقُ
الآخرةِ .
قال أبو عمرَ: لا مدخلَ للقول فى هذا البابِ ، إذ المعنى فيه واضحٌ لا التمهيد
اختلافَ فيه ، والحمدُ للهِ .
مالكٌ، عن عطاء بن يسارٍ ، أنه كان إذا مرّ عليه بعضُ مَن يبيعُ فى المسجدِ ، الاستذكار
دعاه فسأله : ما معك ؟ وما تريدُ ؟ فإن أخبره أنه يريدُ بيعَه ، قال : عليك بسوقٍ
الدنيا ، فإنما هذا سوقُ الآخرةِ (١) .
ففيه أن ذلك الزمانَ كان فيه من عوامٌ أهلِه مَن يبيعُ ويشترى فى المسجدِ ،
ولكنه كان فيه مَن ينكرُ ذلك، وكان عطاءُ بنُّ يسارٍ منهم ، ولا يزالُ الناسُ بخيرٍ
ما أُنكِر المنكرُ فيهم ولم يتَواطَئوا عليه، فإن تَوَاطَئوا عليه هلكوا. وكان عطاءُ بنُّ
يسارٍ فاضلًا قاضيًا واعظًا، مِن حَمَلةِ العلمِ ورواةِ الثقاتِ .
وأما قولُه فى المسجدِ : إنه سوقُ الآخرةِ. فمأخوذٌ مِن قولِه عزَّ وجلَّ:
﴿تِجَرَةَ لَّنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]. وهى أعمالُ البرّ الزاكيةِ، ولا عملَ أفضلُ
مِن الصلاةِ وانتظارِها ، ولزومِ المساجدِ مِن أجلِها .
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٨٠). وأخرجه أحمد فى الزهد ص٣١٧ من طريق مالك به .
٢٣٥

٤٢٦ - وحدَّثنى عن مالكِ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ الخطابِ بنَى رَحْبَةً
الموطأ
فى ناحيةِ المسجدِ تُسَمَّى البُطيْحاءَ، وقال: مَن كان يريدُ أن يَلغَطَ ، أو
يُنْشِدَ شعرًا، أو يرفَعَ صوتَه، فلْيخرُجْ إلى هذه الرَّحْبَةِ.
الاستذكار مطرُ بنُ محمدِ الأُسدىُّ الكوفىُ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ محمدِ الناقدُ ، قال :
حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُّ محمدٍ ، عن يزيدَ بنِ خُصيفةً ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ
ابنِ ثوبانَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((إذا رأيتم الرجلَ يبيعُ
ويشترِى فى المسجدِ ، فقولوا: لا أربحَ اللهُ تجارتَك. وإذا رأيتُم الرجلَ يَنشُدُ
الضالةَ فى المسجدِ ، فقولوا: لا رَدَّها اللهُ عليك))(١).
وقد ذكر اللهُ تعالى المساجدَ بأنها بيوتٌ أذِن اللهُ أن تُرفعَ ويُذكرَ فيها اسمُه وأن
يسبَّحَ له فيها بالغدوِّ والآصالِ؛ فلهذا يُنِيت، فينبغى أن تُنْزَّهَ عن كلِّ ما لم تُبْنَ له.
مالكٌ، أنه بلَغه أن عمرَ بنَ الخطابِ رضِى اللهُ عنه بنَى رَحْبةً فى ناحيةٍ
المسجدِ تسمّى البُطيحاءَ، وقال: مَن كان يريدُ أن يَلْغَطَ ، أَو يُنشِدَ شعرًا ، أو يرفعَ
صوتَه، فلْيخرج إلى هذه الرَّحْبةِ .
هذا الخبرُ عندَ القعنبيِّ ، ومطرفٍ ، وأبى المصعبِ ، عن مالكٍ، عن أبى
النضرِ ، عن سالم بن عبدِ اللهِ ، عن ابن عمر ، أن عمر بن الخطابِ بنی رحبةً فی
المسجدِ. الحديث (١). ورواه طائفةٌ كما رواه يحيى .
القبس
(١) أخرجه الدارمى (١٤٤١)، والترمذى (١٣٢١)، والنسائى فى الكبرى (١٠٠٠٤)، وابن
خزيمة (١٣٠٥) من طريق عبد العزيز به .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٨١). وأخرجه البيهقى ١٠٣/١٠ من طريق مالك به، =
٢٣٦

الموطأ
قد عارَض هذا الخبرَ بعضُ الناسِ بحديثٍ أبى هريرةَ ، أن حسانَ بنَ ثابتٍ الاستذكار
لمَّا أَنكَر عليه عمرُ إنشادَه الشعرَ فى المسجدِ ، قال: قد كنتُ أَنْشِدُ فيه، وفيه
مَن هو خيرٌ منك. فسكَت عمرُ(١). وهذا محملُه عندى أن يكونَ الشعرُ
الذى يُنشَدُ فى المسجدِ ما ليس فيه منكرٌ مِن القولِ ولا زورٌ، وحسبُك وما
يُنْشَدُه رسولُ اللهِ وَهِ. وأما ما كان فيه مِن الفخرِ بالآباءِ الكفارِ، والتشبيبِ
بالنساءِ ) وذكرِهن على رءوسٍ الملاَّ، أو شعرٍ يكونُ فيه شىءٌ مِن الخَنَا، فهذا
كلُّه لا يجوزُ فى المسجدِ ولا فى غيرِهِ، والمسجدُ أولى بالتنزيهِ مِن غيرِهِ .
والشعرُ كلامٌ موزونٌ؛ فحسنُه حسنٌ، وقبيحُه قبيحٌ، وقبيحُه لا يَزِيدُه الوزنُ
معنّى. وقد قال ◌َله: ((إن مِن الشعرِ لحِكْمةً))(٣).
ورَوى الليثُ بنُ سعدٍ ، قال : حدَّثنی ابنُ عَجْلانَ ، عن عمرو بن شعيبٍ ،
عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ وَِّ، أنه نهَى أن تُتناشدَ الأشعارُ فى المسجدِ ،
وعن البيعِ والشراءِ فى المسجدِ. ذكره أبو داودَ وغيرُه(٤).
القبس
= وعندهما: ((عن سالم أن عمر )).
(١) أخرجه أحمد ٢٦٧/٣٦ (٢١٩٣٦)، والبخارى (٣٢١٢)، ومسلم (٢٤٨٥)، وأبو داود
(٥٠١٤)، والنسائى (٧١٥).
(٢) التشبيب : ترقيق أوله بذكر النساء. التاج (ش ب ب).
(٣) أخرجه أحمد ٦٣/٢٥ (١٥٧٨٦)، والبخارى (٦١٤٥)، وأبو داود (٥٠١٠)، وابن ماجه
(٣٧٥٥) من حديث أبى بن كعب .
(٤) أخرجه الترمذى (٣٢٢)، والنسائى (٧١٤) من طريق الليث به، وأخرجه أحمد ٢٥٧/١١
(٦٦٧٦)، وأبو داود (١٠٧٩)، والنسائى (٧١٣)، وابن ماجه (٧٤٩)، وابن خزيمة (١٣٠٤) من
طريق ابن عجلان به .
٢٣٧

الموطأ
الاستذ کار
حدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنا الليثُ . فذكره
بإسنادِهِ. وعلى ما ذكرنا ترتيبُ الآثارِ فى إنشادِ الأشعارِ فى المسجدِ ، وباللهِ
توفيقُنا، إلا أن الشعرَ وإن كان حسنًا، فلا ينبغى أن يكونَ إنشادُه فى
المسجدِ إِلا غِبًّا)؛ لأن إنشادَ حسانَ كان كذلك، وأما الشعر القبيح وما
لا حكمةَ فيه ولا علمَ، فينبغى أن تُنَّهَ المساجدُ عن إنشادِه فيها، والقولُ
فى رفعِ الصوتِ بغيرِ التلاوةِ وما يفيدُ علمَ الدينِ، وفى "اللَّغَطِ كلِّه٢)
كالقولِ فى إنشادِ الشعرِ الذى لا خيرَ فيه .
القبس
(١) يعنى الحين بعد الحين. ينظر الوسيط (غ ب ب).
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((اللفظ)).
٢٣٨

التمهيد
الموطأ
جامعُ الترغيبِ فى الصلاةِ
القبس
حديثُ ابنِ عمرَ: كان النبيُّ وَهِ يُصَلِّى قبلَ الظهرِ ركعتَين وبعدها ركعتَين.
الحديثَ(١). رُوى عن النبيِّ ◌َّهِ فى النافلةِ آثارٌ كثيرةٌ قولاً وفعلاً ، أَشهَرُها اثنتا عشْرَةَ
ركعةٌ فى كلِّ يومٍ؛ أربعٌ قبلَ الظهرِ، وركعتان بعدَها، وركعتان قبلَ العصرِ(١)،
وركعتان بعدَ المغربِ فى بيتِه، وركعتان بعد العشاءِ. واختلَف الناسُ فى تخصيصِه
الركعتين بعدَ المغربِ فى البيتِ"؛ فقيل: لأنها من صلاةِ الليلِ، وصلاةُ الليلِ
مخصوصةٌ بالبيتِ . وقيل : إنما كان ينصرِفُ إلى فِطْرِهِ، وَتَقْدِيمُ الفِطْرِ أفضلُ مِن صلاةٍ
النافلةِ . وقيل : إنما كان يَنْصِرِفُ لينصرِفَ أصحابُه إلى عَشائِهم وراحتهم ؛ لأنه كان
يَشُقُّ عليهم أن يتركوه فى المسجدِ ويذهَبوا عنه. وقيل: إنما كان يَنْصِرِفُ إلى بيتِه
ويَخُصُّه بالصلاةِ فيه فى ذلك الوقتِ ؛ لأنه الوقتُ الذى قال اللهُ تعالى فيه : ﴿نَتَجَافَى
جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]. فكان يُحِبُّ أن يجعَلَ مِن صلاتِه فى
مَضْجِعِه فى ذلك الوقتِ ، وكذلك الركعتان بعدَ الجمعةِ كان يُصلِّيهما فى بيتِه .
وكذلك قال علماؤنا: يُصَلِّى الإمامُ يومَ الجمعةِ الركعتَين فى بيتِه. فأما المأمومُ،
فيصلِيهما فى بيتِه أو حيثُ شاء، فإن صَلَّهما فى المسجدِ فلا يُصَلِّها ، وهى الفضيلةُ
فى كلِّ صلاةٍ ، أَلَّا تُوصَلَ بنافلةٍ بعدَها حتى يقطعَ ما بينَهما بعملٍ أو كلامٍ، وقد روى
الأَشْعَشِىُّ، أن النبىّ وَّهِ سلَّم مِن صلاةٍ، فقام رجلٌ يُصلِّى، فجذَبه عمرُ بنُ الخطابِ
وقال له: لا تُوصِلْ صلاةٌ بصلاةٍ. فقال النبيُّ وَ لَهَ: ((أصاب اللهُ بك يابنَ
(١) تقدم فى الموطأ (٤٠١).
(٢) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: ((الفجر)).
(٣ - ٣) فى ج، م: ((بالبيت)).
٢٣٩

الموطأ
التمهید
القبس
الخطابِ)) (١) . وهذا مما وافَق فيه عمرُ ربَّه فلْيُلْحَقْ به. فهذه أصولُ النوافلِ، فمَن
الْمُسْتَكِرُ ومَن المستقِلُّ؟ فلو ترك رجلٌ النوافلَ كلَّها واقتصر على الفرائضِ، ماذا يقالُ
له؟ قلنا: يقالُ له: أفلَعَ إن صدَق. لأنه قال له: هل علىَّ غيرُهن؟ قال: ((لا، إلَّا أن
تَطََّّعَ)) الحديث .
وهذا كلامٌ صحيح ، لكن فيه نُكْتَتَانِ؛ إحداهما، أن الفريضةَ رأسُ المالِ والنافلةً
رِبْحٌ، ولا يَصونُ رأسَ المالِ عن العَوارضِ إلا الربح. الثانيةُ، أن النبيَّ وَلّه إنما قال له
ذلك؛ لأنه كان أوَّلَ ما أسلَم، فأراد أن يَطْمَئِنَّ فؤادُه عليها، وبعدَ ذلك يفعلُ هو
سِواها مما يظهَرُ مِن تَرْغيبِ الإسلامِ .
قال أهلُ الإشارةِ : لا يُمُ الرجلُ القيامَ بالفريضةِ، حتى تكونَ له نافلةٌ ؛ لأنه إذا
أكثَر مِن النوافلِ جاء إلى الفريضةِ مُطْمئِنَّ القلبِ، نشيطَ الجَوارحِ، مَقْبوضَ القلبِ عن
الخَواطرِ، فتكونُ الصلاةُ له محفوظةً مِن أَوَّلِها، وإذا خرَج إلى الفريضةِ مِن الغفلةِ وابتَدَأ
بها ، لم يَطْمَئنَّ فؤادُه، ولا كمُل نشاطُه إلَّا فى آخرِها، فلا يَسْتَوى أوَّلُها وآخِرُها .
عارضةٌ : كنتُ بالمسجدِ الأقصى، طَهَّره اللهُ تعالى، حتى جاء إلى الحَلْقةِ
رجلان ، فقال أحدُهما: كنتُ ألعَبُ مع هذا بالشاهِ(١) ، فلما تَوسَّطْنا فى الدَّسْتِ(٢)،
(١) أبو داود (١٠٠٧).
(٢) الشاه: الأحجار المستعملة فى رقعة الشطرنج. ينظر التاج (ش وهـ)، والمعجم الذهبى
ص٣٦٣، ٣٦٤.
(٣) الدست : اللعبة . يقولون لمن غلب: تم عليه الدست . وهو دست القمار. يقال : فلان حسن
الدست : شطرنجى حاذق . التاج (د س ت) .
٢٤٠